أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

السبت، مارس 09، 2013

من مدن جبل نفوسة


فرسطاء*


الأستاذ/ سعيد علي حامد

الزائر أو الدارس للتجمعات الاستيطانية في منطقة جبل نفوسة يلاحظ التشابه والتماثل في مواقع قراه ومدنه وفي خصائص معمارها حيث أن جميعها تقع على منحدرات التلال وشعب محصنة ومحصورة بين أودية. وجميع هذه التجمعات تحتمي بالظروف الطبيعية للمنطقة وتتشابه في مظهرها وأسلوب بنائها والمواد المستخدمة ونمط معيشة أهلها.

فرسطاء، قرية من قرى جبل نفوسة تقع إلى الغرب من طمزين، ويمكن الوصول إليها من مدينة كاباو التي تبعد عنها بنحو 6  كيلومترات، في حين تبعد عن طرابلس في اتجاه الجنوب الغربي بنحو 240 كلم. ويمكن الوصول إليها بواسطة الطريق المعبد طرابلس، العزيزية، تيجي ويتفرع منه طريق نحو اليسار صاعدا الجبل وبعد نحو 13 كم يتفرع طريق نحو اليسار ينتهي بعد 4 كم. ليترجل الزائر سالكا طريقا صخريا منحدرا نحو الوادي فتظهر فرسطاء أمامه وقد انتشرت أطلالها على سفح جبل يمتد أسفله وادي واسع خصب هو وادي طمزين في حين يكتنفها سهل الجفارة من الشمال.
قرية فرسطاء

يستمد أهل فرسطاء الماء من عين تجري في ذلك الوادي  المليء بأشجار النخيل الزيتون ويزرع الأهالي في الأراضي المحيطة به الحبوب والبقوليات وغيرها.

أنجبت فرسطاء العديد من العلماء، ويبدو أنها كانت مزدهرة في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. ومن المحتمل أن تأسيس المدارس في فترة مبكرة بجبل نفوسة ساعد على وجود نهضة ثقافية به. فقد ذكر الشمّاخي في سيره، أن أول مدرسة بالجبل ترجع إلى النصف الأول من القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي.

وقد أسسها بمنطقة أفطمان بالقرب من الرحيبات عمر بن يمكتن اللوّاتي. واستمر ذلك الازدهار  لفترة من الزمن. فما أن حل القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي،  حتى أخذنا نشهد في ليبيا " ما يمكن أن يسمى ( عصر النهضة الثقافية )، إلا أنها نهضة متقلصة من حيث البقعة المكانية، فهي لا تتجاوز منطقتين هما طرابلس وجبل نفوسة ."(1)  فظهرت في جبل نفوسة عدة مدارس كان لها أثرها الثقافي في المنطقة وقد نالت فرسطاء نصيبها من ذلك، فالمعلومات تؤكد على أنها كانت إبّان القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر للميلاد مفعمة بالنشاط والحراك العلمي والثقافي، وربما يعود هذا الأمر إلى استقرار عالم الجبل الكبير أبو طاهر الجيطالي، بهذه القرية وقيامه بالتدريس فيها ."(2) وكانت له شهرة واسعة فقد " كان شيخا حافظا وعالما عاقلا محافظا شديدا في الأمر والنهى ... وسكن فرسطاء من بلاد نفوسة تسعة أعوام وحملهم على السبيل المستقيم وله تآليف جليلة منها : القواعد ... منها القناطر في أجزاء كثيرة ... ومنها كتاب في الحساب وقسم الفرائض ... كتاب الحج والمناسك... وله قصائد. وإذا نظرت كتبه ظهر لك قوة حفظه وكان مستجاب الدعوة ." (3) وكتابه قناطر الخيرات " كتاب جليل الفائدة في أمور الزهد وقواعد الأخلاق."(4) وقد حققه الدكتور عمرو النامي وطبع سنة 1965ميلادية.
منظر عام للوادي 

المتتبع لتاريخ فرسطاء لا يستطيع أن يغوص في أعماق تاريخ نشأتها، فالمصادر الأثرية لا تمدنا بمعلومات عن تاريخها القديم كما أن المصادر الكلاسيكية المدونة تصمت عن ذكرها إلا أنها تعد من القرى القديمة بجبل نفوسة " وهي موجودة قبل الفتح العربي بوقت طويل. ومن المتعارف عليه أن ثمة كنيسة مسيحية بهذه القرية. وكانت قد حولت إلى مسجد بعد اعتناق الأهالي للدين الإسلامي. ولهذا فكلمة فرسطة ذاتها دليل على قدم الموقع الذي يعود إلى العهد الروماني ." (5) وهناك من الباحثين من يعزو اسم القرية ( فرسطاء ) إلى كلمة لاتينية أفريقية، ولكن بالعودة إلى أهلها فيذكرون أنها جاء من كلمة أمازيغية بمعنى المتوسطة لأنها تتوسط عدة قرى أو بمعنى التي يمكن رؤيتها من القرى المحيطة بها لأنها أقيمت على ربوة . وأقدم المصادر العربية التي تتحدث عن فرسطاء، هو كتاب أبي سعيد الفرسطائي، ويعود تاريخ هذا المصدر إلى القرن الثالث الهجري / التاسع ميلادي.

كانت قرية فرسطاء تعج بالحركة والعمران، فهي قرية زراعية غنية بمنتوجاتها ، فتوجد " بها أربع معاصر للزيتون"(6) مما يدل على وفرة انتاجه. وساهمت في تجارة القوافل العابرة لمنطقة جبل نفوسة وكان لها من الصناعة نصيب خاصة ما يتعلق منها بالصوف فتنتج بيوتها الملابس الرجالية والنسائية كالجرود والملاحف والأغطية، كما كان لها نشاط في صناعة الفخار ويدل على ذلك وجود بقايا واضحة لفرن خاص بصناعة الفخار. كما اشتهرت بمساجدها وأضرحتها التي كانت مقصد بعض أهالي القرى المجاورة ومن أهمها مسجد أبي يحيى الفرسطائي من علماء القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي والذي ساهم في نشر الإسلام في السودان الغربي وكان بعض علمائها يرتحلون رفقة قوافل التجار غايتهم نشر الإسلام بين القبائل الوثنية وقد حققوا الكثير من النجاح في ذلك.
مسجد أبي يحيى الفرسطائي
 وقد عرفت فرسطاء العديد من العلماء منهم أبو ذر صدوق وهو من أهالي القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي ، وكان مستشاراُ لحاكم الجبل  أبو زكريا ، وقد قتل أبو ذر في معركة مانو* 283 هـ / 896 م ، وكان قد بلغ في العلوم النهاية وجرى في أمر الصلاح حتي الغاية ." (7) وينتسب إليها العلامة الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر وهو من أهالي القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ويعود إليه الفضل في تأسيس نظام العزابة في جبل نفوسة . وهذا النظام عابرة عن هيئة أو مجلس من العلماء وأهل الفضل مهمته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقوم بجميع الوظائف الدينية والدنيوية في مجتمعات جبل نفوسة .وقد عدد الشماخي في سيره العديد من علمائها ممن كان له في العلم نصيب وفي التأليف سهم مصيب.

يبدو أن مدن وقرى جبل نفوسة ومن بينها فرسطاء استطاعت في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشرالميلادي، مزاولة نشاطها التجاري بكل طمأنينة والنأي بنفسها عن الصراعات بين المطالبين بالعرش الزيري، كما تمكنت من الابتعاد عن نزوح الهلاليين إلا أن بعض تلك المدن والقرى تعرضت لأطماع المغامرين، ففي سنة 599 هـجرية استطاع المغامر يحي بن غانية الذي استغل انشغال الموحدين في حرب بالأندلس أن يثبت أقدامه في تونس وطرابلس وأردا إخضاع جبل نفوسة لسيطرته فشن عدة غارات على بعض قراه ومدنه ويبدو أن فرسطاء لم تتأثر بتلك الغارات كثيراً، ولا يستبعد إلحاق بعض الضرر بالحياة الاقتصادية بما حولها. يذكر هنريكو دي أغسطيني في كتابه سكان ليبيا والذي صدر في سنة 1917 أن عدد سكان فرسطاء 100 نسمة وتسكنها عائلة الغرابة والجوانطة .(8)

تلتصق مباني فرسطاء بالتل، وتبدو كأنها جزء من حجارته، تفصل بين تلك المباني طرق ضيقة متعرجة يسلكها المرء ليبلغ بيته أو إلى القصر الذي يتربع على قمة التل. والقرية في شكلها العام أقرب ما تكون إلى قرية محصنة بالكامل، وكأن الهاجس الأمني هو المسيطر على سكانها فهي على ربوة تحيط به الأودية من كل جانب وتتراص بيوتها بجوار بعضها البعض مكونة في مجموعها ما يشبه الحصن. وعلى المرء أن يجتازها ليصل إلى قصرها الكبير الذي ما تزال معالمه واضحة ولم يتعرض إلى الهدم أثناء الحملة التي أرسلها وإلى طرابلس العثماني إلى منطقة جبل نفوسة عام 1843 لإخضاع أهله. وعلى العموم فإننا نلاحظ أن فرسطاء تحاكى مدينة نالوت في مظهرها وموقعها وطراز بناءها.

قصر فرسطاء
بني قصر فرسطاء على شكل مستطيل ، ويبدو من الوهلة الأولى أن وظيفته الرئيسة هي التخزين، إذ يخزن الأهالي فيه الحبوب وزيت الزيتون والسمن والصوف وغير ذلك ويقوم على حراسته حارس من ذوي الثقة والأمانة نظير أجر متقف عليه خصصت له فيه حجرة بعد مدخله مباشرة. المتمعن في القصر يلاحظ الاهتمام بالجانب الدفاعي للقصر، فهو حصين إذ ترتفع أسواره ما بين  6 و9 أمتار وله مدخل واحد يفتح في اتجاه الجنوب الشرقي، إضافة إلى حفر صهريج ( ماجن ) بداخله تنساب إليه مياه الأمطار، مع وجود برج به أو ما يعرف في منطقة جبل نفوسة بالقصبة ( بضم القاف ) وهي مرتفعة عن أسوار القصر، والغرض منها المراقبة ويبدو أن الأهالي يلجؤون إلى القصر للاحتماء به عندما يحتاجون إلى ذلك. وقد انتشرت تلك القصبات في بعض قري ومدن جبل نفوسة، كما بنيت في بعض الأراضي المنبسطة ليتمكن السكان من مراقبة المناطق المحيطة حتى لا يأخذوا على حين غرة من المهاجمين في الفترات التي ينعدم فيها الأمن، بعضها على شكل مربع والأخر على شكل مستطيل ويبلغ ارتفاع بعضها إلى نحو 10 أمتار.

مدخل قصر فرسطاء 
يضم القصر إلى ما يزيد قليلا عن مائة حجرة كل واحدة منها مقسمة في الداخل إلى عدة أجزاء لتخزين الحبوب ( القمح والشعير ) والتين والزيتون وفي بعضها نجد جراراً لمعدة تخزين زيت الزيتون. وتوجد في القصر ساحة صغيرة تستغل في عمليات المقايضة والبيع والشراء.

بنيت مباني القرية وقصرها بالحجارة والجبس والطين واستخدمت جذوع النخل وأغصان أشجار الزيتون في التسقيف وصنعت منها الأبواب والنوافذ، والقرية هجرت من قبل سكانها في ستينيات القرن العشرين حيث شيدوا مباني حديثة إلى الغرب منها بمسافة تقل عن 500 مترا، ويلاحظ أن أضرحة ومساجد القرية القديمة ماتزال تلقي الاهتمام من الأهالي فيترددون عليها ويقومون بطلائها باللون الأبيض فتظهر بين أطلال القرية ناصعة البياض ويكاد بياضها مع شعاع الشمس يغشى الأبصار. ففي وسط الوادي ضريح أبو ذر صدوق، وهناك ملتقى الجماعة (تغليس) وهو مكان يلتقى فيه الأهالي في فصلى الربيع والخريف ليتعاونوا فيساعد غنيهم فقيرهم وتصلى فيه صلاة الاستسقاء ومن المساجد مسجد ابي يحيى الفرسطائي ومسجد الحواريين ومسجد تيتفزين التندميرية التي عقد عليها الشيخ عامر العرجاني وهو من أهالي القرن العاشر الهجري وضريحه بوادى فرسطاء .

برج ( قصبة ) قصر فرسطاء 
وحتى لا نفقد جزءا من موروثنا الثقافي الذي أوجده السابقون فالأمر يتطلب رعايته وصونه من الجهات ذات العلاقة كمصلحة الاثار وجهاز المدن القديمة والهيئة العامة للسياحة والجمعيات الأهلية للتراث التكاثف والتعاضد لصيانة وترميم ما يحتاج لذلك وأن تقوم مصلحة الآثار باجراء حفريات علمية للكشف عن الآثار المدفونة والقيام بالدراسات العلمية لما هو ظاهر منها.

وكلمة ختامية فإن المرء ليؤخذ بجمال وسحر فرسطاء عندما يقف هناك ذات صباح مع شروق الشمس أو مساء حينما تتوزع الظلال فتظهر لوحة  في منتهى الجمال كأنما أبدعتها يد فنان واسع الخيال ، ولتكتمل الصورة ويتم الإستمتاع فإن الأمر يتطلب بنية تحتية سياحية من فنادق متوسطة ومطاعم سياحية وخدمات ملائمة في المنطقة وتشجيع السياحة الداخلية فمناطق الجذب السياحي في جبل نفوسة متميزة ينقصها الاهتمام والتعريف بها والدعاية لها.


الهوامش :ــ
1.      احسان عباس . تاريخ ليبيا منذ الفتح العربي حتى مطلع القرن التاسع الهجري. منشورات دار ليبيا للنشر والتوزيع ، بنغازي ، 1967م .  
2.      محمد سالم المقيد الورفلي. بعض الآثار الإسلامية بجبل نفوسة في ليبيا. منشورات مصلحة الآثار ، 2007م. ص 56
3.      أحمد بن سعيد الشماخي. كتاب السير . تحقيق أحمد بن سعود السيابي .وزارة التراث القومى والثقافة ، سلطنة عمان ، 1987م. ج2 .ص.ص.196، 197
4.      إحسان عباس .تاريخ ليبيا ص .219 .
5.      محمد سالم الورفلي . بعض الآثار الإسلامية بجبل نفوسة في ليبيا  .ص 52 .
6.      ابراهيم سليمان الشماخي . القصور والطرق لمن يريد جبل نفوسة من طرابلس(1303هـ ـ 1885م) . ترجمة أحمد الفساطوي. دراسة وتقديم امحمد البوجديدى . منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ،2005م.ص. 248
7.      الشماخي. السير.ج1 .ص. 150
8.      ينظر : هنريكو دى أغسطيني. سكان ليبيا ( القسم الخاص بطرابلس الغرب). تعريب خليفة التليسي. منشورات الدار العربية للكتاب ، تونس ـ ليبيا ، 1978م. ص 525


*         نشر بمجلة البحوث التاريخية منشورات المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية. سنة 2012م.
•           وقعت معركة مانو في موضع بين قابس وطرابلس بين إبراهيم بن أحمد الأغلبي وحاكم جبل نفوسة وحلت هزيمة نكراء بأهل الجبل كان لها تأثير كبير عليهم.


هناك تعليقان (2):

  1. Currently it sounds like Expression Engine is the best blogging
    platform available right now. (from what I've read) Is that what you're
    using on your blog?
    lorzepam
    baggy
    males
    pasteur
    spontaneous
    lauffenberg
    launcherx
    benefit
    loramax

    Also visit my weblog ... latournou

    ردحذف
  2. I absolutely love your site.. Excellent colors & theme.
    Did you build this site yourself? Please reply back as I'm trying to create my own website and would love
    to find out where you got this from or what the
    theme is called. Thank you!

    Also visit my page backup camera for auto installed

    ردحذف