نحو استراتيجية وطنية للحفاظ على المدن الليبية التاريخية






د.جلال رمضان البلعزي*

مقدمة/
على الرغم من الاهمال لسنوات طويلة مازالت مدننا القديمة تحتفظ بجانب هام من التراث الثمين الذي تعرض لخطر الزوال في مرحلة الحكم أو الإدارة الدكتاتورية السابقة التي استخدمت مصطلح ثورة التحديث والارتقاء والخلاص من ظاهرة التأخر والجمود. ونتيجة لهذه السياسة نجد في معظم مدننا مدينتين إحداهما قديمة (مستودع التاريخ والتراث) والأخرى حديثة (وظيفتها، أساليب التنظيم العمراني الحديث).ولهذا السبب كان لابد إن تطهر مشكلة المدن القديمة والتاريخية وكيفية انقاد تراثها ومعالمها الأصلية.

تعريف الاستراتيجية/
هي مجموعة السياسات والإجراءات التي تتخذها الإدارة لتحقيق فلسفتها وأهدافها للمحافظة وصيانة المدن التاريخية في شكل وطني متكامل. المقصود هنا بالاستراتيجية الوطنية لحماية والمحافظة على المدن التاريخية وتقديم الخطط المتكاملة للحفاظ على المدن التاريخية من جميع النواحي، التطور الحضري الذي يرسمه المجتمع الليبي وتوجهاته العامة بما ينسجم مع معطيات الثقافة العربية الإسلامية والمجتمع الدولي.


مبررات الاستراتيجية/
المبرر الرئيسي الذي تهتم به هذه الاستراتيجية الوطنية هو تناول قضية المحافظة على المدن القديمة والتاريخية من زاوية شمولية وطنية تهم جميع الليبيين باختلاف أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. أحد أهم المبررات لوضع هذه الاستراتيجية تأتى من حقيقة أن المجتمع الليبي بمختلف أوضاعه يعيش في الوقت الحالي في زمن ملئ بتحديات إعادة البناء والتعمير الذى له انعكاساته وآثاره على المدن التاريخية والقديمة.

مسلمات الاستراتيجية/
·        العمل على مرعاة خصوصية وتنوع المدن القديمة المختلفة.
·       هذه الاستراتيجية المفروض إن تعمل في إطار تشريعي وطني موحد.
·    معالجة مشاكل وقضايا المدن التاريخية والقديمة بطريقة علمية وعصرية منفتحة على العالم والتكنولوجيا الحديثة للمحافظة على المدن القديمة.
·    تعمل هذه الاستراتيجية في إطار المحافظة على الجوانب( الاجتماعية\ الاقتصادية\ الثقافية\ السياسية\ الحضرية) المشتركة لجميع المدن الليبية القديمة والتاريخية.
·     تعمل هذه الاستراتيجية لتأكيد الهوية الليبية الإسلامية لهذه المدن .


المدى الزمني للاستراتيجية/
·        لكل استراتيجية في العادة مدة زمنية تطبق فيها أهدافها وبرامجها.
·        اقترح إن تكون المدة الزمنية لهذه الاستراتيجية عشرة سنوات من تاريخ اعتمادها من الجهات المسئولة.
·        على إن تحدد وتصمم مجموعة من البرامج والنشاطات لكل ثلاث سنوات.
·        عند انتهاء كل فترة ثلاث سنوات يخضع ما أنجز للتقييم والمراجعة لاستخراج مؤشرات وأولويات وحاجات تبنى عليها خطة العمل اللاحقة.
·        في نهاية المدة يتم تقيم كامل الاستراتيجية وتستخلص مؤشرات وأولويات لإستراتجية وطنية جديدة.

تمويل الاستراتيجية/
يمكن تمويل الاستراتيجية بالأساليب التالية:
·        ما يخصص من ميزانية الدولة.
·        التبرعات والهبات الفردية أو المؤسسية التي تتفق وأهداف الاستراتيجية والتزاماتها.
·        تأسيس صندوق لتنمية والمحافظة على المدن القديمة وتستمر أمواله في مشروعات موجهة لصيانة وإعادة تأهيل المدن القديمة والتاريخية.
·        عوائد الاستثمارات التي يشارك بها الإدارة.
·      منح المؤسسات الدولية التي تتفق وأهداف الاستراتيجية والتزاماتها مثل UNSCO  أو أي مصادر أخرى يسمح بقبولها طبقا للقوانين والتشريعات الليبية بالخصوص.

صلة الإدارة بالمؤسسات الأخرى/
لا تصلح أن تعمل هذه الاستراتيجية بمعزل عن المؤسسات الأخرى الرسمية وغير الرسمية، بل تكون عاملة في سياقها وعلى صلة وثيقة بها. ويمكن اقتراح إنشاء مجلس أو هيئة استشارية لهذه الاستراتيجية تمثل في كل الوزارات والجهات ذات العلاقة بالمدن التاريخية والأثرية لرسم السياسات وتطويرها واقتراح أساليب تنفيذها.

منطلقات وأهداف الاستراتيجية/
هذه الاستراتيجية وطنية كاملة وليست نوعية فهي تهتم فقط بالمعطيات المشتركة لجميع المدن الليبية التاريخية والقديمة, وعلى ذلك يمكن تحديد الأهداف الوطنية لهذه الاستراتيجية في الإبعاد التالية:
1.     وضع فلسفة عامة للمحافظة وصيانة المدن التاريخية .
2.     حصر جميع المدن التاريخية والقديمة باستخدام نظام .GIS
3.     تقيم جميع المدن الليبية القديمة فنيا مع توفير كافة المعلومات التاريخية والفنية الخاصة لكل مدينة.
4.     حماية المدن القديمة من قيام مشاريع التوسع العمراني الحديثة وتوجيه كل الاهتمام إليها.
5.     خلق إلية واضحة لعمليات الصيانة العامة والدورية لكافة المدن القديمة.
6.     إعداد خطة لإبراز معالم المباني التاريخية عن طريق إبراز معالم مبانيها التراثية مثل الأسواق.
7.     ربط هذه المدن القديمة بالمدن المتواجدة بها.
8.     إيجاد حلول لمشكلة تضخم حركة النقل وتوغل الوسائط الإلية داخل أزقتها الضيقة.
9.     تطوير السكن والمساكن لأن الوظيفة السكنية كانت وستظل هي الوظيفة الأساسية في المدن القديمة.

ميادين ومجالات الاستراتيجية/
تشمل هذه الاستراتيجية بشكل مبدئي المجالات والميادين التالية:
أولا- التسجيل:
أحد الخطوات التي يجب إتباعها هي حصر وتسجيل وتوثيق المدن القديمة وفق الآتي:
( المكان\ الأهمية\ القيمة النوعية\ الترميمات المطلوبة\ الزمن الافتراضي لعملية الصيانة\ الصيانة والعناية المتطلبة).
ثانيا- التقويم:
تقويم شامل لكافة المباني بجميع المدن القديمة وفق الإتى:
الأهمية التوثيقية التاريخية\ الأهمية الجمالية (الفنية والتاريخية)\ الأهمية الوظيفية\ القيم الاستخدامية للمباني المباشرة وغير مباشرة.

ثالثاً- انجاز التحضيرات الأولية لعمليات الحفاظ والصيانة:
الدراسات المعمارية والتخطيطية:
التحليل الإنشائي التاريخي(العقود ,الأقواس...الخ)\ تحليل فني إبداعي تاريخي(التناظر, الإيقاع, التناسب...الخ)\ التحليل الإنشائي التقني(مادة البناء, إلية وأداة البناء....الخ)\ طبيعة النسيج العمراني( الوظائف الخدمية, ارتفاعات المباني...الخ)\ تقديم المقترحات المعمارية والإنشائية العلمية.

رابعاً- في مجال التوعية والتثقيف:
-         القيام بحملة إعلامية وطنية (تثقيفية لشرح أهمية الحفاظ على المدن القديمة).
-     القيام بحملة توعية للسكان المحليين لهذه المدن كل على حدا توضح الدور الذي يقع عليهم في عملية الحفاظ على هذه المدن.
-       إقامة تعاون ثقافي بين جهات الاختصاص مثل كلية الهندسة, كلية الآداب والهيئة العامة للآثار.
-       دعوة المؤسسات العالمية والرسمية والمحلية المتخصصة بتشجيع السياحة لإصدار ونشر كل ما يتعلق بهذه المدن كمعالم سياحية.
-         تشكيل النوادي والجمعيات مثل جمعية أصدقاء التراث.
-         إقامة المعارض تشمل صور ورسومات ونماذج لمعالم المدن.

خامساً- في مجال التشريع:
-         إصدار القوانين والتشريعات واللوائح التي من شانها العمل على تنظيم عمليات الحفاظ والصيانة.
-         إصدار القوانين والتشريعات واللوائح التي من شانها العمل على تنظيم عمليات البناء الحديثة دون المساس والتغير السلبي على عمران وعمارة هذه المدن.
-         إصدار القوانين والتشريعات واللوائح التي من شأنها العمل على تنظيم عمليات العمل الاستثماري وخاصة في مجال السياحة.
-         إصدار القوانين والتشريعات واللوائح التي من شانها تعميم وتطوير الأنماط المعمارية المتواجدة بهذه المدن والارتقاء بها.

سادساً- في مجال الإدارة والتأهيل:
-         القيام بتأهيل وتدريب كافة الكوادر العاملة في مجال الحفاظ والصيانة واستقطاب الخبرات في هدا المجال.
-      عمل ورش عمل وندوات ومحاضرات لشرح أهداف وسياسات وخطط عمل برامج الحفاظ والصيانة والحماية لتوجيه وتوضيح دور العاملين في هدا المجالات.
-      إحياء الحرف اليدوية في مجال التراث العامة والتراث المعماري لهذه المدن وربط هذه الحرف بمركز الدراسات الخاصة بالحفاظ والحماية للمدن.

سابعاً- في رد المخاطر( الإخطار الطبيعية والكوارث):
-         وضع خطة عملية لدرء مخاطر الحرائق واحتوائها.
-         دراسة الوضع الجيولوجي للمدن تناول حالة التربة ومستوى سطح المياه الجوفية ووضع المباني وحالتها وما يجب عملة تفادياً لأية مضعفات قد تنجم في هذا الشأن.
-         دراسة توزيع وتركيب الشبكات الهندسية كالكهرباء والمياه والمجاري والارتقاء بما يجنب مباني هذه المدن وساكنيها ومستخدميها من إخطارها.

الخلاصة/
للعمارة ولحيز المدن القديمة والتاريخية جذوراً في تاريخ وواقع وتطلع كل شعب وكل أمّة من حيُ مفهومها. لهذا يجب إن نواجه مشكلاتنا وواقعنا ونبلور توجهاتنا ونصغ أهدافنا بروح علمية ولنعمل بجد على قبول التحدي الذي تفرضه علينا هذه المدن القديمة لتكون خطواتنا سليمة على طريق وضع سياسة واضحة للحفاظ وترسيخ تراث هذه المدن وتقاليدها للرقى بسكانها ولترتفع مع ذلك وتيرة الحفاظ على مدننا القديمة.



* مستشار جهاز إدارة المدن التاريخية لتأهيل المدن التاريخية.


تعليقات

  1. موضوع ممتاز جدا لا اعلم هل نسيناه او نتناساه نحن الليبيين

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

المعلم/ علي سعيد قانة

مشاريع معمارية