أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، أغسطس 19، 2010



لماذا الآثار هي المنهل الذي لاينضب لفهم الجزء المادي
من التراث الثقافي لأي شعب من الشعوب



الدكتور علي مسعود البلوشي
كلية الفنون والإعلام _ جامعة الفاتح
                  
الحضارة الإنسانية، في مفهومها العام، هي المنتج المادي والفكري لكل ما ابتدعته شعوب الأرض، وقوة أو ضعف حضارة أي شعب تقاس بقيمة ما يبدعه فكر هذا الشعب أو ذاك من روائع النتاج المادي والفكري. ولكي نفهم هذين النتاجين،الممثلين لوجهي العملة والمكملين لبعضهما البعض،لابد لنا من الاستعانة بعدد من العلوم والمعارف،أهمها علم الآثار، وعلم اللغة أو علم فقه اللغة، وهذان العلمان وفروعهما المختلفة هي الركائز الأساسية لمعرفة سير النشاط الحضاري والبشري بشكل متوازن وبتوافق، بحيث لايطغي ويبرز أحدهما علي حساب الآخر، وإن حدث ذلك فإنه من الطبيعي والمنطقي أن يحدث اختلال لمسيرة الحضارة والنشاط البشري بصفة عامة.

وقد حرصت كثير من شعوب العالم كل الحرص لكي تحقق وتصل إلي مرحلة التحكم في التوازن بين النشاط المادي والنشاط الفكري لكي يسيرا متوازيين، وليحققا ما تصبو إليه الشعوب من إشباع لحاجتها المادية والفكرية، وبالتالي الوصول إلي تحقيق التوازن اللازم لنمو الحضارة الإنسانية بشكل طبيعي، غير قابل لحدوث الزلل والخلل.

ومن اجل تفهم حقيقي لمسيرة الحضارة الإنسانية علينا أن نتعرف علي ماهيّة كثير من العلوم والمعارف المختلفة، وفي مقدمتها علوم الآثار، وعلوم فقه اللغة أو اللغات، فهذه العلوم والمعارف المختلفة تؤدي في النهاية إلي تحقيق التوازن الحضاري المطلوب في شقيه المادي والفكري.

والتعريف المبسّط لعلم الآثار، هو ذالك العلم الذي يهتم بدراسة كل ما أنتجه الإنسان من أشياء مادية، استخدمها واستعان بها في حياته، لكي يحقق إشباع احتياجاته ورغباته المادية المختلفة.

والتعريف المبسّط لعلم اللغة أو فقه علم اللغة،هو ذالك العلم الذي يهتم بكل ما انتجه الإنسان من كتابات ولغات،ونصوص وقوانين مدونة، وشرائع ومعارف مختلفة، ذات العلاقة بالعادات والتقاليد، والفلسفات والأديان، والمعاملات والنشاطات الفكرية المختلفة، وبكل ما أبدعه الإنسان فكريا لكي يحقق إشباع رغباته واحتياجاته وأهدافه ومعتقداته ذات العلاقة باللا مادة.

ولكي نفهم علم الآثار بشكل أكثر عمقا لابد من أن نتعرف علي مجموعة أخري من العلوم المساعدة وذات العلاقة بعلم الآثار، إضافة إلي ذلك من الضروري التعرف على فروع علم الآثار على اختلاف أنواعها ووظائفها،والتي توضح لنا التفاصيل الدقيقة لمجموعة علوم الآثار الواسعة والمتشعبة والمتصلة بكثير من العلوم والمعارف الأخري ذات العلاقة.

فالتعرف علي هذه العلوم المساعدة والفروع المكملة يساعد الدارسين لهذه العلوم علي الوصول إلي الفهم الحقيقي والعميق والرهين لدور علم الآثار كعلم، ودور الآثار كعلم، ودور الآثار الثابتة والمنقولة بكل أشكالها وأنواعها لتساعد الدارسين والمهتمين –علي الوصول إلي الحقائق العلمية ا لرصينة لمسيرة الحضارة الإنسانية في شقها المادي.

وفي هذه العجالة نكتفي فقط بذكر بعض من هذه العلوم والمعارف ذات العلاقة، بدون التوغل في كيفية مساهمة هذه العلوم المساعدة لعلم الآثار للوصول إلي الحقائق العلمية والحضارية، وفهم مسيرة النشاط البشري بصفة عامة.

فعلم الاثنولوجي (علم الأعراق البشرية)، وعلم الاثنوغرفي (علم خصوصيات الشعوب أو الانثروبولوجيا الوصفية)،وعلم الانثروبولوجي (علم السلالات البشرية من الوجهة الطبيعية)،وعلم الجغرافيا (العلم المتعلق بالمناخ والطقس والمسطحات الأرضية والمائية وغيرها)،وعلم الجيولوجيا (العلم المتعلق بطبقات الأرض ومكوناتها وخصائصها وفتراتها الزمنية الخ)،وعلم تاريخ الفن( العلم الذي يهتم بتطور الطراز والعناصر والإشكال والصيغ والمفردات والعناصر الزخرفية والمعمارية والفنية ونشأتها وتطورها، وتأثيرها وتأثرها في وعلي هذه العناصر،وانتشارها في مناطق مختلفة من بقاع العالم)،وعلم التاريخ( العلم الذي يهتم بكل التاريخ السياسي والاجتماعي، وتدوين كل ماصا حب مسيرة الإنسان منذ أن استطاع هذا الإنسان تدوين الحوادث إلي يومنا هذا).
فهذه العلوم وفروعها الدقيقة،وغيرها من المعارف ذات العلاقة تساعد الدارسين لعلم الآثار، من قريب أو بعيد بطريقة مباشرة أو غير  مباشرة، في منهم كل ماله علاقة بالتاريخ المادي لحضارة أي شعب من الشعوب، ويمكن شرح هذه العلوم ومدى ماتساهم به من إضافة لفهم الدور الذي تؤديه لصييرورة الحضارة في شقها المادي.

أما فيما يتعلق بفروع علم الآثار أو ما يندرج تحتها، فأهمها علم العمارة بجميع فروعه المختلفة من مدنية ودينية وحربية، والنحت ومدارسه، وعلوم الفنون التشكيلية والجميلة والتطبيقية ذات الأهداف النفعية والجمالية، والتصوير وفنون الكتاب، وعلم المخطوطات وأوراق البردى، وعلم النميّات (المسكوكات)،وعلم الأوزان والمقاييس، وعلم الأختام...وغيرها من الفروع الأساسية والفرعية،هي فروع من علم الآثار،لأنها تتعلق بكل ما أنتجه الإنسان من أشياء مادية،استعان بها واستعملها في حياته اليومية الاقتصادية والدينية والتعليمية والثقافية والترفيهية والحربية...الخ.

وهكذا نصل إلي فهم الدور الخطير والمهم الذي يلعبه علم الآثار كعلم، والآثار المادية الثابتة والمنقولة، في فهم حياة الشعوب، من حيث الموروث الثقافي المادي، لأن أي إنتاج مادي كانت وراءه عوامل مختلفة،وفلسفات وأيدولوجيات، وأفكار متراكمة،أدت في النهاية إلي صبغة هذا المنتج الفكري أو المادي بطابع مميز، قد يقتصر استعماله أو وجوده علي شعب بعينه، أو منطقة جغرافية معينة، أو تجعل منه أسلوبا وطرازا معينا، يظهر ويترعرع وينمو في فترة زمنية محددة، أوحقبة أو مرحلة حضارية، وارتبط بحياة شعب من الشعوب، اقتصر علي بلد أو منطقة جغرافية محددة، أوصار أسلوبا وطرازا اوفكرا عالميا شمل بعض أو كل قارات العالم.

فالآثار الثابتة والمنقولة،هي الموروث المادي، التي انتجها شعب من الشعوب، وهي في الحقيقة المورد الذي لا ينضب لفهم جزء عريق من الكم الهايل من الموروث الثقافي المتراكم، والذي ينعكس تلقائيا وباستمرار علي ما يجري من انجازات حضارية مادية، تنتج يوميا بدون أن نشعر بتطورها البيئي، إلاّ بعد أن تمر فترة زمنية، طويلة اوقصيرة، حتي يشعر بها العامة من الشعب.
وهنا وعندها يبدأ التساؤل حول ظهور هذه الإنجازات المادية، ودراسة ماهي العوامل المختلفة التي كانت وراءها فيما مضي، حتي صارت بهذا المستوى والأسلوب الذي أعطي شخصية لهذا الشعب أو ذاك.

فاغلب شعوب العالم عرفت اليوم أهمية علم الآثار، وأهمية دور الآثار الثابتة والمنقولة في تثقيف الشعوب، وغرس روح الشعوب القومي، والاعتزاز بالماضي التليد، وتنشئة الأجيال حضاريا تنشئة واعية مؤمنة بدورها في تغذية مسيرة الحضارة الإنسانية بصفة عامة.
ونتيجة لهذه الأهمية والدور الخطير اهتمت بها بشكل عام سواء في مدنهاالاثرية، ومواقعها التاريخية، فأقامت لها المتاحف والمعارض المتخصصة، وخصصت لهاالاموال والميزانيات السنوية، وأصدرت لها الدول القوانين لحمايتها والحفاظ عليها وصيانتها وترميمها، ذالك أن الآثار بجميع أشكالها وأنواعها هي الموروث المادي الذي يخص الإنسانية جمعاء لماذا ؟

لان الآثار بكل أنواعها وقيمها الحضارية، هي مدرسة لتثقيف الشعوب وهي المنهل الذي لاينضب لفهم كل الثقافات المختلفة لأي شعب ولأي أمة من الأمم. فالأمم التي اهتمت بدراسة وصيانة تراثها قطعت شوطا طويلا وكبيرا في فهم ثقافاتها المتتالية والمتراكمة، ولأهمية ذلك خصصت لها هيئات رسمية علي أعلى المستويات، يتبعها إداريا كل الموروث الثقافي في كل مجالاته المختلفة، والمدن والمواقع الأثرية والتاريخية، والمدن التاريخية القديمة والأحياء والمباني التاريخية، لأن كل هذه المؤسسات ذات طابع علمي ثقافي حضاري تعليمي وترفيهي لكل فئات الشعب .

فالمواطن العادي، والطالب والمدرس، والمتعلم والمثقف، والدارس والناقد، والباحث والسائح والزائر وغيرهم، عند تعاملهم مع هذه المؤسسات الثقافية، يخرج بفكرة أو أفكار مختلفة، وآراء غزيرة متباينة، بقدر حصيلته العلمية والثقافية، فالجميع يستفيد ويتمتع ويتعلم ويتعمق، ويدقق ويتثقف، ويبدع ويحصل علي متعة ثقافية وعلمية وجمالية. ومن هنا يرتقى ذوقه وحسه الجمالي، وثقافته ومستواه الحضاري. وفي ارتقاء الذوق والحس الجمالي، والشعور بالانتماء، ارتقاء للثقافة والحضارة، ومستوي الشعوب حضاريا وثقافيا وعلميا واجتماعيا وسياسيا.

تعال ناخد أمثلة مختلفة، لها علاقة بالآثار المادية الثابتة والمنقولة، لكي تتضح لنا الصورة بشكل أكثر تحديدا، مثل قطعة من صوانيات ما قبل التاريخ، مبني الكعبة المشرّفة، مبني معبد الزيجورة، بوابة عشتار، الهرم، المعبد اليوناني والروماني والفرعوني والبوذي، الديامس المسيحية المكبرة، الكنيسة، الجامع، المدرسة، القلعة، الرباط ، البيت، القصر، الخيمة، المبني التاريخي، الحي والمدينة التاريخية، النصب التذكاري، قطعة عملة، شاهد قبر، طبق من الفخار أو الخزف أو المعدن أو الزجاج، مصباح زيت قديم قطعة رداء، عباءة تتويج، سيف، وسام، لوحة تذكارية، مخطوط، صورة أو لوحة زيتية، تمثال، مفردات زخرفيه....الخ.

فالدارس والمحلل لهذه الآثار الثابتة والمنقولة، تحليلا علميا كاملا من جميع الوجود، يعرف كل الخفايا الحضارية والثقافية والتاريخية والمادية والاقتصادية والفلسفية والدينية والفنية والإبداعية التي كانت وراء إنتاجها. وكل هذا، بالطبع وفي الواقع، متعلق بالميراث والموروث الثقافي لأي شعب من الشعوب.

ومن هنا كان من الضروري توظيف الآثار، وما يتعلق بالآثار، توظيفا ثقافيا حضاريا، لارتباطها المتأصل الذي لايتجزأ بالموروث الثقافي لأي شعب من الشعوب. ومن البديهي يجب الاستفادة من الآثار في صناعة السياحة، كصناعة لها مقوماتها المختلفة، وكذالك مردودها الاقتصادي بالدرجة الأولي وهو الأهم. في حين أن النظرة إلي الآثار يجب، وهي كذالك في الأصل ،أن تكون نظرة ثقافية حضارية واعية، ومدرسة للدور المهم والخطير في تطور الشعوب حضاريا وثقافيا. ومن الخطأ والخطورة أن ننظر إلي الآثار نظرة صناعية، مثل أي صناعة أخري تنظر إلي الربح المادي بالدرجة الأولي وأخيرة.   
                            

السبت، أغسطس 07، 2010

الفنان التشكيلي علي مصطفى رمضان


·        مواليد عام 1938 بطرابلس.
·   درس فنون الرسم والنحت والتصوير عام 1967 بهولندا. وشارك أثناء دراسته بهولندا في عدد من المعارض الفنية إلى جانب كبار الفنانين.
·        صمم الكثير من المطبوعات والملصقات والأوسمة والشعارات.
·        له الكثير من من أعمال الرسم والنحت والتصوير في عدة أماكن بهولندا وطرابلس.
·   صدر له كتابان في التصوير الفوتوغرافي : تأملات في المعمار الإسلامي في ليبيا وأضواء وظلال عربية ليبية بمشاركة مع الفنان الطاهر الأمين المغربي.
·        أسس وساهم في تأسيس عدة دور وشركات فنية منها :
§        الدار الليبية للفنون بالبرج رقم 3 بذات العماد.
§        دار الفنون بطريق السكة.
§        شركة صقر للإنتاج الفني.
§        البديل للأعمال الفنية.
·        كانت لجهوده الحثيثة المخلصة أبلغ الأثر على نشاطات الحركة الفنية التشكيلية في ليبيا.
·   من أوائل الذين ساهموا في نشر العمل الفني التشكيلي من خلال استنساخه وطباعته. وساهم في البينالي العربي الأول ببغداد عام 1974.

بعض من رسوماته الأولية التي ترصد جماليات البيئة الليبية/






























المرجع/ 

مدونة صور وجوه مشرقة ليبية‏

إرشيف مدونة الميراث من الصور

الأحد، أغسطس 01، 2010

حول النمط المعماري والهوية المعمارية




صور من المشهد المعماري للمدن الليبية



د. رمضان الطاهر أبو القاسم*


تقديم/
شكلت الهوية عبر التاريخ احد الاحتياجات الرئيسة للإنسان وبتالي لوجوده علي سطح الأرض. في العمارة, استحوذت الهوية علي اهتمامات الكثيرين، غير إن جدل النقاد حول هذه الظاهرة ربط فكرة الهوية العمرانية بالعمارة التقليدية القديمة. ويستند هؤلاء النقاد في ذلك علي إن هذه العمائر التقليدية أظهرت نمطا معماريا متميزا ارتبط بالزمن والمكان الذي ظهر فيه وعكس إمكانيات محدودة للتطوير والتجديد.

الهوية المعمارية يمكن رؤيتها كنتاج معماري لإبداعات فنية، يحاول المعماري والمخطط من خلالها صياغة علاقته بالمحيط والموارد المتاحة وذاكراته ببعده التاريخي والحضاري والبيئي.                                                            
خلال القرن العشرين، حاول رواد العمارة الحديثة نبذ الماضي والتنصل منه وتبني نموذج الإنتاج الصناعي المجمّع (mass production) في مقترحاتهم التخطيطية والعمرانية مما تسبب في تجريد أعمالهم المعمارية من كثير من أبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية العريقة وتحميل هذه الأعمال مفاهيم ودلالات رمزية " جديدة " ومحدودة المعاني. فتجاوز المكان واستبداله  بفكرة الإنتاج الصناعي والتجريدية ومحاولاتهم تحقيق رؤى " مبتكرة" تتماشي وروح العصر الجديد في تلك الفترة (l'esprit neauveaux) أوجد نموذجا جديدا من المعمار تمثل في النظام العمراني العالمي (internatinational style)1

هذا النوع من العمارة تطور من خلال سيطرة النظرة المادية للتقدم وتجاهل الكثير من الاعتبارات والاحتياجات الموضوعية لكثير من ثقافات واختلافات الأمم الاخري. هذا النمط المعماري تجاوز فكرة المكان ببعده الطبيعي والثقافي وحاول الاهتمام بإيجاد نمط معماري يتماشي والإيقاع السريع لنظم الحياة الاجتماعية الحديثة والتطور الصناعي في مواد البناء. أصبح إنتاج الكثير من المواد ممكنا في كثير من البلدان الآن بغض النظر عن الحدود وظروف المكان، مما أتاح فرصة استخدام المواد مثل الخرسانة والحديد والطوب الاسمنتي والزجاج في كل مكان من العالم تقريبا لتشييد نماذج من المباني الحديثة المتشابهة، جعلت الكثير من المدن تبدو مألوفة وغير متميزة إلاّ فيما نذر.
فالعمارة كمركز للبيئة المحيطة والمكان أصبحت انعكاسا لإنجازات صناعية ورؤى ثابتة أنتجت نمطا معماريا مجردا يستجيب للإحتياجات العامة دون الخاصة ويستند إلي ميول "عقلانية" ووظيفة بحتة.
لقد رأي المؤسسين للعمارة الحديثة ضرورة إن يتبع شكل المبني الوظيفة وأن ينشأ دون اختيار مسبق لطرازه أو نمطه  المعماري. التركيز كان في الماضي علي إبراز المنطق وتلبية بعض الاحتياجات الطبيعية للإنسان بغض النظر عن ظروف المكان اواية اعتبارات أخري. وبهذا أصبح المقياس الجمالي والحسي شبه موحد وخاضع فقط لإبداعات المهندس المعاصر يبدو إن الغرض من ذالك هو عولمة العمارة.

تعتبر الهوية المعمارية والنسيج العمراني من عوامل الجذب الرئيسية للمدن والتجمعات الحضرية.هناك العديد من المدن التي اكتسبت جاذبيتها من خلال تميزها بهوية معمارية واضحة وجذابة وكثير من مدننا العربية خاصة القديمة منها تميزت بهذه الصفة علي سبيل المثال لا الحصر مدينة صنعاء ومدينة دمشق ومدينة تونس وكذالك مدينة غدامس القديمة. وهناك القليل من المدن الأمريكية التي اكتسبت جذبا سياحيا بسبب طابعها العمراني مثل مدينة سانتا بابرا التي تتميز بطابعها الاسباني ومدينة قرطبة ومدينة غرناطة في اسبانيا بنمطها العربي الإسلامي.  ولكن إذا نظرنا إلي واقع صور الكثير من مدننا العربية المعاصرة حاليا نجدها مشوشة وغير منسجمة وبدأت تفتقد هويتها المعمارية التي تميزت بها لفترات طويلة. ثراء التراث عماري العربي وتنوع  خصائصه في كل منطقة من مناطق وطننا العربي الكبير أصبح مهددا نتيجة زحف العمران الحديث علي نسيج الكثير من المدن العربية.

أهداف الدراسة/
تهدف الورقة لاستعراض فكرة الهوية وعلاقتها بالنمط المعماري للمكان حيث تتخذ من مدينة طرابلس حالة دراسية لبيان هذه الفكرة في مقوماتها العمرانية وذالك بتتبع المراحل المختلفة التي مر بها النمط المعماري للمدينة. كما تهدف الورقة إلي بيان أهمية النمط المعماري المميز وعلاقته بالهوية المعمارية والتي يمكن تحقيقها ليس فقط بالرجوع إلى القديم ولكن بمحاولة رؤية نتاج المعماري ومدى ارتباطه بالماضي والحاضر والآفاق المستقبلية للمجتمع، أي أن النمط المعماري الذي يستجيب للهوية أو يحققها هو الذي يرتبط بظروف المكان والموارد المتاحة ويكون عملا فنيا مبدعا يتماشي والاحتياجات الطبيعية والاجتماعية والثقافية للإنسان.
كما تهدف الورقة الوصول إلي بعض التوصيات التي تساعد علي تحديد الاتجاه الصحيح لتحقيق وترسيخ فكرة الهوية والنمط المعماري المميز للمكان.

الطريقة لتحقيق ذالك ستتم بمناقشة نظرية مختصرة لفكرة الهوية ثم عرض حالة مدينة طرابلس ونمطها المعماري الذي اكتسبته خلال فترة وجودها والملامح المعمارية التي ساهمت في إعطائها هوية معمارية وخاصية معينة.

طريقة البحث/
تعتمد طريقة الدراسة علي بعض النظريات والأبحاث السابقة التي تناولت فكرة الهوية والنمط المعماري بالدراسة و التحليل. كما تستند الدراسة علي قراءة مبدئية لملامح المعمار في مدينة طرابلس مركّزة في ذلك علي المظهر الخارجي لبعض الأعمال المعمارية القائمة.

الهوية والتعبير المعماري/
ترتبط فكرة الهوية ارتباطا مباشرا بفكرة التعبير المعماري  architectural character) ). والمقصود بالتعبير المعماري هو ما يتركه المبني من أحاسيس  لدي الإنسان وصور ذهنية عالقة في الذاكرة. أي أنه يمكن القول بأن الهوية المعمارية للمدينة يمكن قراءتها من خلال الملامح المعمارية المعبرة عن المدينة. ويقصد بالملامح المعمارية أيضا كل المظاهر البصرية والعناصر التي تكون أو تدخل في تكوين النسيج المعماري للمدينة أو العمل المعماري. والعناصر التي تدخل في تكوين العمل المعماري وبالتالي التعبير المعماري تشمل:ـ

1.     الشكل العام للمدينة أو المبني .
2.     المواد الداخلة في البناء.
3.     تقنية البناء .
4.     العناصر الزخرفية .
5.     الفراغات الداخلية .
6.     مقومات الموقع.
7.     البيئة المحيطة2.

الصورة الذهنية المتكونة من هذه الملامح هي نتاج تفاعل بين الشكل والمعني علي مقياس المدينة. بيّن كفن لينش خمسة أسس لوضوح الصورة الذهنية للمدينة وبالتالي تميزها وإبراز هويتها. هذه العناصر تتمثل في الحدود والمسالك (الطرق و الشوارع ) والأحياء والميادين والمعالم3. بالنسبة للمباني المكونة للأحياء ونمطها العمراني يمكن إبراز ثلاثة عناصر إضافية مهمة تساعد في توضيح فكرة هويتها ومرتبطة بالتعبير المعماري:
§        الغرض المنشأ من أجله المبنى (purpose ).
§        تأثير المبنى على الإنسان ( Experience).
§        معاني ومدلولات القيم الجمالية.
ويرتبط الغرض المنشأ من أجله المبني بفكرة ( Typology ) ، نوع من المبني . كأن يكون مبنى سكني أو مدرسة أو مسجد. يجب أن يكون البيت كبيت والمصرف كمصرف لخدمة غرض محدد أو مجموعة أغراض للإنسان. وهذا ما يميز العمارة عن بقية الفنون حيث وجدت لخدمة وملائمة ) ) ) مجموعة أغراض. وفكرة الملائمة (Appropriateness ) وهو ما أشار إليه المعماري الشهير فيتروفيوس في اشتراطاته الثلاث للعمارة الناجحة: الملائمة والمتانة وان تكون جميلة وجذابة.

مدينة طرابلس/
اشتهرت مدينة طرابلس الغرب بموقعها الطبيعي الخلاب وباحتوائها لحضارة معمارية حضرية متميزة امتدت لفترة طويلة من التاريخ. لقد تعاقبت علي المدينة حضارات من الفنيقيين إلي الرومان إلي العرب إلي فرسان مالطا إلي الدولة العثمانية وحثي الاستعمار الايطالي في مطلع القرن العشرين. خلال هذه الحقبة التاريخية الطويلة للمدينة، يمكن تحديد ثلاث محطات مهمة لهذه الحضارة المعمارية( طرابلس القديمة وطرابلس خلال فترة الاستعمار الايطالي و"طرابلس الحديثة") فمنذ ظهورها نمت المدينة وتطورت دون انقطاع وازدانت خلال مراحل تطورها بالعديد من المعالم المعمارية المتميزة.


المدينة القديمة طرابلس:
تغطي المدينة القديمة مساحة تقارب من 45 هكتارا وتقع في مركز العاصمة طرابلس الغرب. يرجع تاريخ إنشاء طرابلس القديمة إلي أكثر من ثلاثة ألاف سنة ويتميز نسيجها العمراني بمراعاته للظروف الاجتماعية والدينية والمناخية حيث يكون المسكن والمسجد والسوق أهم المعالم في هذا النسيج بينما بقية المباني والفراغات الحضرية تكوّن نسيجا متميزا ومتجانسا وممتدا بشكل لا يختلف كثيرا عن بقية مدن سواحل البحر الأبيض المتوسط ذات الطبيعة التجارية والحرفية. بنيت المباني في المدينة القديمة باستخدام الحجر الجيري مع المونة كما طليت أغلب المباني باللون الأبيض. استخدمت الأخشاب بشكل محدود في تكوين الأسقف و الفتحات.

إنحصر كيان المدينة القديمة داخل سور ظل يحيط بالمدينة لمدة طويلة مما أكسب المباني التراص وجعل المسقط الأفقي لأغلب المباني ينتظم حول فكرة الفناء الداخلي. ويشكل الفناء الداخلي المركز الذي يحيط به فراغات المبني الواحد وأيضا أساس تكوين الفراغات الحضرية مثل الميادين والفراغات العامة. ففراغات المدينة القديمة تشكلت حول فكرة الفراغ العام والفراغ الخاص واتحدت في وجود الفناء. الشوارع شكّلت شرايين الحركة بين مكونات المدينة المختلفة وبرزت عند تقاطعاتها أهم المباني كالمساجد مثلا.( شكل1)


شكل1 منظر عام لمدينة طرابلس القديمة
تنقسم الشوارع إلي نوعين، رئيسية وفرعية. تقسم الشوارع الرئيسية المدينة إلي أربعة أحياء (باب البحر،حومة غريان، الحارة والبلدية ) وتنشر علي امتدادها المتاجر والورش الحرفية. بينما تمتد الشوارع الفرعية الضيقة بشكل متعامد تقريبا مع الشوارع الرئيسية وتربطها مع المساكن وبقية عناصر المدينة مثل المدارس والمساجد والحمامات والأسواق (شكل2،1).
شكل 2 نسيج المدينة القديمة


كوّن النسيج العمراني وموقع المدينة الجغرافي والطبيعة المحيطة بها هوية خاصة للمدينة. استطاعت المدينة المحافظة علي هويتها خلال فترة وجودها رغم تعاقب السنين والمحتلين عليها. لقد وصفها الجغرافي الشهير الإدريسي من القرن السادس الهجري حيث قال " ومدينة طرابلس مدينة حصينة عليها سور حجارة، وهي في نحر البحر، بيضاء حسنة الشوارع متقنة الأسواق، وبها صنّاع وأمتعة  يتجهز بها إلي  كثير من الجهات. وكانت هذا مفضلة العمارات من جميع جهاتها"4 أما الرحالة التيجاني الذي قام برحلته سنة 706-708م فيصف شوارع طرابلس بقوله " فلم أر أكثر منها نظافة ولا أحسن اتساعا واستقامة ذلك إن أكثرها يخترق المدينة طولاً وعرضاً من أولها إلي أخرها"5.


إستطاعت المدينة القديمة أن تحتفظ بوجودها وإرثها المعماري المميز فترة طويلة رغم بساطة تكوينها وتناسق مركباتها المعمارية، لكن دخول المستعمر الإيطالي وظهور النفط وما صاحبة من طفرة عمرانية كبيرة أثّر في " تغير" هوية المدينة نتيجة انتقال بعض من سكانها في البداية إلي الأحياء الحديثة المحاطة بالمدينة القديمة.

هجرة السكان الأصلين للمدينة القديمة بحثا عن نمط معيشي حديث خارج أسوار المدينة القديمة حيث تتوفر سبل " الحياة العصرية". إنعدام الصيانة الدورية واكتضاض المساكن وافتقار خدمات البنية التحتية وتوفر بدائل سكنية "جيدة" ومجانية شجع الكثير من سكان المدينة القديمة للانتقال للعيش في مساكن حديثة بضواحي مدينة طرابلس. بينما تركت المدينة القديمة لسكان غير السكان الأصليين. هؤلاء السكان وجدوا بديلا مؤقتا للسكن داخل المدينة القديمة غيرمكترثين لحالة مبانيها فتركت المباني لتتدهور حالتها بمرور الزمن.

في سنة 1985 صدر قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 40 بإنشاء مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس وتبعه عدد من القرارات الأخري التي تعنى بالإهتمام بمدن الجماهيرية القديمة وصيانتها والمحافظة عليها. نص هذا القرار على " أن يتولي المشروع وضع البرامج والخطط الثقافية والفنية والهندسية الخاصة بالترميم والصيانة وكل ما يتعلق بشؤون المباني والمرافق الكائنة بالمدينة القديمة بما من شأنه المحافظة على الشخصية التاريخية الحضارية لها."6   
مباني المدينة القديمة بعد الترميم

طرابلس خلال فترة الاستعمار الايطالي:


خلال فترة الاستعمار الإيطالي شهدت المدينة نشأة أحياء جديدة محيطة للمدينة القديمة ومبدأ تنظيمي  جديد عرف بالمدينة الحديثة تميزا له عن المدينة القديمة التي بقيت لتتلاءم مع عادات وتقاليد سكان مدينة طرابلس الأصليين. والمدينة الحديثة أظهرت نمطا معماريا يختلف عن الجزء القديم أو التقليدي7. لقد حاول المستعمر الإيطالي إظهار شخصية مختلفة وبمقياس مختلف. حيث بني الجزء الحديث من خلال منظومة للشوارع الفسيحة التي تنطق من ساحة فسيحة " ميدان الشهداء " باتجاه المناطق المجاورة عبر أبواب السور الخارجي للمدينة مثل باب تاجوراء في الشرق وباب قرقارش في الغرب وباب العزيزية في الجنوب. وبين هذا النظام من السور الخارجي للمدينة  والبوابات والشوارع سيطرة المستعمر علي محيطه بقوة التقنية  والآلة  الحديثة. لقد أظهرت أساليب التخطيط ونمط العمارة في فترة الاستعمار الإيطالي موقف هذا الاستعمار تجاه البيئة والحضارة العمرانية المحلية وذلك بمحاولة فرض الطراز الفاشي  كأسلوب للتعبير المعماري والتخطيط ، حيث أشار المعماريون الإيطاليون بمحاولة فرض الأسلوب الفاشي كأسلوب للتعبير المعماري والتخطيط حيث أشار المعماريون الايطاليون في كتاباتهم ومؤتمراتهم لتلك الفترة  إلى " أن الشوارع في مدينتي طرابلس وبنغازي يجب أن تعرّف وتبرز من خلال الاهتمام بقوة عمارتها والتي يجب أن تبرز عظمة وحضارة الفترة الفاشية...كما يجب أن تكون الأثر والرمز لهيمنتنا وقوتنا في المستعمرات وطالبوا بوضع الصبغة الإيطالية علي  هذه المستعمرات"8 

هيّأ هذا التخطيط الجديد مناطق وميادين جديدة فسيحة مثل ميدان الجزائر وميدان السويحلي تنتشر بين هذه الميادين وعلي طول الشوارع الرئيسية مباني متساوية الارتفاعات تقريبا في حدود أربع إلي خمس أدوار تتوزع المحلات التجارية للأنشطة الاقتصادي في مستوي الدور الأرضي ويفصلها عن الشارع أروقة مظللة بنما خصصت الطوابق العليا كشقق للسكن أو للانتفاع بها كمكاتب إدارية.
وقد سعت سلطات الاستعمار الإيطالي عند توزيع المباني إلي إبراز سيطرتها علي المدينة بإقامة المباني العمومية مثل الكنيسة بدل المسجد في مناطق متميزة ومرتفعة لإضفاء صورة من الهيبة علي هذه المباني وتحقيق وقعاً تاثيرياً خاصاً في نفوس الأهالي.

شكل 3 –كنيسة ميدان الجزائر 


شكل 4- احد المعالم المعمارية الايطالية

لقد بيّن نظام التخطيط للجزء الحديث من مدينة طرابلس الغرب اهتمام المستعمر بمنظومة الشوارع وتأكيد خصوصية الأحياء المكونة للمدينة وبعض المناطق الخضراء كما عكس نظام التخطيط قيم جمالية غير مسبوقة رغم بعض المحاولات لإظهار تأثير النمط المعماري المحلي في المباني الحديثة.

التأثر بالنمط المعماري المحلي:
عكست بعض المباني الإيطالية المشّيدة في طرابلس وبعض المناطق الأخري إبّان فترة الاستعمار الإيطالي بعض المحاولات لإيجاد نمط من التعبير المعماري يشابه ذلك الذي استخدمه الفرنسيون في مبانيهم في تونس والجزائر والمغرب والتي عرفت بالنمط المغاربي. ففي بعض الأمثلة المشيّدة من قبل الإيطاليين مثل مبني الليدو أو الميراماري أو الفندق الكبير ومبني الأوقاف يمكن ملاحظة محاولة التأثر بالنمط المحلي وظهر هذا في تأثيرات بعض الزخارف والنقوش وتبني بعض المفردات المعمارية كالأقواس والمشربيات ونمط الفناء في تكوين المساقط الأفقية لبعض المباني. يبدو أن هذه المحولات جاءت في إطار كسب ود السكان المحليين بإعطائهم الانطباع بأن الإيطاليين يحافظون علي التراث والتقاليد الإسلامية وإنهم يحتضنون ويهتمون بالثقافات والفنون المحلية وغير رافضين للأعراف والنظم الاجتماعية الموجودة في مستعمراتهم وإنهم جاءوا لردم الهوّة ومساعدة شعوب مستعمراتهم علي تحقيق التقدم9.

 شكل5 مخطط مدينة طرابلس في فترة الاستعمار الايطالي 

غير إنّ هذا التوجه لم يستمر لفترة طويلة حيث تغير بعدها إلي الاتجاه الذي يؤكد استخدام المفردات والطابع الفاشي والذي يحوي في مضمونة الرجوع إلي الطابع القومي الإيطالي ونمط العمارة الكلاسيكية الرومانية.

لقد أنكر المعماري الإيطالي ( ottavio cabiati) على الإيطاليين التجربة الفرنسية في شمال أفريقيا لتكوين نمط معماريا معرّباً وزعم إن ذلك لم يكن ناجحاً وحذّر الإيطاليين بأن لا يكونوا مثل الفرنسيين حيث إنهم لم يفهموا دورهم في المنطقة ولم يستطيعوا التاثير علي الثقافة والمجتمع المحلي بأهمية وعظمة الثقافة الإيطالية وطالب اوتافيو بأن يستمد المعماريون الإيطاليون إيحاءاتهم التصميمية من العمارة والفنون التي تركها أجدادهم الرومان في هذه البلاد10.
شكل7 واجهة مبني المصيف


شكل8 مبني اللجنة الشعبية العامة

طرابلس الحديثة:
صاحب ظهور النفط نمواً اقتصادياً ملحوظاً انعكس علي مختلف أوجة الحياة. طرابلس كغيرها من المدن الليبية أصبحت خاضعة لمخططات عمرانية عديدة. استهدفت هذه المخططات تغيير النمط العمراني " القديم" بنمط عمراني يتماشي ومتطلبات الحياة العصرية. مع النهضة الاقتصادية إزداد نشاط البناء وارتفعت قيمة الأراضي وتقلص الاهتمام بالموروث العمراني والقيم الحضارية للمدينة خاصة الجزء القديم منها حتى أضحت المدينة القديمة كالجزيرة المحاطة بمشاريع التنمية الحديثة. لقد زحفت المباني الخرسانية علي الأراضي الزراعية " بساتين" المدينة ومع هذا الزحف شاب الصورة المرئية لمدينة طرابلس بجزئيها القديم والحديث الذي بني في فترة الاستعمار الايطالي كثير من الضبابية بسبب تراجع قيمة الموروث العمراني في المقترحات الحديثة والتوسع السريع في حركة العمران وقلة عدد المهندسين.

 شكل6  مخطط طرابلس الحديث

خلال فترة السبعينات من القرن الماضي شهدت ليبيا بوجه عام ومدينة طرابلس بوجه خاص حركة عمرانية كبيرة استهدفت تصميم وإنشاء العديد من المرافق الضرورية للحياة المعاصرة من مساكن وأسواق وغيرها من المرافق الحضرية الخاصة بالمدن. في ذلك الوقت كان عدد المهندسين الليبيين محدوداً مما دفع الجهات المختصة بالقطاعات المعينة للتعاون مع مكاتب خبرة استشارية من الخارج ومن جهات متعددة ومدارس معمارية متباينة الأمر الذي جعل صورة الهوية المعمارية الليبية غير واضحة بل غريبة نتيجة اختلاف المصممين والجهات المنفذة حيث اجتهد المصممون والمخططون في وضع لمسة معمارية كانت في الحقيقة تخص البلدان والمدارس المعمارية القادمين منها. وبالتالي فإن النمط المعماري الذي ساد المدن الليبية كان خليطا من عدة مدارس أجنبية أتيحت لها الفرصة لتنفيذ مخططات سريعة، فالظروف كانت تستوجب تنفيذ هذه المخططات في زمن قياسي دون النظر إلي أمور أخري لأن الظروف في ذالك الوقت كانت تفرض ذالك. فكانت النتيجة انتشار المباني المرتفعة من ثمان إلي عشرة إلي 20 دور بدل المباني التقليدية محدودة الارتفاع. كما تشابهت النماذج المستخدمة في التصميم ونصبت المباني منفصلة في الفضاء بشكل يختلف عن النمط المعماري المعروف. نمو طرابلس السريع نتج عنه الكثير من الصور السلبية المؤثرة علي نمطها المعماري رغم الإنجازات المتعددة التي شملت شبكات الطرق والجسور والبنية التحتية والمساكن وغيرها من المرافق الحضرية الحديثة اللازمة للحياة العصرية.

         حاليا هناك بوادر مشجعة لتغيير المشهد المعماري بالمدن الليبية وبالتالي تحقيق فرص إيجابية لوضوح نمط المعمار المحلي. ويظهر ذلك بصورة جلية في محاولات بعض المعماريين الليبيين المعاصرين ممن أخذوا علي عاتقهم دراسة الموروث المعماري الليبي وإيجاد مقترحات معمارية تستجيب بصورة أفضل لمقومات المكان الطبيعية والاجتماعية. 



 الخلاصة/
تشكل الهوية طابعا متميزا للمدينة ومرافقها من مساكن وأسواق ودور للعبادة ومرافق عامة أي تمنحها هوية ذات أبعاد نفسية، وذات أثر في تنمية الترابط الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي بين المدينة وسكانها. وتستند فكرة الهوية علي فكرة التعبير المعماري والذي يدخل في تكوينه عدد من المظاهر البصرية والعناصر التي تدخل في تكوين العمل المعماري مثل الشكل والمواد وتقنية البناء المستخدمة والعناصر الزخرفية والفراغات الداخلية وخصائص المكان.

لقد استطاعت المدينة القديمة في طرابلس المحافظة علي هويتها المتميزة لغاية الوقت الحاضر رغم بساطة وتناسق مكونات نسيجها العمراني الذي اشتهر بموروثه الغني من المباني والمفردات المعمارية المعروفة لدي سكان المدينة. بينما أظهر الجزء الحديث من المدينة محاولة المستعمر الإيطالي إعطاء هوية جديدة للمدينة من خلال استناده على أسس  و مبادئ تخطيطية مستوردة وغريبة عن المجتمع. لقد نجح المستعمر في إضفاء لمسة جمالية "جديدة" علي المدينة وتغيير هويتها بجعلها مدينة "عصرية" لاتختلف عن أية مدينة أخري سواء بنظام شوارعها الفسيحة ونمط مبانيها ونظامها التخطيطي.

إنّ ضياع الملامح الشخصية المتنوعة للمدينة ينتج عنه مخاطر علي الوحدة النفسية والجغرافية السياسية للمجتمع، أي على هويته الحضرية. الأمر الذي يستوجب معه ترسيخ إنشاء هوية ثقافية متميزة للمدينة العربية وضرورة الحفاظ عليها وذلك لضمان شعور الإنسان بالألفة مع محيطه. والمعمار هو أحد عناصر هذه الهوية بما يحمله من تكوين للمكان الأليف وانعكاس هذه الألفة علي السلوك والنظر والعلاقات في المجتمع وعلاقته بالمجتمعات الاخري.
التطوير العمراني المعاصر للمدينة يتطلب إيجاد توازن بين البيئة المحلية والنمط المعماري بما يضمن تحقيق أو إيجاد هوية معمارية ملائمة للمدينة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الدراسات المتأنّية والواعية لنماذج البيئة المحلية والمتمثلة في أشكال وأنماط العمارة والتخطيط للمدن والقري والظروف البيئة المحيطة ومعرفة العوامل المختلفة التي ساهمت في بلورتها وبالتالي إبرازها بشكل متميز. يجب ترسيخ هوية المدينة بتطويرها لتكون لها علاقة إنسانية مع سكانها كونها وسيلة تعبر عن ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم الحضاري.

هناك حاجة لصياغة أفكار تتلاءم مع نمط الحياة التي نعيشها وتجسد نمط وهوية العمران المحلي وكذالك مراعاة الجوانب التفصيلية في تنويع المخططات والتصاميم العمرانية الخاصة بتخطيط المدن والأحياء والمجاورات السكنية والبعد عن الافكار المستنسخة وذلك بما يتوافق مع طبيعة الظروف المكانية والاجتماعية والاقتصادية وخلافها من العناصر المحددة لهذه المخططات. تحقيق ذلك يتم من خلال:
§   وضع الخطط والاستراتيجيات المقرونة بآليات التنفيذ "الفعالة" والتي تكفل تحقيق هذه الخطط وتفعيلها علي الأرض الواقع.
§        تشجيع الأبحاث والدراسات العلمية المتخصصة وإثراء الحياة العملية بمزيد من النقاش والندوات والمؤتمرات.
§   وضع البرامج اللازمة لإيجاد "أجهزة" إدارية وتخطيطية وتنفيذية ذات كفاءة قادرة علي القيام بمهام تطوير وتنمية المدن لتكون مدن حيوية مفعمة بالأنشطة الحضرية المتميزة وليست مجرد فضاءات وظيفية.
§   تأهيل الكوادر البشرية العاملة في هذا المجال تأهيلاً دقيقاً في مختلف التخصصات العلمية وتكثيف الجوانب التعليمية التدريبية والعلمية.
§   تطوير المناهج المتعلقة بالدراسات العمرانية وتخطيط المدن وإعطاء مساحة أكبر للأكاديميين وأساتذة الجامعة في طرح أفكارهم ورؤاهم في البناء والتطوير.
§        رفع مستوي مرونة وتفاعل القوانين والتشريعات مع المتغيرات العصرية والاستعانة بالخبرات والتجارب العالمية.
§   استشعار أهمية التوعية والمشاركة الجماعية والرقي بمستوي الوعي والإدراك والتحضر والتجرد من الرؤى والعادات والأفكار السلبية، لأن المجتمعات المتحضرة وحدها القادرة علي النهوض ببنيتها العمرانية.


شكر و تقدير/
يتقدم الباحث بجزيل الشكر للمدرسة الليبية للعمارة والفنون، خاصة الباحث جمال الهمالي اللافي للعون الذي قدمه أثناء الأعداد لهذه الورقة.


المراجع/


1- framton,k, modern architecture; A Critical history, 1980
2 Nelson, H. architectural character; identifying the visual aspects of historical buildings. Http. Oldhousewep_com.htm.

3- lynch, k, the image of the city, mit prees,Cambridge Mass., 19
4- التليسي ،خليفة ، حكاية مدينة، الدار العربية للكتاب، ليبيا، 1985، ص28.
5- نفس المرجع السابق ص 34.
6-اللجنة الشعبية العامة، قرار رقم 40 لسنة 1985،بإنشاء مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس.
7-benswessi,A,the search for hdetity hn the human contex for tripol, paper presented in the international bienal de urbanismo, Buenos aires, nov., 8-11,1996
8-محمود دازة ، مراحل التغير في التعبير المعماري والعمراني بمدينة طرابلس وخلفيته التاريخية (مرحلة الاستعمار الايطالي )، ورقة مقدمة لندوة الملامح المعمارية والعمرانية لمدينة طرابلس 1985.
9- نفس المرجع السابق
10- نفس المرجع السابق
11- أبو القاسم، رمضان الطاهر، إعادة تنمية المدن الصحراوية القديمة: الطموحات والواقع، ندوة التنمية العمرانية في المناطق الصحراوية ومشاكل البناء بها، الرياضة2-4-11-2002.
12-أبو القاسم، رمضان الطاهر، نحو تنمية مستدامة للمدن القديمة، ندوة المحافظة علي المدن القديمة، بنغازي، الجماهيرية العظمي 2-4-11-2004.
13-انظر"لقاء العدد: من داخل مشروع المدينة القديمة " مجلة أثار العرب العدد السادس الربيع (مارس)1993م ص 126-129.و "طرابلس في قلب التاريخ" احد منشورات مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة الطير 1988.

  Azzuz, contemporary Libyan architecture; possibilities vs. realities


* أستاذ بقسم العمارة و التخطيط العمراني/ جامعة الفاتح كلية الهندسة

تعريف بالكاتب على هذا الرابط/
http://mirathlibya.blogspot.com/2008/10/blog-post_17.html

المواضيع الأكثر مشاهدة

بحث هذه المدونة الإلكترونية