أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، نوفمبر 04، 2025

نحو مدرسة معمارية ليبية

 استلهام الباوهاوس واستعادة الاختصاصات المسلوبة



 جمال الهمالي اللافي

تمهيد

في زمنٍ باتت فيه العمارة تُختزل في برامج التصميم ومخرجات العروض البصرية، يتوارى المعماري كممارس شامل خلف جدران التخصصات المجزأة. هذه المقالة لا تسعى إلى تقديم نموذج جاهز، بل إلى فتح أفق للنقاش حول إعادة تشكيل التعليم المعماري في ليبيا، بما يستجيب للسياق المحلي ويستحضر الهوية الثقافية والمكانية.

نقد الواقع الأكاديمي المعماري

كيف ساهم التعليم الأكاديمي في تجزئة المعماري؟

  • منذ استحداث التعليم الأكاديمي المعماري في ليبيا، وخصوصًا مع انتشار الجامعات الخاصة، بات التكوين المهني يعتمد على التخصصات النظرية، مع إضعاف واضح للتدريب الميداني.
  • يتم تدريس التصميم المعماري بمعزل عن التنفيذ، دون إلمام حقيقي بمراحل البناء أو تقنيات الحرفة التقليدية.
  • يغيب عن الطالب التدريب على التصميم الداخلي، تنسيق المواقع، والتخطيط الحضري، رغم أنها كانت جزءًا من الممارسة المعمارية التقليدية.
  • هذا الفصل يُنتج مصممًا يعتمد على فرق خارجية، مما يُفقده سلطته المهنية ورؤيته الشاملة.
  • في المقابل، تُظهر تجارب مثل الباوهاوس وورش الـ Design-Build أن دمج الحرفة بالتعليم يُنتج معماريًا واعيًا بالمادة، والموقع، والإنسان.

إن نقد الواقع الأكاديمي لا يهدف إلى تقويضه، بل إلى مساءلته. فاستعادة المعماري كممارس شامل تعني إعادة بناء المنهج بما يستوعب الحرفة، والميدان، والهوية، في آنٍ واحد.

نماذج عالمية ملهمة

بين النظرية والميدان: كيف تجاوزت بعض المدارس الفصل الأكاديمي؟

  • الباوهاوس: جمعت بين الفن، الحرفة، والتعليم. اعتمدت على مبدأ "التصميم عبر الصنع"، مما منح الطالب وعيًا ماديًا ومكانيًا لا يتحقق في القاعات النظرية.
  • مدرسة AA في لندن: ربطت التعليم بالممارسة من خلال مشاريع واقعية ونقد حي، وقيّمت الطلاب على التفكير النقدي والتفاعل مع السياق.
  • Rural Studio في أمريكا: نفذت مشاريع حقيقية في المجتمعات الريفية، مما عزز فهم الطالب للمواد والبيئة الاجتماعية، وأعاد للمعماري سلطته المهنية.

هذه النماذج لا تُقدّم وصفة جاهزة، لكنها تُظهر أن التعليم المعماري يمكن أن يُعاد تشكيله ليصبح أكثر التصاقًا بالحرفة والسياق.

نحو تصور مدرسي ليبي

استعادة الاختصاصات لا استنساخ النماذج

يقترح هذا التصور ملامح فكرية لمنهج تعليمي ومهني يعيد للمعماري سلطته، ويستحضر "أسطى البناء" كمصدر معرفي، لا كرمز تراثي. يقوم على أربعة أعمدة:

  1. دمج الحرفة بالتعليم: عبر ورش ميدانية وتدريب على المواد وتقنيات البناء التقليدية.
  2. إعادة تعريف التخصصات: تدريس التصميم الداخلي، تنسيق المواقع، والتخطيط الحضري كمجالات متداخلة.
  3. الوعي بالمكان والهوية: دراسة العمارة المحلية وتحليل السياقات الاجتماعية والثقافية.
  4. المعماري كممارس متعدد: قائد مشروع، مفكر مكاني، ومشارك في التنفيذ.

المدرسة المقترحة ليست مؤسسة، بل فكرة يمكن أن تتجسد حين تتوفر الإرادة، ويُعاد الاعتبار للمعماري كممارس، لا كمصمم فقط.

خاتمة

المعماري كممارس متعدد: استعادة الدور لا استعادة الماضي

إن ما طُرح لا يسعى إلى تأسيس مدرسة جديدة، بل إلى تأسيس وعي جديد حول مهنة المعماري، ودوره الذي تآكل بفعل الفصل الأكاديمي والتخصص المفرط. النماذج العالمية تُظهر أن التعليم يمكن أن يُعاد تشكيله بما يناسب السياق المحلي، لا عبر استنساخ التجارب، بل عبر استلهامها.

تبقى الأسئلة مفتوحة: كيف يمكن للمعماري أن يستعيد سلطته المهنية دون أن يفقد روحه التأملية؟ وكيف يمكن للتعليم أن يُعيد تشكيل نفسه ليصبح أكثر التصاقًا بالحرفة، والسياق، والإنسان؟ هذه الأسئلة تستحق أن تُناقش في فضاءات أكاديمية ومهنية جادة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...