أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، نوفمبر 08، 2026

ماذا لو تجاوزنا فكرة الاحتفاء الرمزي بالعمارة إلى تخصيص أسبوع كامل للعمارة الليبية؟


جمال الهمالي اللافي

أسبوع سنوي لا يرتبط باليوم العالمي للعمارة ولا يسعى لمجاراته. فاليوم العالمي للعمارة مناسبة عالمية ذات طابع احتفالي وتوعوي في المقام الأول، أما "أسبوع العمارة الليبية" فيمكن أن يكون منصة وطنية سنوية تنطلق من احتياجاتنا المحلية وتحدياتنا الخاصة، لمساءلة الواقع المعماري، ومراجعة مساره، وتقييم ما تحقق وما تعثر، مع إبقاء ملف العمارة الليبية حاضراً أمام الجهات المسؤولة والرأي العام.

أسبوع تُراجع فيه مسيرة العمارة الليبية، وتُطرح خلاله الإشكاليات والمعوقات التي تواجهها، وتُناقش طموحات المعماريين ومستقبل البيئة العمرانية في ليبيا.

ليس الهدف منه أن يكون معرضاً للاحتفالات أو منصة لتبادل المجاملات، بل مساحة مهنية جادة لإيصال صوت العمارة الليبية إلى صانع القرار، وصياغة توصيات واضحة، ثم متابعة ما تحقق منها في الأعوام اللاحقة.

فالعمارة ليست شأناً يخص المعماريين وحدهم، بل قضية تمس المدن والإسكان والهوية والاقتصاد وجودة الحياة. ومن هنا تنبع الحاجة إلى مناسبة وطنية دورية تجعل العمارة الليبية حاضرة في دائرة النقاش العام، لا ليوم واحد، بل لأسبوع كامل من الحوار والتقييم واستشراف المستقبل.

ولعل ما يمنح هذه الفكرة أهميتها أنها لا تدعو إلى مهرجان معماري جديد يضاف إلى قائمة الفعاليات الموسمية، بل إلى مراجعة سنوية صريحة للعمارة الليبية، يُقاس فيها ما تحقق، وتُشخَّص فيها مواطن الخلل، وتُرسم من خلالها خطوات أكثر وضوحاً للمستقبل.

لن أسترسل في التفاصيل الآن، ويكفي أن نبدأ بتداول هذه الفكرة، فربما يأتي اليوم الذي تتحول فيه من مجرد مقترح إلى واقع يلتقي حوله المهتمون بمستقبل العمارة في ليبيا.

بين النقد والوصاية: من يملك حق الحديث عن العمارة الليبية؟


جمال الهمالي اللافي

كلما طُرحت قراءة نقدية لواقع العمارة الليبية، أو جرى تشخيص بعض أزماتها المهنية والمعرفية، برز اعتراض مألوف يتجاوز مناقشة الفكرة ذاتها إلى التساؤل عن صاحبها: من منح هذا الشخص حق الحديث باسم العمارة الليبية؟ وما الذي يؤهله لتقييم واقعها أو توجيه النقد إليها؟

ويبدو هذا الاعتراض في ظاهره دفاعاً عن التعددية ورفضاً للوصاية، لكنه ينطوي في كثير من الأحيان على خلط بين مفهومين مختلفين تماماً: النقد والوصاية.

فالوصاية لا تبدأ حين يُبدي الإنسان رأياً، ولا حين ينتقد واقعاً قائماً أو يدعو إلى إصلاحه، وإنما تبدأ حين يدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، أو يحتكر حق تفسير الواقع، أو يحاول مصادرة حق الآخرين في الاجتهاد والاختلاف. أما النقد فليس أكثر من قراءة بشرية تحتمل الصواب والخطأ، تُطرح للنقاش العام وتبقى مفتوحة للمراجعة والتصويب.

ومن هذا المنطلق لا يصبح الحديث عن العمارة الليبية وصاية عليها لمجرد أنه يتضمن نقداً أو موقفاً أو تقييماً. فلو كان الأمر كذلك لوجب اعتبار كل ناقد أدبي وصياً على الأدب، وكل مؤرخ وصياً على التاريخ، وكل باحث وصياً على المجال الذي يدرسه. والواقع أن الكتابة في أي حقل معرفي لا تعني امتلاكه، كما أن نقده لا يمنح صاحبه سلطة عليه.

والعمارة الليبية ليست ملكاً لفرد أو مؤسسة أو تيار فكري بعينه حتى يُشترط الحصول على إذن مسبق للحديث عنها. إنها شأن مهني وثقافي عام، يخص كل من يدرس العمارة أو يمارسها أو ينشغل بمستقبلها. ومن الطبيعي أن تتعدد القراءات التي تحاول فهم واقعها، وأن تختلف الزوايا التي تنظر منها إلى مشكلاتها وتحولاتها.

بل إن مفارقة لافتة تظهر عندما يتحول الاتهام بالوصاية إلى ممارسة شكل آخر منها. فعندما يُسأل شخص: "من أنت حتى تتحدث في هذا الموضوع؟" فإن النقاش يغادر ساحة الأفكار إلى ساحة الأشخاص. وبدلاً من اختبار صحة الرأي أو ضعفه، يصبح الجدل منصباً على من يملك حق الكلام ومن لا يملكه. وهنا لا يجري الدفاع عن حرية النقاش، بل يجري تقييدها بصورة غير مباشرة.

ولهذا فإن السؤال الجوهري ليس: من يحق له الحديث عن العمارة الليبية؟ بل: ماذا يقول عن العمارة الليبية؟

فالأفكار لا تستمد مشروعيتها من أسماء أصحابها، وإنما من قدرتها على تفسير الواقع وإثارة النقاش وإضافة معرفة جديدة. كما أن خطأ الفكرة لا يُثبت بالطعن في صاحبها، بل بمناقشة ما تتضمنه من مقدمات واستنتاجات.

وتزداد أهمية هذا الأمر في حقل معقد كالعمارة، لأنها ليست علماً مغلقاً يقدم إجابات نهائية، بل مجال يتشكل عند تقاطع المجتمع والثقافة والاقتصاد والسياسة والتقنية والبيئة. ولهذا فإن أي قراءة لواقعها تظل قراءة جزئية بطبيعتها، ترى جانباً من الصورة ولا تدّعي الإحاطة بها كاملة. ومن هنا تنبع مشروعية النقد؛ فغياب اليقين المطلق هو ما يجعل الحوار ممكناً وضرورياً في آن واحد.

ولعل أحد أسباب الحساسية تجاه الخطاب النقدي هو الخلط بين تشخيص المشكلة وإدانة العاملين في المجال. فعندما يقال إن التعليم المعماري يواجه تحديات معينة، أو إن المؤسسات المهنية تعاني قصوراً ما، أو إن الممارسة المعمارية بحاجة إلى مراجعة، يُفهم هذا أحياناً بوصفه حكماً نهائياً على الجميع. بينما هو في جوهره محاولة لفهم ظاهرة محددة أو توصيف واقع قائم من زاوية معينة.

لهذا لا ينبغي أن تُقاس قيمة الآراء بمدى اتفاقنا معها، بل بقدرتها على الصمود أمام النقاش. فالعمارة لم تتطور عبر التاريخ نتيجة الإجماع، وإنما نتيجة تراكم الأسئلة والمراجعات والاعتراضات وإعادة النظر في المسلمات السائدة. وكل رؤية جديدة تبدأ بوصفها رأياً قابلاً للقبول أو الرفض، لا حقيقة واجبة الاتباع.

السبت، نوفمبر 07، 2026

ليس بالطين وحده تُبنى العمارة

في نقد اختزال منظومة قيم العمارة المحلية في مادة بناء

الصورة المرفقة هي لثلاث محاولات مازالت قيد الدراسة للمسكن العائلي المعاصر.

جمال الهمالي اللافي

ينطلق المعماريون في توجهاتهم الفكرية من مدارس شتى. فبعضهم يعتلي منصة الريادة بالتأسيس لرؤية جديدة، وبعضهم يتبنى رؤية قائمة ويبني عليها مساره، كما تتباين مداخلهم إلى العمارة نفسها؛ فمنهم من يجعل الشكل محور اهتمامهم، ومنهم من ينطلق من الوظيفة، ومنهم من يرى في مواد البناء وتقنيات الإنشاء المدخل الرئيس. بينما رأيت أن المدخل الأوسع والأكثر شمولاً يكمن في إعادة الاعتبار لمنظومة القيم التي تنتج العمارة قبل أن تنتج أشكالها وموادها. وفي داخل هذه المنظومة تتداخل الوظيفة، والشكل، ومواد البناء، والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، لتصبح جميعها أجزاء من رؤية أشمل، دون أن يستأثر أي منها وحده بتعريف العمارة أو اختزالها في حدوده.

ولطالما طالعتني- بين الحين والآخر- أصوات تُعيرني بعدم استخدام "الطين"، وكأن أصالة المعماري تقاس بمدى التزامه بمادة بناء بعينها، أو كأن المطلوب مني أن أستنسخ حرفياً تجارب معمارية كتجربة حسن فتحي أو عبدالواحد الوكيل.

ومن هنا تحديداً أكتب؛ لأقول بوضوح: إن من يعيرني بذلك إنما يختزل عقوداً من العمل الفكري والميداني في قالب مادي ضيق، ويجهل منطلقات رحلتي مع العمارة منذ بدايتها.

فمنذ التحاقي بدراسة العمارة في مطلع الثمانينيات، لم يكن مدخلي إلى العمارة المحلية مادة البناء، ولم يكن همي البحث عن تقنية إنشائية تقليدية أو الدعوة إلى العودة لاستخدام الطين أو الحجر. بل كان الهاجس الذي استحوذ عليّ هو البحث في مسكن العائلة الليبية، ومحاولة فهم المنظومة التي أنتجته، واستكشاف السبل التي تمكن من استعادة جوهرها في نموذج سكني معاصر قادر على التفاعل مع تحولات الزمن دون أن يفقد صلته بأصوله. لم يكن البيت الليبي بالنسبة لي جدراناً وسقوفاً وأفنية داخلية، بل كان صورة مادية لمنظومة كاملة من القيم الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والعمرانية. وكان السؤال الذي شغلني مبكراً: كيف يمكن إعادة الاعتبار لتلك المنظومة في واقع مغاير؟ وكيف يمكن أن تستمر القيم التي أنتجت البيت دون أن تصبح أسيرة لأشكال مرحلة تاريخية معينة؟

وقد عبرت عن هذا التوجه في المناقشة الأولى لمشروع التخرج، ثم توسع لاحقاً في محاضرتي الأولى «نحو رؤية جديدة ومعاصرة لمفهوم البيت الاقتصادي» بمقر مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، ونُشرت في مجلة آثار العرب، قبل أن تظهر في كتاباتي في مدونة الميراث. ولهذا كنت أنظر دائماً إلى مواد البناء باعتبارها جزءاً من العمارة، لا العمارة نفسها. ولذلك أجد غرابة بالغة في ذلك الاختزال الذي يجعل العمارة المحلية مرادفاً للطين، أو يجعل الحكم على تجربة أي معماري مرهوناً باستخدام هذه المادة أو تركها.

وعندما نتأمل تجارب المعماريين الكبار الذين انشغلوا بقضية الهوية، نجد أنهم انطلقوا من هموم متقاربة لكنهم اتخذوا مسارات مختلفة؛ فحسن فتحي وظف الطين معالجة لقضايا الإسكان والعدالة الاجتماعية في الريف المصري، وواصل عبدالواحد الوكيل مساراً خاصاً، واتجه رفعة الجادرجي وصالح مكية مسارات مغايرة، بينما قدم راسم بدران معالجة أخرى. وللإجابة على من يضعني في مقارنة ظالمة مع هؤلاء، يجدر التذكير بحقيقة تغيب غالباً عن النقاش: فالمعماري ليس هو الذي يصنع الطوب بيديه ولا هو الذي يشيد العقود والقباب بجهده الشخصي. فحسن فتحي لم يكن صانع طوب، وعبدالواحد الوكيل لم يكن أسطى بناء يمارس الحرفة بنفسه؛ لقد كانا مفكرين ومصممين، بينما تولى التنفيذ حرفيون مهرة ورثوا تقنيات البناء جيلاً بعد جيل، وفي مقدمتهم أسطوات النوبة. إذن، لم يكن النجاح ثمرة مادة بناء وحدها، ولا عبقرية فردية مجردة، بل نتاج منظومة كاملة من المعرفة والحرفة والخبرة المتراكمة. فهل يُعقل بعد ذلك حصر العمارة المحلية في تجربة واحدة، أو شخص واحد، أو مادة واحدة؟

إن تاريخ العمارة الليبية نفسه لا يسند هذا الاختزال. فلم تعرف ليبيا مادة بناء محلية واحدة؛ ففي غدامس غلب الطوب الطيني المجفف بالشمس، وفي مناطق أخرى استُخدم التراب المدكوك (ضرب الباب)، وفي جبل نفوسة كان الحجر هو الأساس، بينما اعتمدت غريان على الحفر في التربة وإنشاء الفراغات داخلياً. فأي هذه المواد يمكن اعتباره ممثلاً وحيداً للعمارة المحلية؟ لا شيء؛ لأن ما جمع هذه التجارب لم يكن وحدة المادة، بل وحدة المنهج القائم على استثمار موارد البيئة لتحقيق أفضل استجابة لحاجات الإنسان.

بل إن التطور الصناعي أوجد مع مرور الزمن مواد حققت كثيراً من أهداف المواد التقليدية؛ فالطوب الرملي، والياجور، والحجر الجيري، وأنظمة العزل الحراري، توفر حلولاً بكفاءة عالية. ومن واقع تجربتي المهنية، لم أكن يوماً في خصومة مع المواد المحلية، بل حاولت توظيفها متى أمكن. وأذكر أنني صممت استراحة واقترحت تنفيذها بالطوب الرملي لكفاءته البيئية والعزل، غير أن صاحب المشروع قارن التكلفة بالبدائل المتوافرة واختار ما يناسب ظروفه الاقتصادية.

وهذا يقودنا إلى جوهر القضية: إن أزمة البناء بالمواد المحلية في ليبيا ليست أزمة طين، وليست أزمة حجر، وليست أزمة خرسانة. إنها أزمة منظومة. فالطين ما زال موجوداً، لكن أين البناء الحرفي؟ وأين المعلم الذي ينقل خبرته؟ وأين المختبرات والشركات وسوق العمل التي تجعل هذه المواد خياراً تنافسياً قابلاً للحياة؟

فضلاً عن ذلك، فإن المهن المرتبطة بالبناء تحولت جذرياً؛ فلم يعد المعماري هو "المعلم البناء" الذي يجمع التصميم والتنفيذ وصناعة المواد في شخصه. لقد توزعت المعرفة على تخصصات مستقلة (هندسة إنشائية، علوم مواد، مراكز أبحاث، وسوق مال). وبالتالي، فإن تحميل المعماري وحده مسؤولية غياب البناء بالمواد المحلية ينطوي على تبسيط لا يقل سذاجة عن اختزال العمارة في مادة بناء. السؤال الحقيقي ليس: "لماذا لم يستخدم فلان الطين؟"، بل: "لماذا لم تنتج المنظومة العلمية والمهنية حلولاً معاصرة تجعل المواد المحلية قابلة للتطبيق والمنافسة؟"

لقد أدركت مع مرور السنوات أن التحدي الحقيقي ليس في المادة، بل في البيئة التي تجعل المادة قابلة للتحول إلى عمارة. ولهذا ظللت متحفظاً في الكتابة حول هذا الملف، لا شكاً في قيمة المواد المحلية، بل لأن القضية أعمق بكثير. العمارة المحلية لم تكن يوماً مسألة مادة، بل مسألة قيم تنتج شكل المسكن ووظيفته وعلاقته بالمجتمع والبيئة.

وختاماً؛ أقول لمن يضيق أفق حواره ليختزل العمارة في سؤال أحادي: هل بنيت بالطين أم لم تبنِ به؟ إن هذا الاختزال لا يظلمني شخصياً فحسب، بل يظلم العمارة برمتها. فالعمارة المحلية ليست جداراً طينياً، ولا حجراً منقوشاً، ولا عقداً، ولا فناءً. إنها رؤية كاملة للإنسان ومكانه في الحياة. وعندما تتحول هذه الرؤية إلى واقع عمراني، فإنها تستعين بكل ما تراه مناسباً من مواد وتقنيات، دون أن ترهن وجودها بمادة بعينها.

لم يكن شاغلي يوماً الطين من أجل الطين، بل البحث عن منظومة القيم التي أنتجت البيت الليبي، ومحاولة فهمها واستيعابها وإعادة قراءتها في ضوء احتياجات العصر ومتغيراته. أما المادة فتأتي بعد ذلك؛ فقد تتغير المواد وتتبدل الأدوات جيلاً بعد جيل، لكن العمارة الحية تبقى مرتبطة بقدرتها على التعبير عن قيم مجتمعها والاستجابة لتحديات زمانها.

وعندما نفهم العمارة من هذا المنظور، ندرك أن معركتنا الحقيقية ليست مع الطين ولا مع الخرسانة، بل مع ذلك الاختزال الكسول الذي يحاول حصر التجارب المعمارية في قالب واحد. فالعمارة لم تكن يوماً طيناً أو حجراً أو خرسانة.. كانت، وستظل، إنسانًا وقِيَمًا ومعرفةً تتخذ من المادة وسيلة للتعبير، لا غايةً تقوم عليها.

الجمعة، نوفمبر 06، 2026

في اليوم العالمي للعمارة: لماذا نحتاج إلى يومٍ للمناحة على العمارة الليبية؟


جمال الهمالي اللافي

الاحتفال باليوم العالمي للعمارة هو، في جوهره، احتفاء بالمنجز المعماري؛ منجز الدولة في عمرانها، ومنجز المهنة في قدرتها على الارتقاء بالبيئة المبنية، ومنجز المعماري في رحلته المهنية وما يتركه من أثر في واقعه ومجتمعه. ومن هنا يفرض الواقع المحلي سؤالاً لا يمكن تجاوزه: أين تقف العمارة الليبية من هذا الثالوث الاحتفائي؟

يصعب على المتأمل للمشهد المعماري الليبي أن يجد ما يدعو إلى قدر مماثل من الاحتفال. فالأزمة لا تتمثل في غياب البناء، فالمدن لا تزال تتمدد، والمشاريع لا تزال تنفذ، والكتل العمرانية تواصل زحفها على الأرض. لكن ما يغيب في كثير من الأحيان هو المشروع المعماري بمعناه الأعمق؛ ذلك المشروع القادر على تحويل البناء إلى قيمة، والعمران إلى هوية، والإنفاق إلى تنمية حقيقية تترك أثراً يتجاوز حدود اللحظة الراهنة.

فعلى مستوى الدولة، لا تزال القرارات العمرانية تتقدم في كثير من الأحيان على الرؤية العمرانية الشاملة، فتولد مشاريع متفرقة أكثر مما تولد مدناً متماسكة. وعلى المستوى المهني، تراجعت مكانة المعماري لحساب اعتبارات وإملاءات لا تنتمي إلى جوهر المهنة بقدر ما تنتمي إلى ضغوط الواقع ومصالحه المتشابكة. أما على المستوى الشخصي، فقد وجد كثير من المعماريين أنفسهم منشغلين بمعركة البقاء المهني أكثر من انشغالهم بإنتاج المعرفة المعمارية أو تطوير أدوات الممارسة أو إثراء العمران الليبي بما يستحقه من اجتهاد وإبداع.

وأمام هذا الواقع، قد يبدو من الملائم أن يكون للعمارة الليبية يومها الخاص؛ لا يوم احتفاء، بل يوم مراجعة ومكاشفة ومناحة. يوماً مستقلاً عن اليوم العالمي للعمارة، لا تُرفع فيه عبارات التهنئة، بل تُطرح فيه الأسئلة المؤجلة، وتُستعرض فيه التحولات التي أوصلت المهنة إلى ما آلت إليه، بعيداً عن المجاملات وعن الخطابات التي تكتفي بإعلان النجاح في الوقت الذي تشير فيه الوقائع إلى غير ذلك.

غير أن قيمة هذه المناحة لا تكمن في استدعاء مشاعر الأسى أو اجترار الشكوى، لأن الشكوى في حد ذاتها لا تصنع نهضة ولا تصحح مساراً. إن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على كشف مواطن الخلل، وتشخيص أسباب التراجع، وتحديد المسؤوليات، وفتح نقاش مهني جاد حول السبل الكفيلة باستعادة الدور الحضاري للعمارة الليبية. فالمهن لا تتقدم لأنها تحتفل بإنجازاتها فحسب، بل لأنها تمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة إخفاقاتها أيضاً.

ولعل المعضلة الأعمق ليست في وجود أسباب تدعو إلى المناحة، بل في اعتيادها حتى أصبحت جزءاً مألوفاً من المشهد. فالخطر لا يبدأ حين تتراجع المهنة، وإنما حين يتراجع الإحساس بخطورة هذا التراجع، ويتحول من استثناء يستوجب المعالجة إلى واقع يُتعايش معه ويُسلَّم به. وعند تلك اللحظة تحديداً تفقد المهنة قدرتها على التجدد وتفقد المؤسسات قدرتها على المراجعة.

إن الغاية من الدعوة إلى يوم للمناحة على العمارة الليبية ليست تمجيد المناحة ذاتها، بل السعي إلى تجاوز الحاجة إليها. فاليوم الذي نخصصه للمراجعة الصادقة والنقد المسؤول ينبغي أن يكون خطوة أولى نحو يوم آخر نستحق فيه الاحتفال دون حرج، حين تصبح العمارة الليبية شريكاً حقيقياً في صناعة المستقبل، لا موضوعاً دائماً للرثاء. وعندها فقط يمكن أن نغادر موقع المناحة إلى موقع الإنجاز، فعلاً لا ادعاءً.

الخميس، نوفمبر 05، 2026

توريث الخبرة

جمال الهمالي اللافي

    خلال سنوات دراستي الجامعية تعلمت كثيراً مما يفترض أن يتعلمه طالب العمارة، لكنني بعد دخولي إلى الحياة المهنية اكتشفت أن بين ما يُدرَّس في قاعات الدراسة وما يواجهه المعماري في الواقع مسافة واسعة. كانت سنوات طويلة من التعليم والحفظ والامتحانات، غير أن كثيراً من الأسئلة الحقيقية التي تفرضها الممارسة اليومية لم أجد لها جواباً فيما تعلمته. ولم يكن ذلك مقتصراً على العمارة وحدها، بل هو حال كثير من التخصصات التي يتخرج أصحابها وهم يحملون قدراً كبيراً من المعلومات، وقدراً أقل من الفهم، وقدراً أقل من ذلك من الخبرة.

    كنت أظن أن ما لم أجده في الجامعة سأجده عند من سبقوني في المهنة، وأن سنوات العمر التي أنفقوها في التجربة والخطأ والنجاح والإخفاق ستتحول إلى ميراث يتناقله القادمون الجدد. لكنني فوجئت بأن كثيراً من أصحاب الخبرة قد أحاطوا أنفسهم بجدران تحول دون الاقتراب منهم. لم تكن الخبرة غائبة، بل كان الوصول إليها هو الغائب. وكأن كل جيل مطالب بأن يبدأ رحلته من الصفر، وأن يكرر أخطاء من سبقوه قبل أن يصل إلى ما وصلوا إليه.

    ومن رحم هذه المعاناة وُلدت قناعتي بأن من أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمجتمعه ليس المال ولا الممتلكات، بل الخبرة المتراكمة التي اختصر بها سنوات من عمره. ومن هنا جاءت تجربتي في فتح الباب أمام الخريجين الجدد من خلال المدرسة الليبية للعمارة والفنون(2004-2008)، ليس بوصفها دورة تدريبية بالمعنى المتعارف عليه، وإنما بوصفها محاولة لتوريث الخبرة، وإتاحة الفرصة لمن يأتي بعدنا حتى لا يضطر إلى إعادة السير في الطرق الوعرة نفسها التي سرنا فيها من قبل.

    غير أن توريث الخبرة لا يعني مجرد نقل المعلومات. فالمعلومات وحدها متوافرة في الكتب والجامعات والمواقع الإلكترونية. وما يعاني منه كثير من الناس اليوم ليس نقص المعلومات، بل كثرتها واختلاط صحيحها بسقيمها. فقد يقضي الطالب سنوات طويلة متنقلاً بين مراحل التعليم المختلفة، ثم يكتشف أن ما تلقاه كان في معظمه معارف نظرية مجردة لا تسندها تجربة عملية حقيقية، وأن كثيراً مما ظنه حقائق راسخة يحتاج إلى مراجعة وتمحيص حين يصطدم بالواقع.

    ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فبعض الدورات التدريبية التي يُفترض أن تعالج هذا النقص وقعت في المشكلة نفسها. إذ تحولت أحياناً إلى عروض تسويقية أو جرعات سريعة من المعلومات المتفرقة التي توهم المتلقي بأنه تعلم، بينما هو لم يكتسب ملكة، ولم يبن فهماً، ولم يقترب من جوهر المهنة. وقد خضت بنفسي عدداً من الدورات في مجالات متنوعة، من برامج الرسم المعماري إلى التخطيط الاستراتيجي، فوجدت في بعضها معلومات متناثرة لا تكفي لبناء معرفة راسخة ولا لصناعة مهارة حقيقية. وهذا في نظري ليس تعليماً بالمعنى الكامل، لأن التعليم لا يقاس بما قيل في القاعة، بل بما ترسخ في عقل المتعلم وتحول إلى قدرة على الفهم والممارسة.

    ولهذا فإن مسؤولية من يورثون الخبرة أكبر من مجرد إعادة ما تعلموه أو تكرار ما حفظوه. فليس المطلوب أن ننقل للناس ما ورثناه من أخطاء، ولا أن نضيف ضجيجاً جديداً إلى ضجيج قائم أصلاً، وإنما أن نصحح ما وجدناه ناقصاً، وأن نراجع ما ثبت بطلانه، وأن نربط المعرفة بالواقع، وأن نقدم للمتعلم ما يعينه على الفهم قبل الحفظ، وعلى التمييز قبل التقليد.

    إن المجتمع الذي لا يورث أبناءه الخبرة محكوم عليه بأن يعيد البدايات في كل جيل. والحضارات لم تُشيد لأن كل جيل بدأ من الصفر، بل لأنها نجحت في نقل ما تراكم لديها من علم وتجربة وفهم إلى من أتى بعدها. وكل خبرة تموت بموت صاحبها هي خسارة تتجاوز الفرد إلى المجتمع بأسره.

    غير أن المسألة في نظر المسلم لا تقف عند حدود المنفعة الاجتماعية أو التقدم الحضاري. فالعلم الذي بين أيدينا ليس من صنعنا الخالص، بل هو فضل من الله يسّر أسبابه وهيأ لنا طريقه وسخر لنا من يعلمنا ويقودنا إليه. وما دام الأمر كذلك، فإن السؤال لا يقتصر على ماذا فعلنا بعلمنا في الدنيا، بل يمتد إلى ماذا سنقول حين نسأل عنه بين يدي الله.

    فما قيمة الخبرة إذا تحولت إلى وسيلة للاحتكار؟ وما قيمة المعرفة إذا مُنع عنها طالبها الصادق لأنه لا يملك القدرة على دفع ثمن الوصول إليها؟ وما قيمة العمر الذي أمضيناه في جمع العلم إذا انتهى أثره بانتهاء حياتنا؟

    إن من حق الإنسان أن يتكسب من مهنته وخبرته وعمله، ولا خلاف في ذلك. لكن يبقى هناك باب آخر لا يفتحه إلا من أدرك أن المال ليس كل شيء، وأن ما يدخره الإنسان عند الله أبقى مما يدخره في حساباته. ذلك الباب هو أن يجعل من علمه وخبرته سبيلاً لإعانة الآخرين، وأن يختصر عليهم سنوات من الضياع والحيرة، وأن يفتح لهم أبواب الرزق الحلال، وأن يعلمهم ما ينفعهم حقيقة لا ما يوهمهم بالمعرفة.

    ففي عقيدتنا الإسلامية لا ينقطع الأمر عند حدود الموت. هناك حساب وجزاء، وهناك صحائف تبقى مفتوحة بما تركه الإنسان وراءه من خير أو شر. ومن أعظم ما يبقى بعد رحيل المرء علماً نافعاً انتفع به الناس من بعده. أما العلم الذي كُتم، أو فُرِّغ من مضمونه، أو استُخدم لإيهام الناس بأنهم تعلموا وهم لم يتعلموا، فذلك باب آخر يسأل صاحبه عنه أيضاً.

    ولهذا فإنني كلما تقدمت بي السن ازددت اقتناعاً بأن السؤال الأهم ليس: كم كسبنا من خبراتنا؟ بل: ماذا تركنا منها وراءنا؟ وكم إنساناً أصبح أكثر قدرة على العمل والإنتاج بسبب ما علمناه إياه؟ وكم أسرة فُتح لها باب رزق لأن أحداً لم يبخل عليها بما تعلمه؟ وكم جيلاً سيواصل البناء على ما وصلنا إليه بدلاً من أن يبدأ من الصفر؟

    فالمال ميراث، والعقار ميراث، لكن أعظم ما يمكن أن نورثه للناس هو علم نافع، وخبرة صادقة، وفهم عميق للحياة والمهنة والواقع. ذلك هو الميراث الذي لا ينقص بالعطاء، ولا ينتهي بموت صاحبه، بل تبدأ ثماره الحقيقية بعد رحيله.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...