أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، نوفمبر 09، 2018

إشكالية البيت الليبي المعاصر



جمال اللافي

لن اتحدث في هذا المنشور عن الهوية المعمارية للبيت الليبي المعاصر ولا على مواد البناء والتشطيب ولا على المعالجات البيئية، فهذه المواضيع تأتي لاحقا. بل سأتحدث عن ما هو أهم منها. وهو ماهية هذا البيت الفراغية من وجهة نظر المتخصص (المعماري/ المصمم الداخلي) من جهة والمجتمع الليبي من جهة أخرى.

حتى هذه اللحظة لا نفقه كمختصين في مجال العمران ولا كمجتمع حقيقة ما نحتاجه فعلا وما لا نحتاجه في بيوتنا المعاصرة، ما يفترض أن يكون عليه وما لا يفترض. فبعضها يفرض علينا عندما نضطر لشراء بيت جاهز. والبعض الآخر نصممه باختيارنا وبقرار صادر عنا دون إكراه، ولكننا لا نعي حاجاتنا الحقيقة منه ولا الغاية من وضع أساساته ورفع أركانه. ولا نمتلك رؤية واضحة لماهيته كفراغ وكتلة.

لهذا وجب علينا أن نطرح بعضا من التساؤلات الضرورية حول ماهية البيت الليبي المعاصر (ملامحه العامة ومواصفته ومعاييره) فربما تقودنا بعض الإجابات للخروج برؤية عامة يتفق حولها المجتمع ويعمل على أساساتها المصمم المعماري ومخطط المدن، فنعيد بذلك بعضا من كياننا الاسري والاجتماعي المهتري:
ما هي الفراغات (الحجرات) الضرورية التي لا غنى للأسرة الليبية عنها في البيت حتى تتحقق أسباب الراحة فيه؟
1.       ما هي المساحات الضرورية واللازمة لهذه الفراغات التي تتناسب وحجم الأسرة الليبية ومتطلباتها الحياتية اليومية؟
2.  ما هو التوزيع الأمثل لهذه الفراغات حسب التراتبية من المدخل وحتى نهاية البيت، حتى تؤدي هذه الفراغات وظيفتها على الوجه الأكمل؟
3.   ما هي عناصر التأثيث الملائمة لاحتياجات الأسرة الليبية، وهل هي متوفرة محليا أم لا، وهل تصنع في الورش المحلية وفق الطلب أم تستورد من الخارج؟
4.    وهل تستوجب منا الظروف الاقتصادية والأمنية الراهنة إعادة التفكير في إعادة الاعتبار لبيت العائلة أم لا؟
5.     ما هي مواد البناء والتشطيب والمعالجات البيئية الأنسب له؟

وهذا يقودنا إلى طرح هذين السؤالين بعد الإجابة عن كل التساؤلات السابقة:
1.   هل البيت المثالي للأسرة الليبية هو البيت المكون من دور أرضي فقط، أم هو البيت المكون من دورين، أم هو المجمع السكني لعائلة ممتدة، أو أنه لا فرق بينها جميعا والأمر متروك لمتطلبات الساكن؟
2.  ما هي المساحة الأمثل والتي لا غنى عنها لقطعة الأرض بحيث لا تزيد ولا تنقص، التي يمكن من خلالها توفير المسكن الملائم للأسرة الليبية المعاصرة (في حالة كان المسكن مكون من دور أرضي، وفي حالة كان المسكن مكون من دورين)؟


هذا الطرح هو مقدمة لورشة عمل ستنظمها بعون الله وتوفيقه الجمعية الليبية إحياء التراث الثقافي في الفترة القادمة. وأي تساؤلات أو أفكار تطرح على هذا المنشور سيكون لها التأثير الكبير في محاور ورشة العمل.

السبت، نوفمبر 03، 2018

معارض تشكيلية


تتشرف مؤسسة دواية للفنون بدعوتكم لحضور معرضها الثالث لفن الحروفيات، بمشاركة محلية وعربية ضمن مشروع Breaking The Ice وذلك يوم السبت 10 نوفمبر 2018. على تمام الساعة 04:30 بدار حسن الفقيه للفنون، طرابلس.

الفنانون المشاركون في معرض دواية لفن الحروفيات:
·          أحمـد البـارودي
·          أشــرف سويسي
·          تقوى أبوبرنوسة
·          رضـوان الزنــاتي
·          عدنـان معيتــيق
·          عمــــر الجمـــني
·          محمد بن الأمين
·          محمد الخــروبي

الجمعة، سبتمبر 14، 2018

جدلية العلاقة بين العمارة والسياسة



جمال اللافي

يغلب الظن عند عامة الناس من غير المتخصصين في مجالات العمارة وما يرتبط بها، أن خوض المعماري في شؤون السياسة وركونه إلى تحليل مجرياتها هو من الأمور المعيبة التي تحسب عليه ولا تصح له. مما يستدعي منهم إلصاق تهمة التذاكي بالمعماري عندما يفهم الأمور على غير ما فهموه هم أو يعتقدون أنهم فهموه على أنه الحقيقة وليس غيرها.

لهذا وجب التنويه إلى أن التحليل كمسلك فكري ومنهجي، أخي العزيز معاوية، هو جزء أصيل من مجال العمارة، فلا يمكن الشروع في تصميم أي مشروع معماري مهما صغر أو كبر إلاّ بعد تحليل كافة عناصره بدءا بتحليل الموقع وانتهاء بتحليل المستعملين للمشروع (أفراد ومجتمعات). وعلم النفس التحليلي وعلم الاجتماع و(الفلسفة، التي تعزز ملكة التفكير والتحليل والتقييم والاستنتاج والاستنباط) تعتبر جميعها من أهم الركائز التي تنهض عليها العمارة ومنها تستمد مقومات نجاح مشاريعها. وفي المقابل هي رهينة للسياسة، مما يجعلها مرتبطة ارتباطا مباشرا بكل مجريات الأحداث السياسية باعتبارها مؤشرا على ما سيؤول إليه حال العمارة في واقعها الراهن ومستقبلها القادم.

وبالتالي،
·                    لا عمارة بدون تحليل لواقع المجتمع في حركته وسيرورته. ودون النظر إلى تطلعاته وآماله وهمومه وهواجسه.
·        ولا عمارة في غياب السياسة الرشيدة والحكيمة التي تجعل من همّ المواطن ومصالح الوطن شغلها الشاغل وأولويات اهتماماتها، فتسعى للإصلاح والإعمار وفتح الأبواب لمشاريع التنمية والنهضة الشاملة ودعم كل أسباب الاستقرار بنشر الأمن والأمان في ربوع الوطن.

وهذا يقود بطبيعة الحال، إلى تفهم طبيعة العلاقة بين المعماري والقضايا السياسية التي تشغل باله. أما مطالبته بالابتعاد عن الخوض في المواضيع السياسية فهو يندرج تحت نفس المطالبات بفصل الدين عن السياسة وعن الاقتصاد وعن العلم والفن والأدب والسلوكيات العامة، لتترك الساحة للفاسدين والمفسدين والمنحرفين والشواذ ليخضوا ويلعبوا كيفما شاؤوا بلا حسيب أو رقيب (بل قد يتم ذلك تحت حماية القانون وتشريعاته).

وأخيرا وليس بآخر... الخوض في المواضيع السياسية وتقييم الأحداث وتحليلها وتكوين تصور خاص عنها لا يعني بطبيعة الحال الأنحياز لطرف على حساب طرف آخر. ولا يتهم جهة في مصداقيتها ولا في حسن نواياها. ولكن هذه القراءات التي يجريها المعماري للأحداث تعتبر أمرا ضروريا لتوليد حالة وعي عامة مهمتها تقصي الحقيقة ونفض الغفلة عن عقل المعماري أولا قبل التفكير في نفضها عن عامة الناس وعوامهم.

وليس بالضرورة أن تكون مثل هذه التحليلات للوقائع دائما على صواب. فقد تغيب عن المعماري أو غيره من المحللين (السياسيين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع) بعض الأمور فتأتي التوقعات في غير محلها. مع الأخذ بعين الاعتبار توقع دائما أن الحدث الواحد يقبل أكثر من قراءة مختلفة عن الأخرى اختلافا جذريا.

لهذا قد يفضل المعماري الخوض في تحليل كل شئ على القبول به على علاته. وخصوصا عندما نصل إلى قناعة تامة بأن الإعلام بوضعه القائم لا يسوق أبدا للحقيقة. وأن ساسة اليوم من شيمتهم الكذب والتضليل، وأنهم إذا ما أفلسوا وبارت بضاعتهم وافتضح أمرهم لجأوا إلى صناعة الإرهاب لتخويف شعوبهم وتكميم الأفواه.

مع الاحتفاظ بقناعة شخصية، أن الشعوب بصفة عامة والشعب الليبي بأكمله بصفة خاصة يفهم كل شئ على حقيقته، ولكن كل واحد منهم ينحاز إلى الجهة التي يعتقد بأنها ستحقق له مصالحه الشخصية ولو أتى ذلك على حساب الوطن والمواطن.


وعن نفسي اتمنى دائما أن أكون مخطئا في تحليلي للوقائع والأحداث. فالحقيقة دائما ما تكون أمرّ من الوهم الذي نعايشه، أو هذا ما آلت إليه الحقيقة في زماننا هذا.

الثلاثاء، أغسطس 14، 2018

حديث في هموم المهنة

وحدة سكنية- ابعاد القطعة 8.5 م. × 19 م.

أحد زملاء الدراسة بقسم العمارة والتخطيط العمراني، التقيت به فأخبرني أنه اطلع على المبنى السكني الذي أشرف على تنفيذه بمنطقة الحشان، وقرر أن لا يبدي إعجابه به.
فسألته عن السبب (من باب الاستفادة من مآخذه على المبنى، حتى تؤخذ بعين الاعتبار مستقبلا). فأخبرني أن البيت كبير الحجم ولا يملكه إلاّ من كان من الطبقة المترفة. وكان من الأجدى لي تصميم وحدات سكنية لذوي الدخل المحدود.
فأخبرته أن لدي العديد من المحاولات التصميمية لبيوت ذوي الدخل المحدود، بعضها كان من اجتهادي الفردي ودون تكليف من أحد والبعض الآخر مشروع إسكاني تم تصميمه بناء على طلب أحد المستثمرين (بعد أن اقنعته بالتوجه إلى بناء الوحدات الصغيرة). وأن هناك مسابقة معدة بالخصوص بين المعماريين للتنافس على تصميم مجموعة من الوحدات السكنية ضمن هذا المشروع، لترسيخ هذا التوجه عند جميع المعماريين.

المسألة هنا لا علاقة لها بطلب الإعجاب من عدمه (فليست هذه من القضايا التي تشغل بالي). ولكن بطبيعة العمل التصميمي الذي يقوم به المعماري، فهو رهين دائما بالعرض والطلب. فأنت تعرض استعدادك لتصميم أكبر المشاريع إلى أصغرها. ثم لا يأتيك إلاّ من يطلب أصغرها. وهنا المقصود بالمشاريع الكبيرة هو (المشاريع الإسكانية مكتملة المرافق الخدمية والبنى التحتية أو المشاريع التعليمية أو الإدارية أو التجارية... وكل ما في حكمها). أما المشاريع الصغيرة فالمقصود بها الوحدات السكنية الفردية، وهي بدورها تتنوع بين وحدات سكنية كبيرة المساحة وصغيرة المساحة.

وكما جرت العادة فغالبية الزبائن هم من الطبقة ميسورة الحال القادرة على تكاليف بناء منزل مستقل. أما ذوي الدخل المحدود فهم الطبقة غير القادرة على تكاليف بناء وحدة سكنية صغيرة. وهم عادة يعتمدون على المشاريع الإسكانية التي تنفذها الدولة وتباع لهم بالتقسيط المريح. أو يعتمدون على ضربات الحظ التي تأتيهم من خلال ميراث للجد أو الأب أو الأم، يمكنهم من الحصول على مبلغ مالي يكفي لتنفيذ وحدة سكنية صغيرة الحجم (وهذا النوع من الزبائن ناذر جدا).

المعماري لا يسأل ولا يحاسب عن حجم المشروع الذي يصممه، فهو لا يملك مقاليد الأمر هنا إلاّ بالرفض أو القبول. ولكن يمكن محاسبته على المشاركة في مشاريع تكون من ورائها مخالفات شرعية أو أخلاقية تضر بقيم المجتمع أو المحيط المجاور لمثل هذه المشاريع. يحاسب على التوجه المعماري الذي التزم به ومدى ارتباطه بالموروث الثقافي للمجتمع. يحاسب على عدم مراعاته للجوانب الاقتصادية في تصميم وتنفيذ مشروعه بحيث يأتي مكلفا جدا في إنشائه ومواده وتشطيبه. يحاسب على عدم مراعاته للظروف البيئية والاعتبارات الاجتماعية والثقافية في مشروعه. يحاسب على كل ما يملك مراعاته ولم يأخذه بعين الاعتبار حين باشر في تصميم مشروعه.


زميلي العزيز، أنت معماري وتعي جيدا هذا، فحاسبني على ما أملك. ولا تحاسبني على ما لا أملك له من الأمر شيئا. حاسبني على الإفساد ولا تحاسبني على حجم الإعمار الذي أتيح لي إنجازه بتوفيق من الله عز وجل وعونه. حاسبني على تقصيري تجاه المهنة عندما أقصر في حقها... عندها سأكون ممتنا لك ولأي ملاحظة تسديها لزميل لديه الاستعداد التام لتقبل أي ملاحظة أو رأي قد يسهم في تصحيح مساره المهني.

الأربعاء، أغسطس 01، 2018

لغة العمارة



العمارة، لغة ووسيلة تعبير، مضافة إلى وسائل التعبير الأخرى التي يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن ذاته وتلبية احتاجاته المادية والعاطفية. لذلك فهي تخضع إلى مجموعة من النظم والقواعد كغيرها من اللغات. وتمتلك مجموعة من الأدوات التعبيرية التي تتحكم في مسار العملية التصميمة أولا، وتمكن المعماري من رسم ملامحها وصياغة تعابيرها ثانيا. ومن تمّ يسهل قراءتها وفهم المضامين التي تحملها والرسالة التي تسعى لإيصالها إلى المتلقي عبر تكويناتها الفراغية وتشكيلاتها الجمالية بأبعادها الثقافية.

ومعاناة العمارة المعاصرة من غياب لغة تحكمها قواعد ونظم، يقابله ضعف شديد في اللغة المحكية عند أجيال اليوم التي لم تعد أيضا تحكمها قواعد. وكلتا الحالتين نتاج لانهيار منظومة القيم الأخلاقية في المجتمعات المعاصرة، مما ترتب عنه انهيار المنظومة التعليمية على مختلف المستويات. فالطالب الذي يتخرج من الجامعة وهو لا يستطيع كتابة جملة مفيدة ويتعتع في قراءته هو نفسه الطالب الذي يتخرج من كليات العمارة وأقسامها وهو لا يمتلك القدرة على التحكم في أدوات التعبير عن أفكاره المعمارية بالصورة الصحيحة من خلال إخضاعها للمنظومة القيمية للمجتمع الذي ينتمي إليه الطالب ومن بعده المعماري بعقيدته وثقافته ومعطيات البيئة التي تتحكم في مسارات العملية التصميمة ويفترض به مراعاتها في أي مشروع معماري يكلف به.
فيلجأ نتيجة لفقره المعرفي وقصوره الإدراكي إلى ابتكار وسائل تعبير مستوردة يغلب عليها الارتجال وعدم التناسق والتمرد على أي ضوابط أو قواعد تحكم العملية التصميمة، منتجا بذلك عمارة جديدة مفصومة عن جذورها مفتقرة للمعنى، قاصرة عن التعاطي مع معطيات بيئتها المحلية. يروج لها عبر وسائط الإعلام التي تضم بداخلها أشباهه من مخرجات مدارس التسطيح المعرفي والتفريخ الكمي. دعاة الفن لأجل الفن وحرية الإبداع الذي لا تقيده قواعد ولا تلزمه ضوابط ولا تربطه جذور.


وبالتالي نعود هنا لنقول أن العمارة ما هي إلاّ مرآة عاكسة لحالة أخلاقية. فانهيار الأخلاق أدى بدوره إلى انهيار التعليم وتفسخ الثقافة واضطراب العلاقات الإنسانية داخل المجتع الواحد، بحيث أصبحت هذه كلها تقع في أسفل سلم الأولويات وفي آخر قائمة الاهتمامات لدى أفراد المجتمع وقياداته السياسية وخبراته الاقتصادية.



الصورة منقولة عن صفحة عيون غدامس

المواضيع الأكثر مشاهدة

بحث هذه المدونة الإلكترونية