أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، أبريل 06، 2026

معايير جديدة لتطوير قانون المباني: رؤية في هيكلية المدينة والهوية العمرانية

 

بقلم: المعماري أحمد امبيص

إن المتأمل في واقع مدننا المعاصر، يدرك بجلاء أن منظومة "قوانين البناء" السائدة قد أخفقت في إرساء دعائم مدينة حقيقية ذات نسيج عمراني متجانس. لقد استحال البناء، في ظل هذه التشريعات، إلى جزر خرسانية معزولة خلف أسوار صماء، بدلاً من أن يكون لبنة حيوية تساهم في صياغة الفضاء العام. إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى ثورة في المعايير التخطيطية، تستهدف استعادة روح المدينة وهويتها التي باتت تتلاشى بين الركام العشوائي.

نحو علاقة تفاعلية بين الكتلة والشارع

في البيئة الريفية، يظل من المنطقي أن يحاط كل مسكن بمساحة خضراء تعادل مساحته كمتنفس خاص، لكن في الحيز الحضري، يجب أن تؤول الأولوية المطلقة لصياغة الشارع. لا ينبغي للمبنى أن ينكفئ على ذاته في عزلة اختيارية، بل عليه أن يضطلع بدوره الأصيل كعنصر فاعل في رسم ملامح الشارع الرئيسي والفرعي المطل عليه، محققاً ما يعرف في الفكر المعماري بـ "الاحتواء البصري" (Visual Enclosure) الذي يمنح المشاة شعوراً بالأمان والارتباط بالمكان.

إن مقياس الواجهة المعمارية لا ينبغي أن يكون شأناً فردياً، بل يجب أن يرتبط ارتباطاً عضوياً بمقياس المدينة وبمسارات المشاة المحاذية لها، مراعياً "المقياس الإنساني" (Human Scale) الذي نادى به رواد العمارة الحديثة. هذا "التزاوج" البصري والوظيفي بين الكتلة المعمارية والفضاء العام هو ما يمنح المدينة شخصيتها المتفردة. إن القوانين الحالية التي تفرض ارتدادات عقيمة قد خلقت هوة بصرية واجتماعية سحيقة بين القاطن ومحيطه، وحوّلت الشوارع من فضاءات نابضة بالحياة إلى مجرد ممرات تقنية للآليات، متجاهلة مبادئ "العمران الجديد" (New Urbanism) التي تؤكد على حيوية الشوارع كفراغات اجتماعية.

استلهام التجربة المتوسطية والضبط القانوني

حين ننشد تطوير تشريعاتنا العمرانية، يجدر بنا الالتفات نحو تجارب دول حوض المتوسط (إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، اليونان)؛ فهذه الحواضر تتقاسم معنا المناخ، والبيئة، والجذور الثقافية البصرية. لقد نجحت تلك المدن لأن مخططاتها وقوانينها لم تقبل المساومة على حرمة الفضاء العام، وطبقت مفاهيم "التصميم الحضري المستدام" التي لا تتهاون في حماية المشهد البصري من التشويه.

إن الشعور بالانتماء للمدينة يبدأ من "النقاء البصري"؛ ولذا يجب أن يتسم القانون بالحزم في مواجهة مسببات التلوث البصري، من عشوائية تمديدات الكهرباء، وصناديق التكييف، وفوضى اللوحات الإعلانية، وغابات الصحون اللاقطة التي استباحت الواجهات. في تلك الحواضر الناجحة، يجد الإنسان متعة في ارتياد الشارع لأنه فضاء مُصمّم بعناية، متجدد، وذو شخصية كاريزمية. هناك، لا تُعد الشوارع والميادين مجرد فراغات عابرة، بل هي "معالم" (Landmarks) حضارية تمنح المدينة قيمتها الرمزية والعالمية، تماماً كما شرح "كيفن لينش" في نظريته حول "صورة المدينة".

أزمة التنفيذ والقدوة المعمارية

لا يمكن ترميم النسيج العمراني المتهالك في ظل غياب "النموذج والقدوة" من قِبل المؤسسات السيادية. إن مشهد مبنى عريق كمبنى بلدية طرابلس، المزدان برخام "الترافرتينو" النادر، وهو يرزح تحت وطأة الإهمال وتكاثر النباتات الضارة في ثناياه، أو تشوهه أنابيب التكييف التي تخلق مستنقعات عند مداخله، يعكس غياباً محزناً للإحساس بالمسؤولية تجاه الذاكرة المعمارية وما يسمى بـ "صيانة التراث الحضري".

إن المسؤولية العمرانية تقتضي معايشة وجدانية للمدينة وفراغاتها. والحلول القانونية يجب أن تقترن ببدائل تصميمية مبتكرة؛ إذ يقع على عاتقنا كمعماريين ابتكار حلول تقنية تدمج المتطلبات الحديثة (كأنظمة التكييف والاتصالات) ضمن النسيج الأصلي للواجهة (Integrated Building Systems)، لتغدو جزءاً من التشكيل الجمالي لا نتوءاً طارئاً يشوه ملامحه.

شرايين المدينة وهندسة الميادين

المدينة في جوهرها كائن حي، تتغذى من شرايين وأوردة تلتقي في نقاط ارتكاز جوهرية هي "الميادين". للأسف، عانت مدينة طرابلس من تمزيق أوصالها الحيوية في حقب مضت، مما أدى إلى تفتيت التكامل بين أحيائها. إن الأولوية القصوى اليوم تكمن في استعادة المسارات المبتورة وإعادة وصلها، لضمان تدفق الحركة والانتماء بين قلب المدينة وأطرافها، وتفعيل مفهوم "الارتباطية الحضرية" (Urban Connectivity).

إن الطرق الرئيسية التي ترسم ملامح المدينة يجب أن تُصاغ أبنيتها بما يتسق مع حجم الطريق ووظيفته الحضارية، مع مرونة تتيح النمو المستقبلي دون الحاجة إلى معالجات قسرية كالهدم. الميادين ونقاط التلاقي هي "المفاصل" التي تهب المدينة هويتها، وهي العلامات الأرضية التي تنحت صورتها في ذاكرة الجمع، وتخلق ما نسميه "روح المكان" (Genius Loci).

كلمة ختامية

نحن نمتلك ميزة الأراضي الشاسعة والفرص المتاحة، وما زال زمام الحل بأيدينا قبل أن يتفاقم الخلل ويستعصي على العلاج. إن بناء المدن لا يقتصر على رصف السكك وتشييد الجدران، بل هو صياغة لنمط حياة يليق بالإنسان ويعزز انتماءه. إن الإصلاح يبدأ من "نص القانون" وينتهي بـ "وعي الشارع" بالصورة الكلية للمدينة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...