أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، سبتمبر 07، 2022

المجتمع والتعليم المعماري

 


جمال اللافي

العمارة في عمومها، سواء جاءت على شكل مبنى سكني أو مرفق تعليمي أو خدمي أو على شكل مخطط إسكاني بكامل مرافقه، لا تأتي أبداً فارغة من المضمون أو الرسالة أو التوجه والمُعتقد.

فالمعماري بوعيه وإدراكه لما يفعله ويسعى لتحقيقه. أو كان مجرد تابعاً منبهراً بأحدى النظريات المعمارية وطرزها، فهو في حقيقة أمره ينقل للواقع مشروعاً ثقافياً مُحمّلاً بكل إرهاصات تلك النظريات بجوانبها الفكرية والعقائدية.

التعليم المعماري الذي يملأ عقل الطالب بتعدد الطرز المعمارية بتضارب توجهاتها الفكرية والعقائدية، دون أن يُبصّره بها وبمدى ملاءمتها أو تعارضها مع قيم المجتمع العقائدية والأخلاقية، فهو بذلك يسهم مع التعمد أن ينحرف بالمجتمع، من خلال تخريج أجيال من المعماريين ذوي التوجهات المتضاربة والمتعارضة من حيث قناعة كل معماري بواحدة من هذه التوجهات المعمارية المتصادمة مع قيم المجتمع وعقيدته.

حيث أن التعليم المعماري يحرص على إشغال عقل الطالب بكل ما يستجد في العالم الغربي من توجهات فكرية- يغلب عليها العقيدة الإلحادية، التي لا تخرج عن فكر المنظر لها- بإرهاصاتها المعمارية، في مقابل طمس وتسفيه مقومات وطرز عمارته المحلية ذات البُعد العقائدي الإسلامي، فنحن اليوم أمام أكبر عملية صناعة لمجتمع معماري إلحادي فكرياً وتطبيقياً ليقود المجتمع نحو تبني العقيد الإلحادية عبر كم المشاريع المعمارية التي يغيب عنها المضمون الإسلامي، تحت ادعاء مواكبة العصر والحداثة ورفض التقليد والتقوقع في عمارة الماضي.

لهذا لا يمكننا في أيامنا هذه تكوين تكوين رأي عام موحد للمجتمع حول أي موقف كان. فقد أضحى كل فرد فيه رهيناً بالفكر المعماري الذي تنضوي عليه البيئة السكنية ومحيطها العمراني الذي يتعايش معه يومياً. ومع اختلاف الطرز المعمارية تختلف قناعة كل فرد في المجتمع عن غيره من الأفراد في المجتمع الواحد.

إن خطورة العمارة تتضاعف عن خطورة أي وسائل وأدوات أخرى، في التأثير على قيم المجتمع وفي تشكيل كيانات فردية القناعات والمعتقدات المتضاربة في سلوكياتها ومعاملاتها وتعاملاتها ومفاهيمها، كونها البوتقة التي تحتضن بداخلها مجتمعاً بشرياً، تُعيد تشكيله وفق ما تم تنفيذه على أرض الواقع من مشاريع تتضارب في توجهاتها وتتصادم في معتقداتها.

الاثنين، أغسطس 15، 2022

محددات التصميم المعماري

مشروع جديد لوحدة سكنية على قطعة أرض 15م.×17م.

 

جمال اللافي

أغلب مشاريعي الإسكانية التي أصممها اعتمد فيها نظام الكتل المتلاصقة. وذلك لتحقيق غايتين يستند عليهما التعاطي مع بيئتنا المحلية وهما:

الأولى/ تحقيق عامل الخصوصية لسكان البيت، بحيث لا يسمح التصميم للجيران بالتطفل على حركة سكانه، أثناء تواجدهم بالبيت أو انتقالهم إلى حديقته.

الثانية/ تحقيق العزل الحراري من خلال تلاصق البيوت، فلا تبقى غير واجهة واحدة معرضة لتغيرات الطقس اليومية والموسمية.     

لا اسمح بالتعاطي مع واجهتين منفتحتين على الخارج إلاّ في حالة كانت قطعة الأرض تقع في زاوية الشارع. لهذا تبدو جميع تصاميمي منفتحة في غالبها على واجهة واحدة من الشارع وباقي الواجهات مصمتة أي لا فتحات نوافذ فيها ولا معالجة جمالية لواجهاتها. وخصوصاً في مساحات القطع الصغيرة الأبعاد، حيث أُفضل توفير متطلبات الساكن وراحته وتحقيق متعة العيش بين فراغاته على الانشغال بمعالجة الواجهات الجانبية والخلفية.

عندما تكون قوانين المباني المعتمدة لا تراعي اعتبارات الظروف البيئية ولا الخصوصية الاجتماعية، يصبح الأخذ بها تجني على سكان البيوت والمجتمع.

 

اعتذر عن بيان التفاصيل الداخلية رغم أن جميع مشاريعي تعتمد على مبدأ إثراء الفراغات الداخلية بما يحقق متطلبات وراحة سكانه. وذلك حفاظاً على الجهد المبذول من الضياع عند غير مستحقيه.

 

الاثنين، يوليو 11، 2022

الفراغ المعماري بين التصميم والتعتيم

 

    


جمال اللافي 

في حديث جرى ليلة البارحة مع ابنة أخي التي يجمعني بها اختصاص ومهنة العمارة وزوجها مهندس الطيران، الذي تطرق فيه إلى نقطة مهمة، في معرض حديثه عن واحدة من الدورات التي شارك فيها بالخارج عن مجال اختصاصه، فقال: كان من ضمن من شارك في إعطائنا منهج هذه الدورة عالمة نفس، بادرت عند دخولها للفصل الدراسي في أول محاضرة لها، بالاعتراض في نبرة غاضبة على إغلاق النوافذ بالستائر الحصيرية وإشعال الأضواء. وبعد أن شرعت في رفع الستائر ليدخل الغرفة ضوء النهار الطبيعي، قالت: أن الأضواء الصناعية تفقد الطالب القدرة على الاستيعاب وتجلب الكآبة والنوم. 

هنا، تطرقت ابنة أخي لما حدث لفصول قسم العمارة بعد صيانتها، حيث تم التقليل من ارتفاع الأسقف لتمرير انابيب التكييف بالإضافة لتقليل ارتفاع النوافذ واستبدالها بنوافذ البي في سي، مما قلل من حجم الراحة النفسية داخل هذه الفصول بسبب تقليص ارتفاع الأسقف وتقليل كمية الإضاءة الطبيعية داخل الفصول، بسبب تقليص ارتفاع النوافذ وتأثير مادة البي في سي على نفسية الطلاب. وزاد من معاناتهم تعطل أجهزة التكييف عن العمل وكثرة انقطاع التيار الكهربائي. 

ومما يؤسف له أن يحدث هذا الأمر داخل القلعة التي تُخرّج المعماريين من تحت أسقف فصولها، دون أن يقف القائمين عليها موقف الرافض لمثل هذه الأعمال، التي تتعارض مع أبسط قواعد تصميم الفراغ المعماري. إلى جانب ذلك فإن:

         الحلول المقترحة تعدت أيضا على القيمة التاريخية للمبنى بالطمس والإزالة واستبدال المواد المستعملة في التشطيب بمواد أدنى درجة من الجودة وتمثل تهديداً على صحة الطلاب.

         الحلول المقترحة تكشف مقدار الجهل بكل ما يتم تدريسه لطلاب العمارة. وأن المسألة لا تعدو عن كونها حفظ لمعلومة موجودة في الكتب دون فهمها واستيعابها وإدراك أبعادها ومضامينها ومآلاتها وإعادة تلقينها لطلاب العمارة لإعادة تفريغها يوم الامتحانات ثم رميها في سلة النسيان. 

موضوع آخر لفت نظري وهو استعانة المختصين بتنظيم مثل هذه الدورات المرتبطة بهندسة الطيران بعالمة نفس، وأول ما شرعت به هو محاضرة عن الفراغ المعماري، لا عن أجنحة الطائرات. وهنا تكمن أهمية مشاركة علماء النفس في تدريس مادة علم النفس لأقسام الهندسة وغيرها من الاختصاصات العلمية، التي لا تخلوا من حاجة طلابها لربط منهجهم بتأثير علم النفس وأهميته في مجال اختصاصهم. وكم نرى من مساويء وتبعات هذا الفراغ في سلوك الممارسين للمهنة. وهذا الأمر ينطبق على العديد من المجالات والاختصاصات التي يفترض أن تضمها مناهج التعليم في جميع المراحل الدراسية وأهمية أن يتم تدريسها على يد خبراء متخصصين في هذه المجالات.

الثلاثاء، يونيو 07، 2022

العمارة المحلية..الحداثة لاتقطع وصالها بالهوية والتاريخ


فرج غيث

 

 التراث العمراني الذي تزخر به بلادنا، والعدد الكبير من المدن والقرى التاريخية المنتشرة في ربوع بلادنا، إرث ثقافي وفنى، غني ومتنوع يحاكي التاريخ. 

يقول الأستاذ جمال اللافي الباحث والمصمم المعماري، المهتم بدراسة العمارة الإسلامية المحلية في ليبيا.

 العمارة، علم وفن، فلسفة واجتماع، قانون وإدارة، تاريخ وسياسة.

 وأهم من ذلك كله، هي علاقات إنسانية يؤسسها فراغ ذو ثلاثة أبعاد.

 ترتقي العمارة وتتقدم برجالها، وتغوص في أعماق النفس البشرية مستلهمة منها أسمى القيم، التي تجسدها في شكل هندسي، يأخذ أبعاده من تراث الأمة الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. 

فالمباني التراثية تعد من أهم المباني التي لها تأثير مباشر على عقلية الناس وتفكيرهم الجمعي. وذلك لان في مقدورها أن تغير من منظومة ثقافة أو حضارة أي فئة أو مجتمع أو أمة، وما يميز المباني التراثية في ليبيا طرازها المعماري الجميل وبساطتها وتكيفها مع البيئة والمناخ. 

والشيء بالشيء يذكر، هنا في ليبيا مهندس معماري بارع من مدينة طرابلس، قام بتصميم منزل على الطراز المعماري للسرايا الحمراء وبيوت المدينة القديمة وحواريها بطرابلس، المنزل في طريق المشتل بطرابلس، حقيقة هو أكثر من مهندس معماري متميز، إنه فنان محب لليبيا، والتراث، والتاريخ، وفي الوقت نفسه عاشق للحداثة والتطوير، فما بين كل هذا وذاك تكمن تصميماته الرائعة والبديعة. 

يقول هذا الفنان:

 تعتمد منهجيتي في التصميم المعماري والتصميم الداخلي للبيوت بصفة خاصة والمباني العامة والخدمية على وجه العموم وما يعقبها من أعمال مختلفة في مرحلة التنفيذ، على قاعدة الحفاظ على كل ما ثبت صلاحيته لكل عصر، ومعالجة ما يمكن معالجته وإصلاح أمره بما يتناسب مع متطلبات العصر، والتخلص من كل ما يشكل مشكلة أو عائق أمام راحة الإنسان الليبي المعاصر في بيته وفي مكان دراسته أو عمله أو تسوقه. 

جمال اللافي لربما ذكرنا من مشارعيه هذا المشروع لكنه صاحب رؤية لمشاريع عدة عن الإعمار بطرابلس بالذات .. والتي لسبع سنوات لا نسمع عنها الا لغو الحديث،  لكن اللافي ومجموع من زملائه يملكون المخططات والخرائط بل وجاهزون  في أي لحظة لعمل حقيقي لأجل ليبيا. لكنهم لايرضون أن يكون عملهم عبثا وتكرار لأخطاء لطالما وقعنا فيها ، فهم يدركون الاخطاء القديمة والتي ادت لخطاء رهيب في العمارة بطرابلس فهم لهم رؤية شاملة  وكل خشيتهم أن يدخل أي معمار جديد وفق المخططات القديمة فنقع في تكرار الخطاء القديم نفسه، والخطاء القديم يظهر بوضوح فهو  لم يركز أبدا على موضوع الهوية والعمق التاريخي لليبيا  بل وتميز  العمارة الليبية طوال تاريخ البشرية وهذا ما يبدو جليا في كل الاثر المعماري  المنتشر بكل ليبيا. 

اللافي أيضاً ليس مصمماً ومهندساً فقط لكنه صاحب فكر في مجال العمارة والتي يعلم كل مهتم إنها جزء لا يتجزأ من الفنون الإنسانية بل هي الفن بأفضل تجلياته وهذا ما ناضل لاجله  (جمال اللافي )  ..  كتابةً  ومقالات وندوات وتصاميم ونماذج وخرائط بل وبيوت مشيدة اخيرا .. وخارج النص التنفيدي ما يكتب عنه ويحاضر في سبيل تحقيقه (اللافي ) هو ما جعله هدفاً اوقف كل عمله وحياته عليه ولاجله.

 

المصدر: بوابة افريقيا الإخبارية

فرج غيث |12 August, 2018

 

الاثنين، مايو 09، 2022

لقاء السقيفة الليبية

 


جمال اللافي: ”المشهد المعماري في ليبيا متأزم. ويعاني
…“

 

السقيفة الليبية: لكل بلد ومدينة طابع معماري خاص، يسعى المسؤولين في هذا البلد أو ذاك، لإبرازه والاهتمام به، وكذلك أهل هذا البلد، وخاصة إن كانت مدن أثرية تحمل التاريخ على أسوارها، وتحفظ أصالتها لتهدي العابرين جمال النظر، ومغامرة رحلة لأزمنة بعيدة، عبر نوافذها وأبوابها وأقواسها وقلاعها، هي ثقافة مكانية زمانية تنتقل من جيل إلى جيل. وسط تغول الحداثة، واختلاف الأذواق والاحتياجات، اختفى هذا الطابع الجميل ولم نعد نراه كثيراً في ليبيا، لكن هناك دوماً الباحث عن مكامن الجمال في الموروث المعماري الليبي.

 

ماذا سيحدث لو فكرنا بطريقة مختلفة عندما نتعاطى كمستثمرين عقاريين مع مجموعة من الوحدات السكنية؟

 

سؤال يطرحه باحث ومصمم معماري، مهتم بدراسة العمارة الإسلامية المحلية في ليبيا، وعبر مدونته "الميراث" يطرح رؤية معمارية إسلامية معاصرة، تعتمد على إعادة إحياء روح التكامل بين المعماري والحرفي لإنتاج عمارة تتفـاعل مع حاجات المجتمع المعاصر المادية والروحية وتطويع التقنيات الحديثة واستخداماتها لصياغة رؤية مشتركة لعمارة بيئية، تراعي الخصوصية الثقافية والظروف المناخية والاقتصادية لمختلف المناطق والبيئات المحلية.

 

جمال اللافي يسعى لتصحيح مفهوم العالمية في أذهان المبدعين المحليين، وذلك من خلال تسليط الضوء على حقيقة مرامي الدعاة إليها أو المنساقين وراءها. وكي لا تشكل العالمية هاجسنا الأول الذي يدفع بنا إلى أن نرمي باحترامنا لذواتنا خلف ظهورنا جريا وراء سراب اسمه تفوق الآخر.

 

وللتعريف بمدونة "الميراث" أكثر يقول مؤسسها الباحث والمصمم المعماري جمال اللافي، استدعت حاجة المعماريين والتشكيليين والحرفيين في ليبيا إلى منبر إعلامي ملتزم بقضايا المجتمع يتم من خلاله تواصلهم اليومي مع شرائحه المختلفة، إلى إطلالة هذه الصفحات النقدية، لترسيخ عدة قيم قد يكون مفهومها غائبا عن بعضنا وقد تحمل معاني مختلفة عند البعض الآخر، ولكننا نتفق مع الكثيرين حولها. ولا بأس من تكرار طرحها بمقتضى الضرورة القصوى إلى إعادة التذكير بما نكون قد نسيناه أو تناسيناه في زحمة السعي وراء فضاء يأوينا بعد أن هجرنا ألفة بيت العائلة الحميمة، ونحن نتطلع إلى البدائل المستوردة وهي تغتال فينا كل يوم إحساسنا بكل ما هو أصيل وجميل.

 

قيمة أخرى تعيد طرحها هذه المدونة على مائدة الحوار بين أصحاب المهنة الواحدة تحديدا وبين أفراد المجتمع على وجه العموم، وهي احترام الرأي الآخر والتفاعل معه على أساس أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى الارتقاء بالعمل الإبداعي "المعماري والتشكيلي والحرفي" إلى مرحلة التفاعل مع هموم واحتياجات المجتمع والتعبير عن تطلعاته إلى حياة أكثر استقرارا وإنتاجية.

 

السقيفة الليبية تواصلت مع الأستاذ جمال اللافي وكان لها معه هذا الحوار:

 

 - أين درس جمال اللافي وبمن تأثر؟

 

·   درست العمارة بقسم العمارة والتخطيط العمرانية بكلية الهندسة جامعة طرابلس 1980. ولم اتأثر بأي أحد خلال دراستي بقسم العمارة ولا بعدها. وذلك لأنني التحقت بقسم العمارة منطلقا من رغبتي في الإسهام في الارتقاء بعمارتنا الليبية المحلية وكان دافعي الأول إعادة الاعتبار لحوش العائلة كنظام إسكاني يضم في رحابه الأجيال الثلاثة (الجدين والأبوين والأحفاد). وقد واجهت تصادما مع توجهات قسم العمارة في تلك الفترة، حيث كان يغلب على أعضاء هيئة التدريس التوجه الحداثي الذي يرفض كل أنماط العمارة التقليدية والقيم التي تنطلق منها. أحدهم يخبرني بأن توجهي هذا لم يعد له وجود إلاّ في المقابر (أي بمعنى أنه مات وعفى عنه الزمن).

 

-  هل لجمال اللافي أي إنتاج فكري أو نشاطات ثقافية أو فنية اخري؟

 

·   بالتأكيد وكما أشرت في ردي على السؤالين السابقين فمسألة أن يحمل المعماري رؤية ولا يعمل على التعريف بها هو بمثابة وأد لها في مهدها. وحلم لا يقابله فعل على أرض الواقع، لهذا بدأ نشاطي العلمي، الذي يستهدف استنكاه مكامن التميز والخصوصية في موروثتا الثقافي إلى جانب التعريف به والدعوة إلى إعادة إحيائه في النتاج المعاصر، منذ مرحلة الدراسة بقسم العمارة والتخطيط العمراني، من خلال سلسلة من المعارض التي تعرف بهذا الموروث داخل قسم العمارة وخارجه. إضافة إلى القيام بمجموعة من الرحلات العلمية إلى المدن الليبية القديمة بمبادرة ذاتية صحبة أربعة من زملاء الدراسة. ستجدون على هذا الرابط المرفق سيرة ذاتية تحتوي على مختلف الأنشطة العلمية والثقافية التي ساهمت فيها استكمالا للرسالة التي أحملها ودعما لها.

 

-  حدثنا عن مدونة ”الميراث

 

·    اهتماماتي بإعادة إحياء العمارة المحلية برؤية معاصرة واجهت الصد، كما أشرت في السؤال الثاني ليس فقط من أساتذة قسم العمارة ولكن أيضا من زملاء الدراسة ومن بعدهم المعماريون الممارسون للمهنة وكذلك من المستثمرين العقاريين الذين كان يتردد بعضهم على مكتبنا الهندسي في بدايات الألفية الجديدة. لهذا رايت من الواجب التركيز على جانب الإعلام كأهم وسيلة للتعريف بقيم عمارتنا المحلية وجمالياتها (التي تفتقر إليها عمارة الحداثة بطبيعة الحال)، لهذا توزع نشاطي المعماري بين التصميم والنشاط الإعلامي التثقيفي منذ مرحلة الدراسة مرورا بفترة عملي بقسم الديكور بالإذاعة المرئية في الفترة من 1988-1990 ومن بعدها عملي بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس بعد التحاقي به في العام 1990، عبر إدارة تحرير مجلة آثار العرب. ومن بعدها المشاركة في تأسيس مجلة مربعات وعضوية تحريرها، إلى أن انتشر الإنترنت وأصبح متاحا للجميع فكانت هذه بمثابة إنطلاقة أخرى للتعريف بموروثنا الثقافي، ترتب عنها تأسيس هذه المدونة الشخصية في شهر يوليو من العام 2008 م. وذلك للتعريف بالعمارة المحلية من خلال نشر مقالاتي وكل ما توفر لدي من معلومات وبحوث ومقالات ودراسات لكتّاب آخرين ليبيين ترتبط موضوعاتهم بأهداف المدونة وهي مستمرة بفضل الله في أداء المهمة على أكمل وجه.

 

-  كيف يري جمال المشهد المعماري الليبي؟ مما يعاني؟ ومن هم أهم رموز العمارة في ليبيا؟

 

·    المشهد المعماري في ليبيا متأزم. وهو يعاني - رغم وجود حركة بناء واسعة ومتسارعة - من حالة فصام عن موروثه الثقافي وتخبط في تحديد توجهات معاصرة للعمارة الليبية يمكن التعويل عليها واحترامها، هكذا أراه. بالنسبة لرموز العمارة في ليبيا، لو تعلق الأمر بمن يصمم أفضل من الآخر، فهناك مجموعة لا بأس بها من المعماريين الليبيين المتميزين على الساحة الليبية. أما إذا تكلمنا من حيث وجود توجه معماري ورؤية يمكن تلمس ملامحها الفكرية وانعكاساتها المعمارية على أرض الواقع، فحتما نحن نتكلم عن الأستاذ والمعماري أحمد إمبيص. كذلك نتحدث عن الفنان التشكيلي الأستاذ علي قانة، الذي كانت له إسهامات في أكثر من مشروع معماري مع الأستاذ أحمد إمبيص بالإضافة لكونه يحمل رؤية فكرية وبعد نظر لقيم العمارة المحلية ومجالات الفنون التشكيلية الأخرى من منظور ثقافي محلي، وله في هذا إسهامات كبيرة أيضا. وفيما يتعلق بما يمكننا أن نطلق عليه عمارة الحداثة اصطلاحا، فجميع المعماريين الليبيين يتخبطون في هذا الاتجاه على رمال هذا الشاطئ في حالة عمه.

 

-  ماهي المعالم المعمارية الليبية التي لحقها الإهمال؟ أو التي تخشي أن يلحقها الضرر بسبب الاهمال والتسيب؟

 

·    جميع المدن الليبية التاريحية تم تخريبها بالكامل ولم يبق من بعضها إلاّ الأطلال التي تنعى ماضيها. باستثناء مدينة غدامس القديمة. وهي التي أخشى عليها أن يلحقها الضرر والتشويه من طرف بعض من سكانها ممن بدأ يطنب في زخرفة جدران شوارعها الأمر الذي لم يكن متعارفا عليه إلاّ في البيوت الغدامسية. وفنون الزخرفة في مدينة غدامس يعتبر نشاطا تستقل به المرأة الغدامسية عن الرجل الغدامسي، في حين أن شوارع غدامس كانت حكرا على رجالها دون نسائها. وكانت تمتاز بلونها الأبيض وبعض النقوش البيضاء التي تختلف اختلافا ملموسا عن النقوش التي تنتشر في البيوت الغدامسية. وهذا التشويه يلقى قبولا عند الكثيرين منهم. وما لم يوضع له حدا فسيتمادى أولئك المفسدون بدعوى التنشيط السياحي. وبالنسبة لمدينة طرابلس، فالخراب عمها من طرف سكانها. وتجار العملة. والمحسوبون على المؤسسة التي أنشئت منذ العام 1985 بهدف الحفاظ عليها وترميم معالمها التاريخية وإعادة إحياء صناعاتها الحرفية التقليدية وأسواقها التجارية التراثية.

 

-  من هو معلمك المعماري المفضل في ليبيا؟

 

·    فيما يتعلق بمعلمي فهي عمارة وتخطيط مدينة طرابلس القديمة بالدرجة الأولى، ثم باقي المدن الليبية التاريخية. فهي كانت ملهمي منذ انطلاقي في مجال العمارة، حيث شح التوجيه وافتقرت مكتباتنا إلى المراجع التي يمكن التعويل عليها… ولكن يبقى الأستاذ علي قانة (رحمه الله) الأقرب إلى نفسي بما يحمله من روح الانتماء لكل ما هو مرتبط بالموروث الثقافي الليبي وعلى رأسه العمارة المحلية. لم يكن له تأثير على مسيرتي من الناحية الفكرية أو التوجيهية لأنه كان يدرسنا مادة الرسم الحر، وحوارتي معه خلال فترة الدراسة لم ترتق إلى مستوى التبادل الفكري، بقدر ما اقتصرت على مجموعة من الأنشطة الطلابية. وتواصلي الحقيقي معه بدأ عندما قررت أن أوثق سيرته الذاتية من خلال شريط وثائقي للمخرج محمد المسماري في العام 2004 بعد تقاعده عن التدريس وعندها اكتشفت ثراء حصيلته المعرفية في جميع مجالات الفنون الجميلة والتطبيقية.

 

-  من هو معلمك المعماري المفضل خارج ليبيا؟

 

·    ليس لدي أي معلم خارج ليبيا، لأن الفترة التي تلقيت فيها تعليمي خلال فترة الثمانينات، لم تكن لدينا اي مصادر معمارية يمكن الاستلهام منها. كما أن توجهي المعماري هو توجه محلي بالدرجة الأولى ورؤيتي لا يمكن استلهام مصادرها من خارج ليبيا. ولكن في منتصف الثمانينات منحت جائزة الآغاخان للمعماري المصري حسن فتحي ثم تلاها منح هذه الجائزة لمجموعة أخرى من المعماريين العرب في فترة التسعينيات وعلى رأسهم المعماريين العراقيين رفعة الجادرجي ومحمد صالح مكية والمعماري الأردني راسم بدران. وهذا الأمر جعلني انتبه لوجود معماريين عرب يشاركونني هم عمارتهم المحلية ولكن بمنظور يتفاوت من معماري إلى آخر. وما اسعى إليه يبتعد كثيرا عن توجهاتهم الفكرية من حيث الطرح والتصميم المعماري لمشاريعهم. أتابع أخبارهم دون أن أشعر أنهم اضافوا جديدا لتجربتي المعمارية.

 

-  أنت مهتم ومتابع للمشهد التشكيلي الليبي أيضا… كيف جاء هذا الاهتمام؟ وما هي ملاحظاتك علي هذا المشهد؟

 

·    لست رساما ولكني ولدت في بيئة أسرية تزخر بالمواهب في مجال الرسم الحر والخط العربي ولهذا كان هناك العديد من الأعمال التشكيلية التي يتحفنا بها كل يوم أحد الأخوة خلال فترة طفولتي المبكرة، سواء تعلقت بالرسم الحر أو التشكيل بالطين أو الخط العربي. بالإضافة إلى علاقة القرابة التي تربطنا بالفنان التشكيلي علي العباني ورسمته الشهيرة للشرشارة على أحد جدارن مربوعة جدي بمدينة ترهونة، وما دار حولها من تعليقات الإعجاب والثناء من الأقارب يجعل لعلاقتي بالفن التشكيلي قصة أخرى. ولكن الاتصال الحقيقي مع اللوحة التشكيلية وما ترتب عنها من متانة العلاقة بهذا الفن بدأت بعلاقتي مع أستاذنا الفاضل الفنان التشكيلي علي قانة (رحمه الله) استاذ مادة الرسم الحر بقسم العمارة. ودراسة تقنيات الرسم الحر في ذاته يجعل التواصل مع الفن التشكيلي أمر طبيعي. ومن خلاله تم خلال فترة الدراسة التواصل مع الفنان التشكيلي الطاهر المغربي رحمه الله وزيارته في بيته وإجراء حوار مطول معه. وزيارة أخرى للفنان التشكيلي بلقاسم الزنتاني (الفروج) إضافة لزيارة للفنان التشكيلي علي العباني في بيته والاطلاع على أعمالهم وتجربتهم الشخصية. وفي العام 1991 بدأت علاقة أخرى مع سلسلة من المعارض التشكيلية بدءا بمعرض المستنسخات الذي افتتحت به الدار الليبية للفنون باكورة معارضها التشكيلية بالبرج رقم 3 بدات العماد وتلتها سلسلة من المعارض التشكيلية في قاعات عرض أخرى خلال السنوات التالية لهذا المعرض. والأهم من كل ذلك إطلاعي على هذا المجال ومدارسه عبر مجلة الحياة التشكيلية السورية ومجموعة من الكتب التي اقتنيتها من معارض الكتاب. إلى جانب صداقتي المتينة بمجموعة كبيرة من الفنانين التشكيليين الليبيين والخطاطين المبدعين…. وبالنسبة للمشهد التشكيلي في ليبيا فهو حي ومتدفق العطاء ويعج بالقامات الطويلة في هذا المجال بدءا برواد الفن التشكيلي الليبي في القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. وإن كان لدي أي ملاحظة حول هذا المشهد فقد عبرت عنها من خلال مقالتي المنشورة بمدونة الميراث على هذا الرابط: http://mirathlibya.blogspot.com/2011/11/17.html

 

 - كيف يتعامل جمال مع مواقع التواصل الاجتماعي؟

 

·    انظر إلى منصات التواصل الاجتماعي على أنها فرصة لي للتعريف بموروثنا الثقافي المعماري والدعوة إلى إعادة إحيائه في مشاريعنا المعاصرة. هي مجال لحملة توعية بين أوساط المجتمع الليبي، وليست مجالا لتمضية أوقات فراغ، فهذه الأوقات ليست موجودة عندي، فأنا بطبيعتي دائم الانشغال بشي ما، يتراوح ما بين التصميم المعماري. والكتابة التخصصية. والرحلات العلمية إلى مدننا القديمة أو المواقع والجهات التي يمكنني من خلالها إضافة شئ جديد لمشاريعي المعمارية. أو المشاركة في بعض الأنشطة العلمية المرتبطة بمجال اختصاصي. أو التجهيز لمحاضرة جديدة.

 

 - ماهي الرسائل التي يريد جمال ايصالها للمعماريين الليبيين وإلي المسؤولين؟

 

·    الرسائل الشفوية المعتمدة على الحوارات الطويلة والمتكررة في كل لقاء بيننا والرسائل المكتوبة عبر الدوريات ومواقع التواصل الاجتماعي لم تجد نفعا. اليوم أخاطبهم عبر نجاحي في إقناع العديد من المواطنين والمستثمرين بأهلية عمارتنا المحلية للتواصل مع هذا العصر ونجاحها في تلبية احتياجات المواطن الليبي العاطفية والمادية، في مقابل هزيمة عمارة التغريب. وانحسار بريقها حتى في البيئات التي ولدت فيها.

 

أشكركم على حسن الاستضافة، مع تمنياتي لصفحة السقيفة الليبية بالتوفيق والسداد في توصيل رسالتها الثقافية.

 

المصدر: صفحة السقيفة الليبية على موقع الفيسبوك:

https://www.facebook.com/Assaqeefa2/posts/624295547919684?comment_id=624612384554667&notif_id=1522952100740309&notif_t=mentions_comment&ref=notif

 

 

العمارة... عقيدة دينية وليست توجه فكري


 جمال اللافي

         العمارة في حقيقتها وتوجهاتها تنطلق من عقيدة دينية وليست مجرد توجه فكري قابل للحوار الودي المعتمد على الإقناع وليس فرض الرأي بقوة السلطة وأدوات التأثير الإعلامي والمعرفي، التي يمتلكها أحد طرفي الحوار.

حيث تخضع الأعمال والمشاريع المعمارية في عمومها لعقيدة معمارية تنطلق من عقيدة دينية يعتنقها المعماري ويؤمن بها في قناعاته الراسخة في وجدانه وليس تلك التي يدعيها أو يتظاهر بها أو يعتقدها في نفسه من خلال التوارث أباً عن جد أو من خلال ممارسة طقوسها الدينية.

كونها في حقيقتها عقيدة وليست مجرد رؤية أو توجه فكري، فمسألة التصادم مع المخالف تأخذ عدة أوجه ومناحي تظهر جلياً في مرحلة دراسة طالب العمارة لها أو خلال ممارسة المهنة عبر المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص التي يلتحق بها المعماري.

فالطالب المخالف لتوجه أستاذه المعماري يتعرض للرفض والعقاب عبر تهميش مشروعاته الدراسية التي ينجزها في مراحل دراسته من خلال منحه أدنى الدرجات التقييمية. مثلما تناله سخرية مخالفيه من زملاء الدراسة أو العمل ووصمه بالتخلف والتقوقع عند دائرة الماضي أو المحيط الضيق وقصور الأفق والعجز عن الإبداع والانحسار في دائرة التقليد.

عند الإمعان في تاريخ العمارة عبر العصور الماضية نجد ارتباطها الوثيق بالعقيدة التي تدين بها الحضارات القديمة في منطلقاتها ومنجزاتها سواء كان منبعها سماوي أو وثني. أو كانت عقيدة إلحادية لا ترى للعقيدة الدينية مجال في العمارة وتعلي من شأن العقل الإنساني المتحرر من الارتباط بالدين وفكرة وجود الإله وشرائعه في أي صورة من الصور المادية أو المفترضة والمُتخيلة.

يمكننا القول: أننا اليوم نعيش العقيدة الإلحادية ونمارسها من خلال المشاريع المعمارية التي ينجزها الغالبية العظمى من المعماريين في جميع أنحاء العالم تحت مسميات الحداثة وما بعدها... وآخرها- لو صح التعبير- عمارة التفكيك، التي تعتمد الهدم العقائدي قبل الهدم المعماري لما درجت عليه الأعراف والقواعد والضوابط الأخلاقية قبل المعمارية.

المواضيع الأكثر مشاهدة

بحث هذه المدونة الإلكترونية