عندما يودع المكان سره في عمارته


  
د. مصطفى المزوغي

نبرة الأسى التي تغلف كلماته آلمتني وأنا أرقب صوته يخفت متسائلا: ” لماذا كان الغرباء أكثر حنانا على طرابلس وأكثر ألفة معها واليوم (نحن) نطعنها في عمرانها بدون رحمة ؟” هكذا كان تعليق صديقي المعماري أحمد إمبيص ونحن نتقاسم اجتهادنا في قراءة صور محاولات المعماري المجدد للمحلية فلوريستانو دي فاوسطو Florestano di Fausto في أعماله المنتشرة في ليبيا.

كنت عائدا للتو من محاضرتي حول العمارة المعاصرة الذي كان موضوعها تمهيد لقراءة العمارة المعاصرة في ليبيا، ورأيت أنه من المجدي أن يكون التمهيد يدور حول العمارة الاستعمارية (الكولونيالية) في ليبيا إبان الاحتلال الايطالي لأراضيها سنة 1911. وكثيراً ما تضج الأسئلة خلال حديثي عن هكذا مواضيع. وتشدني الحاجة أكثر لأن أرمي بقلق السؤال على الرفاق وهم قلة، فكان لقائي اليوم مع أحمد.

سأكتب اليوم حول جوانب ما أخبرت به الطلاب، وسأدون ما دار من حوار بيني وبين أحمد.

تسألت في البدء متى يودع المكان سره في عمرانه ؟ وكيف؟

إن كان حقا ما ينادي به معماري المدينة هو البحث عن شرف أن تكون (عمارته) مأمن سر المكان. لم ولن يكون الأمر مستحيلا إذا ما تحقق المعماري من تكامل التفاعل بين العمارة والإنسان والمكان، تفاعلاً له مستوياته الثلاث:
أولها، العمارة وتفاعلها الذاتي في كونها حقيقة مرئية كعمل تشكيلي بمكوناته المادية ومضمونه التعبيري ورسالته الفكرية المعمارية.
وثانيها، العمارة وتفاعلها مع المحيط الإنساني تتجلى قراءته في القيمة الاستعمالية وكفاءة الأداء الوظيفي،
وثالثاً، التفاعل المعماري المكاني يكون مقروءاً في الاستجابة لمعطيات المكاني، الجغرافية والبيئية والثقافية.

نعم يمكن للمكان أن يودع سره في عمارته متى أدرك المعماري حداثيات نتاجه ضمن طرفي (الانتماء) أو (الاغتراب) ومحيطه الإنساني المكاني. إنها بوصلة العمل المعماري الحقيقي، كيف للعمل المعماري أن يكون ذا انتماء إنساني مكاني؟ وكيف له أن يكون غريباً؟. فالقراءة المكانية يجب أن تشمل المأهول من الأرض بعمران الإنسان، بمعنى شمول البعد الثقافي الحضاري الإنساني للمكان تماما كالبعد الجغرافي والبيئي له.

هل يمكن الاتفاق على ماهية شروط الانتماء ومؤشرات الاغتراب؟.

يشهد التاريخ أنه على الدوام تولد فئة من المعماريين قاسمهم المشترك ‘هاجس المكان’، منادين بأن تخاطب العمارة زمنها ومكانها. إلاّ أنّ الخطاب الزمني والمكاني كثيراً ما يدفعان بتجدد الانتماء للعمل المعماري، وغيابهما يدفع به لحدود الغربة، فالمكان رهين الثقافات الوافدة، والتقنيات المتجددة، وكلاهما الثقافات والتقنيات يملكان التواجد ‘الغير مهيمن’ والاستقرار حال توافقهما والرصيد الثقافي الحضاري الكامن بالمكان. هكذا يجد الحال الأستاذ رهيف فياض.

مدينة طرابلس الغرب في ليبيا مكان استوطنته عمائر عدة، تباينت في تياراتها وصيغ تشكيلها وتقنياتها، وكان مع هذا التباين تشتت عمارة عمرانها بين الانتماء والاغتراب، ولكن حالتي الاتفاق التي سادت الذاكرة الجماعية حول انتماء العمران إلى المكان، الأولى في العمران البراغماتي المحلي الذي افترش المدينة القديمة، وبعض ضواحيها، والثانية المحاولة ‘المكانية’ للعمارة الاستعمارية الايطالية التي شكلت هيئة طرابلس العمرانية الحديثة، وبدت المدينة كمختبر حقيقي لعمارة البحر الأبيض المتوسط الحديثة وبعض المحاولات الفردية من المعماريين الليبيين لم أجد وصف عادل لها إلا بالبطولية !.

عندما كان الجدل دائراً بين ‘كلاسيكية البحر الأبيض المتوسط Classic Mediterranean  بريادة Alberto Alpago Novello و Ottavio Cabiati ، و‘عقلانية البحر الأبيض المتوسط’ Rationalist Mediterranean  بريادة Carlo Enrico Rava و Giovanni Pellegrini . ، إلاّ أنّ Di Fausto لم يختار أن يكون طرفا في الجدل الدائر، بل وفقاً لقوله بأنه يسعى إلى تلك العمارة التي تتوافق بيئيا والمكان، وتحمل في طياتها صدى التقاليد.

تشهد أعمال المعماري Florestano di Fausto على حساسية العمل التصميمي الذي شكل نتاجه بما عرف تجديد المحلية  new vernacular، فلقد كان متتبعاً دقيقاً ليس لظاهر التكوينات المعمارية المحلية فحسب بل اجتهاده في فهم الدور الوظيفي المناط بكل عنصر في التكوين المعماري المحلي، حتى أنه كتب يوما ‘ لم أضع حجر واحد في بناء بنيته، دون أن أشبع نفسي بروح المكان حتى يكون المكان أنا ’، إنه بذلك سعى بجدية في البحث عن عمارة عمران يمكن بموجبها تحقيق الانتماء إلى المكان، حالف هذا المجهود التوفيق في البعض من العمران وخالفه في البعض الآخر من الأعمال التي قارب عددها المائة.

تميز أسلوب Di Fausto بإعادة قراءة الطرز الكلاسيكية، دون إغفال للثقافة السائدة والمعطيات البيئية بالمكان، ولا شك في محاولاته في استعمال بعض من مفردات العمارة المحلية في ليبيا كانت ظاهرة في عدد من اعماله. كما ان محاولته للاقتراب بعمارته من المكان، دفعت بوصفها من قبل مناوئين بأنها عروبية، فلكلورية، وأسلوب مزيف لعمارة Moorish.

دي فاوسطو معماري فذ، فعلى الرغم من حاجته الملزمة لترجمة الحلم الايطالي والتي دفع بالعقلانية كأرضية للتعبير الفاشي في بعض مبانيه، إلا أن ما يضعه نموذجاً خلاقاً، هو نتاج صبره ومحاولاته الدؤوبة بعقل حيادي انسلخ فيها عن انتماؤه العرقي والايديولوجي ليفسح المجال لإنسانيته واخلاقياته المعمارية في البحث عن أسرار المكان المودعة في عمارة عمران المدن والقرى في ليبيا.

أخذني المشهد عندما طالعت سيرة المعماري الذي ولد في 1890 وتوفي في 1965، فهو معماري ولد في سنوات مخاض الحداثة ولكنه كان من جيل الذين تحركوا خلال صحوة التقاليد وعمل بصبر على نوع مختلف من الحداثة، كلّف من قبل الخارجية الايطالية كاستشاري في الفترة من 1923 وحتى 1940، وكان بذلك كشخصية معمارية عاصر التنوع الثقافي، فسنوات عمله خارج الأراضي الايطالية بين اليونان وألبانيا وليبيا، قدمت له سحر توظيف اللغات التعبيرية المختلفة للتقاليد تجاوز العمارة (الحائطية) التي سادت المستعمرات الايطالية لتمنح عمران شوارع المدينة واجهة مسرحية، بل أدرك بعمق سحر الفراغ وصيغ تشكيله ، وأثمر كل ذلك عن اسلوب خاص حمل توقيعه بجدارة.

يقول di Fausto “المباني التي قمت بتصميمها .. كان يجب عليهم بالضرورة ملائمتهم مناخيا، إلا أنه كان يجب على تتبع التقاليد الموروثة. لقد ألهمتني الأشكال الزخرفية البيزنطية والعربية والأسيوية (…) أنا أؤكد على المشهد البيئي الشامل تنوعا. وجماليا أنا أركز على حركة الكتل (…) العمارة حين يتعذر تكسيتها بالحجارة، لا حرج في ذلك فهي قد وجدت منذ الأزل بيضاء نقية بإحساس منعش يحيط بها اخضرار النبات الدائم وزرقة السماء العميقة.

معهد مالك بن أنس بمنطقة الظهرة- من أعمال دي فاوسطو
      راقب di Fausto مدينة طرابلس القديمة. أفقيتها المتناغمة بتراص متأني .. بياضها وظلالها .. زرقة سماؤها وشاطئها .. عرائشها ونخيلها المخضر على الدوام .. مآذنها إطلالات رأسية غير خافية تعلن على الدوام حضور المكان. من هنا حين راقب الظهرة في طرابلس التي كانت على حافة (واحة) طرابلس رأى أن يكون صدى التقاليد قائم، ذات الصيغ التعبيرية .. الفراغية وسطوح وكتل والعناصر درس الظهرة في تراص فندق الودان وتكوينات معهد أنس ابن مالك وواجهة كنيسة سان فرانسيسكو جميعها تعلن عن حضورها بأبراجها وليكن ما تبقي من عمران في تراص أفقي أنيق لا يزاحم بعضه بعضا بل يتعاون على عمران متجانس يعمل على تكون بيئة متراحمة.

رحل Di Fausto سنة 1940 عن ليبيا بعد أن وضع رسائله في كل أمكنتها الساحلية والجبلية والصحراوية .. رسائل تحمل كل الحب والاحترام لرصيد ليبيا المعماري .. رصيد رسمته التقاليد الصادقة للحرفية ووضعت مواثيقه أخلاق التراحم والاحترام .

كتبت ما كتبت لأسأل مدارس العمارة في ليبيا وممارسي العمل المعماري، لكم في المعماري الإيطالي الزائر Florestano di Fausto مثال يحتذى به فهو أدرك بكل تقدير قيمة رصيد التقاليد وعشق أسراره ودأب طيلة ثمان سنوات عمله بحثاً عن عمارة يمكن للمكان في ليبيا أن يودعها سره .

فاحذروا قد ترحل أسرار المكان إلى الأبد وسنظل تائهين حيارى بحثا عن الانتماء الضائع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

المعلم/ علي سعيد قانة

مشاريع معمارية