التخطي إلى المحتوى الرئيسي

افتتاحية

استدعت حاجة المعماريين والتشكيليين والحرفيين في ليبيا إلى منبر إعلامي ملتزم بقضايا المجتمع يتم من خلاله تواصلهم اليومي مع شرائحه المختلفة، إلى إطلالة هذه الصفحات النقدية، لترسيخ عدة قيم قد يكون مفهومها غائبا عن بعضنا وقد تحمل معاني مختلفة عند البعض الآخر، ولكننا نتفق مع الكثيرين حولها. ولا بأس من تكرار طرحها بمقتضى الضرورة القصوى إلى إعادة التذكير بما نكون قد نسيناه أو تناسيناه في زحمة السعي وراء فضاء يأوينا بعد أن هجرنا ألفة بيت العائلة الحميمة، ونحن نتطلع إلى البدائل المستوردة وهي تغتال فينا كل يوم إحساسنا بكل ما هو أصيل وجميل.

قيمة أخرى تعيد طرحها هذه المدونة على مائدة الحوار بين أصحاب المهنة الواحدة تحديدا وبين أفراد المجتمع على وجه العموم، وهي احترام الرأي الآخر والتفاعل معه على أساس أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى الارتقاء بالعمل الإبداعي" المعماري والتشكيلي والحرفي" إلى مرحلة التفاعل مع هموم واحتياجات المجتمع والتعبير عن تطلعاته إلى حياة أكثر استقرارا وإنتاجية.

وأخيرا هي صفحات تهدف إلى تصحيح مفهوم العالمية في أذهان المبدعين المحليين، وذلك من خلال تسليط الضوء على حقيقة مرامي الدعاة إليها أو المنساقين وراءها. وكي لا تشكل العالمية هاجسنا الأول الذي يدفع بنا إلى أن نرمي باحترامنا لذواتنا خلف ظهورنا جريا وراء سراب اسمه تفوق الآخر.

عندما يودع المكان سره في عمارته


  
د. مصطفى المزوغي

نبرة الأسى التي تغلف كلماته آلمتني وأنا أرقب صوته يخفت متسائلا: ” لماذا كان الغرباء أكثر حنانا على طرابلس وأكثر ألفة معها واليوم (نحن) نطعنها في عمرانها بدون رحمة ؟” هكذا كان تعليق صديقي المعماري أحمد إمبيص ونحن نتقاسم اجتهادنا في قراءة صور محاولات المعماري المجدد للمحلية فلوريستانو دي فاوسطو Florestano di Fausto في أعماله المنتشرة في ليبيا.

كنت عائدا للتو من محاضرتي حول العمارة المعاصرة الذي كان موضوعها تمهيد لقراءة العمارة المعاصرة في ليبيا، ورأيت أنه من المجدي أن يكون التمهيد يدور حول العمارة الاستعمارية (الكولونيالية) في ليبيا إبان الاحتلال الايطالي لأراضيها سنة 1911. وكثيراً ما تضج الأسئلة خلال حديثي عن هكذا مواضيع. وتشدني الحاجة أكثر لأن أرمي بقلق السؤال على الرفاق وهم قلة، فكان لقائي اليوم مع أحمد.

سأكتب اليوم حول جوانب ما أخبرت به الطلاب، وسأدون ما دار من حوار بيني وبين أحمد.

تسألت في البدء متى يودع المكان سره في عمرانه ؟ وكيف؟

إن كان حقا ما ينادي به معماري المدينة هو البحث عن شرف أن تكون (عمارته) مأمن سر المكان. لم ولن يكون الأمر مستحيلا إذا ما تحقق المعماري من تكامل التفاعل بين العمارة والإنسان والمكان، تفاعلاً له مستوياته الثلاث:
أولها، العمارة وتفاعلها الذاتي في كونها حقيقة مرئية كعمل تشكيلي بمكوناته المادية ومضمونه التعبيري ورسالته الفكرية المعمارية.
وثانيها، العمارة وتفاعلها مع المحيط الإنساني تتجلى قراءته في القيمة الاستعمالية وكفاءة الأداء الوظيفي،
وثالثاً، التفاعل المعماري المكاني يكون مقروءاً في الاستجابة لمعطيات المكاني، الجغرافية والبيئية والثقافية.

نعم يمكن للمكان أن يودع سره في عمارته متى أدرك المعماري حداثيات نتاجه ضمن طرفي (الانتماء) أو (الاغتراب) ومحيطه الإنساني المكاني. إنها بوصلة العمل المعماري الحقيقي، كيف للعمل المعماري أن يكون ذا انتماء إنساني مكاني؟ وكيف له أن يكون غريباً؟. فالقراءة المكانية يجب أن تشمل المأهول من الأرض بعمران الإنسان، بمعنى شمول البعد الثقافي الحضاري الإنساني للمكان تماما كالبعد الجغرافي والبيئي له.

هل يمكن الاتفاق على ماهية شروط الانتماء ومؤشرات الاغتراب؟.

يشهد التاريخ أنه على الدوام تولد فئة من المعماريين قاسمهم المشترك ‘هاجس المكان’، منادين بأن تخاطب العمارة زمنها ومكانها. إلاّ أنّ الخطاب الزمني والمكاني كثيراً ما يدفعان بتجدد الانتماء للعمل المعماري، وغيابهما يدفع به لحدود الغربة، فالمكان رهين الثقافات الوافدة، والتقنيات المتجددة، وكلاهما الثقافات والتقنيات يملكان التواجد ‘الغير مهيمن’ والاستقرار حال توافقهما والرصيد الثقافي الحضاري الكامن بالمكان. هكذا يجد الحال الأستاذ رهيف فياض.

مدينة طرابلس الغرب في ليبيا مكان استوطنته عمائر عدة، تباينت في تياراتها وصيغ تشكيلها وتقنياتها، وكان مع هذا التباين تشتت عمارة عمرانها بين الانتماء والاغتراب، ولكن حالتي الاتفاق التي سادت الذاكرة الجماعية حول انتماء العمران إلى المكان، الأولى في العمران البراغماتي المحلي الذي افترش المدينة القديمة، وبعض ضواحيها، والثانية المحاولة ‘المكانية’ للعمارة الاستعمارية الايطالية التي شكلت هيئة طرابلس العمرانية الحديثة، وبدت المدينة كمختبر حقيقي لعمارة البحر الأبيض المتوسط الحديثة وبعض المحاولات الفردية من المعماريين الليبيين لم أجد وصف عادل لها إلا بالبطولية !.

عندما كان الجدل دائراً بين ‘كلاسيكية البحر الأبيض المتوسط Classic Mediterranean  بريادة Alberto Alpago Novello و Ottavio Cabiati ، و‘عقلانية البحر الأبيض المتوسط’ Rationalist Mediterranean  بريادة Carlo Enrico Rava و Giovanni Pellegrini . ، إلاّ أنّ Di Fausto لم يختار أن يكون طرفا في الجدل الدائر، بل وفقاً لقوله بأنه يسعى إلى تلك العمارة التي تتوافق بيئيا والمكان، وتحمل في طياتها صدى التقاليد.

تشهد أعمال المعماري Florestano di Fausto على حساسية العمل التصميمي الذي شكل نتاجه بما عرف تجديد المحلية  new vernacular، فلقد كان متتبعاً دقيقاً ليس لظاهر التكوينات المعمارية المحلية فحسب بل اجتهاده في فهم الدور الوظيفي المناط بكل عنصر في التكوين المعماري المحلي، حتى أنه كتب يوما ‘ لم أضع حجر واحد في بناء بنيته، دون أن أشبع نفسي بروح المكان حتى يكون المكان أنا ’، إنه بذلك سعى بجدية في البحث عن عمارة عمران يمكن بموجبها تحقيق الانتماء إلى المكان، حالف هذا المجهود التوفيق في البعض من العمران وخالفه في البعض الآخر من الأعمال التي قارب عددها المائة.

تميز أسلوب Di Fausto بإعادة قراءة الطرز الكلاسيكية، دون إغفال للثقافة السائدة والمعطيات البيئية بالمكان، ولا شك في محاولاته في استعمال بعض من مفردات العمارة المحلية في ليبيا كانت ظاهرة في عدد من اعماله. كما ان محاولته للاقتراب بعمارته من المكان، دفعت بوصفها من قبل مناوئين بأنها عروبية، فلكلورية، وأسلوب مزيف لعمارة Moorish.

دي فاوسطو معماري فذ، فعلى الرغم من حاجته الملزمة لترجمة الحلم الايطالي والتي دفع بالعقلانية كأرضية للتعبير الفاشي في بعض مبانيه، إلا أن ما يضعه نموذجاً خلاقاً، هو نتاج صبره ومحاولاته الدؤوبة بعقل حيادي انسلخ فيها عن انتماؤه العرقي والايديولوجي ليفسح المجال لإنسانيته واخلاقياته المعمارية في البحث عن أسرار المكان المودعة في عمارة عمران المدن والقرى في ليبيا.

أخذني المشهد عندما طالعت سيرة المعماري الذي ولد في 1890 وتوفي في 1965، فهو معماري ولد في سنوات مخاض الحداثة ولكنه كان من جيل الذين تحركوا خلال صحوة التقاليد وعمل بصبر على نوع مختلف من الحداثة، كلّف من قبل الخارجية الايطالية كاستشاري في الفترة من 1923 وحتى 1940، وكان بذلك كشخصية معمارية عاصر التنوع الثقافي، فسنوات عمله خارج الأراضي الايطالية بين اليونان وألبانيا وليبيا، قدمت له سحر توظيف اللغات التعبيرية المختلفة للتقاليد تجاوز العمارة (الحائطية) التي سادت المستعمرات الايطالية لتمنح عمران شوارع المدينة واجهة مسرحية، بل أدرك بعمق سحر الفراغ وصيغ تشكيله ، وأثمر كل ذلك عن اسلوب خاص حمل توقيعه بجدارة.

يقول di Fausto “المباني التي قمت بتصميمها .. كان يجب عليهم بالضرورة ملائمتهم مناخيا، إلا أنه كان يجب على تتبع التقاليد الموروثة. لقد ألهمتني الأشكال الزخرفية البيزنطية والعربية والأسيوية (…) أنا أؤكد على المشهد البيئي الشامل تنوعا. وجماليا أنا أركز على حركة الكتل (…) العمارة حين يتعذر تكسيتها بالحجارة، لا حرج في ذلك فهي قد وجدت منذ الأزل بيضاء نقية بإحساس منعش يحيط بها اخضرار النبات الدائم وزرقة السماء العميقة.

معهد مالك بن أنس بمنطقة الظهرة- من أعمال دي فاوسطو
      راقب di Fausto مدينة طرابلس القديمة. أفقيتها المتناغمة بتراص متأني .. بياضها وظلالها .. زرقة سماؤها وشاطئها .. عرائشها ونخيلها المخضر على الدوام .. مآذنها إطلالات رأسية غير خافية تعلن على الدوام حضور المكان. من هنا حين راقب الظهرة في طرابلس التي كانت على حافة (واحة) طرابلس رأى أن يكون صدى التقاليد قائم، ذات الصيغ التعبيرية .. الفراغية وسطوح وكتل والعناصر درس الظهرة في تراص فندق الودان وتكوينات معهد أنس ابن مالك وواجهة كنيسة سان فرانسيسكو جميعها تعلن عن حضورها بأبراجها وليكن ما تبقي من عمران في تراص أفقي أنيق لا يزاحم بعضه بعضا بل يتعاون على عمران متجانس يعمل على تكون بيئة متراحمة.

رحل Di Fausto سنة 1940 عن ليبيا بعد أن وضع رسائله في كل أمكنتها الساحلية والجبلية والصحراوية .. رسائل تحمل كل الحب والاحترام لرصيد ليبيا المعماري .. رصيد رسمته التقاليد الصادقة للحرفية ووضعت مواثيقه أخلاق التراحم والاحترام .

كتبت ما كتبت لأسأل مدارس العمارة في ليبيا وممارسي العمل المعماري، لكم في المعماري الإيطالي الزائر Florestano di Fausto مثال يحتذى به فهو أدرك بكل تقدير قيمة رصيد التقاليد وعشق أسراره ودأب طيلة ثمان سنوات عمله بحثاً عن عمارة يمكن للمكان في ليبيا أن يودعها سره .

فاحذروا قد ترحل أسرار المكان إلى الأبد وسنظل تائهين حيارى بحثا عن الانتماء الضائع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

م/ آمنه العجيلى تنتوش

المقدمة تتوقف الراحة الفسيولوجية للإنسان على الثأتير الشامل لعدة عوامل ومنها العوامل المناخية مثل درجة الحرارة والرطوبة وحركة الهواء والإشعاع الشمسي . وللتهوية داخل المبنى أهمية كبيرة وتعتبر إحدى العناصر الرئيسية في المناخ ونق الانطلاق في تصميم المباني وارتباطها المباشر معها فالتهوية والتبريد الطبيعيين مهمان ودورهما كبير في تخفيف وطأة الحر ودرجات الحرارة الشديدة ، بل هما المخرج الرئيسي لأزمة الاستهلاك في الطاقة إلى حد كبير لأن أزمة الاستهلاك في الطاقة مردها التكييف الميكانيكي والاعتماد عليه كبير والذي نريده فراغات تتفاعل مع هذه المتغيرات المناخية أي نريد أن نلمس نسمة هواء الصيف العليلة تنساب في دورنا ومبانينا ونريد الاستفادة من الهواء وتحريكه داخل بيئتنا المشيدة لإزاحة التراكم الحراري وتعويضه بزخات من التيارات الهوائية المتحركة المنعشة . فكل شي طبيعي عادة جميل وتتقبله النفس وترتاح له فضلا عن مزاياه الوظيفية . وعلى المعماري كمبدأ منطقي عام البدء بتوفير الراحة طبيعياً ومعمارياً كلما أمكن ذلك ومن تم استكملها بالوسائل الصناعية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الراحة مقتصداً في اس…

مشاريع معمارية

" بيوت الحضر" رؤ ية معاصرة للمسكن الطرابلسي التقليدي

تصميم وعرض/ جمال الهمالي اللافي
في هذا العرض نقدم محاولة لا زالت قيد الدراسة، لثلاثة نماذج سكنية تستلهم من البيت الطرابلسي التقليدي قيمه الفكرية والاجتماعية والمعمارية والجمالية، والتي اعتمدت على مراعاة عدة اعتبارات اهتم بها البيت التقليدي وتميزت بها مدينة طرابلس القديمة شأنها في ذلك شأن كل المدن العربية والإسلامية التقليدية وهي: ·الاعتبار المناخي. ·الاعتبار الاجتماعي ( الخصوصية السمعية والبصرية/ الفصل بين الرجال والنساء). ·اعتبارات الهوية الإسلامية والثقافة المحلية.
أولا/ الاعتبار المناخي: تم مراعاة هذا الاعتبار من خلال إعادة صياغة لعلاقة الكتلة بمساحة الأرض المخصصة للبناء، بحيث تمتد هذه الكتلة على كامل المساحة بما فيها الشارع، والاعتماد على فكرة اتجاه المبنى إلى الداخل، وانفتاحه على الأفنية الداخلية، دون اعتبار لفكرة الردود التي تفرضها قوانين المباني المعتمدة كشرط من شروط البناء( التي تتنافى شروطها مع عوامل المناخ السائد في منطقتنا). وتعتبر فكرة الكتل المتلاصقة معالجة مناخية تقليدية، أصبح الساكن أحوج إليها من ذي قبل بعد الاستغناء…

حول النمط المعماري والهوية المعمارية

صور من المشهد المعماري للمدن الليبية


د. رمضان الطاهر أبو القاسم*

تقديم/ شكلت الهوية عبر التاريخ احد الاحتياجات الرئيسة للإنسان وبتالي لوجوده علي سطح الأرض. في العمارة, استحوذت الهوية علي اهتمامات الكثيرين، غير إن جدل النقاد حول هذه الظاهرة ربط فكرة الهوية العمرانية بالعمارة التقليدية القديمة. ويستند هؤلاء النقاد في ذلك علي إن هذه العمائر التقليدية أظهرت نمطا معماريا متميزا ارتبط بالزمن والمكان الذي ظهر فيه وعكس إمكانيات محدودة للتطوير والتجديد.
الهوية المعمارية يمكن رؤيتها كنتاج معماري لإبداعات فنية، يحاول المعماري والمخطط من خلالها صياغة علاقته بالمحيط والموارد المتاحة وذاكراته ببعده التاريخي والحضاري والبيئي.                                                             خلال القرن العشرين، حاول رواد العمارة الحديثة نبذ الماضي والتنصل منه وتبني نموذج الإنتاج الصناعي المجمّع (mass production) في مقترحاتهم التخطيطية والعمرانية مما تسبب في تجريد أعمالهم المعمارية من كثير من أبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية العريقة وتحميل هذه الأعمال مفاهيم ودلالات رمزية " جديدة " ومحدودة الم…

المعلم/ علي سعيد قانة

موسوعة الفن التشكيلي في ليبيا 1936- 2006





جمال الهمالي اللافي

الفنان التشكيلي" علي سعيد قانة" هو أبرز الفنانين التشكيليين الذين عرفتهم الساحة التشكيلية في ليبيا... انخرط في هذا المجال منذ نحو أربعة عقود. ولد بمدينة طرابلس الموافق 6/6/1936 ف ترعرع في منطقة سيدي سالم (باب البحر) بمدينة طرابلس القديمة.والتحق بأكاديمية الفنون الجميلة بروما- إيطاليا سنة 1957 وتخصص في مجال النحت بمدرسة سان جاكومو للفنون الزخرفية، كما حرص خلال وجوده في روما على دعم قدراته الفنية من خلال دورات تخصصية في مجال الرسم الحر والطباعة والسباكة وبرز في هذه المجالات جميعا.•

التحق عند عودته إلى ارض الوطن بمعهد للمعلمين ( ابن منظور ) للتدريس سنة 1964ف• انتقل للتدريس بكلية التربية جامعة الفاتح سنة1973 ف• انضم إلى كلية الهندسة/ جامعة الفاتح بقسم العمارة والتخطيط العمراني سنة 1974- وتولى تدريس أسس التصميم و الرسم الحر لغاية تقاعده سنة 2001 ف• عمل مستشارا للشئون الفنية بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة.


مساهماته الفنية/
اقتنى متحف مدينة باري للفنون بإيطاليا لوحتين من أعماله الفنية.•
شارك في العديد من المعارض الفنية ف…

البيئة والعمارة المحلية

دراسة تحليلية لمدينة درنة القديمة


م. غادة خالد الماجري

مقدمة/ اهتم الانسان منذ بدأ الخليفة بأعداد المكان الذي يوفر له الحماية من الظروف المناخية المتقلبة المحيطة به كمحاولة منه لخلق البيئة المحدودة الملائمة لتأدية كافة نشاطاته وقد تطورت هذه المحاولات من البدائية التلقائية وتقليد الطبيعة الي التعايش وتفهم الظواهر المناخية المحيطة ومحاولة التكيف معها باستخدام مواد البناء المتاحة بعد التعرف علي خصائصها وايضاً باستخدام وسائل واساليب بسيطة لا دخل للآلة او الطاقة الصناعية فيها تعالج الظروف المناخية طبيعياً لخلق الجو الملائم في الفراغ الداخلي . وفي هذه الدراسة سنتطرق الي تأثير العوامل البيئة الحضارية في تكوين النسيج الحضري في مدينة درنة والاساليب التي اتبعها الانسان الدرناوي للتكيف مع الظروف البيئية والمناخية لمدينة درنة. لمحه عن مدينة درنة/ موقعها وتسميتها / الموقع الجغرافي :
تقع مدينه درنة علي شاطئ البحر الابيض المتوسط وعلي خط عرض 32 شمالاً وخط طول 22 شرقاً يحدها شمالاً البحر المتوسط وجنوباً الجبل الاخضر ويمتد الطريق البري الساحلي ليربطها ببقية مناطق اقليم الجبل الاخضر من الشرق والغرب . شكل ( 1 ) م…

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش "


جمال الهمالي اللافي

مقدمة/
يعتبر( نموذج الحوش ) من أهم المكونات الأساسية لبيوت مدينة طرابلس القديمة، وتختلف أشكال وأحجام هذه البيوت تبعا لاعتبارات مختلفة أثرت في المنزل كما أثرت في كافة مكونات المدينة، وعند النظر إلى مساكن المدينة القديمة نلاحظ تقسيمها إلى ثلاث مناطق ، منطقة يقطنها المسلمون وأخرى لليهود والثالثة للمسيحيين ، وهذا التقسيم أوجد العديد من الاختلافات البسيطة في الحوش، فنلاحظ مثلا أن مداخل البيوت اختلفت فنجدها في بيت المسلم تتميز بالخصوصية حيث أن لها مداخل غير مباشرة تؤدى إلى وسط الحوش( السقيفة) وخلاف ذلك في البيت اليهودي والمسيحي حيث نرى أن المدخل يؤدى مباشرة إلى وسط الحوش دون وجود أي عائق وإلى غير ذلك من الاختلافات. عموما فإن تكوين البيت في المدينة القديمة بالرغم من هذا التصنيف فهو واضح الملامح ويشترك في جل هذه الملامح تقريبا حيث يظهر الحوش كفناء داخلي مكشوف له أروقة أحيانا ويحف محيطه جدران وتتوزع عليه الفراغات .

وفي الواقع فإن استعمال المنازل ذات الأفنية في ليبيا بدأ منذ العهد الروماني ( الأتريوم ) في لبدة وصبراتة …

الفن التشكيلي الشعبي بين الحداثة و الاصالة

د. عياد هاشم*

      تأتي الفنون الشعبية التشكيلية على قمة الماثورات الشعبية ممارسة وأصالة و تتمتع بطابع فني خاص يعكس حياة الناس و تتصف بالعراقة فهي ترديد لعادات و تقاليد متوارثة تعبر بوضوح و صدق عن ثقافة معينة تحدد معالم الشخصية الحضارية لكل مجتمع.
بدأ الاهتمام بالفنون الشعبية أوالمأثورات الشعبية كما يسميها الكثيرون في أواخر القرن التاسع عشر كمصطلح انجليزي استخدمه لاول مرة عالم الاثريات الانجليزي ( سيرجون وليام تومز ) ( 1803 – 1885م ) و ذلك في يوم 22 من شهر  أغسطس  من عام 1846م امتدادت للجهود العلمية التي سبقته في كل من انجلترا نفسها و المانيا و فنلندا و لقد ظهر هذا المصطلح ( فولك – لور ) بعد ذلك و هو بمعنى ( حكمة الشعب ومأثوراته ) و يطلق على كل موضوع من ابداعات الشعب المختلفة. وأصبح هذا الفن تعبيرا مباشرا بالصدق و يجمع في مادته خبرات ثقافية موروثة وتجربة حية معيشة بوسائل تعبير مختلفة.
في تراثنا العربي ظهرت مواد المأثورات الشعبية بشكل واضح في القرن الثامن و أهم يميزها قدرتها على الاستمرار في عملية الابتكار والإبداع في تتابع الاجيال، ويتحول الموروث الثقافي إلى مأثور ثقافي حي في تواصل أيضا…

حول النقد المعماري

د. رمضان الطاهر أبوألقاسم استاذ قسم العمارة و التخطيط العمراني
“A judgment that something is beautiful does not result from evaluation, but from a deliberation and inner reasoning that stem from our soul; this manifest itself in the fact that there is no one who could look at thing which are ugly and poorly constructed without feeling unpleasantness and repulsion.” (Alberti, L., B., Book IX, 5,337)
النقد المعماري/ النقد المعماري نشاط حيوي للمعماري من الصعب له الاستغناء عليه.يمكن تعريف النقد المعماري بأنه وسيلة للتعبير الذاتي حول البيئة المحيطة " ما يجب أن تكون عليه العمارة". هذا التعبير يمكن أن يتحقق بتقديم نظرية صالحة للتصميم المعماري أو اقتراح مجموعة أسس"لتقييم" قيمة عمل معماري.النقد يعتمد على قدرةالناقد على التمييز و الطريقة التي يستخدمها في النقدالنقد يتأثر بالزمن والمكان والطريقة المستخدمة و الثقافة.النقد إشكالية نسبية وليست مطلقة في كثير من الأحيان. تاريخيا ارتبط النقد بما هو جميل أو قبيح. و جميل أو قبيح قد يكون نسبيا. كي يك…

حوار في بنيوية العمارة الليبية

المندار1Ahmed Imbies:اليوم نطرح عليكم موضوع (المندار) وكيف يؤثر في صياغة الفراغ المعماري في بيوتنا و" دار المنادير"1بالذات والتي تحتل فراغ داخل البيت وتستعمل من المناسبة إلى المناسبة و" دولاب المهني" وال"ken" الياباني وتأثيره في الفراغ المعيشي. وهل نستعمل كل الفراغات في داخل بيوتنا الواسعة. أم هي عبء على النساء الكبيرات في السن في تنظيف البيت من الغبار وفراغاته التي تسكنها العناكب.
أهلنا سكنوا في بيوت كل خطوة فيها لها معنى. أما نحن فنسكن في بيوت كل خطوة فيها تساوي آلاف الدولارات.
إلى أين نريد أن نذهب؟
هنالك أسئلة كثيرة سنطرحها على أهلنا ونريد الإجابة حتى نعرف من نحن وماذا نريد.
1-دار المنادير: هي حجرة استقبال النساء، وهي أقرب إلى الجلسة العربية وتعتمد عناصر تأثيثها على فرش أرضي محشو بالصوف لا يزيد ارتفاعه عن 5-7سم.
Hithem Elmuntaser:هذا الموضوع من أكثر المواضيع التي تستفزني في حياتي. وهي من آثار المجتمع البدوي، بحيث تجد نصف بيتك ليس لك ويجعلك ترى الدنيا مجموعة هائلة من المنادير .
لماذا نفعل ذلك؟
من أجل مناسبة تأتي مرة كل خمسة سنوات.
هذا ما جناه عليّ أبي ( أي بمع…

مشاريع تخرج طلبة قسم العمارة- جامعة طرابلس

إعادة تصميم قاعة عرض فنون تشكيلية بمدينة طرابلس القديمة An Art Gallery at Old City of Tripoli, Libya



الدكتور/ مصطفى المزوغي*
لم تتجاوز عدد المشاريع الخريف 2012/2013، التي تناولت مواضيع لصيقة بالمدينة القديمة طرابلس الغرب عن أثنين، فالموضوع حين يتم طرحه كموضوع مشروع تخرج لنيل درجة البكالوريوس في هندسة العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس، يشكل جملة من المحاذير، ويتطلب إلمام كبير بعمارة العمران التقليدي المحلي. وعلى الرغم من بعض جوانب القصور في التفاصيل المعمارية والانشائية لمقترح مشروع التخرج المطروح من قبل مروة علي عاشور ، إلا أنه يشكل مغامرة تحمل في طياتها جوانب التحدي في تقديم حلولا معاصرة لرأب الصدع القائم في نسيج المدينة المتهالك في ظل تدنى القيمة الاستعمالية وغياب كامل للصيانة والترميم الموضوعي فضلا عن سوء إدارة المدينة ردحا من الزمن.
         كانت مروة عاشور بطرحها لموضوع إعادة تصميم قاعة عرض فنون تشكيلية ضمن أحد الخلايا العمرانية المتهالكة، مؤشر لعدة قضايا، تأتي على عدة مستويات، فبكل أسف لم يتجاوز الطرح جدران قسم العمارة والتخطيط العمراني، وهو أيضا لم يحفز الطلبة أو أعضاء هيئة ال…