أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الاثنين، أغسطس 26، 2013

المدينة .. الفلسفة



The City .. The Philosphy




هيئة المعماريين العرب
ورشة عمل حول

(المدينة والفلسفة)
المحور الثاني

الفكر والفلسفة في مكونات التنظيم المديني الحديث

الأبعاد الوظيفية والتقنية والثقافية للمدينة

قراءة في أثر أطروحات الفكر الحداثي على تشكيل العمران المديني

د. مصطفى محمد المزوغي

بيروت 5،6/7/2013



ملخص ..

كيف يمكن للمدينة أن تولد

      تولد المدينة، وينمو عمرانها وتكتسي عمارتها تعابيرها، ويولد معها سؤال صنعها،  فالمدينة رهينة الحاجة والحلم والفكر، تارة نجدها من صنع ‘رغبات’ الرجال كما يكتبها إتالو كالفينو Italo Calvino في مدنه اللامرئية، فالمدينة البيضاء وليدة حلم الرجال المشترك على لسان ماركوبوللو، حين رسم كل منهم شوط مطاردته للمرأة العارية في المدينة بشكل مختلف عن الحلم حتى لا تتمكن من الفرار، أم كحلم رجل واحد كالإمبراطور المغولي أكبر في بناء مدينة الفتح الصوفية التي هجرها سكانها لشح المياه بها، وتارة أخرى نرقبها كمدينة يحاول نظم نسيجها فكر المخططين كشانديغار  Chandigarh لوكوربزييه Le Corbusier ، وبرازيليا New Brasilia  لوسيو كوستا  Lucio Costa الجديدة، كلاهما أنشئت لموظفي الحكومة، وكلاهما أخفقا  في توطين روح المجتمع الهندي والبرازيلي.

      هنا تباينت أطروحات الفكر في ذلك بل وبلغ اختلافها أوجه مع بدايات الانقلاب على كلاسيكيات التخطيط المديني تلبية لنداءات الضغط الصناعي في بدايات القرن العشرين. صاحب ذلك ما أقره اجتماع CIAMعلى ظهر باخرة مبحرة إلى أرض اليونان سنة 1930في وثيقة أثينا Athens Charter بشأن المدينة الوظيفية Functional Cityالمؤسسة على المدينة الإشعاعية Radiant Cityبتوقيع لوكوربزييه، ذات المُنَظِر الذي كان ينشد مدينة الغد الألية المنظمة الرافضة للهيئة المدينية الموروثة والسائدة في القرن التاسع عشر بكل فوضويتها، هذه المنظومة المدينية الآلية ‘الفاضلة’ واجهت تحديات الواقع الاقتصادي والثقافي.

      ما الذي يقابل كل ذلك في واقعنا المديني اليوم ؟، إنه الواقع العمراني الذي أضحى قضية تشغل الطرح الفكري المعاصر، فتمتد القراءات انطلاقا من طرف نظريات معقدة كتلك التي  تقف على ظاهرة محاكاة النمو العمراني ومراقبته من خلال منظومات رقمية، تبحث في أن ما ساد منتصف القرن العشرون من قناعات حول المدن بأنها خاضعة للتنظيم والنظام وبالتالي فالتوقعات التخطيطية كثيرا ما تتوافق وحقائق الواقع كانت قراءة خاطئة. تطالعنا اليوم أيضا أطروحات رم كولهاس  Rem Koolhaas، وهو الأخر يرثي تارة ويبتهج تارة أخرى حول قراءته لعمارة وعمران اليوم، حتى أنه يجد حال العالم اليوم بدون عمران، ووحدها العمارة التي تفترش المكان. يجد موت العمران هو سر لجؤنا إلى الشعور بالأمان في العمارة.

      ما تحاول أن تطرحه هذه الورقة هو الحاجة إلى إدراك الابعاد الوظيفية، والتقنية، والثقافية التي تسكن العمران المديني الطبيعي في توافق وتوازن عبر أجيال قاطنيه، ومقارنته بما يبدوا لنا الاخفاق الذي حالف التخطيط العمراني للمدينة، إن القراءات التقنية، امتدت منذ مهد الحداثة في أواخر القرن التاسع عشر، وحتى أوجها في أطروحات الأرشيغرام Archigram والميتابوليزم Metabolism ، ليستقر حالها مع روادها اليوم، بتطعيم عمران مديني قائم بجرعات التقنية المعمارية كما نجدها في أعمال رينزو بيانو Renzo Piano  وريتشارد روجرز Richard Rogers  ونورمان فوسترNorman Foster . أما القراءات الثقافية فعلى الرغم من تشعب فروعها إلا أنها تشترك جميعها في الدعوة إلى أهمية إدراك رصيد العمران المديني الطبيعي في مواجهة التخطيط العمراني، فالتنوع للقراءات العقلانية، وأطروحات كيفن لينش Kevin Lynch ، وجدليات كريستوفر الكساندرChristopher Alexander   وألدو روسي Aldo Rossi ، والأخوين كراير Leo, Rob Krier ، وقناعات حسن فتحي، وغيرهم جميعا يشددون على البعد الثقافي الإنساني للعمران المديني. كلتا القراءتان تأتيان لسد العجز التخطيطي الحداثي ومعالجة القصور الفكري الذي انفرد بالقيمة الوظيفية دون اعتبار للتوازن المكاني الانساني المنشود في العمران.

      إن الجدل هنا لا يستهدف تقييم أطروحات الحداثة أو حتى عرضها للنقد بالقدر الذي تطمح فيه إلى استعراض المحاولات الفكرية التي سادت القرن العشرين وتباين أطروحاتها ضمن محاور الوظيفية والتقنية والقيم الثقافية العمرانية، فقد يكون في ذلك السبيل لفهم العمران المديني الذي نسكنه، وإدراك الحاجة إلى مراجعة مداخل الحلول التخطيطية لها، لا سيما إذا ما تم تبني أن الطرح الفكري القائل بأن عمران اليوم لن يعنى ‘بالجديد’ بالقدر الذي ينشغل فيه ‘بالكثير’ و ‘التحوير’. بتقييم حالة العمران المديني الذي نسكنه في مدن ولدت طبيعية، لتضفي عليها محاولات بدايات القرن العشرين التخطيطية الاستعمارية بعدا يعيشه سكانها حتى اليوم إلى إخفاق القرار التخطيطي في مواجهة النمو العشوائي، يدفعنا بعنف للتساؤل عن مستقبل العمران المديني المجهول، وفاعلية المواجهة التخطيطية له .

مجموعة سيام  CIAM
      عندما تحدث أحد سكان مدينة شانديغار مختصرا الوصف إلى ما آل عليه الحال في المدينه بقوله ” صحيا نحن متقدمون، اجتماعيا نحن متخلفون”[1]، كان ذلك يبدوا وكأنه لسان حال القصور الذي يشوب الطرح التخطيطي للمدن المتحمس للحس التنظيمي الوظيفي الذي لم يفسح المجال للبعد الثقافي لسكان المخطط الجديد، ذلك البعد الذي يتعذر التنبؤ بمسار تبلوره، فهو نتاج التفاعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع الانساني المدني، الذي كثيرا ما يتم في مسارات المدينة وحجراتها. إن الاخفاق أو النجاح الذي يحالف أي تخطيط مرهون أساسا بتوافق الواقع والتوقعات التخطيطية، وهذه التوقعات قد تكون موضوعية في مستوى التعامل والرؤية الوظيفية، فالطرح الحداثي الذي يقرأ العمران المديني كمناطق للعيش، وأخرى للعمل ، وأخرى للترفيه تربطهم شبكة للمواصلات من مسارات. لم يتمكن من قراءة القيمة الاستعمالية لتلك المناطق أو المسارات الرابطة بينها. فالقيم الاستعمالية، التي يتعذر التنبؤ بها، تتبلور ضمن مستويات التفاعل الانساني المكاني، وتضبطه العادات والتقاليد والأعراف.



        خلص الاجتماع الرابع لمجموعة سيام سنة 1933 بإصدار وثيقة أثينا التي كان تأثيرها التخطيطي ملموسا في تعريف المدينة الوظيفية[2] Functional Cityإبان الحرب العالمية الثانية، هذه القراءة التخطيطية التي اعتمدت على استعمالات المناطق مستندة على الإحصائيات لتوقعاتها، كانت قد  وضعت سلسلة من الارشادات التخطيطية شكل البعض منها اليوم مختنقات تخطيطية يدفع سكان المدن ثمنها الباهض. فالمناطق السكنية التي أوصي بأن تحتل أفضل المواقع، وأن تتمتع بحد أدنى من أشعة الشمس، كما أن لغرض توفير مسطحات خضراء يجب أن تكون قواطع الاسكان رأسية ومتباعدة، وبغرض التقليل من زمن التنقل، فلقد تمت التوصية بمجاورة المناطق الصناعية للمناطق السكانية مع عزلها بالمناطق الرياضية والمنتزهات، وتكون عرض المسارات محصلة الحساب في تقدير نوع المواصلات وسرعتها!. إن ما يطرحه فان ايسترين van Esteren بأن التكوين التخطيطي يعكس تخطيط عمراني ‘علمي’، فهو كرؤية تخطيطية كانت قد استندت على البصيرة في إدراك أهم جوانب الحياة الاجتماعية واختزالها في إسكان، عمل‘ ترفيه ، وكلها مرتبطة بالمواصلات[3]، يبدوا وكأنه التأسيس للمفهوم القائل بأن المدينة هي آلة للعيش الجماعي، وأن المدينة الوظيفية هي أحد مرادفاته اللغوية. إن الحس الآلي وليد منظومات التشغيل المديني، من بنى تحتية، تغذية وصرف، مواصلات وخلافه، جميعها سمات المدينة الحديثة كما يطرحها الفكر الحداثي. 



المدينة والدور التقني في تشكيلها
      شهدت ستينيات القرن الماضي حركة طلائعية عرفت بأطروحاتها الفكرية النظرية أكثر منها مشروعات حقيقية، هذه الحركة كان في قيادتها ستة معماريين بريطانيين أطلقت على نفسها اسم ‘أرشيغرام’Archigram (architecture + telegram) ، حيث لا زالت رسوماتهم مصدر الهام كما كانت لفكرة المجمعات العملاقةmega-structures، هذا الفريق من المعماريينPeter Cook, Warren Chalk, Dennis Crompton, David Green, Ron Herron and Michael Webb عملوا على نشر أفكارهم من خلال مجلة أطلق عليها اسم أرشيغرام، لقد تجاوزت أفكارهم الحدود المألوفة للعمارة والعمران، وأثرت في عدد كبير من الحركات الثقافية من خلال التعبير عن افكارهم حتى بداية السبعينيات.  عمرانيا، عرفت هذه الحركة بمشروع المدينة المتنقلة The Walking City سنة 1964، التي تأتي كنتاج تقني يحاكي بيئة الحشرات، متأثرة بمقولة لوكوربزييه ‘البيت آلة للعيش’ من مباني ذكية قادرة على التنقل وبحجوم عملاقة يمكن لها أن تجوب الأرض، والمحيط الافتراضي كبيئة معيشية هو ذلك العالم الذي دمرته الحرب الكونية الذرية !. مشروع Plug-In City سنة 1964، هو الأخر مقترح تقني من هيكل عملاق مهيأ لاستقبال خلايا أو مكونات معيشية قياسية ليتم نظمها في الهيكل آليا. المدينة الفورية Instant City، مشروع مدينة تقني تأتي كحدث متنقل يحط في مدن بائسة جوا بواسطة مناطيد بمنشئات مؤقتة بغرض خلق حوافز لتنشيط ‘ثقافة’ عامة بتوظيف جماليات الاعلان والدعاية، وعند الرحيل لا يبقى منها سوى مراسي تقنية متطورة. ولم يكن الاختلاف ظاهرا سوى في مشروع المدينة المعدلة Tuned City، الذي يقترح الإضافة والاقتران بعمران قائم بنسبة تكفل حضور دليل التطوير العمراني السالف بدلا من العمل على اخفاؤه كليا.  



       إن السمة التقنية التي صبغت محاولات الميتابوليزم كحركة فكرية (معمارية) عمرانية، يقدمها كيشو كوروكاوا Kisho Kurokawa، كأحد المنظرين لهذا الخط، الذين قدموا البيان ‘Metabolism 1960 – A Proposal for a new Urbanism’ أن المسار الرئيسي لهذا البيان يتمحور حول مفهوم حيوية المجتمع الانساني في مسار التطور المستمر من النواة وحتى السديم. إن اختيار تعبير ميتابوليزم، مرده القناعة بأن التصميم والتقنية يجب أن يشكلان دلالة على حيوية الانسانية، هذا المبدأ على درجة من الأهمية لسببين رئيسيين كما يطرحهما كيشو كوروكاوا[4]؛ أولهما انه يعكس الشعور بأن المجتمع الانساني يجب اعتباره كجزء من كيان طبيعي متكامل ومحيطه الحيواني والنباتي، وثانيهما إنه يعبر عن القناعة بأن التقنية هي امتداد للإنسانية، وهو ما يخالف القناعة الغربية بأن الحداثة هي بمثابة التعارض المتكرر بين التقنية والانسانية. إن النمو الاقتصادي الياباني المتسارع، دفع بحركة الميتابوليزم بالدعوة للحاجة إلى خلق علاقة جديدة بين التقنية والانسان، وأخذ الحذر من التطور المستقل للتقنية إلى الحد الذي يمكن أن تتحكم فيه وتقود مسار الحياة الانسانية، فالحركة تطمح إلى خلق منظومة تكفل للإنسان الحفاظ والسيطرة على المسار التقني. إن القلق التقني لدى الحركة دفع بتبني نظرية دورة التمثيل الغذائي التي تقترح إعادة التنظيم الذي يجزئ الفراغ المعماري والحضري إلى مستويات الرئيسي والتابع وبكيفية تمكن الإنسان من التحكم في عالمه المعيشي. إن حركة الميتابوليزم، تعني ‘بالعلاقة’ بين الإنسان ومحيطه، لذا فإن توظيف التصنيع والعمارة سابقة التجهيز وابتكار ‘الكبسولة’ المعيشية، تطمح لتحفيز المشاركة بين الإنسان ومحيطه من خلال تكامل العلاقة كتلك التي بين الفنان والجمهور. إنها علاقة بين العمران والمجتمع والطبيعة ضمن أرضية تقنية. لم تأخذ المدينة التقنية منحا أشد تطرفا من أعمال الأرشيغرام والميتابوليزم، إلا أن التقنية من جانب آخر دفعت بالعمل المعماري لأن يرفض الهوية الثقافية، ويشكل لبنة معمارية تقنية في نسيج العمران. إن أعمال عدد كبير من المعماريين تبنت المدخل التقني كصيغة تعبيرية موروثة من رصيد الموجة الصناعية للحضارة الإنسانية على الأرض. إن محاولة باكمنستر فوللر  Buckminster Fullerفي مشروع Wichita house قراءة تبحث في تصميم مبنى صناعي، يمكن بموجبه محاكاة الانتاج الصناعي الكمي، وزرع هذه الوحدات السكنية في مواقعها بواسطة مروحيات. هذه الرؤية تفتقر إلى إدراك حقيقة أن المباني لا يمكن اختزالها إلى هيئة آلية صماء، فهي مكون وظيفي و ثقافي وإنساني، فالرؤية يمكن القبول بها على مستوى الوحدة المعمارية الواحدة ولكن تكرارها بالملايين يصيبنا بالذعر.





      امتد الحضور التقني عبر القرن العشرين حتى يومنا هنا، وتباينت مستويات التوظيف له، إلا أن حضورها المكثف اليوم انحسر على حدود العمل المعماري، في إطار ‘تحوير’ خلايا نسيج العمران إلى هيئة تعبيرية تقنية، وتبدوا إطلالتها كرأس حربة لتمهيد الحضور التقني ‘العمراني المعولم’، فالعمران ‘التقني’ يعمل على إحلال محل الرصيد الثقافي القائم وطمس هويته. وبات الحال وكأن الخطاب التقني في العمران هو اللغة العالمية المشتركة، تلك اللغة التي قد تدفع إلى اللاوعي المكاني. من هنا كان جدلية رهيف فياض حول الملائمة، في ذلك، للمعطيات الطبيعية والاقتصادية والتقنية المحلية، بل يراها مدمرة للتراث المنتشر في معظم المدن العربية، متسائلا عن عمارة ‘المعولمة المعاصرة’ كونها “تبدو غير معنية بوعي المكان حيث تقوم. تبدو في أمكنتها، وكأنها صممت لغير هذه الأمكنة. تبدو وكأنها غير مكترثة بالجواب على السؤال الذي يمثل بداية وعينا للمكان، وهو أين نبني ؟ أين نحن؟ ثم تبدو أيضا وكأنها صممت لناس آخرين، غير ناس المكان حيث تقوم، فتبدو أيضا وكأنها غير معنية بالجواب على السؤال الذي يكمل وعينا للمكان، وهو لمن نبني ؟ ومن نحن؟”[5.[

      البعد التقني المديني، ذو براح كبير يمتد من مواد البناء وتقنيات التنفيذ إلى تقانة البنى التحتية إلى منظومات المواصلات والتواصل! والبون شاسع في البعد التقني المديني بين أوروبا الصناعية، قارة المدن، وبين عالمنا المديني المتذبذب، فالبعد التقني المديني وثيق الصلة ببيئة نشأته، فهو بٌعد يولد وينمو ويتفاعل ويتكامل ومحيطه الحضاري في بيئته الحضرية، قيمة مدينية تشترط حالة تحقق الانتماء لدى ساكنيه غير مفككة تمتلك بوصلتها ووضوح وجهتها. إن الطرح التقني المديني الحداثي خلف تبعات سلبية على مستوى البيئة المعيشية وأثارها على المحيط الطبيعي، فكان بزوغ فكر الاستدامة العمرانية، ذات الفكر الذي يعمل جاهدا على رأب الصدع البيئي الذي سببه الحضور التقني العمراني، من خلال المعالجة التقنية للعمارة والعمران بمواد وتقنيات وحلول تعمل على احترام النظام الطبيعي البيئي[6].  اليوم يفرض العمران  المتنامي والمتسارع على أرض البسيطة تحديات جديدة لمعالجتها، فالمؤشرات تعزز القناعة بأن الموجة الصناعية التي ولدت منذ 150 عاما قد تحولت إلى موجة عمرانية عاتية، يدفع ثمنها بشكل فادح تلك المجتمعات النامية التي باءت تتكدس في البيئة العمرانية مهاجرة من الأرياف أو تعيش تحول بيئتها القروية الصغيرة إلى تجمعات عمرانية (لا مدينية) فوضوية كبيرة، وبشكل يفتقر كليا إلى التوازن.


      التوقعات العمرانية في تقرير ‘الموئل’ للمستوطنات البشرية بالأمم المتحدةUN-HABITATتشير إلى أن الكثير من الحواضرMetropolisبدأت تقترب وتتداخل من بعضها البعض لتخلق إقليم عمراني هائل[7]‘mega-region’ أحدها تلك شواهد النمو المتسارع والغير منضبط في تلك الحواضر العمرانية الواقعة غرب أفريقيا حيث المدن لاجوس، ابيدان، لومي وأكرا على نحو يؤول إلى التحامها، والذي بدوره قد يؤدى إلى فيضان عمراني يتجاوز حدود نيجيريا وبنين والتوجو وغانا. لقد وصف التقرير هذا القرن ‘بقرن المدينة’ وأن نصف سكان الأرض يقطنون المدن، ومع منتصف القرن سيشغل 60% من سكان الأرض المدن، وأن النمو العمراني المتزايد متسارع في الدول النامية دون غيرها، حيث المدن تنمو بمعدل خمسة ملايين نسمة شهريا، وليس بغريب أن يتزايد التكدس السكاني والهجرة إلى أضواء المدينة في مدن لمجتمعات نامية ، ولكن الخطورة تكمن في عدم الاستعداد لهذه الهجرة إن لم يكن بالإمكان الحيلولة دون حدوثها. إن التقرير يشير إلى أن النمو العمراني هو نتيجة لعوامل مركبة كالموقع الجغرافي، ونسبة زيادة السكان، والهجرة من الريف إلى المدينة، تقنيات البنية التحتية، السياسات الوطنية، وتأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية والعولمة. فالمجتمعات الريفية الكبيرة في افريقيا وآسيا تتحول في الغالب إلى بيئات عمرانية فوضوية، كما يتوقع الكثافة السكانية العمرانية مع منتصف القرن 5.3 بليون نسمة، تأتي 63% أي 3.3 بليون في أراضي آسيا، وربع العدد أي 1.2 بليون في أفريقيا. واقع مروع لمدن لا تتوقف عن النمو المتسارع لتصبح أقاليم تموج بالسكان كتلك التي نرقبها في إقليم ريودي جانيرو وساوباولو بتعداد متوقع 43 مليون نسمة، أو إقليم ناجويا، أوساكا، كيوتو، وكوب باليابان المتوقع 60 مليون نسمة في 2015، انتهاء بظاهرة الممرات العمرانية، كتلك التي تمتد 600 كيلومتر من العمران المتواصل بين نيجيريا، بنين، التوجو، وغانا، والمعروفة بقيادتها الاقتصادية الاقليمية .

      بمقارنة الحال في قارة المدن والعالم الحديث يتوقع نموا بطيئا ان لم يكون معدوما، حيث يتوقع نمو سكان البيئة العمرانية من 900 مليون نسمة تم احصاؤها في 2005 لتصبح 1.1 بليون نسمة في 2050، فالعديد من المدن تعيش ضمور سكاني، لتدني نسبة الزيادة السكانية ومعدل الولادات!. اليوم تعيش البشرية في مجموعة ‘الأطراف’[8]، دون حراك يذكر بشأن مستقبلها، في حين نجد المحاولات الحداثية والمعاصرة على حد سواء ضمن حدود ثقافة ‘المركز’ تعمل جاهدة على تعزيز التفرد وتأصيل لغة واحدة في ثقافة العمران الحديث و‘المعولم المعاصر’، فكان معها ولادة مشروع ‘المدينة المنتج’[9].


      إن المؤشرات التاريخية الجديدة في عصر كان يوما صناعيا وتوقع له أن يكون معلوماتيا أصبح لسان حاله يقول بأنه عمرانيا، إلا أن هذا الواقع يبدوا غير مرئيا للمجتمعات العمرانية المتقدمة، فالمعاناة منحصرة في عمران المجتمعات النامية. إن قراءة المشهد على المقياس العربي، نجد التباين ظاهرا بين طرفي عمران آخذ في النمو العشوائي والاكتظاظ الغير متوازن خصوصا في العواصم، وعمران معاصر بديل ينشد قيم العمران المعاصر المعولم. يأتي الأخير في مدن تم تأسيسها على مقومات اقتصادية بحثة، ولا تجد ضيرا في أن يكون التنوع الثقافي والعرقي والديني لقاطنيها قائم، لا سيما وأن الخصائص المكانية والفراغية للعمران وعمارته لا تحمل هوية، بل تتنافس في الإعلان عن الحياد الثقافي، بل أصبحت المحاولة في بعض عمائرها تأخذ السمة المسرحية الديكورية في ظل البحث عن شئ من المرجعية التاريخية للمكان وأصوله الثقافية. وٌلِدَت بعض من نموذج هذا العمران على شواطئ الخليج، واليوم يرنو إلى أقطار أخرى منها ليبيا !.

      هذا العمران ‘الحيادي’ شكل مناخ آمن ومشجع لتجارب وجد فيها الفكر التخطيطي المعاصر فرصة تمويل حلول عمرانية ‘مستقبلية’، قد نجدها نتيجة لتشخيص عمراني غير واعٍ لجوهر قضاياه، وامتداد للمنحى التقني وأبعاده العمرانية فعلى سبيل المثال تأتي  مدينة مصدر[10] ‘الذكية’، و ‘المستقبلية’، بتوقيع نورمان فوستر، أحد نماذج مشروع ‘المدينة المنتج’ التي تفترش أرض لا تحمل في طياتها عمق تقني، فهي بمثابة العمران التقني المشروط بتوافر مجتمع لا يضيره الاختلاف الديني أو الحضاري أو الثقافي، مجتمع يملك إدراك أهمية التنوع، إلا أنها تحمل في طياتها السؤال المحوري حول كونها الحل المستقبلي المنشود للعمران لاسيما وأنها تعتمد تقنيات التواصل والمعلومات ICT في توظيف الموارد، الأمر الذي يحقق اقتصاديات الطاقة، ويعمل على تحسين النمط المعيشي، وتحد من التأثر البيئي السلبي، ولكن هل ذلك كل ما تحتاجه مدينة المستقبل فعلا؟ تبدو مدينة (مصدر) حل تخطيطي ينشد الاستدامة بصيغة تقنية، كما أنه يقترح منظومة نقل عامة لا تختلف في المبدأ عن أطروحات البعد التقني في حلولا مشابهة، باستثناء أن البيئة الصحراوية المحيطة بالمدينة دفعت بالحلول التخطيطية الى تبني الحل الصحراوي الموروث في العمران التقليدي بمدن الصحراء من أزقة ضيقة مظللة تحث على السير على الأقدام.! والحال لم يختلف كثيرا عن ما تم تقديمه لمشروع الجبل الأخضر في إعلان شحات[11] كإقليم مستدام بظاهر تقني وباطن لا يعير لثقافة المكان وبيئته السكانية ورصيده الحضاري اهتماماً ! .

      يتسأل المرء منا اليوم عن جدوى الدور التخطيطي ‘لمدينة المنتج’ وهل فعلا تشكل إضافة تخطيطية نوعية لمواجهة واقع العمران المؤلم ؟ أليس من المجدي هو التفكير في تحقيق مستقبل عادل ومستدام لعمران قائم ومواجهة قضاياه الشائكة من نمو عمراني عشوائي فوضوي، وتكدس سكاني، واستنزاف للموارد ودمار بيئي، بدلا من تقديم مخططات لمدن ‘النخبة’ المستقبلية الجديدة تحيطها الأسوار ولا تكثرت إلى ‘بداية الوعي المكاني واكتماله’. فالمدينة ليست وعاء يكتظ بمحتواه السكاني فحسب، بل مكان للعيش الواعي، الآمن، والعادل، وبالعودة إلى طرف العمران الآخذ في النمو العشوائي والاكتظاظ الغير متوازن خصوصا في العواصم العربية، تضعنا أمام قراءة للتخطيط المكاني على أنه على درجة من التعقيد والمسؤولية بحيث يجب ان لا يترك الأمر للمخططين وحدهم، بل إشراك كافة التخصصات ذات العلاقة ببنيان المجتمعات العمرانية، وعلى فريق العمل أن يثق في الدور المناط بكل عضو، وأن يضع هدف تحقيق العدالة المدينية نصب عينيه، فالتجربة العمرانية بنهاية القرن الماضي شكلت مؤشرا لأهمية إعادة ترتيب أولويات الفكر التخطيطي من جديد، فقد تدفعنا الحاجة إلى تبني المدخل الجراحي المتوازن لعلاج جسم العمران العربي المتورم، بمراعاة الأبعاد الوظيفية والتقنية والثقافية على حد سواء.

البعد الثقافي للمدينة
      تاريخيا، يمكن الجزم بأن كل العمران المديني الذي نشأ بشكل طبيعي، سكنت في ثناياه المادية أبعادا اجتماعية، واقتصادية ، وعقائدية، وسياسية، لتشكل في مجموعها الضفيرة الثقافية لإنسان ذلك العمران. إن الإشارة إلى البعد الثقافي الشمولي في العمران المديني هنا مرده إلى حقيقة تدني إدراك تأثير دوره على ‘القيمة الاستعمالية’ لمكونات العمران الفراغية في أطروحات الحداثة التخطيطية تماما كما كان القصور في إدراك سلبيات البيئة التقنية للبني التحتية التي، بعد عقود من تطبيقاتها، أفرزت بيئة عمرانية منهارة تنوء بقيمة استعمالية متدنية وبنتائج الاستنزاف الجائر للموارد. إن إدراك البعد الثقافي للمدينة يتطلب استدراك الدور الثقافي المتمثل في شقيها المادي والمعنوي، فالأخير هو بعد لا مادي وغير ملموس بل يمكن قراءته بوضوح في جملة القيم والأعراف وأخلاقيات المجتمع المديني، وهي ما تشكل المحور الثقافي المرجعي، حيث يكون الشق المادي والملموس للجانب الثقافي المديني انعكاسا وقراءة بصرية لحقيقة الثقافة المدينية في التعبيرات الثقافية، بدأ من الصيغ التعبيرية التشكيلية الفنية نهاية بعمران المدينة وعمارتها. لذا يأتي إدراك البيئة المدينية وثيق الصلة بوعي القيمة الثقافية اللامادية لإنسان تلك البيئة، فالبيئة العمرانية وعمارتها هي تعبير مادي للثقافة السائدة بالمجتمع المديني وتأتي ‘كناتج مُتأثر، ومُنتج مؤثر’[12] في آن واحد .

       من جانب آخر تشير منال ابو العلا في ورقتها بعنوان ‘الموروث العمراني بين الأصالة، القيم الانسانية والمعاصرة’ إلى أطروحات[13] أموس رابوبورت Amos Rapoport  حول قضية الجوهر الثقافي‘culture core’ للكيان الاجتماعي الذي يشكل بمكوناته المكانية والزمنية مرساة الاستقرار الثقافي cultural stability للمجتمع العمراني المديني. إن الجوهر الثقافي قيمة قياسية تحدد التباين في قدرة مجتمع ما على القبول بالجديد الثقافي وقابلية التأقلم معه. فالمكونات المكانية متمثلة في ناتج الموقع الجغرافي للوطن الاجتماعي واحداثياته وموارده الطبيعية والعلاقة بمحيطه المكاني المجاور، في حين يرتبط المكون الزمني بالعمق التاريخي لذلك الوطن وقيمة التراكم الثقافي وموروثه في الذاكرة الجماعية لسكان ذلك الوطن. إن العلاقة للمكونين تبادلية في التأثير والتأثر، تكاملية في سد الفجوات الثقافية وصدامها الحضاري أو الحواري.

       إن هذا الجانب على درجة من الأهمية لاسيما إذا ما تمت الإشارة إلى العمران المديني كشاهد ثقافي رابط لتواصل المجتمع بماضيه وحاضره ومستقبله ، وأن الفارق الثقافي القائم بين المجتمعات المدينية وتنوعه من حيث الرصيد المكاني والزمني، يضعنا أمام التساؤل حول المرونة في الجوهر الثقافي لمجتمعاتنا العربية للتأقلم مع ما قدمته نظريات الحداثة والضغط الصناعي والتقني بالأمس، وما تسوقه الموجة المعلوماتية اليوم ؟ إن مستوى قبول التغيير الثقافي رهين بقدرة التأقلم على قبوله، وما يشير إليه إروين ألتمانErwin Altman[14]  إن التغييرات الجديدة وتوافق سرعتها مع القدرة على قبولها قد تقود إلى بيئة عمرانية ذات بعد ثقافي جديد له امتداد طبيعي للشخصية الثقافية التعبيرية الموروثة، أما في حالة تجاوز سرعة التغيير للقدرة على القبول والتأقلم، فإن ذلك حتما يقود إلى الخلل العمراني التعبيري وتبدوا حالات الصراع والرفض في فجوة ثقافية ظاهرة. هذه الفجوة الثقافية تبدوا بوضوح من خلال القيمة الاستعمالية المكانية، ويكون مبعثها الشعور بحالة الاغتراب الثقافي المكاني.

     إن ظاهرة ‘العمارة الدولية’ و ‘العولمة الثقافية’ كان لهما حراكهما المتسارع الذي لم يمنح للإيقاع التوافقي بالقبول والتأقلم لدى مجتمعاتنا فرصة، فكان الاختراق التعبيري الثقافي، الأمر الذي لم يحقق مساحة التعايش بين المكان (بثقافته الجديدة) والإنسان. فقضايا المجتمع الصناعي والمعلوماتي لم تختبرها بيئتنا، فهي لم تكن يوما من صنعنا، بل تبدوا احيانا وكأن الالتحام بين بعدي الوظيفة والتقنية اليوم في قراءات المدن المستدامة يستهدف الإنسان والعمران في مجتمعاتنا على حد سواء. إن هذا الجدل يستهدف إلى اهمية اعتبار القيمة الثقافية المكتسبة عبر الزمن، فالحيز الزمني وعمقه التاريخي للمجتمع هو أداة التحكم في القبول والتأقلم بالقراءات التعبيرية الثقافية المكتسبة، لذا إن أية طرح فكري عمراني مستقبلي يسقط من حساباته هذا البعد سيفرز بيئة اغتراب معيشي عاكسة لموقف ‘الجوهر الثقافي’ الرافض للتأقلم.

       إن ما حدث في ثقافة ‘المركز’ في ستينيات القرن الماضي وتحديدا في القرار الذي أخذ في شأن هدم المشروع الإسكاني في سانت لويس Pruitt-Igoe  مع نهاية ستينيات القرن الماضي، هذا المشروع الذي، مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي، قطنه عائلات مختلطة عرقيا من محدودي الدخل، أصبح علامة وصورة هدم المشروع متداولة دوليا، ولكن الجدير بالإشارة هو تباين الآراء حول دوافع تدني القيمة الاستعمالية وتجاذبها بين التمييز العنصري، إلى محدودية الميزانية وتقليصها وغياب الصيانة وسوء إدارة المشروع ، إلى عدم فاعلية المدخل التخطيطي وعدم توافق المشروع ونسيج سانت لويس العمراني، ولكن الاتفاق حول  تدني القيمة الاستعمالية حتى أضحى المشروع مركزا لبؤر الفساد، كان قائما، الأمر الذي شكل مؤشرا خطيرا أدى إلى القرار بهدمه. لم يملك مينورو ياماساكي Minoru Yamasaki ، مصمم المشروع، آنذاك إلا الرثاء بقوله “لم أدرك بأن الناس على هذا المستوى من التدمير”، وليكتب[15] عنها كولين روو   Colin Roweفي Collage City بوصفها كقراءة تمتد إلى مدينة لوكوربزييه، احتفلت بها مجموعة CIAM وأعلن عنها في وثيقة أثينا كمدينة ‘الخلاص’ أصبحت القناعة بعدم ملائمتها تتزايد كل يوم. ذات الحدث الذي أُعِلن فيه نهاية الحداثة، ولينتهز تشارلز جينكس Charles Jencks المقام، ويعلن في كتابه[16[ ‘The Language of Post-Modern Architecture’ أن نهاية العمارة الحديثة قد اقترنت بتاريخ هدم المشروع وتحديدا بميقاته.! 

قراءة المدينة كحالة معمارية بدلاً من عمرانية

      إنها أيضا إعلان لميلاد مرحلة ‘ما بعد الحداثة’[17]، ثقافيا يبدو الأمر في ‘ما بعد الحداثة’، وكأنه الدعوة المتحمسة في تبني المرجعيات الثقافية التي غابت في العمران الحديث، فكان منهج عمارة عمران ‘ما بعد الحداثة’ يبحث في استحضار الصور المادية لقيم تاريخية موروثة لعمران مرسوم في الذاكرة الجماعية لتلك المجتمعات، في إطار معاصر دون الإخلال بالرصيد الفكري الحداثي أو مظاهره التقنية للمجتمع الصناعي. هذا مؤشر بالوضوح الكافي للحاجة إلى عدم إغفال القيمة الثقافية في عمران المكان ذاته الذي أسقطه يوما بمناداته للعمران الآلي والحضور الوظيفي، فعلى من التوافق الكلي لسرعات التغيير والقبول به، إلا أن الاحساس بالاغتراب العمراني الذي بدأ يسود العالم الحديث ولد معه موقف ‘الجوهر الثقافي’ الرافض له، والذي تتالت معها محاولات القراءات العمرانية والمعمارية تجوب جميعها في فلك البحث عن عمران بعمارة تلبي ما ينشده المستقبل دون إغفال توافقه والموروث الثقافي مكانيا وزمنيا. فالقراءة المعمارية للمدينة مدخل يتبنى مراجعة مركبات المدينة المادية عبر الزمن وعلاقتها بالمدلول الثقافي الذي ترسمه للذاكرة الجماعية وأثر ذلك على حال ‘الجوهر الثقافي’ في طرفي الانتماء والاغتراب.

          تبدوا قراءات ليو كراير Leo Krier المتعددة حول قضايا العمران المديني، قد تمحورت حول قضايا المعمار ومكونات العمران الفراغية الحضرية فهو يجد أن الشارع والميدان أو الساحة العمرانية المكونين الرئيسيين لإعادة تكوين العمران المديني العام، مؤكدا على أهمية العلاقة ‘الجدلية’[18] بين طابع البناء وتكوين الفراغ الحضري، وضمن هذه الجدلية تتبلور العلاقة السليمة بين ‘المعالم’ في المباني العامة والنسيج العمراني الكمي المجهول من المباني الخاصة. عند الوقوف على دعوته[19] إلى إعادة تركيب المدينة بتنظيم عقلاني لمناطقها، نلمس إشارته إلى البعد الاجتماعي فمن خلال إعادة ترتيب المدينة على هيئة وحدات وظيفية مركبة ومتكاملة تأخذ شكل المناطق والأحياء، ومساحات متجانسة وظيفيا واجتماعيا.

      إن قراءة ألدو روسي Aldo Rossi للمدينة كحالة تعمير (عمارة) مادي متنوع عبر الزمن، يراها بمثابة المدخل الشمولي لتحليل العمران المديني، الذي تسكن طياته الحقيقة المعرفة والمطلقة لحياة الجماعة، وخلق البيئة المدينية لها. فالعمارة المدينية ولدت مع أول أثر للمدينة، فهي متجذرة في تكون الحضارة، وهي الحقيقة الثابتة والشاملة والضرورية، كما أن النوايا الجمالية وبناء محيط عمراني بديع للحياة، خاصيتان ثابتتان في العمارة المدينية، وثيقتان الصلة بإدراك المدينة كحالة خلق انسانية. روسي يجد أن مع الزمن، المدينة تنمو، وهي بذلك تتطلب حالة من الوعي والذاكرة، فالسرد الأصلي للمدينة مثابر على البقاء إلا أنه خلال النمو عبر ‘التكرار’، يقوم بتعديل ذاتي يستوعب التغيير ويخدم قصتها.

      اليوم يطالعنا رم كولهاس [20[Rem Koolhaas هو الأخر يرثي تارة ويبتهج تارة أخرى حول قراءته لعمارة وعمران اليوم، حتى أنه يجد حال العالم اليوم بدون عمران، ووحدها العمارة التي تفترش المكان. يجد موت العمران هو سر لجؤنا إلى الشعور بالأمان في العمارة. العمران الجديد لن يؤسس على وهم توأم النظام والقوة المطلقة، فالعمران سيمر بمراحل عدم اليقين، ولن يعنى بالمدينة بالقدر الذي يعمل فيه على تحوير البنى التحتية والتكثيف والتنوع، ولأن العمران المديني اليوم أصبح منتشرا، فالطرح الفكري لقراءته لن يعنى بالجديد بالقدر الذي ينشغل فيه ‘بالكثير’ و ‘التحوير’، ولأنه أيضا خارج حدود السيطرة، فسيكون العمران سهم التوجيه نحو الخيال، لن يكون مهنة بل منهج تفكير وأيديولوجية، للقبول بما هو قائم. لقد انشغلنا ببناء قصور من الرمال وها نحن اليوم نسبح في البحر الذي اجتاحتها مياهه.

       يبدوا الحضور المعماري في المدينة كأداة تنظيم وإعادة ترتيب أمتد إلى البعد الاقتصادي الفاعل، من خلال توظيف المعلم الثقافي معماريا فهو قد يكون الكفيل بإيقاد جذوة الحياة في نفس المدينة المحتضرة. Wilfried Wang في كتابه[21] ‘الثقافة: المدينة’ Culture: City  يطرح التساؤل حول الظاهرة التنافسية في تسعينيات القرن الماضي في شأن تشييد أعداد كبيرة من المعالم الثقافية في مدن كثيرة حول العالم، بغرض جذب الزوار لها، وهل الثقافة اليوم لازالت تتمتع بالدور القيادي في ذلك أم أنها لا تملك سوى الدور المساعد والمحفز لعمارة مذهلة ذات حضور مشهدي؟ وهل القطاع الإبداعي والثقافي هو المحرك لمستقبل المجتمعات ‘ما بعد الصناعية’، وأن تلك المباني ‘الثقافية’ تمثل قيدا أم أنها تعمل على التحرير الثقافي. لقد شكلت ظاهرة ‘تأثير بلباو’ ‘Bilbao effect’ في انبعاث المدينة من خلال متحف جوجنهايم بتوقيع فرانك جيري المبنى الثقافي ذو الحضور المشهدي، مثالا مقاربا لعدد كبير من المحاولات في مدن الدنيا تحمل ذات النوايا، جميعها تدفع بالقناعة بأن دور عمارة العمران اليوم فاعل ومؤثر في قراءة المدينة وسبل تجددها.


الواقع المديني اليوم   .. ما الذي يجب فعله ؟
      إن ما يحدث بين أطروحات الحداثة، وقراءات اليوم؟. تباين وتنوع في الرؤى يملك كل منا الاتفاق عليها أو الاختلاف ! فالاختلاف مع ما نادت به الحداثة، مصدره تجاهل الطرح الآلي للقيم العمرانية الموروثة، ورصيدها الانساني، فبحث كيفن لينش Kevin Lynch في صورة المدينة ومحددات تبلورها في الذاكرة الجماعية، أطروحة تستند إلى القلق عن مدى أهلية المدينة التي تبنت منطق مجموعة CIAM المجرد، إضافة الى حتمية النمو العشوائي للعمران. ومناقشة كريستوفر الكساندر Christopher Alexander للفارق بين ما يطلق عليه ‘المدينة الطبيعية’ و ‘المدينة الاصطناعية’، فالأولى كانت نشأتها عفوية عبر الزمن، في حين الثانية كانت نتاج إسهام المصمم والمخطط، حيث يجد المغالطة في توق المصممين والمخططين اليوم إلى الخواص المادية للمدينة الطبيعية بدلا من البحث عن مبادئ التنظيم لها.

      هذه الخاصية التنظيمية التي تتمتع بها المدينة الطبيعية، والتي نفتقدها في العمران المديني ‘الاصطناعي’، يشبهها كريستوفر الكساندر باستعارته بنظام شبه شبكي  semi-lattice[22] ، في حين يجد المدينة الاصطناعية تخضع لنظام شجري. كلا النظامين مناهج فكرية، إلا أن التحفظ يبدوا واضحا على منهج المدينة الاصطناعية التي تأتي نتاج فكر إنساني يجد في منظومة الشجرة وسيلة تعبيرية سهلة للفكر المركب والمعقد، ولكن المدينة ليست ولا يمكن أن تكون شجرة، فالمدينة وعاء للحياة، وإذا ما كان هذا الوعاء يفصل بين الفروع المتداخلة ويجزئها فالمدينة بذلك ستعمل على تجزئة الحياة فيها إلى قطع. إن تشبيه منظومة المدينة بالشجرة يبدوا اختزال مجحف للإنسانية وثراء العيش المديني إلى بساطة الطرح الذي يخدم المصممين والمخططين والإداريين والمطورين فقط، فكانت مقالته بعنوان ‘المدينة ليست شجرة’، التي تأتي مباشرة كحالة يفند فيها قراءته الأولى للقرية الهندية Indian Village. يقارب ذلك ‘قرية القرنة’ التي ترجمت شغف حسن فتحي في إحياء تقاليدها كمحاولة للإجابة عن سؤال البيئة العمرانية الملائمة ثقافيا !  فهل يجب أن تقهر الثقافة كل مظاهر التقنية بحلم التقاليد كما وجدها حسن فتحي في القرنة؟ أم يجب أن يكون البحث عن سبل التعايش معها؟

      أضحى العمران المديني الدولي بانفجاره السكاني، ونموه العشوائي قضية تشغل الطرح الفكري المعاصر، وكان معها تنوع وتباين القراءات المعاصرة انطلاقا من طرف نظريات معقدة كتلك التي  تقف على ظاهرة محاكاة النمو العمراني ومراقبته من خلال منظومات رقمية، بكيفية بحثية تنشد فيه، أن ما ساد القرن العشرون من نمو عمراني مديني، خاضع للتنظيم والنظام، فالتوقعات التخطيطية يرجوا لها توافقها ووقائعها العمرانية، هذه القراءة العلمية العقلانية ‘المعقدة’ المعاصرة قد لا تجد بيئتها الرقابية في مجتمعات عمرانية جامحة تفككت فيها لحمتها الإنسانية المكانية بفعل الاغتراب الذي شاب الجوهر الثقافي المديني بها. إن الطرح الذي يتبنى البحث في ‘تبصر’ نظام نمو المدينة وحالات التغير التي تشوبه سيكون أجدى من ‘توقعه’، فهو يسعى إلى شرح ظاهرة النظام المعقد من مكونات بسيطة وموضوعية، بغية الوصول إلى توقع واقعي لمستقبل المجتمع العمراني المديني. تباين بين موروث محلي تنامي عبر المحاولة والخطأ ومحكوم بالعُرف ، وصيغة الحضور الفكري العمراني الحداثي الذي صاحب الموجة الكونيالية الاستعمارية، كل ذلك أفرز بيئة عمرانية ذات فؤاد محلي وهيئة حداثية، أمثلة تباينت صيغ نسجها، لتصنع غربة ثقافية وهيئة عمرانية تضعنا اليوم في تساؤل محير أين نحن من كل هذا المحيط؟ متناسين إننا يجب أن نعمل على صقل مهارتنا في إدارة الأشرعة لمواجهة الرياح حتى لا تغمرنا تيارات العولمة بكل عنفوان أمواجها فاقدين معها بوصلة رحلتنا مؤملين يوما أن تلمس أقدامنا يابسة الملائمة.




      المعذرة .. ولكنها مقارنة تأبى إلا أن تكون لها إطلالتها .. لاسيما عندما يذكرنا ألدو روسي بأن من يدير ظهره للأموات لا يمكن أن يكون من الأحياء، فحضور الأموات بين الأحياء في أي مجتمع بمثابة حقيقة تشجع الأحياء على الحياة يوميا. اليوم بات النمو العمراني في كثير من المدن قد طال الأخضر واليابس، وصار غافلا عن حقوق الأموات في الاستيطان أيضا، بل دفع بهجرتهم إلى مقابر خارج المدن بعد اقتضاض القديم منها، وصارت معايشة هذه الحقيقة تهجرنا، ونخشى مع الزمن فقدان إدراكنا لمعاني الحياة أيضا.



الهوامش
[1] http://architecture.unl.edu/projects/housingissues/pages/readings/PDF/Brolin_read.pdf
[2] The Functional City – The CIAM and Cornelius van Esteren, 1928 – 1960, edited by Kees Somer
[3] Ibid, p.131
[4] – Kisho Kurokawa, Metabolism in Architecture, Studio Vista (London), 1977, p.27
[5] – رهيف فياض، العمارة ووعي المكان، دار الفارابي، (بيروت)، 2004، ص. 106.
[6]- McLennan, Jason F. The philosophy of sustainable design: the future of architecture. Kansas City, Mo.: Ecotone, 2004. p.6
[7]- State of the World’s Cities 2008/2009 HARMONIOUS CITIES, London, United Nations Human Settlements Programme, (UN-HABITAT). Earthscan, 2008.
[8] – يتسأل رهيف فياض عن تواجدنا في عالم متوازن، يكفل لنا حق الوجود كما نريد لا كما يراد لنا، سؤال العدالة هذا يقوده إلى قراءة العالم مجزأ إلى (مركز) و (أطراف). (المركز)، قطب واحد، يحتكر القوة والثروة والانتاج والتقنية والاعلام، وجوقة من ستة أو سبعة مصفقين. أما (الأطراف) هي ما تبقى من ثقافات لا تملك سوى الإفقار والاستهلاك والإلحاق والتبعية. رهيف فياض، العمارة ووعي المكان، دار الفارابي، (بيروت) 2004، ص. 109، 110
[9] - Justin McGuirk, guardian.co.uk, Monday 29 March 2010.
 [10] - “A Renewable Oasis,” Melissa Master Cavanaugh, strategy + business, Spring 2010.
مدينة مصدر مقترح مشروع مدينة مستدامة بمساحة 6 كيلومتر مربع، ولسعة سكانية تصل إلى 40,000 نسمة، أختير موقع يتوسط  حقول النفط بإمارة أبوظبي والواجهة الشاطئية، ويتم تشغيل كافة مرافقها بأسليب الطاقة المتجددة، الطاقة الشمسية، ,وإعادة تدوير المياه. من سمات فراغاتها العمرانية وحدائقها أنها تحاكي الموروث المحلي التقليدي في المنطقة العمرانية العربية بتوظيف الحلول السالبة للتبريد، وفي ظل العمل على تحقيق المدينة الذكية تم توظيف منظومة الاتصالات والمعلومات كشبكة رابطة بين كل مكونات المدينة.
[11] – http://islamictourism.com/PDFs/Issue%2067/English/the%20green%20mountain.pdf
[12]- Manal Abou El-Ela\Desktop\DATA_PUBLICATIONS\PAPER
منال ابوالعلا تناقش في ورقتها ‘ الموروث العمراني بين الأصالة، القيم الإنسانية والمعاصرة’ العلاقة التفاعلية بين الإنسان وبيئته المدينية من خلال الصيغ الثقافية المعنوية والمادية. ص3.
[13] Rapoprt, Amos. Human Aspects of urban form Towards a Man, Environment to urban form and Design, Pergamon Press, 1977.
[14] – Altman, Irwin – chemers, Martin. Culture and environment, Cambridge University Press 1980
[15]- Rowe, Colin, and Fred Koetter. Collage city. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1998.
[16]- Jencks, Charles. The language of post-modern architecture. London: Academy Editions, 1991.
Charles Jencks, in his 1977 book The Language of Post-Modern Architecture, declared the July 15, 1972, demolition of Pruitt-Igoe to be “the death of Modern architecture.” He even specified an exact time of death (“3:32 p.m.”), which, according to The Guardian, he later admitted to making up.
[17] – يمكن إدراج كافة الحركات الفكرية التي جأت بعد الفكر الحداثي،  من ‘مابعد الحداثة’ و‘التفكيكية’، و‘التقنية العالية’، و‘المستدامة، و‘الخضراء’ و‘الميناميليزم’ وغيرها تحت هذا العنوان حيث أنها جميعا في حالة اختبار ومعايشة معاصرة لم يتحقق لها العمر زمني الكافي لتبلورها واستقرارها.
[18] -Vidler, Anthony, Krier, Leon, Scolari, Massimo, Rational architecture rationnelle., New York: Princeton Architectural, 1985. P. 58.
[19] – Ibid, pp.38-42
[20] – Koolhaas, Rem, Jennifer Sigler, Bruce Mau, Hans Werlemann, and Office for Metropolitan Architecture. S,M,L,XL: [small, medium, large, extra-large]. New York: The Monacelli Press, 1995. pp 961-971
[21] – Wang, Wilfried, and Germany) Akademie der Kuˆnste (Berlin. Culture: city. Baden, Switzerland: Lars Muˆller, 2013.
[22] – Christopher Alexander, ‘A City is Not a Tree’, Part one in Architecural Forum (April 1965), pp. 58-62.

 المراجع:
Anthony Vidler (Author), Leon Krier (Author), Massimo Scolari (Author). Rational architecture rationnelle. New York: Princeton Architectural, 1985.
Bacon, Edmund N. Design of cities. New York: Penguin Books, 1976.
Banham, Reyner. Theory and design in the first machine age. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1980.
Conrads, Ulrich. Programs and manifestoes on 20th-century architecture. Cambridge (Mass.): MIT Press, 1999.
Duany, Andres, Elizabeth Plater-Zyberk, and Jeff Speck. Suburban nation: the rise of sprawl and the decline of the American Dream. New York: North Point Press, 2010.
Hall, Peter. Cities of tomorrow: an intellectual history of urban planning and design in the Twentieth century. Massachusetts: Blackwell, 2002.
 Jacobs, Jane. The death and life of great American cities. New York: Vintage Books, 1992.
 Jencks, Charles. The language of post-modern architecture. London: Academy Editions, 1991.
 Jencks, Charles, and Karl Kropf. Theories and manifestoes of contemporary architecture. Chichester, England; Hoboken, NJ: Wiley-Academy, 2006.
Koolhaas, Rem. Delirious New York: a retroactive manifesto for Manhattan. New York: Monacelli Press, 1994.
Koolhaas, Rem, Jennifer Sigler, Bruce Mau, Hans Werlemann, and Office for Metropolitan Architecture. S,M,L,XL: [small, medium, large, extra-large]. New York: The Monacelli Press, 1995.
Kostof, Spiro. The city shaped: urban patterns and meanings through history. Boston: Little, Brown and Co., 1999.
Kurokawa, Kisho. Metabolism in architecture. London: Studio Vista, 1977.
Le Corbusier. The city of to-morrow and its planning. New York: Dover, 1987.
Lynch, Kevin. The image of the city. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1960.
Mallgrave, Harry Francis. An introduction to architectural theory: 1968 to the present. Malden, Mass. [u.a.: Wiley-Blackwell, 2011.
McLennan, Jason F. The philosophy of sustainable design: the future of architecture. Kansas City, Mo.: Ecotone, 2004.
Mumford, Lewis. The city in history: its origins, its transformations, and its prospects. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1961.
Rossi, Aldo, Graham Foundation for Advanced Studies in the Fine Arts, and Institute for Architecture and Urban Studies. The architecture of the city. Cambridge, Mass.: published for the Graham Foundation for Advanced Studies in the Fine Arts and the Institute for Architecture and Urban Studies by MIT, 1988.
Rowe, Colin, and Fred Koetter. Collage city. Cambridge, Mass.: MIT Press, 1998.
Venturi, Robert. Learning from Las Vegas: the forgotten symbolism of architectural form [...] [...]. Cambridge, Mass. [u.a.: The MIT Press, 2000.
Wang, Wilfried, and Germany) Akademie der Kuˆnste (Berlin. Culture: city. Baden, Switzerland: Lars Muˆller, 2013.
  رهيف فياض، العمارة ووعي المكان، دار الفارابي، (بيروت)، 2004.







هناك تعليق واحد:

  1. Good site you've got here.. It's difficult to find excellent writing like yours these days.

    I seriously appreciate people like you! Take care!!


    My site panini

    ردحذف