جمال الهمالي اللافي
من المفارقات العجيبة والمحزنة في الخطاب العمراني المعاصر، تلك الحالة من التحرج المقيت والانهزامية النفسية التي تتلبس الكثيرين عند الحديث عن الموروث. فما إن تُطرح رؤية تستلهم النسيج التقليدي، حتى تُستنفر التبريرات الساذجة والديباجات الدفاعية لتأكيد أننا "لا ندعو للتقليد!"، وكأن الاستقاء من المعين الصافي الذي يمثله موروثنا الثقافي بات "تهمة" نخشى التصاقها بنا، أو سُبةً وجب إبطالها قبل الشروع في الحديث.
يجب أن نتجاوز هذه العقدة بشجاعة؛ فما المشكلة حين نتوه وسط فوضى المدارس المعمارية المستوردة التي شوهت مدننا ومسخت هويتنا، أن نقف عند تفرع الطريق، ونعود إلى النقطة التي انحرفنا فيها عن جادة الصواب؟ إن العودة إلى تلك النقطة ليست نكوصاً، بل هي انطلاقة جديدة لتصحيح المسار والمسير حتى نصل إلى الغاية المنشودة. وكلنا ثقة وتصالح مع ذواتنا بأننا نفعل ما هو صواب؛ وهو موقف لا يتطلب التبرير المرتجف، بل يستوجب التمسك به كحق أصيل في صياغة بيئة تشبهنا.
عندما ندعو للعودة إلى "البيت الإسلامي"، الذي تمثله بيئتنا بكل معطياتها الاجتماعية والمناخية والاقتصادية وخصوصيتها الثقافية، فإننا نؤسس لعودة واعية. نحن نعود إليه محملين بآلامنا من القصور الفادح للنماذج المستوردة وشقق العمارات الشاهقة؛ تلك القوالب الإسمنتية التي عجزت عن تحقيق أدنى أسباب الراحة والسكينة، وفشلت في توفير الحماية من قسوة متغيرات الظروف البيئية. نعود بعد أن أدركنا عقم هذه النماذج الدخيلة عن خلق بيئة حاضنة للتواصل الاجتماعي، فكانت النتيجة أن كدّرت النفوس، وحطمت الأجساد، واستهلكت الأموال، دون أن تلبي حاجة نفسية واجتماعية، أو تحقق مطلب العيش الكريم. نعود إلى موروثنا المعماري الذي أثبت– في كافة مدننا التاريخية– قدرته الفذة ومرونته العالية في استيعاب أحدث التقنيات المعاصرة، ليتعايش معها إنساننا طبيعياً دون أي عائق يُذكر.
إن العودة إلى فلسفة المخطط العُمراني للمدينة الإسلامية هي ضرورة حتمية لإنقاذ إنسانيتنا المهدورة في شوارع الإسفلت. نعود إلى المخطط حيث البيوت متراصة، وحيث الشوارع مصممة على المقياس الإنساني لا تسع غير المشاة وآليات التخديم الضرورية لبيوتها ومرافقها، بحجم لا يضطرنا لتمزيق النسيج الحضري وتوسعة الطرق من أجلها. في هذا المخطط، كل خطة وتفصيلة غايتها القصوى هي "راحة الإنسان" وليس "السيارة والآلة".
في هذا النسيج، يتعمق التواصل بين الجيران، وينشر الظل عباءته ليحمي العابرين والمقيمين من حر الصيف وبرد الشتاء. نحن نعود إلى هذا المخطط محملين بخبرات وتجارب ما بين المؤلمة والطموحة، لنصيغ تجمعاً عمرانياً يعيد "المسجد الجامع" ليحتل مركزه كقلب نابض للمدينة، بدلاً من ركنه في الزوايا المهملة من كل تخطيط لمنطقة. تخطيطٌ تعود فيه المصليات لتكون علامات دالة يهتدي بها الناس إلى حيث غايتهم ومقصودهم.
إننا لا نستدعي الماضي لنعيش فيه، بل نستدعي حكمته لنبني بها
مستقبلاً يليق بنا. ومَن يرى في ذلك تهمة، فليراجع هو بوصلته؛ فالمستلبون وحدهم
مَن يخشون الانتماء.


.png)

