أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، أبريل 03، 2026

الفطرة السوية في مواجهة التعقيد الأكاديمي: نحو بصيرة إبداعية محررة

جمال الهمالي اللافي

لقد انحرف التعليم الأكاديمي المعاصر عن جادته، مخرجاً حقائق الأمور عن سياقها الفطري المشبع بالحكمة والاتصال الحي بالواقع، ليزج بشؤون حياتنا في أتون تعقيدات مفتعلة ألقت بظلالها القاتمة على كل المناحي؛ فلم تعد العمارة بيتاً للروح، ولا الفن مرآة للجمال، ولا الأدب نبضاً للحياة، كما استلبت السياسة والعقيدة من مقاصدهما العليا. إن هذا الاستلاب المعرفي ليس محض صدفة عابرة، بل هو ثمرة تبعية تعليمية عمياء لمناهج غربية تعيش هي ذاتها مأزق نقد الذات وصراع النظريات في معاقلها، فكيف بها حين تُستنسخ بآلية "التلقين التابع" في واقعنا المحلي، مفتقرة لأدنى أدوات النقد أو الملاءمة؟

ويكمن الفارق الجوهري بين هذا التعليم الأكاديمي وبين التعليم التقليدي الأصيل في "المنهج والغاية"؛ فبينما كان التعليم التقليدي في مجالات العمارة والحرف والعقيدة نظاماً انتقائياً طويل المدى، يُبنى على مراحل رصينة تبدأ بغرس الأخلاقيات وتأصيل قيم المهنة قبل ممارستها، ويتدرج في مراتب الإتقان وصولاً إلى "الإجازة" والاستاذية الحقيقية، نجد التعليم الأكاديمي المعاصر يفتح أبوابه للغث والسمين دون تقييم حقيقي. إن وجد التقييم في الأروقة الأكاديمية فهو سطحي ومجحف، يختزل المعرفة في امتحانات محددة الساعات ومقررات نظرية جامدة تفرض الالتزام بما جاء فيها، لتغلق باب التفكير الحر وتطرد كل من يعمل عقله، مخرجةً أجيالاً برعت في "التقاط التلقين" وفشلت في تمثّل قيم المجال أو الارتباط بواقع مجتمعها.

لقد تسبب هذا الاستيراد المعرفي في تسطيح المعنى، لا سيما في دولنا التابعة وفي مقدمتها ليبيا، ليتحول العلم إلى "وصفات جاهزة" لا تحيي فكراً ولا تميت جهلاً، بل تترك الإنسان في ارتباك وجودي وفصام نكد بين قاعات الدرس وبين نبض بيئته واحتياجات مجتمعه الحقيقية. وهكذا، غدت حياتنا تعج بمظاهر التمدن الأجوف لا وقائع الإنجاز، وتسلّم زمام التوجيه من يفتقرون للدراية والبصيرة؛ فغاب الصدق، واحتُجبت الأمانة، وتواري الإخلاص خلف جدران بيروقراطية تعليمية صلبة لا تقدس إلا الشهادة الورقية واللقب الخالي من المضمون والأثر الأخلاقي.

وفي مواجهة هذا الركام من الزيف، ينبثق الإبداع الحقيقي بوصفه ميزاناً أخلاقياً وجسراً للتحرر المعرفي؛ فهو يتجاوز مجرد "الفعل" إلى "بصيرة الفعل"، حيث يدرك المبدع متى يكون الوقوف إجلالاً وتأملاً في الشواهد القائمة النابعة من صميم الأرض واجباً، ومتى تكون الحركة لإضافة لبنة تتصل بحبل التاريخ دون انقطاع ضرورة. إن الإبداع هنا هو شجاعة الإقرار بأن في عمقنا الحضاري نماذج متكاملة تستوجب الصون من طمس "التحديث الأكاديمي" المشوه، وهو في الوقت ذاته جسارة التدخل لتعديل القائم، شريطة الوعي العميق بجدوى التغيير ومكانه وأسبابه.

إن هذا القرار الإبداعي ليس انطباعاً ذاتياً عابراً، بل هو التزام بمرجعيات صلبة قوامها: الملاءمة المناخية، والاتزان الاقتصادي، وتلبية الاحتياجات النفسية والتطلعات الاجتماعية لبيئتنا، وصولاً إلى استدامة تحقق الراحة والكفاءة في قالب من البساطة الثرية التي تصون الهوية الليبية وتبرز فرادتها.

إن الرابحين الحقيقيين في هذا الرهان الحضاري هم أولئك الذين استمسكوا بنقاء الفطرة في تفاصيل حياتهم اليومية، وحصّنوا وعيهم من تشوهات التعليم الأكاديمي المفتعل، موقنين بأن قيمة أي أثر إنساني لا تكمن في تعقيده التقني أو ملاحقته لنظريات الغرب المأزومة، بل في مدى صدق انتمائه لجوهر الحياة ووفائه للأرض التي نبت منها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...