أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أ. م/ أحمد أنبيص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أ. م/ أحمد أنبيص. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، أبريل 06، 2026

معايير جديدة لتطوير قانون المباني: رؤية في هيكلية المدينة والهوية العمرانية

 

بقلم: المعماري أحمد امبيص

إن المتأمل في واقع مدننا المعاصر، يدرك بجلاء أن منظومة "قوانين البناء" السائدة قد أخفقت في إرساء دعائم مدينة حقيقية ذات نسيج عمراني متجانس. لقد استحال البناء، في ظل هذه التشريعات، إلى جزر خرسانية معزولة خلف أسوار صماء، بدلاً من أن يكون لبنة حيوية تساهم في صياغة الفضاء العام. إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى ثورة في المعايير التخطيطية، تستهدف استعادة روح المدينة وهويتها التي باتت تتلاشى بين الركام العشوائي.

نحو علاقة تفاعلية بين الكتلة والشارع

في البيئة الريفية، يظل من المنطقي أن يحاط كل مسكن بمساحة خضراء تعادل مساحته كمتنفس خاص، لكن في الحيز الحضري، يجب أن تؤول الأولوية المطلقة لصياغة الشارع. لا ينبغي للمبنى أن ينكفئ على ذاته في عزلة اختيارية، بل عليه أن يضطلع بدوره الأصيل كعنصر فاعل في رسم ملامح الشارع الرئيسي والفرعي المطل عليه، محققاً ما يعرف في الفكر المعماري بـ "الاحتواء البصري" (Visual Enclosure) الذي يمنح المشاة شعوراً بالأمان والارتباط بالمكان.

إن مقياس الواجهة المعمارية لا ينبغي أن يكون شأناً فردياً، بل يجب أن يرتبط ارتباطاً عضوياً بمقياس المدينة وبمسارات المشاة المحاذية لها، مراعياً "المقياس الإنساني" (Human Scale) الذي نادى به رواد العمارة الحديثة. هذا "التزاوج" البصري والوظيفي بين الكتلة المعمارية والفضاء العام هو ما يمنح المدينة شخصيتها المتفردة. إن القوانين الحالية التي تفرض ارتدادات عقيمة قد خلقت هوة بصرية واجتماعية سحيقة بين القاطن ومحيطه، وحوّلت الشوارع من فضاءات نابضة بالحياة إلى مجرد ممرات تقنية للآليات، متجاهلة مبادئ "العمران الجديد" (New Urbanism) التي تؤكد على حيوية الشوارع كفراغات اجتماعية.

استلهام التجربة المتوسطية والضبط القانوني

حين ننشد تطوير تشريعاتنا العمرانية، يجدر بنا الالتفات نحو تجارب دول حوض المتوسط (إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، اليونان)؛ فهذه الحواضر تتقاسم معنا المناخ، والبيئة، والجذور الثقافية البصرية. لقد نجحت تلك المدن لأن مخططاتها وقوانينها لم تقبل المساومة على حرمة الفضاء العام، وطبقت مفاهيم "التصميم الحضري المستدام" التي لا تتهاون في حماية المشهد البصري من التشويه.

إن الشعور بالانتماء للمدينة يبدأ من "النقاء البصري"؛ ولذا يجب أن يتسم القانون بالحزم في مواجهة مسببات التلوث البصري، من عشوائية تمديدات الكهرباء، وصناديق التكييف، وفوضى اللوحات الإعلانية، وغابات الصحون اللاقطة التي استباحت الواجهات. في تلك الحواضر الناجحة، يجد الإنسان متعة في ارتياد الشارع لأنه فضاء مُصمّم بعناية، متجدد، وذو شخصية كاريزمية. هناك، لا تُعد الشوارع والميادين مجرد فراغات عابرة، بل هي "معالم" (Landmarks) حضارية تمنح المدينة قيمتها الرمزية والعالمية، تماماً كما شرح "كيفن لينش" في نظريته حول "صورة المدينة".

أزمة التنفيذ والقدوة المعمارية

لا يمكن ترميم النسيج العمراني المتهالك في ظل غياب "النموذج والقدوة" من قِبل المؤسسات السيادية. إن مشهد مبنى عريق كمبنى بلدية طرابلس، المزدان برخام "الترافرتينو" النادر، وهو يرزح تحت وطأة الإهمال وتكاثر النباتات الضارة في ثناياه، أو تشوهه أنابيب التكييف التي تخلق مستنقعات عند مداخله، يعكس غياباً محزناً للإحساس بالمسؤولية تجاه الذاكرة المعمارية وما يسمى بـ "صيانة التراث الحضري".

إن المسؤولية العمرانية تقتضي معايشة وجدانية للمدينة وفراغاتها. والحلول القانونية يجب أن تقترن ببدائل تصميمية مبتكرة؛ إذ يقع على عاتقنا كمعماريين ابتكار حلول تقنية تدمج المتطلبات الحديثة (كأنظمة التكييف والاتصالات) ضمن النسيج الأصلي للواجهة (Integrated Building Systems)، لتغدو جزءاً من التشكيل الجمالي لا نتوءاً طارئاً يشوه ملامحه.

شرايين المدينة وهندسة الميادين

المدينة في جوهرها كائن حي، تتغذى من شرايين وأوردة تلتقي في نقاط ارتكاز جوهرية هي "الميادين". للأسف، عانت مدينة طرابلس من تمزيق أوصالها الحيوية في حقب مضت، مما أدى إلى تفتيت التكامل بين أحيائها. إن الأولوية القصوى اليوم تكمن في استعادة المسارات المبتورة وإعادة وصلها، لضمان تدفق الحركة والانتماء بين قلب المدينة وأطرافها، وتفعيل مفهوم "الارتباطية الحضرية" (Urban Connectivity).

إن الطرق الرئيسية التي ترسم ملامح المدينة يجب أن تُصاغ أبنيتها بما يتسق مع حجم الطريق ووظيفته الحضارية، مع مرونة تتيح النمو المستقبلي دون الحاجة إلى معالجات قسرية كالهدم. الميادين ونقاط التلاقي هي "المفاصل" التي تهب المدينة هويتها، وهي العلامات الأرضية التي تنحت صورتها في ذاكرة الجمع، وتخلق ما نسميه "روح المكان" (Genius Loci).

كلمة ختامية

نحن نمتلك ميزة الأراضي الشاسعة والفرص المتاحة، وما زال زمام الحل بأيدينا قبل أن يتفاقم الخلل ويستعصي على العلاج. إن بناء المدن لا يقتصر على رصف السكك وتشييد الجدران، بل هو صياغة لنمط حياة يليق بالإنسان ويعزز انتماءه. إن الإصلاح يبدأ من "نص القانون" وينتهي بـ "وعي الشارع" بالصورة الكلية للمدينة.

الجمعة، ديسمبر 04، 2015

مفهوم العمارة المحلية


الأستاذ المعماري/ أحمد امبيص


العمارة المحلية، تعني أنها وليدة موقعها من مواد بناء إلى أيدي عاملة إلى استعمال فراغات. وهي لا تعمل إلا في موقعها. وأي عنصر معماري وافد يلغي عنها صفة المحلية. وعمارة الساحل لا تمثل عمارة الجبل أو عمارة الصحراء. والعمارة الغدامسية مثلاً، لا تمثل ليبيا. وإنما هي عمارة محلية تقع في ليبيا. كما تمثل عمارة الساحل الليبي عمارة البحر المتوسط أو تشترك معها في المادة والهيئة والتكوين وطرق البناء، باعتبارها واقعة على ضِفافه. ودائماً العمارة المحلية هي عمارة الناس وليس عمارة الدولة، أي ليست العمارة الرسمية.

الثلاثاء، مارس 13، 2012

طرابلس بدون أسوار





أ.م/ أحمد إمبيص


من منبر مدونة الميراث، أطالب بهدم جميع الأسوار وجعلها حواجز تمنع الحركة ولا تمنع الرؤية.

القصور التي اكتشفناها بعد التحرير كانت تختبئ خلف الأسوار، لذلك نطالب بتحرير طرابلس مرة أخرى، تحريرها من أسوارها.

البلدية الفرعية تقبع خلف سور، ومركز الشرطة كذلك والمدرسة والمحكمة والجامعة والمعسكر والمقبرة والمسجد، العامل المشترك بينها جميعا هو السور وليس الشارع.

لماذا لم تقام الأسوار أيام المستعمر الإيطالي؟

الإجابة، لأنه لم يكن يخافنا مثل أزلام النظام المقبور. الذين كانوا يسوّرون حتى المزارع. ويحرموننا حتى التمتع بمشاهدتها، هذا إذا استطعنا الاقتراب منها.

فليكن مطلبنا( طرابلس بدون أسوار) وكل من يسوّر مزرعة أو قصراً أو ڤيلا إما سارق وإما خائف.

ولا يتسور إلاّ الخائف، الجبان. ونحن تحررنا من الخوف إلى الأبد، بإذنه صاحب المنّة، سبحانه وتعالى.

الأحد، مارس 11، 2012

ملامح مُدركه






أ. م/ أحمد إنبيص


لا مجال لتجاوز الحضور الحسي والمادي للسطح عندما تبدأ العين في اكتشاف العلاقة بين عناصر العمل( اللوحة) تبدأ السطوح المتداخلة في الإفصاح عن نفسها باستقلالية مُطلقة .

سحر المشهد، ذلك الحضور المتفرد للسطح برغم تزاحم السطوح وزخمها واختلاطها. ومحيطه المتنوع ملمساً ولوناً. رماده ... يرفض التوحد مع وجوده في عمل واحد وإطار واحد.

نرى الرابط القوي بين الأسطح مادة ولون.

اتفاق برغم التنوع داخل مساحة العمل كما تتفق عناصر الوجه داخل مساحته.

هذه الأعمال تحمل عند ولادتها خصائص نقصها وكمالها.

تجريد مطلق خطوة متقدمة على طريق التذوق عند المتلقي المحلي.

كيف يتم تذوق هذه الاعمال التي يغيب فيها شخوص علي قانه ووجوه عبد الرزاق الرياني ودقة الصويعي واشكال علي مصطفى وغيوم العباني وألوان بشير حموده وتقترب من اشكال هاديه قانه وجدران سالم التميمي .

هذه الأعمال أقرب إلى مساحات وسطوح تحمل تكويناتها المربعة دلالات ورموز تبوح بأسرار وبمعاني موحية أحياناً وغير موحية أحياناً أخرى وفي بعض الأحيان يفشل المتلقي في محاولة لقراءة مغزى هذه السطوح في الوقت الذي لا يكاد يخفي إعجابه.

يوشك السطح أن يتحول الى حائط، إلى قطعة أثاث، إلي فكرة مجردة (تتبدى) وتتشكل حيث حللت.











كولاج 1
كولاج 2
كولاج 3

















النسيج والنسيج المعماري ونسيج المدينه والشارع


واجهة هذا المبنى هي امتداد للفكرة المطروحة ونتاج لها. 


الخميس، مارس 08، 2012

بناء مواقع وليس البناء على مواقع





أ.م/ أحمد إمبيص


فلنجعل أحد مبادئنا( بناء مواقع وليس البناء على مواقع) .

المدينة لها وسط وأطراف وحواف وما يناسب موقع لا يناسب موقعاً اخر.

المساحات الخضراء الموجودة اليوم على أرض الواقع أحسن من مثيلتها التي سننسقها غداً.

وشجرة اليوم لا تضاهيها شجرة الغد التي ستكون حيث لا أكون!!!!

المبنى التراثي تجربة ومدرسة وثقافة، نحن مستأمنون عليه للأجيال القادمة وإزالته اغتيال لمكان لا يمكن إحياؤه !!!!

إزالة معلم أو الاشتراك في هدمه يعرض صاحبه للإقصاء من الهيئات المعنية خاصة عندما يكون من ذوي التخصص!!!!!!


المصدر/ صفحة الهيئة الليبية للعمارة على facebook

الاثنين، سبتمبر 28، 2009

شـــــارع و أزقــة




أ. م/ أحمد ميلاد أمبيص


تعتبر مدينة طرابلس القديمة من أقدم المدن التي وُجدت وتابعت مسيرتها دونما انقطاع ، وهذا ما تؤكده اللقيات في باطن أرضها أو على السطح ، وكأنها صفحات تاريخية سطرت بالحجارة لتعكس تراثاً ساهم ويساهم في بناء الحضارة الإنسانية على مدى التاريخ .

بُنيت مدينة طرابلس كحلقة وصل بين البر المتمثل في صحراء الشمال الأفريقي والبحر الأبيض المتوسط ، وتحصنت بسور يردع عنها الطامعين وخطر الغزاة وامتزج سكانها برغم أجناسهم وديانتهم المتعددة تربطهم علاقات أعمالهم المتنوعة يخضعون لقانون واحد وتحت سلطة واحدة تطبق هذه القوانين " بذلك لبت شروط تكوّن المدينة " فكانت مدينة بمعنى الكلمة ×.

مدينة طرابلس لم تخلق أو تصنع بإرادة فرد أو مجموعة أفراد كروما أو معظم المدن الرومانية وإنما تطورت ونمت عبر التاريخ بشكل متدرج وطبيعي ، فكانت حدثاً لم يرتبط بمحدث .. وإنما استوعبت كل جديد وحديث وتبنته جنب القديم لتكون نسيجاً معمارياً ذا لحمة واحدة برغم تعدد الطرز المختلفة التي اتفقت على شيء واحد هو العامل المنظم لها الشارع أو مسار الحركة.
والمتحرك خلال شوارعها وأزقتها التي تتخلل المدينة يحس بانسياب فراغاتها وتكاملها انسياب المياه ، فلا يستطيع أن يحدد بشكل قاطع المناطق التي يمر بها دون وجود دلالات يهتدي بها أثناء سيره ، لذا كان الشارع خطاباً يوجه الوجدان الإنساني وفطرته فيخطره بشكل إيحائي بما هو عام أو خاص ويشجعه على المضي قدماً أو التوقف أو العودة ............ وهذا ما سنتعرض له في هذه المقالة لمعرفة ما يمكن أن نستنبطه من هذا الخطاب وتطبيقه في المدينة المعاصرة .

المدينة بنسيجها المعماري تشكل لغة حقيقية " فهي تحاكي سكانه أو نحن بدورنا نحاكي مدينتنا ، المدينة حيث تتواجد في سكننا لها واجتيازها وكذلك في تأملها " 1
وخوفاً من أن سكان مدينة طرابلس قد اعتادوا على التلوث بكل نوعياته ( وبوجه خاص البصري والبيئي ) حيث اختلط الأمر على الكثيرين البسطاء منهم والمهنيين الذين ساهموا في التدهور الحضري والمعماري لشخصية الشارع بالمدينة ، ومدى أهمية " احتياجنا للقيم والمفاهيم الجمالية اللازمة لتنمية مشاعر المواطن بالانتماء إلى المكان الذي يساعد على تواصل مشاعره الصحيحة مع الآخرين ويدفع بالحس القومي بضرورة وأهمية الحفاظ على مكونات المدينة وفقاً للمعايير الجمالية والمواصفات الفنية التي تحفظ ذلك "2.
لهذا تدفعنا الحاجة غالى دراسة إحد أشكال الشوارع التي ورثها مجتمعنا من عصور مضت والذي يمثل فكراً وفناً وفلسفة وإلى إعادة النظر في المعايير التي شكلت الشارع والتي لا زالت تعد درساً يحتذى به ، وتطبيق ما يتلاءم منها مع الواقع المعاش في المستقبل القريب والبعيد.

البعد التاريخي / المناخ
نتيجة للسور الذي يحيط بالمدينة القديمة والذي استوجب وجود بوابات مثلت المداخل الرئيسية للمدينة وبالتالي خلقت مسارات حركة وفرعية وفضاءات عامة تمثلت في الأسواق ومن هذه المسارات الشارع الذي يخترق المدينة من الجنوب إلى الشمال والذي يعتقده الكثيرون أنه كاردوا ( ( CARDOفي المدينة الرومانية القديمة نتيجة لتعامده
على شارع الاكوش والذي يخترق المدينة من الغرب إلى الشرق وتقاطعهما عند قوس ماركوس أوريليوس مما عزز هذا الاعتقاد وسواء أكان ذلك يصيب الحقيقة أو بجانبها ، فإن اتجاه الشارع أكسبه صفة مناخية تميز بها وهي تعامده مع الحركة الظاهرة للشمس فكان مظللاً طوال النهار متغلباً على حرارة الشمس ونسبة سطوعها صيفاً مع توفر الضوء الكافي لممارسة النشاط أثناء النهار.

الملكية العقارية
ساهم احترام الملكية العقارية للأرض في تحديد هيئة الشارع وتعرجاته ، واتصال عقار بآخر سواء أكان بالمجاورة المباشرة أو بالتقابل ، بروز في الحدود أو تراجعها ، تحديد المداخل حسب ما يسمح به حق اتصل الملكية أو العقار بالشارع كل ذلك يمكن قراءته في مفردات وجمل معمارية مثل السباط الأقواس الداعمة ( جامع الدروج ، دار القاضي حوش القرمالي " يوسف باشا "....الخ).

النشاط الوظيفي
الأنشطة التي كونت شخصية الشارع
أثر النشاط الوظيفي في جذب مستعملي الشارع بشكل رسمي أو احتفالي أو ممارسة الحياة اليومية ، فكانت بدايته تجارية سكنية من باب
الحرية ( باب العرب ) وحتى قوس الصرارعي بنسبة كثيفة وتقل كلما اتجهنا شمالاً لتصبح وظيفته رسمية متمثلة في الجامع ودار القاضي وحوش القرمالي وشيخ البلاد وكتاب حورية ومدرسة قرآنية للبنات - " حوش القرمالي " " يوسف باشا " " حوش محسن " " شيخ البلاد " " حوش دغيش" - دار القاضي " بيت ضيافة للعائلة القرمالية "
جامع عطية الفلاح – جامع الدروج – جامع قنابة ( وهي ثلاثة من أصل ستة وثلاثون جامعاً داخل المدينة القديمة ) كتاب حورية لتدريس القرآن – مدرسة قرآنية للبنات العريفة زهرة ( إحدى المدرستين بالمدينة القديمة ) مدرسة عثمان باشا ( واحدة من إحدى وعشرين مدرسة ) كنيسة السيدة مريم ( إحدى الكنيستين ) – معبد يهودي ( معبد من اثنين وعشرين معبداً على مستوى ليبيا ) القنصلية الفرنسية والقنصلية الايطالية ( اثنان من سبعة ) بنك نابولي – بنك روما - وهما الموجودان فقط بالمدينة القديمة ) – صيدلية ( واحدة من خس صيدليات ).
تتضح أهمية الشارع من احتوائه على نواة المدينة التي عادة تتمثل في الإدارة والقضاء والتجارة والعلاقات الخارجية ، المباني الاقتصادية ، المباني الدينية " للأديان الثلاثة " وعوضاً على وظيفتها ساهمت هذه المباني في صياغة الشارع سطحاً وكتلة ولوناً وملمساً وجملة بصرية ذات قيمة جمالية أثرت الشارع وكونت مفردات لغته.

القيم الجمالية بالشارع

إذا كان الشارع بالمدينة الحديثة المعاصرة يتصف بأنه غير إنساني لحجمه وتعدد استعمالاته فإن الشارع بالمدينة القديمة يستمد جمالياته من إنسانيته في المقياس الذي يؤكد حجم الإنسان وسط المكان ، يكتشفه أثناء حركته رويداً رويداً ، ولا يفصح الشارع عن نفسه دفعة واحدة أي " يدخل الزمن كبعد رابع للمكان " مما يذكي الشعور بالتشويق والتنوع في تخطيط وحدود الشارع فيبعد الملل ويشجع على الحركة للرؤيا المتجددة كصور متلاحقة وغياب نقطة التلاشي المنظورية بالشارع تعطيه الإحساس بالإحتواء الدائم والمحدد كفناء البيت ، أرضية ، جوانب " حوائط " ، وسقف .
نقاط الضوء وتغيره أثناء النهار تجعل الشارع يمتاز بأحاسيس تختلف باختلاف تواجدك في أي وقت من النهار ويعكس أجواء الفصل السائد من السنة من حيث سطوع الشمس أو تجمع الغيوم في سماء الشارع الذي يشكل سقفه .
التشكيلات المتنوعة للفتحات والشرفات البارزة والمداخل التي لا تتشابه ( إلا لتنبئ عن وحدة الكتلة المعمارية وملكيتها ) من حيث المعالجة البصرية للعناصر المكونة لها تبادل عرض جماليات الفتحات والسطوح أثناء الليل والنهار، والأعمال المعدنية والخشبية والتفاصيل والجمل المعمارية المكونة للغة البصرية والهندسية للتكوينات في حيز إنساني يمكن إدراكه وتذوقه لقربه دون أي إجهاد أو عناء ساهم في رفع الذائقة الفنية لهذه الجماليات عند المستعمل والشعور بالانتماء والفخر في كثير من الأحيان.

لون الجدران وملمسها وعناصرها كلها دلالات تاريخية تؤكد عراقة الشارع ، وتسجيل للحقب التاريخية لمفردات وجمل لا يتم المعنى بغيابها .... كما أن السطوح الممتدة لترسم هيئة الشارع تعطي للمبنى إمكانية الإفصاح عن وظيفته بشكل جمالي مميز أهمية الشارع .
جماليات الشارع أثناء الليل بالمدينة القديمة توازي جماليات كتل مبانيها تحت أشعة الشمس وظلالها فتظهر الفتحات باختلاف أبعادها كنجوم في سطوح الشارع وأبراج المآذن التي تحدد موقع المتحرك كــland mark أحد المعالم البارزة.

تحديد مخطط الشارع وتعريفه
نقاط البداية والنهاية
يبدأ الشارع بنهاية السور الجنوبي المسمى بباب الحرية كمدخل مبدئي ثم نقطة البداية الفعلية هي التي ترسمها مئذنة جامع سيدي عطية الفلاح التي تمحور الحركة حولها يميناً وشمالاً " طريق الحلقة " أو المضي قدماً لينتهي بقوس ماركوس اوريليوس عند نهاية الشارع في طرفه الشمالي .

بؤر الجذب والانتقال
السباط الذي يلي مئذنة سيدي عطية الفلاح حيث يرسم بعقوده إطار منظورياً للسباط الثاني الذي يبعد عنه 50 متراً كنقطة بؤرية تنقلنا في الشارع إلى المحطة البصرية الثانية ....... السباط الأول يحتضن المدخل لزنقة الحمام النسي ( النساء) المتجه شرقاً والسباط الثاني ، يمحور الحركة إلى زنقة الفنيدقة المتجمعة شرقاً أيضاً بينما زنقة الفلاح غير النافذة وزنقة جامع النخلي المتجهتين غرباً والواقعتين بين السباط الأول والثاني لم يتم تعريفهما بشكل واضح عدا سطوح البيت الذي يمثل الركن الشمالي لزنقة جامع النخلي .
تبرز المحطة البؤرية الثالثة والتي تبعد عن المحطة الثانية بحوالي 60 متراً وهي عبارة عن سباط يعلو عقود تؤطر الصورة المتلاحقة لنقطة بؤرية رابعة لأهم عامة مميزة للشارع وعلامة أرضية للمدينة وهي مئذنة جامع الدروج التي تتقدم كركن للمبنى وسط الشارع ينتهي عندها المحور البصري له في الاتجاهين كحل في منتهى الذكاء . في نفس الوقت تبدأ تسمية جديدة للشارع ..... ركن الجامع الذي تمثله المئذنة ينظم الحركة باتجاه سوق الترك وتسمى الزنقة باسم الجامع وتربط الشارع بسوق الترك والواجهة البحرية وتسمى بزنقة الحليب ( في الذاكرة الجماعية ).

زنقة البقار التي تسبق جامع الدروج ونحن نتجه شمالاً ينتهي محورها البصري ببوابة حوش القرقني ذات النقوش المتميزة ، وتمثل دلالة على موقع المتحرك من الشارع ، كما أنها تعمل كمؤشر على بداية الزنقة بالمقابل.

المحطة التالية دار القاضي التي تبرز بكتلتها المميزة بلونها وضخامتها وعناصرها المعمارية وأركانها المؤكدة بأعمدة رخامية تعلوها تيجان بسيطة ، الركن الشمالي يمحور الحركة اتجاه الشرق راسماً زنقة بن موسى بأعمدة متماثلة وقوس وتربط الدار بمرافقها الخدمية زنقة بيت المال التي تسبق سباط حوش القرمالي الذي يمهد لأهم تقاطع للشارع والمؤكد بأربعة أركان بأعمدة وتيجان رومانية ضخمة واكتسب اسم الشارع من هذه المعالجة المعمارية " الأربع عرصات " .

التقاطع يوجه المتحرك نحو الواجهة البحرية للمدينة شرقاً عبر زنقة الحلوتجية أو إلى شارع الحرارة غرباً ومن ثم إلى باب الجديد وهو أحد أبواب المدينة الرئيسية ، أو الاتجاه شمالاً لاستكمال بقية الشارع الذي يتخذ اسماً ثالثاً وهو شارع الأربع عرصات الذي يمتد حوالي 140 متراً حيث يحدد التقاطع أربعة أركان لأربعة بيوت مهمة ( حوش القرمالي ، حوش قرجي ، حوش بيت المال ، حوش محسن ) وينتهي شارع الأربع عرصات بنقطة تقاطع وميدان متسع نسبياً ( فراغ حضري ) كنقطة بؤرية أخرى.

النقطة البؤرية التي يمثلها ركن مدرسة عثمان باشا المتمثلة في عمود رخامي ملون بتاج كورنثي ينظم الحركة غرباً إلى ساحة كنيسة السيدة مريم والسجن الأسباني والصيدلية ، وشرقاً جامع درغوث كعلامة أرضية مميزة على مستوى المدينة وعلى مستوى الشارع ( وباب معمر كبوابة ومدخل رئيسي للمدينة ) أو الاتجاه شمالاً نحو زنقة الفرنسيس وهو الاسم الرابع للشارع والتي تمثل المحطة ما قبل الأخيرة والمدخل الرئيسي للشارع من طرفه الشمالي ، مما حدا بالمعماري الإيطالي فلورسنتي دفاوستو لتأكيد هذا المدخل بقوسين كبيرين نسبياً يعمل مقياسهما كوسيط بين قوس النصر ذي المقياس غير الإنساني وبين أقواس المدينة ، أحد القوسين يمثل منتصف محور الزنقة بينما يمل الثاني المحور البصري لقوس النصر.


المحطة النهائية للشارع هي قوس النصر الذي تقف عنده الحركة ويحولها إما شرقا وينتهي بنقطة جذب متمثلة في جامع سيدي عبد الوهاب وأفق الميناء ، أو غرباً حيث مدخل شارع الأكواش وكتلة جامع قرجي ومئذنته الشاهقة مطابقاً لمحور الشارع المتعامد على محور الشوارع التي تتبعناها آنفاً.

الدروس المستفادة / التوصيات
1- المعالجة المناخية للشارع بتوجيهه أو اعتماد مبدأ الأروقة للتظليل صيفا والحماية من هطول الأمطار شتاءاً.
2- وضع الضوابط القانونية التي تكفل الاحترام المتبادل بين الملكية الخاصة والعامة ، وتحدد الشارع وتحميه من التعدي على الفضاء العام والمسارات الخاصة بالمشاة.
3- معالم الشارع الرئيسية والتي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تخطيطه كبؤر جذب ونقاط انتقال ، وتحديد لصور متلاحقة للشارع .
4- توزيع الوظائف الرسمية والعامة على شوارع المدينة لتستقطب المستعملين وتثري الشارع بالحركة لأن المدينة مكان إنساني.
5- كل شارع يجب أن يؤدي إلى نقطة ما وانطلاقاً من نقطة ما إذ لابد من بداية معرفة ونهاية معرفة أيضاً.
6- نقاط التقاطع والالتقاء والتفرع يجب أن تكون محددة وسلسة وليست فجائية ومربكة.
7- الشارع والفراغ الحضري كالميادين ونقاط التقاطع يجب أن ننظر لها كحجرات ذات حوائط وأرضية وسقف لها مداخل ومخارج ولها شخصية مميزة تميزها عن بعضها من حيث الوظيفة ، الكتل المحيطة ، الملمس اللون ، روح المكان وتاريخه ، إما بالتأكيد أو بالإحياء أو التأسيس أو التصميم.
8- لابد أن يكون للمدينة يوم نحتفل به كيوم تأسيسها أو تحريرها أو الأحداث التي مرت بها ليذكي أهمية المدينة في نفوس سكانها ومستعمليها.
9- بعض الشوارع يكتسب أهمية عالمية تتعدى المدينة والبلاد والوطن ، تأتي هذه الأهمية من وظيفته أو المباني التي يحتويها أو طوله أو اتساعه أو المناطق التي يعبرها بها ....الخ.
10- تأثيث الشارع بواسطة المسطحات الخضراء أو مصاطب الجلوس والتفاصيل المعمارية المحيطة التي تبين أجزاء المكان من الشارع وتعطيه بعداً نفسياً وجمالياً يرفع من ذوق المستعمل ويبعث الراحة ويشجع على استعماله من كل الأعمار .
11- الحائط " السور" لايصنع الشارع ، كذلك ممرات المشاة الضيقة التي تزرع بأعمدة إنارة وأشجار وأكشاك وفتحات مجاري وصناديق حماية أجهزة التكييف والمظلات الشمسية وألواح الإعلانات العشوائية ، تدمر شخصية الشارع وتنفر المستعمل وتعطي انطباع العشوائية والبدائية وغياب القانون المنظم للمدينة .
12- تسمية الشارع التي يكتسبها من منطقته " موقعه " أو وظيفته أو من مبنى أو معلم يقع به أكثر ثباتاً واستمرارية.
13- ضرورة تقسيم الشارع إلى محطات يتغير عندها الاسم لتعريفه وتحديد الموقع الذي يجربه المتحرك ليساعده على تحديد الصورة التخيلية للشارع ( في الذاكرة الجماعية ) ، ولنسأل أنفسنا ( من أين يبدأ شارع عمر المختار وأين ينتهي )الأمر مربك على ما أعتقد .
14- ممر مشاة يجب أن يكون بعرض مناسب خالٍ من كل العوائق وممهد للمتحرك خلاله من كل الفئات ( الكفيف والطفل وذوي الاحتياجات الخاصة.....)

أخيراً فاني أدعو إلى أن ننزل جميعا إلى الشارع، أرض الواقع والحركة خلال شوارع المدينة، للوقوف على ما يعانيه من تهميش وإهمال وعدوانية في كثير من الأحوال. وعدم الاكتفاء بمراقبته على ورق الرسم أو من خلال زجاج السيارات.


تعريف بكاتب المقالة على الرابط/ http://mirathlibya.blogspot.com/2008/07/blog-post_1969.html
المصدر/ مجلة مربعات، العدد 1

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...