فقط للعلم لمن فاته العلم،
حين اخترتُ مسار "التأصيل للهوية الإسلامية" في ليبيا منذ التحاقي بقسم العمارة والتخطيط العمراني، لم يكن ذلك خيارًا عابرًا ولا رد فعل على أحداث يومية، بل كان مشروعًا فكريًا وإنسانيًا وشخصيًا امتد لعقود. كان هذا المسار انحيازًا واعيًا لشخصيتنا الحضارية في زمن سادت فيه مناهج تعزل الإنسان عن جذوره، وتدفع به نحو التغريب والمحاكاة لنموذج يقطع مع العقيدة والتاريخ، وهو موقف دفعتُ ثمنه في مسيرتي الأكاديمية والمهنية دون أن يثنيني ذلك عن المضي فيه.
لقد قامت رؤيتي للتأصيل على أن الهوية كلٌّ متكامل لا يتجزأ؛ فالمسكن والمدينة والزي واللسان وسائر المظاهر الحياتية ليست أدوات مجردة، بل هي التعبير المادي والسلوكي عن عقيدة المجتمع وثقافته. ومن هذا المنطلق، لم يكن تنظيري معزولاً عن الواقع الميداني؛ بل نهلت ثقافة التأصيل من عمق المرجعية الحية في مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، ومن رحلات استكشافية وتوثيقية شملت الجبل الغربي (يفرن، جادو، غريان، نالوت، الجوش، كاباو)، والشرق الليبي (درنة ومحيطها)، والجنوب (الجفرة: ودان، هون، سوكنة) وغدامس. كان الهدف دائمًا استلهام عمراننا الأصيل وتحويله إلى واقع معماري، سواء ما نُفّذ منه أو ما بقي حبيس الأدراج.
ولأن الرسالة شاملة، لم تتوقف عند العمارة؛ بل امتصّت المقالات والبحوث - من الجرائد الحائطية في قسم العمارة إلى مجلات "آثار العرب" و"مربعات"، ومنتدى المهندسين العرب، وصولاً إلى مدونتي "الميراث" وحساباتي الرقمية - نقدًا صريحًا لكل نظريات التغريب والصرعات الدخيلة التي مسّت السلوك واللسان والملبس.
ولم يكن نقدي للملابس الغربية والدخيلة مجرد تنظير على ورق، بل كان موقفًا ميدانيًا مباشرًا؛ فقد تصديتُ مبكرًا لانتشار صرعات الأزياء الغربية الشاذة والمنافية للفطرة وللأخلاق الإسلامية - كعادة (السراويل الطايحة) التي يعلم الجميع جذورها المنحرفة - ووصل بي الأمر إلى مواجهة ونصح أحد كبار موردي هذه الملابس في ليبيا، ونبهته صراحة إلى خطورة استيراد ونشر هذه الأزياء الهادمة لهوية شبابنا وقيمه، فلم أجد منه سوى الاستخفاف والسخرية، في تناقض صارخ بين الركض وراء الربح التجاري وبين واجب الرعاية للهوية العامة! وفي المقابل، طالبنا مرارًا بتعميم الزي الوطني الليبي في مؤسسات الدولة والتمسك باللغة العربية في الفضاء العام والأنشطة المهنية.
وهنا تكمن نقطة الجوهر التي يجب أن تتضح للجميع بغير لبس:
إن انحيازي للزي الوطني الليبي، ونقدي لاستبداله بـ "الزي الإقليمي الوافد- أيً كان" وتكريسه كمظهر حصري للالتزام، ينطلق من ذات المبدأ الذي انتقدتُ به الأزياء والتصاميم الغربية الدخيلة. إنها قضية رفض الاستلاب الثقافي والتبعية المظهرية كائناً ما كان مصدرها شرقيًا أم غربيًا.
فمن الناحية الشرعية والأصولية، جاءت الشريعة الإسلامية المطهرة بقواعد كليّة عامة وضوابط للحشمة والستر، ولم تفرض على الشعوب زياً جغرافياً محصوداً لمنطقة بعينها، بل أعملت "العُرف" الصالح وأقرت التنوع الثقافي وجعلته باباً للتعارف لا للذوبان (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). إن القضية ليست في مجرد أصل جواز ارتداء زيٍّ لبلد أخر، بل في إسباغ صبغة القداسة أو الأفضلية التعبدية على تقاليد إقليمية بعينها، واختزال المظهر الشرعي فيها، وتهميش الزي الوطني الذي ارتداه أجدادنا وعلماؤنا على مر التاريخ، وهو خلط بيّن بين "جوهر الدين الجامع" وبين "الأعراف الثقافية المحلية" لتلك البيئات.
إننا نكنُّ لكافة علماء المسلمين في كل أرجاء العالم الإسلامي - بما فيهم علماء المملكة العربية السعودية - كل الاحترام والتقدير، وننهل من علمهم وفتاواهم بغير تحيز أو تبديع، فلسنا في مقام تقييمهم ولا تصنيفهم. غير أن تقدير العلماء والاستفادة من علمهم الشرعي لا يعني بالضرورة نسخ تقاليد بلدانهم ومظاهرها البيئية على حساب تراثنا وشخصيتنا الوطنية. فالتبعية المظهرية ليست تدينًا، بل هي شكل آخر من أشكال التخلي عن الذات.
إن مشروعي المدون على صفحات مدونة "الميراث" وفي أرشيف منشوراتي على صفحتي هذه متاح للجميع، يقرأه من يبتغي الحقيقة والموضوعية. وهو موقف ثابت يتصدى لكل ما يهدد عقيدة وهوية المجتمع الليبي، من الهندسة والعمران إلى اللسان والملبس، بغير محاباة لأحد وبغير خشية من موقف أو مصادرة.
رحلة التأصيل مستمرة، والهوية الليبية الإسلامية
ستظل أعمق وأجلّ من أن تُختزل في تبعية شكليّة أو صرعة مستوردة.

.png)


