جمال
الهمالي اللافي
سيأتي
يومٌ تفقد فيه كل الأشياء بريقها الزائف؛ تلك الأشياء التي لأجلها تخلينا طواعية
عن لغتنا الأم، وملابسنا الأصيلة، وحرفنا اليدوية، وعمارتنا التي كانت تتنفس بروح
بيئتنا، وقيمنا الإسلامية السمحة التي كانت تنظم إيقاع حياتنا اليومية. سيأتي
اليوم الذي يثبت فيه للأجيال القريبة القادمة أن كل هذا اللهاث وراء قشور الحضارات
الأخرى لم يكن سوى مصدر للتعاسة والشقاء، وأنه لم يحقق يوماً السعادة الموعودة
لجيلنا، بل أسهم بشكل مباشر في ضياعه واستلابه.
وهم
الحداثة وفخ الاستلاب
لقد
فُتن جيل اليوم ببريق الاستهلاك، وجرى لاهثاً وراء كل ما يُصدره الغرب والشرق ـ
وحتى ما يصدره بعض العرب ـ من نفايات ثقافية وفكرية ومادية. في غمرة هذا الركض،
استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فاستبدلنا فصاحة لغتنا برطانة هجينة،
وعمارتنا المتوافقة مع مناخنا وقيمنا بغابات من الإسمنت الأصم، وحرفنا التي تحمل
بصمة الروح بمنتجات المصانع الباردة. ظننا أننا نشتري تذكرة العبور إلى
"الحداثة"، فإذا بنا نشتري تذكرة نحو الاغتراب والتعاسة التي أصبحت،
للأسف، عنواناً عريضاً لحياتنا اليوم.
الخوف
من الفراغ
إن
أشد ما نخشاه اليوم ليس ضياع جيلنا فحسب، بل ما سيواجهه أبناؤنا وأحفادنا. غداً،
عندما يكتشفون حجم الخديعة، وعندما تضيق عليهم سبل الحياة القويمة المادية
والروحية، سيبحثون عن جذورهم ليعودوا إليها، وسيحاولون تلمس طريق العودة إلى
هويتهم التي فقدوها قبل أن يولدوا. الكارثة الحقيقية تكمن في احتمالية ألا تجد هذه الأجيال
القادمة أي "مرجع" تستند إليه للعودة. وذلك نظراً للإهمال الشديد،
واللامبالاة القاتلة في حفظ وتوثيق موروثنا الثقافي والاجتماعي والمعماري بصورة
علمية صحيحة.
التوثيق..
خط الدفاع الأخير
بناءً
على هذا الواقع المرير، تبرز ضرورة ملحة وواجب تاريخي لا يقبل التأجيل: إن كان جيل
اليوم يصر بعناد على العبث بمقدرات حياته وهويته، فعلى الأقل يجب أن ننهض بمهمة
"التوثيق". نحن
بحاجة ماسة إلى مشروع وطني وحضاري لتوثيق هذا الموروث بصورة علمية ومنهجية حديثة:
- التوثيق المعماري والحرفي: أرشفة المخططات المعمارية القديمة، وتسجيل تفاصيل الحرف
اليدوية قبل رحيل آخر روادها.
- التوثيق اللغوي والاجتماعي: تدوين القصص، والأمثال، والأعراف التي كانت تحكم المجتمع،
وتسجيل تفاصيل الحياة اليومية المرتبطة بالقيم الإسلامية.
- الرقمنة والحفظ الأكاديمي: استخدام أحدث التقنيات لإنشاء مكتبات رقمية ومتاحف
افتراضية وقواعد بيانات مفتوحة ومتاحة للجميع.
خاتمة
ليكن
هذا التوثيق المنهجي بمثابة "رسالة في زجاجة" نلقيها في بحر الزمن
المتلاطم. فربما في غدٍ ليس ببعيد، عندما تتخبط الأجيال القادمة في ظلمات التيه،
وتصبح التعاسة عنواناً لحياتهم كما هي اليوم لحياتنا، يجدون في هذه الأرشيفات
العلمية منارةً تسترشد بها سفنهم، لتعود وترسو بأمان على شواطئ هويتها
الأصيلة، وتبني من جديد ما هدمناه نحن بأيدينا.



