أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، نوفمبر 23، 2023

حديث في العمارة الليبية المعاصرة

 


 جمال الهمالي اللافي

   منذ عدة عقود، علّق أحد الأساتذة الأفاضل بقسم العمارة والتخطيط العمراني على كتابتي لكلمة العمارة والفنون في سياق الدعوة لمسابقة معمارية لتصميم المسكن الطرابلسي المعاصر، باعتبارها من وجهة نظره هي فرع من فروع الفنون الجميلة وليست منفصلة عنها.

لم اتكلف الرد عليه في ذلك الموقف منعاً لإحراجه أمام زملائه.

نعم، الإشارة إلى مجال العمارة مستقلاً عن باقي الفنون الحرفية والتشكيلية يعود بالدرجة الأولى إلى أن العمارة ليست فرعاً ضمن الفنون الجميلة. بقدر ما هي قائمة ومستقلة عنهم بخصائصها الجمالية والفنية وسابقة لهم في الظهور. والبوتقة التي تحتضن فعالياتها ونشاطاتها.

يكفي النظر إلى معمارها وقد اكتمل بناء هيكله الإنشائي وحوائطه دون أن تتدخل باقي الفنون عليه لتكمل تشطيبها، ما الذي نراه؟

بالتأكيد سنرى تكويناً جمالياً في ثلاثة أبعاد أبيض نقياً، يُبهر الناظرين بذاته، بعيداً عن أي مُحسنات جمالية من باقي الفنون الحرفية والزخرفية.

كما يمكن الإشارة إليها في سياقها العلمي بالقول، العمارة والعلوم النظرية والتطبيقية والهندسية، لأنها تعتمد عليهم في تشكيل معالمها من مواد بناء وتشطيب وطرق إنشاء ومصادر طاقة وعزل حراري وصوتي وبصري. وهي حسابات وأرقامٌ دقيقة لا يمكن الإخلال بها. ولا يستقيم هيكلها الإنشائي ولا العيش فيها إلاّ بالأخذ بأسباب العلوم المرتبطة بها.

بالتالي عندما يتم الإشارة إلى العمارة مُضافاً إليها الفنون الحرفية والجميلة في مسابقة معمارية، فهذا يجعل منها الأساس في طرح المسابقة وغايتها من توفير فضاءات تحتضن تفاعلات أفراد المجتمع المستهدف، لتحقيق عوامل السكينة والاستقرار والراحة والأمان والجودة مع مُراعاة الكلفة في تشكيلها. وما تضمينها بقية الفنون إلاّ لتُوظيف هذه الفنون لخدمتها، بشرط أن لا تطغى عليها وتصبح محملة بأثقالها دون حاجة أو ضرورة تستدعي ذلك أو تحقق الهدف.

الخلاصة، أن العمارة علم وفن وتاريخ موغل في القِدم وأدبيات تُحاكي نشأتها وتروي قصصاً بين فضاءاتها، نشأت مع أول بشر خلقه الله وعمّر الأرض بها.


 

حديث في شجون العمارة

 


 

 جمال الهمالي اللافي

 

   في حديث مع طالب بقسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس يُعدُّ نفسه لمشروع التخرج. 

قلت له في سياق حواري معه: على المعماري أن يتخذ له توجهاً معمارياً مُحدداً، حتى لا تضيع جهوده في دهاليز التيه المعماري، يتخبط في مساره، لا يدري أين يقف من تضارب الاتجاهات المعمارية ولا في أي اتجاه يسير في منهجه الفكري والمعماري. 

فردّ قائلاً: كلّا، أُفضّل أن لا اعتمد لنفسي توجهاً معمارياً محدداً، حتى أخوض في جميع الاتجاهات المعمارية، وبعد مضي عشر سنوات عندها فقط سأحدد في أي اتجاه أسير وبأي فكر معماري ألتزم. 

فكان تعقيبي على مقالته هذه: نحن ولله الحمد وُلدنا مسلمين. وقد فرض علينا ديننا منهجاً نسير وفقه، لأن فيه صلاحنا في الدنيا والآخرة. حلل لنا أشياء وحرم علينا أخرى لأن فيها المضرة والإفساد. فهل يصح أن نقول أننا سنجرب كل شيء حتى نصل بعد عشر سنوات إلى قناعة بما يصلُح لنا وما لا نرغب فيه، اتباعاً لأهوائنا. 

هل يصح أن نشرب الخمر، أن نزني، أن نسرق، أن نقتل، أن نتعاطى الربا، أن نغش ونكذب ونخون العهود، فقط لأن هناك أقواماً يفعلون ذلك، ونريد الخوض فيما يخوضون فيه، حتى نصل إلى قناعة بما يصلح لنا منهجاً نسير عليه في هذه الحياة! 

كذلك الحال مع التوجهات الفكرية السائدة في العالم الغربي، فهي تُقصي الدين عن حياة الناس وتأمرهم بالفحشاء والمنكر. وتُحل لهم ما حرّم الله عز وجل. وتحرم عليهم ما أحل الله عز وجل لهم. ثم حولوا هذه الأفكار النظرية إلى واقع ملموس في حياة الناس عبر عمارة وفنون وأداب تعكس ما يقولون وما يريدون أن يوقعوا الناس فيه من شرور، مستندين إلى التأثير القوي لهذه الوسائط، التي تمتلك القدرة على التأثير على عقولهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، حتى تصل إلى قناعاتهم الراسخة فتُزلزلها وإلى يقين عقائدهم فتُشكك فيه. 

قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" يولد الإنسان على الفطرة، فأبواه يُهودانه أو يُنصرانه أو يُمجسانه". أو هكذا قال.

 

الأبوان، مادياً هما الوالدين، الأب والأم. ومعنوياً هما التعليم والثقافة. 

فكم من والدين أهملا تحصين الأبناء. وكم من ثقافة وتعليم أفسدا أجيالاً.

حديث في فهم العمارة

 


جمال الهمالي اللافي

    في حوار مع زميل معماري، تطرق فيه إلى التوجه المعماري الغالب على من يطرقون أبواب المكاتب الهندسية لتصميم مشاريعهم المعمارية من البيوت إلى المباني الخدمية. 

قائلاً: أن العمل المعماري هو مصدر ارتزاق، لهذا وجب على المعماري أن يتوافق مع متطلبات السوق الذي يتجه إلى مشاريع الحداثة الغربية (المقصود بها العمارة التي أنتجها الغرب في نهايات القرن التاسع عشر والعشرين وفترة الستينيات منه) بكل إرهاصاتها المعمارية.

واستطرد قائلاً، وهذا الأمر يتطلب من المعماري نسيان التعاطي مع العمارة المحلية التي تمثل من وجهة نظر السوق توجهاً عفا عنه الزمن. 

فقلت له: مسألة النسيان هذه يجب أن تنزعها من رأسك، لأنها تُجافي المنطق السوي، فالمعماري مُلزم باحترام معطيات بيئته المحلية من النواحي الاجتماعية والبيئية والاقتصادية. وتجاهل هذه المعطيات في التصميم تعني أن المعماري يغني خارج السرب ويجدف بعيداً عن الغاية من العمارة ويقوض أُسسها وأعمدتها وأركانها بمعاول الهدم، بالرفض والإقصاء لما هو صالح لحياة الناس والمجتمعات ومعيشتهم السوية.

واستطردت قائلاً: إذا كنا نتحدث عن مواكبة العصر ومستجداته المنهجية والعلمية، فإن العالم الغربي اليوم أصبح يتجه إلى العمارة البيئية تحت مسميات العمارة المستدامة والعمارة الخضراء، التي من غاياتها احترام هوية المجتمعات وحماية البيئة من التلوث الناتج عن سوء التعاطي مع معطيات البيئات المحلية، عندما يتم إقحام ظرف اصطناعية غير ملائمة لها، بقدر ما هي مُضرّة. والاتجاه إلى مشاريع الحداثة وما بعدها وعمارة التفكيك، التي مضى عليها من الزمن مائة عام. أي أنها باختصار شديد صارت من الماضي وعفا عنها الزمن ولفظها الغرب نفسه الذي أنتجها وعاد إلى صوابه. 

بالتالي أضحت العمارة المحلية بحكم تطور المفاهيم وأدواتها هي عمارة العصر. والاستمرار في رفض التعاطي معها يعني أن المجتمع والسوق المعماري لايزال يعيش في دائرة الماضي، بالإضافة لكونهما يعيشان حالة غيبوبة وغفلة وتوهان في دائرة الاغتراب والتمسك بما أثبتت التجارب أنه كان خطأً فادحاً دفعت الإنسانية جمعاء ضريبته من الفساد القيمي والتلوث البيئي.

 

الخلاصة،

كل الطرق يمكنك خوض التجارب في السير فيها واكتشاف دروبها، إلاّ الصراط المستقيم، فمن انحرف عنه ضل وشقى. ولا يسعد إلاّ بالعودة إليه. وهذا الصراط يستوجب دائماً احترام القيم الأخلاقية وتطبيقاتها في الحياة، بما فيها العمارة، فهي قيمة أخلاقية قبل أن تكون تجارة وشطارة. ومسايرة لأهواء ورغبات الناس، في انحرافهم عن جادة الصواب والطريق الحق.

 

وستبقى- دائماً وأبداً- رسالة المعماري عمادها الإصلاح والعمران، لا الإفساد في الأرض ولا الخوض فيما يخوض فيه الناس.


المواضيع الأكثر مشاهدة

بحث هذه المدونة الإلكترونية