التخطي إلى المحتوى الرئيسي

افتتاحية

استدعت حاجة المعماريين والتشكيليين والحرفيين في ليبيا إلى منبر إعلامي ملتزم بقضايا المجتمع يتم من خلاله تواصلهم اليومي مع شرائحه المختلفة، إلى إطلالة هذه الصفحات النقدية، لترسيخ عدة قيم قد يكون مفهومها غائبا عن بعضنا وقد تحمل معاني مختلفة عند البعض الآخر، ولكننا نتفق مع الكثيرين حولها. ولا بأس من تكرار طرحها بمقتضى الضرورة القصوى إلى إعادة التذكير بما نكون قد نسيناه أو تناسيناه في زحمة السعي وراء فضاء يأوينا بعد أن هجرنا ألفة بيت العائلة الحميمة، ونحن نتطلع إلى البدائل المستوردة وهي تغتال فينا كل يوم إحساسنا بكل ما هو أصيل وجميل.

قيمة أخرى تعيد طرحها هذه المدونة على مائدة الحوار بين أصحاب المهنة الواحدة تحديدا وبين أفراد المجتمع على وجه العموم، وهي احترام الرأي الآخر والتفاعل معه على أساس أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى الارتقاء بالعمل الإبداعي" المعماري والتشكيلي والحرفي" إلى مرحلة التفاعل مع هموم واحتياجات المجتمع والتعبير عن تطلعاته إلى حياة أكثر استقرارا وإنتاجية.

وأخيرا هي صفحات تهدف إلى تصحيح مفهوم العالمية في أذهان المبدعين المحليين، وذلك من خلال تسليط الضوء على حقيقة مرامي الدعاة إليها أو المنساقين وراءها. وكي لا تشكل العالمية هاجسنا الأول الذي يدفع بنا إلى أن نرمي باحترامنا لذواتنا خلف ظهورنا جريا وراء سراب اسمه تفوق الآخر.

في سوق الرباع... كانت لنا أيام



الأستاذ/ محمد طرنيش*


سوق الربع ,, بضم الراء ،، أو الرباع وهي جمع الرباع وكلا التسميتين صحيحة ، يعتبر من أقدم وأشهر الأسواق لا في طرابلس وحدها أو في ليبيا فحسب بل في عديد من الأقطار العربية، وقد تعدت شهرته خارج الوطن لأسباب عدة ؛ فهو يقع وسط عدد من الأسواق المتداخلة بجانبه ،، وتطل عليه،كما أنه على بعد أمتار قليلة من السرايا الحمراء ، وهي أقدم القلاع الموجودة في ليبيا والوطن العربي ، يضاف إلى ذلك طريقة البناء المعماري للسوق ،ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن من يزور طرابلس دون أن يشاهد سوق الرباع كأنه لم يزورها ، لذا نجد أن العديد من السائحين أو من الزائرين في مهام رسمية أو من الوافدين إلى ليبيا لغرض العمل يحرصون على زيارة القلعة ثم الأسواق المجاورة لها وبالطبع سيكون أحدها سوق الرباع .

يجمع أغلب المصادر التاريخية بأن سوق الرباع قد تم بناؤه في عهد الوالي عثمان باشا الساقزلي الذي تولى حكم طرابلس خلال الفترة من عام 1649 حتى العام 1673 م ، معنى ذلك أن فترة حكم هذا الوالي استمرت أربع وعشرين سنة وهي المدة التي تم فيها بناء هذا السوق ؛ فالمصادر التاريخية لم توضح السنة التي تم تشييده فيها ، وإن كانت تلك المصادر تصف تلك الفترة بالازدهار العمراني في مدينة طرابلس ؛ فخلالها تم بناء عدد من الأسواق والفنادق والمساجد والمدارس القرآنية والتي من أشهرها مدرسة عثمان باشا الواقعة بالقرب من جامع درغوث باشا بالمدينة القديمة والتي كان لها دورها التاريخي والعلمي في تخريج دفعات من كبار العلماء في مختلف المجالات الشرعية والفقهية واللغوية .

لاشك في أن الطريقة الهندسية التي تم بها بناء سوق الرباع تضيف عليه الكثير من الجماليات التي زاد اهتمام الناس بها مع مرور الزمن ؛ فهو أول سوق يتم تشييده في مدينة طرابلس بطريقة تغطية الأسقف بشكل كامل ، كما أنه مشيد على طريقة حرف (H )، وهو أول سوق بهذا الاتساع وبهذه المساحة ، فهو يضم حوالى (131 ) محلاً تجارياً، وبه سبعة أبواب ومداخل ، خمسة من خارجه تطل على أسواق جانبية أخرى ، ومدخلان آخران يطلان عليه من داخل مسجد أحمد باشا الذي تم بناؤه بعد السوق بأكثر من ستين عاماً ، أما الخمسة الأبواب والمداخل الرئيسية الأخرى فهي :
الأول ، يتوسط سوق المشير . والثاني ، يطل على سوق (الفرامل )في اتجاه سوق الترك . والثالث ،مقابل للمدخل الأوسط لجامع الناقة . والرابع مقابل زقاق وسوق الحلقة . أما الخامس فيتوسط سوق الصياغة . أما محلاته وحوانيته التجارية فهي متقابلة يفصل بينها ممر بطول السوق لحركة المشاة بين المحلات ، كما تتلاصق المساطب الطويلة الممتدة من داخل المحلات إلى خارجه بطول السوق وعلى امتداده وهي لجلوس أصحاب المحلات في الداخل أما في الخارج فهي للزبائن والمترددين على السوق ، كما يوجد في بعض مداخله عدد من المقاهي تقوم بتقديم خدماتها إلى أصحاب المحلات ، فيكتفي مثلاً لصاحب المحل أن يخرج رأسه من محله صائحاً على صبي المقهى الذي ولتجربته وخبرته يستطيع معرفة الصوت ومصدره فيتّجه رأساً إلى صاحبه مسرعاً "بصفرة النحاس" المملوءة بفناجين القهوة وكؤوس الشاي بالنعناع والمليء بعضها إلي حافته باللوز أو الكاكاوية فيختار الزبون منها ما يريد.

سوق الرباع مجتمع غريب وعالم قائم بذاته ونظام تكويني خاص فهو ينفرد علي بقية السواق بعادات وتقاليد وطقوس قد لا يستطيع فهمها أو تفسيرها سوي من عاش فيه ، وعايش حركته التجارية والاجتماعية ، ولقد كان من قدري أن أعيش حركة هذه السوق ردحاً من الزمن مصاحباً لوالدي رحمه الله الذي كان أحد تُجاره لفترة تزيد على نصف قرن من الزمن .. وتأتي غرابة هذا العالم الذي يضجّ بالحركة والنشاط اليومي من نوعية التجارة التي يمارسها منذ تأسيسه إلى يومنا هذا ، وهي تجارة الملابس والمنسوجات والمطرزات الوطنية فقط ، حتى إنه كان يطلق عليه اسم " سوق العرب " لتميّزه عن بقية الأسواق التي تمارس تجارة تخص ّ الجاليات الأجنبية الأخرى التي كانت تعيش في مدينة طرابلس ، ولم تفلح وعلى مر الزمن كل المحاولات لتغيير واستبدال نشاطه التجاري ، فهو بذلك السوق الوحيد الذي حافظ على هويته التجارية وتخصّصه من بين الأسواق جميعها التي أصابها التغيير والاستبدال تبعاً للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت علي المجتمع الليبي .

أمين السوق أو شيخ التجار كما يُعرف في المشرق العربي كان يتم تكليفه واختياره في سنوات قديمة من قبل الدولة ، أما الآن فإن تصعيده يتم شعبياً ، وتُراعى في الاختيار قديماً أو حديثاً شروط لا بد من توافرها فيمن يحمل هذه الصفة من بينها ، الصلاح والتقوى ، ومنهجه العميق لنوعية هذا السوق ومعرفته الكاملة بالبضائع ، وقدرته الفائقة على اكتشاف التلاعب أو التزوير الصناعي والحرفي ، كما يعزَِِّز مركزه بالصدق والأمانة وعدم التحيز في التقاضي بين المتخاصمين من أصحاب المحلات ، أو بينهم وبين أجهزة الدولة مثل الأوقاف والضرائب والحرس البلدي وغيرها ؛ كما أن من مهامه إجراء الاختبارات المهنية للراغبين في العمل بما يعرف " بالدِّلالة " والدَّلاَّل هو السمسار أو الوسيط الذي تنحصر مهمته في إتمام عملية البيع بين الصانع أو الحرفي وبين صاحب المحل المشتري وذلك مقابل نسبة معيَّنة يتقاضاها في مقابل عمله هذا ، وهناك جوانب تجارية واجتماعية أخرى تتعلق بمهام أمين السوق لا يتَّسع المجال لذكرها.

سوق الرباع ساهم مساهمة فعَّالة في دعم الكثير من المناسبات الدينية والوطنية ، ويعود الفضل إلى العديد من تجَّاره في تأسيس ودعم المشاريع والأعمال الإنسانية ؛ فبعضهم كان يدعم دعماً متواصلاً مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية ، وجمعيات العمل الخيري التي كان لها دورها المهم في رعاية الأرامل والأيتام ، أما جمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها فهي عادة متأصِّلة من عادات السوق السنوية ، وقد وصل الأمر ببعض التجار إلى رعاية الكثير من الأسر المحتاجة ممن لا يقدر أهلها على ممارسة التسّول ، فكانت لهم معونات أسبوعية ثابتة ، يأتون لاستلامها بطريقة خاصة لا يعلم بها أحد ، وفي هذا الجانب كان التجار يتسابقون لفعل مثل هذه الأعمال الخيرية التي تحفظ للمحتاج ماء وجهه وتمنعه من ذل السؤال ومضايقة الناس ، أما موقف سوق الرباع في دعم حركة التحرير الجزائرية والقضية الفلسطينية والمواقف الإنسانية الأخرى التي تتعلق بالأقطار العربية ، فهذا أمر لم يتعرض له أحد من الباحثين حتى الآن ، وأصبح مع الوقت نسياً منسياً ، فلم يأخذ هذا السوق ودوره الاجتماعي والنضالي حقه من البحث والدراسة ، ولكن حسب تجَّاره إنهم يفعلون ذلك لوجه الله تعالى ، وهذا ما حدث معي فعلاً عندما خطر على بالي الكتابة عن أحد تجّار هذا السوق ممن كان لهم دورهم البارز في مجالات الخير والإحسان والدعم النضالي وعند زيارته في بيته لمحاورته اعتذر بأدب وتواضع قائلاً :ـ " إننا فعلنا لوجه الله ولأبناء وطننا من الليبيين أو العرب الأشقّاء لا نريد شهرة ولا دعاية لأنفسنا ". وقد استمر على موقفه الرافض للحديث معي في هذا الجانب إلى أن توفي عليه رحمة الله.

يبتدئ النشاط التجاري الفعلي اليومي عند الساعة الحادية عشر صباحاً ما عدا يوم الثلاثاء ، فيقف أمين الصنعة وهو كبير " الدلاَّلة " على مكان عالٍ نسبياً يقع في منتصف السوق بجوار المدخل الفرعي من جهة جامع أحمد باشا ويصيح بصوته الجهوري ويفتتح اليوم التجاري بعبارة يردِّدها أمناء الصنعة منذ زمن طويل يومياً بقوله :ـ
" الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين .. من باع يربح .. ومن شري يربح .. ومن يصلّي على النبي يربح .." وهي الإذن بانطلاق أعمال البيع والشراء عن طريق الدِّلالة فيقوم الدِّلال باستلام البضاعة من صاحب المحل أو الحرفي ثم يدور بها على أصحاب المحلات فيتم فحصها ومعاينتها ثم تقدير ثمنها . وهذه الطريقة أيضاً لهل نظامها وقوانينها التي تراكمت وتواصلت منذ سنوات طويلة ، فالدّلال مثلاً ملزم بمراجعة صاحب المحل الذي استفتح البيع بتقدير سعر البضاعة منذ بداية اليوم ، كما أن الأخير ملزم بشرائها إذا كان هو زائد سعرها الأخير أو يقول للدَّلاَّل عبارة " إن شاء الله يربح " وهي الإذن والعلم بعدم رغبته في تواصل المزيد من تدرّج سعرها ، وبالتالي يعود الدَّلاَّل إلى صاحب الرقم الأخير في زيادتها ليسلّمه إياها قابضاً منه ثمنها عائداً إلى صاحبها الذي يستلم المبلغ ويدفع أتعاب الّدَلاَّل فوراً من قيمة البضاعة المباعة.

إن تجار هذا السوق كانوا يتعاملون كأفراد أسرة واحدة ؛ فرغم تلاصق حوانيتهم ، وتوّحد نوعية تجارتهم فهم لا يسارعون إلى استقطاب زبائنهم من بعضهم البعض ، كما أن الأمانة والصدق في التعامل قد وصلا إلى منتهاهما فتكفي الكلمة استعاضة عن كتابة السندات ، كما أن وضع قطعة من القماش أو المتر الخشبي أو عصا مكنسة بشكل عـَرضي في مدخل المحل تكفي للدلالة على أن صاحبه سيعود حالاً إما من الصلاة أو من قضاء حاجة ، أما في أوقات الصلاة فالكثير منهم يسارع إلى صلاة الجماعة تاركاً دكانه مفتوحاً.
ومن الطرائف التي أذكرها أن عدداً من التجار كانوا يقرأون الصحف ويتابعون الأخبار ، وكانوا يتبادلون الصحف في ما بينهم ، فيشتري أحدهم صحيفة معينة ، ويشتري أخر غيرها ، ويشتري ثالث غيرها ، وما أن ينتهي اليوم حتى يكون الواحد منهم قد اطّلع على عدد من الصحف وهو لم يدفع سوى ثمن صحيفة واحدة ، وكان بعضهم يهتم بقراءة الكتب وإن كانوا في أغلبهم يقرأون كتب التفسير وعلوم الحديث الشريف والفقه ، ومن الطرائف كذلك أن عدداً من الشيوخ والعلماء ممن كانوا يلقون الدروس والمواعظ بالمساجد المجاورة والقريبة من السوق كجامع أحمد باشا وجامع الناقة وجامع شائب العين كانوا يترددون على السوق ويتّخذون بعض المساطب أمام بعض الدكاكين أمكنة لجلوسهم وتبادل أحاديثهم ومسامرتهم فتتحول جلساتهم العفوية اليومية إلى حلقات علم ومعرفة تعود بالفائدة على المحيطين بهم من عامة الناس .

سوق الرباع عالم عجيب ، ومجتمع فريد ربما لن نتمكّن عبر هذه المساحة من الإحاطة به من كافة جوانبه المختلفة والمتعددة ، ولكن حسبي هنا مجرد فتح نافذة لشهية الباحثين الشباب ممن يهتمون بتاريخنا التجاري والاجتماعي والإنساني الذي يحتاج منا بذل الكثير من الجهد لنفض الغبار عنه ، والعمل على بحثه ودراسته وهي الأمانة التي نتحمّل وزرها أمام أجيالنا المقبلة .


* كاتب وصحفي ليبي

المصدر/ مجلة مربعات، العدد 01 ، صيف 2007         

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محطات في السيرة الذاتية

الاسم : جمال الهمالي اللافي تاريخ الميلاد: الأحد غرة محرم 1377 هـ الموافق 28/7/1957 م. المؤهل العلمي: دراسة العمارة والتخطيط العمراني- بكلية الهندسة/ جامعة طرابلس.
الخبرة العملية/ -2012- مع بداية السنة وحتى شهر اكتوبر من نفس السنة. -ولمدة عشرة أشهر، كمنسق للجنة المستشارين ومستشار متعاون في مجالات الحفاظ على المدن التاريخية وطرق إدارتها- بجهاز إدارة المدن التاريخية. تم بعدها تقديم الاستقالة، لعدم وضوح برنامج عمل الجهاز وافتقاره للمصداقية والالتزام المهني من قبل القائمين على إدارته. والعودة بعدها للعمل الحر كمصمم ومشرف على تنفيذ المباني التي يصممها. -مدير إدارة المشروعات الهندسية- بشركة ميراث ليبيا للمقاولات والاستثمار العقاري.
2007- 2012- العمل الحر كمصمم ومشرف على تنفيذ المباني السكنية الخاصة. 2004- 2007 المدير العام ومصمم ومشرف على تنفيذ المباني بمكتب« المدرسة الليبية للعمارة والفنون» - مهندسون استشاريون. 2001- 2004 مصمم معماري ومشرف على تنفيذ المباني بمكتب« أبعاد»- مهندسون استشاريون. 1993- 1995 مصمم معماري بمكتب« الميراث للمعمار» - مكتب هندسي. 1990- 2001 باحث معماري ورئيس قسم الشؤون الثقافية …

التهوية الطبيعية في المباني

م/ آمنه العجيلى تنتوش

المقدمة تتوقف الراحة الفسيولوجية للإنسان على الثأتير الشامل لعدة عوامل ومنها العوامل المناخية مثل درجة الحرارة والرطوبة وحركة الهواء والإشعاع الشمسي . وللتهوية داخل المبنى أهمية كبيرة وتعتبر إحدى العناصر الرئيسية في المناخ ونق الانطلاق في تصميم المباني وارتباطها المباشر معها فالتهوية والتبريد الطبيعيين مهمان ودورهما كبير في تخفيف وطأة الحر ودرجات الحرارة الشديدة ، بل هما المخرج الرئيسي لأزمة الاستهلاك في الطاقة إلى حد كبير لأن أزمة الاستهلاك في الطاقة مردها التكييف الميكانيكي والاعتماد عليه كبير والذي نريده فراغات تتفاعل مع هذه المتغيرات المناخية أي نريد أن نلمس نسمة هواء الصيف العليلة تنساب في دورنا ومبانينا ونريد الاستفادة من الهواء وتحريكه داخل بيئتنا المشيدة لإزاحة التراكم الحراري وتعويضه بزخات من التيارات الهوائية المتحركة المنعشة . فكل شي طبيعي عادة جميل وتتقبله النفس وترتاح له فضلا عن مزاياه الوظيفية . وعلى المعماري كمبدأ منطقي عام البدء بتوفير الراحة طبيعياً ومعمارياً كلما أمكن ذلك ومن تم استكملها بالوسائل الصناعية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الراحة مقتصداً في اس…

التخطيط العمراني والمرحلة الانتقالية في ليبيا

د. أحمد محمد الحضيري

"مقال يحمل بعض المقترحات بشأن التخطيط العمراني في ليبيا خلال الفترة الانتقالية، أضعه بين أيديكم، لعله يطرح قضية قابلة للنقاش".

إن التخطيط العمراني عملية متواصلة مع نمو السكان وتطور العمران، فلا ينبغي أن تتوقف عند مرحلة معينة أو تعلق إلى حين. وما ظهور العشوائيات في المدن والتعديات على المخططات إلا بسبب عدم مواكبة التخطيط للنمو العمراني الحادث فيها. وعندما أقول التخطيط العمراني فإنما أقصد العملية المتكاملة بدءاً من الجوانب القانونية والدراسات التمهيدية وعمليات إعداد المخططات العامة والتفصيلية والتصاميم المعمارية إلى الإجراءات التنفيذية والرقابية والمتابعة وضبط وحماية المخططات. إن الفترة الانتقالية التي تشهدها ليبيا في الوقت الراهن ما هي إلا فترة ممهدة لما بعدها، وهي فترة ليست بالقليلة على الرغم من محدوديتها. وفي ظل الاهتمام بالملفات العاجلة قد يتعرض التخطيط العمراني إلى عدم الاهتمام على اعتبار أن معظم قضاياه مستقبلية وغير عاجلة، وبذلك وجب التذكير بأن التخطيط العمراني يشمل النشاط العمراني اليومي سواء بالنسبة للأفراد أو للمؤسسات والهيئات، ونحن نحتاج إلى الانتبا…

من مدن جبل نفوسة

فرسطاء*

الأستاذ/ سعيد علي حامد
الزائر أو الدارس للتجمعات الاستيطانية في منطقة جبل نفوسة يلاحظ التشابه والتماثل في مواقع قراه ومدنه وفي خصائص معمارها حيث أن جميعها تقع على منحدرات التلال وشعب محصنة ومحصورة بين أودية. وجميع هذه التجمعات تحتمي بالظروف الطبيعية للمنطقة وتتشابه في مظهرها وأسلوب بنائها والمواد المستخدمة ونمط معيشة أهلها.
فرسطاء، قرية من قرى جبل نفوسة تقع إلى الغرب من طمزين، ويمكن الوصول إليها من مدينة كاباو التي تبعد عنها بنحو 6كيلومترات،في حينتبعد عن طرابلس في اتجاه الجنوب الغربي بنحو 240 كلم. ويمكن الوصول إليها بواسطة الطريق المعبد طرابلس، العزيزية، تيجي ويتفرع منه طريق نحو اليسار صاعدا الجبل وبعد نحو 13 كم يتفرع طريق نحو اليسار ينتهي بعد 4 كم. ليترجل الزائر سالكا طريقا صخريا منحدرا نحو الوادي فتظهر فرسطاء أمامه وقد انتشرت أطلالها على سفح جبل يمتد أسفله وادي واسع خصب هو وادي طمزين في حين يكتنفها سهل الجفارة من الشمال.
يستمد أهل فرسطاء الماء من عين تجري في ذلك الوادي  المليء بأشجار النخيل الزيتون ويزرع الأهالي في الأراضي المحيطة به الحبوب والبقوليات وغيرها.
أنجبت فرسطاء العدي…

المعلم/ علي سعيد قانة

موسوعة الفن التشكيلي في ليبيا 1936- 2006





جمال الهمالي اللافي

الفنان التشكيلي" علي سعيد قانة" هو أبرز الفنانين التشكيليين الذين عرفتهم الساحة التشكيلية في ليبيا... انخرط في هذا المجال منذ نحو أربعة عقود. ولد بمدينة طرابلس الموافق 6/6/1936 ف ترعرع في منطقة سيدي سالم (باب البحر) بمدينة طرابلس القديمة.والتحق بأكاديمية الفنون الجميلة بروما- إيطاليا سنة 1957 وتخصص في مجال النحت بمدرسة سان جاكومو للفنون الزخرفية، كما حرص خلال وجوده في روما على دعم قدراته الفنية من خلال دورات تخصصية في مجال الرسم الحر والطباعة والسباكة وبرز في هذه المجالات جميعا.•

التحق عند عودته إلى ارض الوطن بمعهد للمعلمين ( ابن منظور ) للتدريس سنة 1964ف• انتقل للتدريس بكلية التربية جامعة الفاتح سنة1973 ف• انضم إلى كلية الهندسة/ جامعة الفاتح بقسم العمارة والتخطيط العمراني سنة 1974- وتولى تدريس أسس التصميم و الرسم الحر لغاية تقاعده سنة 2001 ف• عمل مستشارا للشئون الفنية بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة.


مساهماته الفنية/
اقتنى متحف مدينة باري للفنون بإيطاليا لوحتين من أعماله الفنية.•
شارك في العديد من المعارض الفنية ف…

حول النمط المعماري والهوية المعمارية

صور من المشهد المعماري للمدن الليبية


د. رمضان الطاهر أبو القاسم*

تقديم/ شكلت الهوية عبر التاريخ احد الاحتياجات الرئيسة للإنسان وبتالي لوجوده علي سطح الأرض. في العمارة, استحوذت الهوية علي اهتمامات الكثيرين، غير إن جدل النقاد حول هذه الظاهرة ربط فكرة الهوية العمرانية بالعمارة التقليدية القديمة. ويستند هؤلاء النقاد في ذلك علي إن هذه العمائر التقليدية أظهرت نمطا معماريا متميزا ارتبط بالزمن والمكان الذي ظهر فيه وعكس إمكانيات محدودة للتطوير والتجديد.
الهوية المعمارية يمكن رؤيتها كنتاج معماري لإبداعات فنية، يحاول المعماري والمخطط من خلالها صياغة علاقته بالمحيط والموارد المتاحة وذاكراته ببعده التاريخي والحضاري والبيئي.                                                             خلال القرن العشرين، حاول رواد العمارة الحديثة نبذ الماضي والتنصل منه وتبني نموذج الإنتاج الصناعي المجمّع (mass production) في مقترحاتهم التخطيطية والعمرانية مما تسبب في تجريد أعمالهم المعمارية من كثير من أبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية العريقة وتحميل هذه الأعمال مفاهيم ودلالات رمزية " جديدة " ومحدودة الم…

البيئة والعمارة المحلية

دراسة تحليلية لمدينة درنة القديمة


م. غادة خالد الماجري

مقدمة/ اهتم الانسان منذ بدأ الخليفة بأعداد المكان الذي يوفر له الحماية من الظروف المناخية المتقلبة المحيطة به كمحاولة منه لخلق البيئة المحدودة الملائمة لتأدية كافة نشاطاته وقد تطورت هذه المحاولات من البدائية التلقائية وتقليد الطبيعة الي التعايش وتفهم الظواهر المناخية المحيطة ومحاولة التكيف معها باستخدام مواد البناء المتاحة بعد التعرف علي خصائصها وايضاً باستخدام وسائل واساليب بسيطة لا دخل للآلة او الطاقة الصناعية فيها تعالج الظروف المناخية طبيعياً لخلق الجو الملائم في الفراغ الداخلي . وفي هذه الدراسة سنتطرق الي تأثير العوامل البيئة الحضارية في تكوين النسيج الحضري في مدينة درنة والاساليب التي اتبعها الانسان الدرناوي للتكيف مع الظروف البيئية والمناخية لمدينة درنة. لمحه عن مدينة درنة/ موقعها وتسميتها / الموقع الجغرافي :
تقع مدينه درنة علي شاطئ البحر الابيض المتوسط وعلي خط عرض 32 شمالاً وخط طول 22 شرقاً يحدها شمالاً البحر المتوسط وجنوباً الجبل الاخضر ويمتد الطريق البري الساحلي ليربطها ببقية مناطق اقليم الجبل الاخضر من الشرق والغرب . شكل ( 1 ) م…

جماليات المكان*

قراءة في صور مختارة من عمارة البحر الأبيض المتوسط

جمال الهمالي اللافي


" أنا لا أريد أن يحاط منزلي بجدار من كل ناحية، وأن تكون نوافذي مسدودة.أريد أن تكون كل ثقافات كل البلدان منتشرة حول منزلي بحرية .لكني أرفض أن أنســـف من قبل أي منها". غاندي



مقدمة/ جماليات المكان... ربما يتبادر للذهن أن الحديث عن الجمال هو حديث عن المتعة والترف ولا يخرج عن كونه مجرد طرح فلسفي لا يرتبط بواقع الأمور. ولكن الحقيقة خلاف ذلك فالجمال يمثل واحدا من أربع مقومات تتعلق بمسألة الانتماء للمكان، وبالتالي للأمة والوطن، وهذه المقومات الأربعة هي/ §الملكية/ ملكية الإنسان للبيت الذي يسكنه أو الأرض التي يزرعها تعزز دوافعه وحرصه على الدفاع عنها ضد كل من يحاول أن يعتدي عليها أو يغتصبها. في حين يسهم تشتيث الملكية على أكثر من شخص واحد في ضياع روح الانتماء للمكان، وتسهل فكرة الهجرة إلى مكان غيره أو التفريط في الحق الضائع. يطرح جميل عبد القادر أكبر، سؤالا، في كتابه" عمارة الأرض في الإسلام": لماذا تدفع الشريعة الأعيان إلى الإذعان المتحد؟
ويجيب عنه بقوله: لأن اهتمام الناس بما يملكون لا يقارن باهتمامهم بما لا يملكون. و…

مشاريع معمارية

" بيوت الحضر" رؤ ية معاصرة للمسكن الطرابلسي التقليدي

تصميم وعرض/ جمال الهمالي اللافي
في هذا العرض نقدم محاولة لا زالت قيد الدراسة، لثلاثة نماذج سكنية تستلهم من البيت الطرابلسي التقليدي قيمه الفكرية والاجتماعية والمعمارية والجمالية، والتي اعتمدت على مراعاة عدة اعتبارات اهتم بها البيت التقليدي وتميزت بها مدينة طرابلس القديمة شأنها في ذلك شأن كل المدن العربية والإسلامية التقليدية وهي: ·الاعتبار المناخي. ·الاعتبار الاجتماعي ( الخصوصية السمعية والبصرية/ الفصل بين الرجال والنساء). ·اعتبارات الهوية الإسلامية والثقافة المحلية.
أولا/ الاعتبار المناخي: تم مراعاة هذا الاعتبار من خلال إعادة صياغة لعلاقة الكتلة بمساحة الأرض المخصصة للبناء، بحيث تمتد هذه الكتلة على كامل المساحة بما فيها الشارع، والاعتماد على فكرة اتجاه المبنى إلى الداخل، وانفتاحه على الأفنية الداخلية، دون اعتبار لفكرة الردود التي تفرضها قوانين المباني المعتمدة كشرط من شروط البناء( التي تتنافى شروطها مع عوامل المناخ السائد في منطقتنا). وتعتبر فكرة الكتل المتلاصقة معالجة مناخية تقليدية، أصبح الساكن أحوج إليها من ذي قبل بعد الاستغناء…

مدينة مرزق القديمة

التاريخ ، الواقع والآفاق


أ . منصور السنوسي حمادي
د. أحميد محمد ساسي
قسم الجغرافيا – جامعة سبها


نشأة المدينة :تضاربت الآراء والروايات حول تاريخ نشأة مدينة مرزق كما أشار إلي ذلك كثير من الرحالة الباحثين ويعزي ذلك إلى عدم احتفاظ المدينة بشواهد أثرية وذلك لعدم متانة هندستها العمرانية ، أو سجلات مدونة تحدد تاريخ نشأتها ، علي الرغم من قدم الاستيطان بها .
وترجح أغلب الآراء أن تأسيس مدينة مرزق القديمة ، التي تبدو أطلالها بارزة إلى العيان حتى الوقت الحاضر ، جاء علي يد أولاد محمد الذين وصلوا إلى السلطة في فزان في نهاية القرن الخامس عشر وأصبحت مرزق العاصمة السياسية لدولة أولاد محمد في عهد المنتصر بن محمد الفاسي في سنة 1577 ف (2) حيث بنى قصبة مرزق ( القلعة ) الحصينة التي اتخذها مقرا للإدارة والسكن .

ونرى أن الظروف الطبيعية للمنطقة من حيث وفرة المياه الجوفية وصلاحية التربة للزراعة قد ساعدت علي انتشار المزارع ونمو غابات النخيل مما جعل الزراعة الحرفة الأساسية للسكان قديماً . كما أن موقعها في المنطقة الوسطي من حوض مرزق ، الذي يشتمل علي سلسلة من الأودية التي يتصل بعضها ببعض حيث يمتد وادي عتبة في الاتجاه الغ…