أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، يناير 30، 2018

تساؤلات حول العمارة المحلية (الجزء الأول)

مربوعة علي التليسي بمدينة بني وليد، بعد ترميمها- تصوير محمد التليسي


جمال اللافي


أستعرض في هذه المشاركة مجموعة من التساؤلات التي طرحتها إحدى الباحثات في إطار التحضير لرسالتها العلمية وردي عليها. وذلك لتعميم الفائدة وإثراء هذه الردود بمساهماتكم.


تساؤلات الباحثة/
أود أن اطرح جملة من التساؤلات حول التطور السكني في مدينة طرابلس، الموضوع عبارة عن دراسة اجتماعية- مكانية!


حيث شهد هيكل طرابلس الحضري أربع فترات للتنمية الإسكانيه, وقد تغيرت تدريجيا مفاهيم الإسكان وفقا لهذه الفترات للتنمية.

·        العهد العثماني: المدينة القديمة في طرابلس: السكن التقليدي ذو الفناء (البيت العربي) الدراسات السابقة أثبتت أن هذا النوع من السكن كان مناسبا بيئيا واجتماعيا.

·        الفترة الإيطالية: تم تغيير مفهوم الإسكان الفناء، وأشكال سكنية جديدة ظهرت ... هل كان التصميم الإيطالي مناسبا و متفقا مع مطالب الأسرة الليبية؟

·        وخلال فترة الاستقلال: استمر مفهوم التصميم الإيطالي ... ما كان رد السكان نحو الهيكل المكاني للوحده السكنيه؟

·        الفترة الحالية: السكن الفناء (البيت العربي) اختفى تماما من التخطيط الحضري لطرابلس . ما هو مستقبل البيت ذو الفناء في طرابلس؟ النوايا المستقبليه المحتملة لتطوير هذا النوع؟

تمهيد/
بداية بارك الله فيك، على تناولك في رسالتك لهذا الموضوع القيّم، وهو أمر بلا شك سيمهد الطريق لفهم واحدة من إشكاليات البيت الليبي المعاصر، المرتبطة بمنظومة القيم المعمارية ومسألة الهوية المعمارية، التي افتقدناها في بيوتنا- منذ بدايات القرن العشرين- تحت ادعاء الحداثة والتغيير والتطور ومجاراة روح العصر ومواكبة ما يستجد فيه من أفكار ومشاريع معمارية وعمرانية.

وقد يكون للاحتلال الإيطالي دور في خلخلة هذا النسيج العمراني التاريخي المتواصل عبر العصور السابقة. ولكنه كان مرحلة يفترض أن تستقيم الأوضاع بعدها، إلاّ أنها استمرت في نهجها التغريبي ووصلت إلى مدارك الانحدار بعد الاستقلال وبعد انقلاب 69، حيث لم تعد للعمارة خلالها- إن وجدت بهذا المسمى- معنى أو قيمة أو دلالة تعبيرية.

الرد على التساؤلات/

السؤال الأول/
العهد العثماني: المدينة القديمة في طرابلس: السكن التقليدي ذو الفناء (البيت العربي) الدراسات السابقة أثبتت أن هذا النوع من السكن كان مناسبا بيئيا واجتماعيا.

الإجابة/
عندما نتكلم عن نموذج الفناء( في البيت الطرابلسي التقليدي) دائما ما نقول بلسان الماضي، كان مناسبا بيئيا واجتماعيا، وكأني بالظروف البيئية والاجتماعية قد تغيرت تغيراً جذريا بحيث لم يعد هذا البيت مؤهلاً في وقتنا الحاضر مثلما هو مستقبلا ليكون النموذج الملائم بيئياً واجتماعياً.

وسؤالي ما هي المتغيرات البيئية التي حصلت في ليبيا، حتى أضحى هذا البيت غير ملائم بيئيا، وما معنى غير ملائم بيئيا حتى نتحدث عن متغيرات في طبيعة المسكن الطرابلسي المعاصر.

في اعتقادي أن هناك معلومة مغلوطة يتداولها البحاثة حول علاقة المسكن التقليدي بالملائمة البيئية. لأننا قبل أن نتحدث في هذا الشأن، علينا أولا التحدث عن حدوث متغيرات في المناخ لم تكن معتادة وأصبحت تتعارض مع طرح نموذج الفناء، كهطول الأمطار الشديدة وانخفاض درجات الحرارة إلى ما دون درجة الصفر مئوية.

السؤال الثاني/
الفترة الإيطالية: تم تغيير مفهوم الإسكان الفناء، وأشكال سكنية جديدة ظهرت ... هل كان التصميم الإيطالي مناسبا و متفقا مع مطالب الأسرة الليبية؟

الإجابة/
رغم أن الفناء كان دارجا في الجنوب الإيطالي، إلاّ أن اهتمام المحتل الإيطالي كان منصبا أكثر على تصميم وتنفيذ نموذج العمارات السكنية ونموذج الفلل السكنية التي تفتح على حديقة خارجية من أربع جهات. وانحسر في عهدهم نموذج الحوش( البيت الذي يتوسطه الفناء). وما تمّ طرحه كان بداية تغييب القيم التخطيطية والتصميمية الأصيلة التي تأخذ في اعتبارها الجوانب الاجتماعية والثقافية والبيئية للمجتمع، إلى فرض نماذج مخالفة لهذه الاعتبارات ومناقضة لها.

السؤال الثالث/
وخلال فترة الاستقلال: استمر مفهوم التصميم الإيطالي. ما كان رد السكان نحو الهيكل المكاني للوحدة السكنية؟

الإجابة/
في فترة الاستقلال وعلى المستوى الشعبي انتشر نموذج البيوت المتلاصقة التي تعتمد على فناء متطرف في إحدى زواياه لتوفير الإضاءة للفراغات التي لا تطل على الشارع. وهو محاولة يائسة لتحسين ظروف البيئة المعيشية التي تجاهلها المستعمر في مخططاته أو لنقل في أحسن الأحوال أنه لم يوليها ذلك الاهتمام الكبير.

أما على مستوى الدولة، فقد ظهر نظام العمارات ذات الأربعة أدوار. وفي فترة انقلاب 69 ولمدة 42 سنة استمر التعاطي مع النموذج المتكرر للعمارات السكنية متعددة الأدوار والتي تباينت فيها الارتفاعات من 9 أدوار إلى 14 دور. وفي الحالتين كان المستهدف اسكان أكبر عدد ممكن في أقل مساحة ممكنة، وبمنظور اقتصادي بحث، لا يضع في حساباته أي اعتبارات إنسانية أو اجتماعية أو بيئية أو ثقافية.

السؤال الرابع/
الفترة الحالية: السكن الفناء (البيت العربي) اختفى تماما من التخطيط الحضري لطرابلس . ما هو مستقبل البيت ذو الفناء في طرابلس؟ النوايا المستقبلية المحتملة لتطوير هذا النوع؟

الإجابة/
في خلال الخمسة عشر سنة الماضية وعلى المستوى الشعبي بدأ يظهر دور المعماري الليبي بوضوح أكبر على الساحة وظهر معه نظام الفلل، التي اتخذت أشكالا تعبيرية متنوعة اختلفت باختلاف توجهاتهم وتنوعت بتنوع أفكارهم، التي كان من ضمنها تلك التي أعادت الاعتبار لنموذج البيت ذو الفناء. إلاّ أن المعالجات لموقع هذا الفناء وإطلالة الفراغات عليه أخذت منحى آخر مختلفا عن النماذج التي طرحت في بدايات استقلال ليبيا في فترة الخمسينيات من القرن الماضي، أو التي عرفت بمصطلح البيوت الطرابلسية التقليدية، حيث كان الفناء يتوسط البيت، مثلما تنوعت هذه المعالجات عن سابقتها من معماري لآخر، بحيث لم نعد نرى نموذجا متكرراً يأخذ نمطا موحداً في التعاطي مع الفناء من حيث موقعه من فراغات البيت أو حجمه وتفاصيله.

وقد أكون أحد المحظوظين بمعايشة أكثر من نموذج لبيوت الأفنية خلال فترات زمنية متباعدة أولها كان أثناء فترة طفولتي ببيت جدي (الشيخ علي الشيباني- مؤسس وشيخ الزاوية الساعدية- بزنقة الساعدية المتفرعة من شارع ميزران)، ثم من خلال زياراتي لبيوت الأعمام والخالات الذين سكنوا نماذج من بيوت الخمسينيات والستينيات التي تم نقل الفناء فيها ليكون في طرف إحدى زوايا البيت. وبعدها عندما أتيحت لي أثناء فترة الدراسة بقسم العمارة المكوث ببيت جد زميل الدراسة المعماري عبد المنعم السوكني لمدة سنة دراسية كاملة بصحبته وصحبة الزميل المعماري رشيد كعكول. ناهيك عن فترة العمل بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة وما تبعه من معايشة شبه يومية لبيوتها الطرابلسية. في معايشة لأحد بيوت مدينة طرابلس القديمة والعيش في أجوائها المتباينة مع تباين فصول السنة. حيث يسمح الفناء المفتوح على السماء بتتبع تعاقب فصول السنة على هذه البيوت يوماً بيوم. الأمر الذي لا يمكن معايشته داخل البيوت المعاصرة المنغلقة على ذاتها والمنعزلة عن محيطها والمحرومة من ثمرات هذا التنوع في فصول السنة.

وهي تجربة بحثية وعملية أخرجتني من غلبة العاطفة إلى ملامسة الواقع. ولا أظنني بعدها سأتخلى عن قناعتي بجدوى تلك البيوت وأهليتها للسكنى قروناً طويلة أخرى دون أن يفقد هذا البيت قدرته على المواءمة بين متطلبات الإنسان في كل عصر والتعاطي مع احتياجاته المادية والروحية على السواء، ناهيك عن قدرته الفائقة على التوافق مع متغيرات الظروف البيئية بكل متغيراتها.



وللحوار بقية،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المواضيع الأكثر مشاهدة

بحث هذه المدونة الإلكترونية