ملامح العمارة المحلية والتراث العمراني لمدينة نالوت




م. شكري سعيد القطوس





لقد كان لطبيعة المكان الجبلية والظروف المناخية والاحتياطات الأمنية الإستراتيجية تأثيرٌ كبيرٌ على نشأة وتشكيل العديد من المدن والقرى × في منطقة جبل نفوسة ، مثل المدينة القديمة بنالوت والمدينة القديمة بكاباو وقصر الدروج ووازن وغيرها من المدن التي أصبحت على مر ِّ الزمن شديدة الخصوصية والتمُّيز في نمطها المعماري عن غيرها من المدن في باقي ربوع ليبيا .

ولإنشاء هذه القرى المحصنة اختار أهاليها كمواقع المرتفعات المطلة على السهل من ثلاث جهات وبناء القصر الذي يعد السد المنيع في الجانب الرابع المتصل بالسلاسل الجبلية الأخرى ، فأصبح بمواد إنشائه المحلية جزءاً من الجبل ، وبنيت دور السكن ما بين القصر والناحية المطلة على الوادي ، بذلك تتأمن الحماية للقرية من جميع الجهات ، ويتم التحكم في الطريق الوحيد الممهد الذي يؤدي إلى القرية من خلال منفذ القصر بصخرة كبيرة عند مدخله.

ويتكون النسيج العمراني لهذه القرى المحصنة من المباني التقليدية التالية :


أولاً : القصور
القصور المطلة من أعالي القمم من جبل نفوسة هي مبانٍ ضخمة ذات عمر موغل في القدم تتميز بحوائطها العالية وفتحاتها الصغيرة ، وتستعمل لأغراض التخزين الجماعي ، وتتضارب الروايات التاريخية المنقولة عن السلف بشأن عدد هذه القصور في غرب ليبيا ، حيث يقول الكاتب الإيطالي ج.روسي في " مجلة طرابلس الغرب إبريل – مايو 1933م " : " إن المنطقة الواقعة بين الحرابة ووازن في الجهة الغربية يوجد بها عدد ما يقارب الخمسين قصراً أكثرها متهدم ولكن البعض منها في حالة جيدة ، وهي في الحقيقة تستعمل كمخازن للغلال والتموين والمنتجات الزراعية والأسلحة كما تستعمل في أوقات الحروب للدفاع ومراكز الجهاد ".
ومن الأمثلة المهمة على هذه القصور قصر وازن الذي يقع في القمة المرتفعة عند النهاية الغربية لجبل نفوسة وهو بناء ذو أربع زوايا ، حوائطه مجردة دون أي أثر للفتحات ، ويتم الوصول إليه من خلال سلََّم ، داخله عبارة عن ساحة مكشوفة ذات شكل بيضوي ترتفع المقصورات حوله حيث تخزن الغلال ، وتؤدي إلى هذه المقصورات المعزولة عن بعضها تماماً سلالم مصنوعة من خشب الزيتون.
كما يُعد قصر نالوت الذي يرجع تاريخ إنشائه × إلى القرن السابع هجري نموذجاً رائعاً لهذه القصور ، يطل هذا القصر على قمة وادٍ معروف باسم المدينة ، وهو بناء دائري ضخم يتكون من 400 غرفة موزعة مابين 3 إلى 6 أدوار تستعمل لتخزين الغلال ، وقد تم إعادة بنائه ثلاث مرات وزيادة عدد حجراته ، وحاول البعض تكبير حجم حجراتهم أثناء إعادة البناء لكن الأهالي وقفوا لهم بالمرصاد وأعادوا بناءه كما كان عليه لأن حجم الغرفة وشكلها أصبحا عرفاً قانونياً لا يمكن التعدي عليه وتغييره.
× ومن الأمثلة المهمة على هذه القرى القريبة من مدينة نالوت قرية قصر الدروج ، قرية شعبة المخزن ، قرية قصر نالوت ، قرية قصر الدقيجة ، وقرية قصر الثلثين . × × الأستاذ سعيد حامد " المعالم الإسلامية بالمتحف الإسلامي طرابلس "

وتعتبر الغرف هي اللَّبِنَة الأولى في إنشاء القصر وتختلف أحجامها باختلاف الحالة الاقتصادية للمالك أو المالكين ، وكثيراً ما تتكون من مجموعات تمتلكها قبائل أو عائلات ، ولا يقل طول ضلع الغرفة عن 80 سم ومتر واحد في الارتفاع وتصنع الأبواب من جذوع النخيل بأبعاد تقارب 70 سم – 50 سم ، ويتم تهويتها عن طريق الباب وبعض الفتحات الخارجية الضيقة .
وتبنى الغرف من الحجارة الطبيعية ولها سقف على هيئة القبو لحمل الوزن الناشئ عن الغرف العليا ، ويتم تبييضها من الداخل بالجبس والجير لمنع دخول الحشرات والسوس .
كما تحتوي هذه اغرف عادة على خوابٍ في وسطها لتقسيمها إلى جزأين داخلي وخارجي أو علوي وسفلي ، وتثبت هذه الخوابي بالجبس وتستعمل لتخزين الزيت ، وتقسم الأحواض في الجزء العلوي لغرض تخزين القمح والشعير والتين الجاف والتمور ، وتستخدم الغرف أيضاً لتخزين الأسلحة والنقود والملابس والوثائق المهمة والجرود والبطاطين الجاهزة للبيع و ( الحوالي ) التي تشتهر بتصنيعها نساء نالوت .
وتتعرض المواد الغذائية المخزنة في الغرف السفلية للتسوس إذا زادت مدة تخزينها على السنتين ، أما الغرف العلوية فيمكن تخزين المواد فيها حتى 10 سنوات بسبب التهوية الجيدة التي تتمتع بها ، ويقوم حارس القصر بتربية القطط بأعداد كبيرة وإطعامها والعناية بها حماية للقصر من هجوم الفئران . ويتم توصيل المواد إلى الغرف بعد أن يتسلق أحد الأشخاص الحائط عن طريق أوتاد خشبية ويفتح الغرفة ثم يستعمل القُفََف والحبال لرفع المواد وتخزينها .

ثانياً : المساجد
المساجد من المباني الأثرية المتميزة في قرى نالوت القديمة ، ويعد الجامع القديم القريب من قصر نالوت أهمها ، وهو مسجد مبني تحت الأرض لم يتم تحديد تاريخ إنشائه ، وقد أعيد بناؤه سنة 1226 هـ.
كما يوجد على الطريق الجبلي المؤدي إلى نالوت ( وكان جزءاً من مدينة نالوت القديمة ) مسجد تندار ، كان هذا المسجد في قديم الزمان قاعة ومصلى وخمسة أجنحة انهار منها اثنان ، وأضحى مكانها فارغاً يشبه الفناء الصغير ، ويبّين جامع قنان القريب من المدينة القديمة والذي تم ترميمه في العهد الإيطالي تطور عمارة المسجد في نالوت ، وهناك عديد من المساجد الأخرى مثل جامع ( سيدي خليفة بجانب الطريق المؤدي إلى غدامس ، وجامع سيدك صالح بالقرب من قصر الدقيجة القديم ، وجامع بن عسكر بالقرب من قصر نالوت ).
ولا يوجد شكل أو مقاس موحد لهذه الجوامع ؛ فبعضها مستطيل وبعضها مربع ، كما يتراوح عدد قاعاتها من قاعة إلى ست قاعات ، وتتميز جميع هذه المساجد بقلة عدد النوافذ فيها وصغر حجمها ، بحيث إن ضوء الشمس لا يصل إلى المسجد إلا بصعوبة ، لذا زودت جميعها بمشكاوات ، وتتشابه معظم المآذن في شكلها لترمز بشكل إلى المسجد ، ولأغلبية المساجد محراب بالقرب من الحائط يبرز أحياناً إلى خارج المسجد .
وقد تم استخدام الحجارة الطبيعية الجبس والجير والرمال كمادة رابطة في بناء الحوائط ، وتعتبر الأقواس المتينة العنصر الإنشائي لحمل ثقل الأسقف التي تأخذ هيئة الأقباء في معظم الأحيان ، كما رصفت الأرضيات بالحجارة والطمي وصنعت الأبواب والشبابيك من جذوع النخيل بعد شقها وتجهيزها من قبل الحرفيين المتخصصين ، ويطلى معظم المساجد باللون الأبيض لتمييزه عن بقية المباني.

وتتم زخرفة حوائط وأعمدة المساجد بالعديد من النقوش والكتابات التي قد تصل في بعض الأحيان إلى القباب ، وأكثر النقوش شيوعاً نجمة سليمان والمثلث وأشكال الأيدي المطبوعة هي أيدي أحد بناة المسجد ، كما تتم كتابة أسماء المشاركين في بناء المسجد على السقف .

ثالثا : السكن
ينقسم السكن في منطقة جبل نفوسة نتيجة للظروف البيئية والمناخية إلى النوعين التاليين :


1- الحوش : الحوش هو المبنى الذي يلي القصر أهمية في القرى المحصنة وقد تطلبت الظروف الأمنية بناء دور السكن ما بين المسافة الواقعة بين حافة الجبل والقصر ، ويتكون الحوش من حجرة لا تزيد مساحتها على 25 متراً مربعاً وتقسم إلى جزأين أمامي للمعيشة وداخلي يتكون من ( سدة ) عالية للنوم ، وحجيرات أسفل منها للتخزين ، ويستعمل الجزء الأمامي للعائلة حيث تلحق به حجرة خارجية تستعمل كمطبخ مخزن للحطب والأعشاب الجافة .
يتم إنشاء هذه البيوت دون أساسات بل مباشرة على الصخور الأرضية الجبلية ، وتُبنى من الحجارة الطبيعية ، وتسقف بنظام الأقباء ، ويصل ارتفاع الحجرات إلى أربعة أمتار بهدف التهوية والتبريد ، وتُصنع الأبواب والشبابيك من جذوع النخيل وخشب أشجار الزيتون ، وتتميز هذه البيوت بالكُوَّات الداخلية الخاصة بوضع البرادات والمصابيح.
2- الداموس : الداموس هو البيت الذي يُبنى بالكامل تحت الأرض ، ويستعمل للسكن خارج المدينة خلال فترات الربيع والصيف حيث يقصد الأهالي أمكنة أملاكهم لحصاد القمح والشعير والعناية بأشجار التين والنخيل والزيتون ، وقد حفر لأهالي نالوت الدواميس في الجزء الشمالي الغربي من المدينة وأصبحت نمطاً غالباً على عمارة المدينة ، ويحتوي الداموس على فناء مفتوح تطل عليه الحجرات الداخلية يتم الوصول إليه من خلال سلالم طويلة قد تكون بارتفاع خمسة أمتار أو أكثر ، وتختلف مساحته من بيت إلى أخر.
وتعتبر المنازل والقصور في جبل نفوسة نمطاً معمارياً شديد التميز وسجلاً تاريخياً لليبيين الذين سكنوا المنطقة وهذا أمر لا بد من دراسته دراسة عميقة لتفهم خصائصه وأسباب نجاحه في تلبية احتياجات أهالي المنطقة .

جميع الصور بعدسة: عيسى علي ابوحلاسة


المصدر/ مجلة مربعات العدد 1

تعليقات

  1. مشكور جدا يا مهندس شكري على هذا التعريف بالعمارة والعمران في المدن الجبلية .

    ردحذف
  2. مشكور جدا يا مهندس شكري على هذا التعريف بالعمارة والعمران في المدن الجبلية .

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

المعلم/ علي سعيد قانة

مشاريع معمارية