أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

السبت، أكتوبر 29، 2011

ماذا بعد ثورة 17 فبراير؟


براغماتية الغرب ومصالح الشعوب


جمال الهمالي اللافي

كثر لغط آخر بين الكثير من أشباه المثقفين والمحللين السياسيين في العالم العربي حول طبيعة الثورة التي قام بها الشعب الليبي على طاغوت العصر القذافي، وتلقيبهم لهم بثوار الناتو، بعد أن قرر الغرب التدخل لصالحهم في حربهم ضد هذا الطاغوت الذي أجرم في حقهم كما لم يجرم طاغوت آخر بحق شعب.

وسأدخل في صلب الموضوع وأقولها بصراحة، أن الغرب تدخل في ليبيا لأن مصالحه تعرضت للتهديد بقيام ثورة 17 فبراير. وهو بقراءته للأحداث الجارية في ليبيا وتسارعها في تلك الفترة وتصوره للنتائج المترتبة عليها، توقع أنّ الكفة سترجح في النهاية لصالح الثوار، وأنه لم تعد هناك أي فرصة أو مجال للتدخل لفرض الأمر الواقع بتثبيت عميلهم القذافي - كما جرت العادة في مثل هذه المواقف. فقرر الانحياز لصالح الشعب الليبي والتضحية بعميلهم حتى لا يخسروا كل شئ.
وهو ما يفسره صمتهم لفترة طويلة نسبياً عما يجري في ليبيا من مجازر قام بها هذا الطاغوت" العميل" قبل إعلانهم التدخل العسكري، وهي فترة كانت كافية لتقييم الأوضاع واتخاذ القرار المناسب والحاسم. ويمكن تشبيه تدخلهم في ليبيا بتدخل مبضع الجراح الذي يلجأ إلى بتر أحد الأطراف عندما تقتضي الضرورة والمصلحة إنقاد حياة. والقذافي هنا هو العضو المبتور من جسد ليبيا.

ومن جانبهم فإن ثوار ليبيا وهم من أفراد الشعب من المدنيين العزّل، قليلي الدراية بشؤون الحرب، وألاعيب السياسة، لم يجدوا في تدخل الغرب تعارضاً مع مصلحتهم العليا في القضاء على الطاغوت القذافي وجيشه ومرتزقته الذين استجلبهم من كل بقاع الأرض واشتراهم بالمال والوعود المجزية. وبقرارهم هذا كسبوا حلفاء في معركة التحرير التي خاضوها ضد هذا الطاغوت، ولم يفكروا في أبعد من ذلك، ولا في عواقبه المستقبلية، لأن المشهد على أرض المعركة كان أقسى وأمرّ من أن يتيح لهم مجالاً للتفكير في العواقب.

واليوم وبعد انتهاء المعارك بتحقيق النصر المبين على هذا الطاغوت بفضل الله سبحانه وتعالى، وهو الذي سخر لنا الأسباب كلها، وإليه يرجع الفضل وحده. يبدأ الحديث عن مستقبل التواجد الغربي في ليبيا وما مدى الاستفادة التي سيحققها الشعب الليبي من الدخول معه في تحالفات استراتيجية، على شاكلة " تحالف أصدقاء ليبيا" الذي ضمّ حتى هذه اللحظة 13 دولة أوروبية تقودها دولة عربية واحدة هي دولة قطر. وهو ما يقودنا إلى طرح علامتي استفهام كبيرتين:
·   هل يقع هذا التحالف ضمن حسابات ضريبية ستدفعها ليبيا مقابل ما يعتقد الغرب أنه قدمه للشعب الليبي في حربه ضد الطاغوت القذافي؟ أم هي رغبة حقيقة وصادقة في تكوين تحالفات الهدف منها اولاً وأخيراً تحقيق مصالح مشتركة.
·        وإلى أي مدى سيؤثر هذا التحالف على استقلال ليبيا وقراراتها السيادية؟

لا شك إن تبادل المصالح المشتركة التي تحفظ لليبيا سيادتها واستقلالها وحقها المشروع في استثمار خيرات البلد بما يعود بالنفع على الشعب الليبي، ويؤدي إلى استقرارليبيا وتحقيق أمنها ونهضتها، سيكون حتماً محل ترحيب من كل الليبيين، مثلما سيكون محلاً لترحيب الشعوب الصديقة التي وقفت معنا، ولكن هذا لا يتأتى إلاّ بشرط واحد وهو أن  يكون الشعار المرفوع من طرف الجميع هو" المصلحة للجميع، ولا أحد يخسر"، ودون أن يعقب ذلك تقديم تنازلات في القضايا الحيوية وأولها اختيار من يحكمهم وطبيعة الحكم التي يرتضيها الليبيون والتي لا تتعارض مع شريعتهم الإسلامية وقيمهم وأعرافهم.

غير أن فهمنا لطبيعة العقلية البراغماتية التي تقود الغرب وترسم جميع سياساته الداخلية والخارجية وتحدد متى تقيم التحالفات، ومتى تنقضها، ومع من تكون، وضد من، ولماذا، يدفعنا إلى التنبيه لحقيقة لا تقبل الجدل وهي أن الغرب ليس له صديق أو صاحب أو حليف، بل لديه مصالح يحققها، وهو ما يفسر لنا بكل جلاء ووضوح لماذا تخلي الغرب عن صنيعتهم القذافي، الذي أثبت على مدى الأربعة عقود الماضية كفاءة عالية تؤهله للإستمرار في أداء مهمامه حتى نهاية العمر. وهو ما يفترض أن يضعه الساسة الجدد في ليبيا في حساباتهم عند عقد التحالفات، وأن تكون مصلحة ليبيا وشعبها فوق كل اعتبار.

والعاقل من اعتبر بغيره، ولم يجعل من نفسه عبرة يتدارسها التاريخ بدموع الحسرة والندامة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق