أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الخميس، أغسطس 19، 2010



لماذا الآثار هي المنهل الذي لاينضب لفهم الجزء المادي
من التراث الثقافي لأي شعب من الشعوب



الدكتور علي مسعود البلوشي
كلية الفنون والإعلام _ جامعة الفاتح
                  
الحضارة الإنسانية، في مفهومها العام، هي المنتج المادي والفكري لكل ما ابتدعته شعوب الأرض، وقوة أو ضعف حضارة أي شعب تقاس بقيمة ما يبدعه فكر هذا الشعب أو ذاك من روائع النتاج المادي والفكري. ولكي نفهم هذين النتاجين،الممثلين لوجهي العملة والمكملين لبعضهما البعض،لابد لنا من الاستعانة بعدد من العلوم والمعارف،أهمها علم الآثار، وعلم اللغة أو علم فقه اللغة، وهذان العلمان وفروعهما المختلفة هي الركائز الأساسية لمعرفة سير النشاط الحضاري والبشري بشكل متوازن وبتوافق، بحيث لايطغي ويبرز أحدهما علي حساب الآخر، وإن حدث ذلك فإنه من الطبيعي والمنطقي أن يحدث اختلال لمسيرة الحضارة والنشاط البشري بصفة عامة.

وقد حرصت كثير من شعوب العالم كل الحرص لكي تحقق وتصل إلي مرحلة التحكم في التوازن بين النشاط المادي والنشاط الفكري لكي يسيرا متوازيين، وليحققا ما تصبو إليه الشعوب من إشباع لحاجتها المادية والفكرية، وبالتالي الوصول إلي تحقيق التوازن اللازم لنمو الحضارة الإنسانية بشكل طبيعي، غير قابل لحدوث الزلل والخلل.

ومن اجل تفهم حقيقي لمسيرة الحضارة الإنسانية علينا أن نتعرف علي ماهيّة كثير من العلوم والمعارف المختلفة، وفي مقدمتها علوم الآثار، وعلوم فقه اللغة أو اللغات، فهذه العلوم والمعارف المختلفة تؤدي في النهاية إلي تحقيق التوازن الحضاري المطلوب في شقيه المادي والفكري.

والتعريف المبسّط لعلم الآثار، هو ذالك العلم الذي يهتم بدراسة كل ما أنتجه الإنسان من أشياء مادية، استخدمها واستعان بها في حياته، لكي يحقق إشباع احتياجاته ورغباته المادية المختلفة.

والتعريف المبسّط لعلم اللغة أو فقه علم اللغة،هو ذالك العلم الذي يهتم بكل ما انتجه الإنسان من كتابات ولغات،ونصوص وقوانين مدونة، وشرائع ومعارف مختلفة، ذات العلاقة بالعادات والتقاليد، والفلسفات والأديان، والمعاملات والنشاطات الفكرية المختلفة، وبكل ما أبدعه الإنسان فكريا لكي يحقق إشباع رغباته واحتياجاته وأهدافه ومعتقداته ذات العلاقة باللا مادة.

ولكي نفهم علم الآثار بشكل أكثر عمقا لابد من أن نتعرف علي مجموعة أخري من العلوم المساعدة وذات العلاقة بعلم الآثار، إضافة إلي ذلك من الضروري التعرف على فروع علم الآثار على اختلاف أنواعها ووظائفها،والتي توضح لنا التفاصيل الدقيقة لمجموعة علوم الآثار الواسعة والمتشعبة والمتصلة بكثير من العلوم والمعارف الأخري ذات العلاقة.

فالتعرف علي هذه العلوم المساعدة والفروع المكملة يساعد الدارسين لهذه العلوم علي الوصول إلي الفهم الحقيقي والعميق والرهين لدور علم الآثار كعلم، ودور الآثار كعلم، ودور الآثار الثابتة والمنقولة بكل أشكالها وأنواعها لتساعد الدارسين والمهتمين –علي الوصول إلي الحقائق العلمية ا لرصينة لمسيرة الحضارة الإنسانية في شقها المادي.

وفي هذه العجالة نكتفي فقط بذكر بعض من هذه العلوم والمعارف ذات العلاقة، بدون التوغل في كيفية مساهمة هذه العلوم المساعدة لعلم الآثار للوصول إلي الحقائق العلمية والحضارية، وفهم مسيرة النشاط البشري بصفة عامة.

فعلم الاثنولوجي (علم الأعراق البشرية)، وعلم الاثنوغرفي (علم خصوصيات الشعوب أو الانثروبولوجيا الوصفية)،وعلم الانثروبولوجي (علم السلالات البشرية من الوجهة الطبيعية)،وعلم الجغرافيا (العلم المتعلق بالمناخ والطقس والمسطحات الأرضية والمائية وغيرها)،وعلم الجيولوجيا (العلم المتعلق بطبقات الأرض ومكوناتها وخصائصها وفتراتها الزمنية الخ)،وعلم تاريخ الفن( العلم الذي يهتم بتطور الطراز والعناصر والإشكال والصيغ والمفردات والعناصر الزخرفية والمعمارية والفنية ونشأتها وتطورها، وتأثيرها وتأثرها في وعلي هذه العناصر،وانتشارها في مناطق مختلفة من بقاع العالم)،وعلم التاريخ( العلم الذي يهتم بكل التاريخ السياسي والاجتماعي، وتدوين كل ماصا حب مسيرة الإنسان منذ أن استطاع هذا الإنسان تدوين الحوادث إلي يومنا هذا).
فهذه العلوم وفروعها الدقيقة،وغيرها من المعارف ذات العلاقة تساعد الدارسين لعلم الآثار، من قريب أو بعيد بطريقة مباشرة أو غير  مباشرة، في منهم كل ماله علاقة بالتاريخ المادي لحضارة أي شعب من الشعوب، ويمكن شرح هذه العلوم ومدى ماتساهم به من إضافة لفهم الدور الذي تؤديه لصييرورة الحضارة في شقها المادي.

أما فيما يتعلق بفروع علم الآثار أو ما يندرج تحتها، فأهمها علم العمارة بجميع فروعه المختلفة من مدنية ودينية وحربية، والنحت ومدارسه، وعلوم الفنون التشكيلية والجميلة والتطبيقية ذات الأهداف النفعية والجمالية، والتصوير وفنون الكتاب، وعلم المخطوطات وأوراق البردى، وعلم النميّات (المسكوكات)،وعلم الأوزان والمقاييس، وعلم الأختام...وغيرها من الفروع الأساسية والفرعية،هي فروع من علم الآثار،لأنها تتعلق بكل ما أنتجه الإنسان من أشياء مادية،استعان بها واستعملها في حياته اليومية الاقتصادية والدينية والتعليمية والثقافية والترفيهية والحربية...الخ.

وهكذا نصل إلي فهم الدور الخطير والمهم الذي يلعبه علم الآثار كعلم، والآثار المادية الثابتة والمنقولة، في فهم حياة الشعوب، من حيث الموروث الثقافي المادي، لأن أي إنتاج مادي كانت وراءه عوامل مختلفة،وفلسفات وأيدولوجيات، وأفكار متراكمة،أدت في النهاية إلي صبغة هذا المنتج الفكري أو المادي بطابع مميز، قد يقتصر استعماله أو وجوده علي شعب بعينه، أو منطقة جغرافية معينة، أو تجعل منه أسلوبا وطرازا معينا، يظهر ويترعرع وينمو في فترة زمنية محددة، أوحقبة أو مرحلة حضارية، وارتبط بحياة شعب من الشعوب، اقتصر علي بلد أو منطقة جغرافية محددة، أوصار أسلوبا وطرازا اوفكرا عالميا شمل بعض أو كل قارات العالم.

فالآثار الثابتة والمنقولة،هي الموروث المادي، التي انتجها شعب من الشعوب، وهي في الحقيقة المورد الذي لا ينضب لفهم جزء عريق من الكم الهايل من الموروث الثقافي المتراكم، والذي ينعكس تلقائيا وباستمرار علي ما يجري من انجازات حضارية مادية، تنتج يوميا بدون أن نشعر بتطورها البيئي، إلاّ بعد أن تمر فترة زمنية، طويلة اوقصيرة، حتي يشعر بها العامة من الشعب.
وهنا وعندها يبدأ التساؤل حول ظهور هذه الإنجازات المادية، ودراسة ماهي العوامل المختلفة التي كانت وراءها فيما مضي، حتي صارت بهذا المستوى والأسلوب الذي أعطي شخصية لهذا الشعب أو ذاك.

فاغلب شعوب العالم عرفت اليوم أهمية علم الآثار، وأهمية دور الآثار الثابتة والمنقولة في تثقيف الشعوب، وغرس روح الشعوب القومي، والاعتزاز بالماضي التليد، وتنشئة الأجيال حضاريا تنشئة واعية مؤمنة بدورها في تغذية مسيرة الحضارة الإنسانية بصفة عامة.
ونتيجة لهذه الأهمية والدور الخطير اهتمت بها بشكل عام سواء في مدنهاالاثرية، ومواقعها التاريخية، فأقامت لها المتاحف والمعارض المتخصصة، وخصصت لهاالاموال والميزانيات السنوية، وأصدرت لها الدول القوانين لحمايتها والحفاظ عليها وصيانتها وترميمها، ذالك أن الآثار بجميع أشكالها وأنواعها هي الموروث المادي الذي يخص الإنسانية جمعاء لماذا ؟

لان الآثار بكل أنواعها وقيمها الحضارية، هي مدرسة لتثقيف الشعوب وهي المنهل الذي لاينضب لفهم كل الثقافات المختلفة لأي شعب ولأي أمة من الأمم. فالأمم التي اهتمت بدراسة وصيانة تراثها قطعت شوطا طويلا وكبيرا في فهم ثقافاتها المتتالية والمتراكمة، ولأهمية ذلك خصصت لها هيئات رسمية علي أعلى المستويات، يتبعها إداريا كل الموروث الثقافي في كل مجالاته المختلفة، والمدن والمواقع الأثرية والتاريخية، والمدن التاريخية القديمة والأحياء والمباني التاريخية، لأن كل هذه المؤسسات ذات طابع علمي ثقافي حضاري تعليمي وترفيهي لكل فئات الشعب .

فالمواطن العادي، والطالب والمدرس، والمتعلم والمثقف، والدارس والناقد، والباحث والسائح والزائر وغيرهم، عند تعاملهم مع هذه المؤسسات الثقافية، يخرج بفكرة أو أفكار مختلفة، وآراء غزيرة متباينة، بقدر حصيلته العلمية والثقافية، فالجميع يستفيد ويتمتع ويتعلم ويتعمق، ويدقق ويتثقف، ويبدع ويحصل علي متعة ثقافية وعلمية وجمالية. ومن هنا يرتقى ذوقه وحسه الجمالي، وثقافته ومستواه الحضاري. وفي ارتقاء الذوق والحس الجمالي، والشعور بالانتماء، ارتقاء للثقافة والحضارة، ومستوي الشعوب حضاريا وثقافيا وعلميا واجتماعيا وسياسيا.

تعال ناخد أمثلة مختلفة، لها علاقة بالآثار المادية الثابتة والمنقولة، لكي تتضح لنا الصورة بشكل أكثر تحديدا، مثل قطعة من صوانيات ما قبل التاريخ، مبني الكعبة المشرّفة، مبني معبد الزيجورة، بوابة عشتار، الهرم، المعبد اليوناني والروماني والفرعوني والبوذي، الديامس المسيحية المكبرة، الكنيسة، الجامع، المدرسة، القلعة، الرباط ، البيت، القصر، الخيمة، المبني التاريخي، الحي والمدينة التاريخية، النصب التذكاري، قطعة عملة، شاهد قبر، طبق من الفخار أو الخزف أو المعدن أو الزجاج، مصباح زيت قديم قطعة رداء، عباءة تتويج، سيف، وسام، لوحة تذكارية، مخطوط، صورة أو لوحة زيتية، تمثال، مفردات زخرفيه....الخ.

فالدارس والمحلل لهذه الآثار الثابتة والمنقولة، تحليلا علميا كاملا من جميع الوجود، يعرف كل الخفايا الحضارية والثقافية والتاريخية والمادية والاقتصادية والفلسفية والدينية والفنية والإبداعية التي كانت وراء إنتاجها. وكل هذا، بالطبع وفي الواقع، متعلق بالميراث والموروث الثقافي لأي شعب من الشعوب.

ومن هنا كان من الضروري توظيف الآثار، وما يتعلق بالآثار، توظيفا ثقافيا حضاريا، لارتباطها المتأصل الذي لايتجزأ بالموروث الثقافي لأي شعب من الشعوب. ومن البديهي يجب الاستفادة من الآثار في صناعة السياحة، كصناعة لها مقوماتها المختلفة، وكذالك مردودها الاقتصادي بالدرجة الأولي وهو الأهم. في حين أن النظرة إلي الآثار يجب، وهي كذالك في الأصل ،أن تكون نظرة ثقافية حضارية واعية، ومدرسة للدور المهم والخطير في تطور الشعوب حضاريا وثقافيا. ومن الخطأ والخطورة أن ننظر إلي الآثار نظرة صناعية، مثل أي صناعة أخري تنظر إلي الربح المادي بالدرجة الأولي وأخيرة.   
                            

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق