أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، فبراير 23، 2026

العودة إلى الأرض: رؤية معمارية لاستعادة الريف الليبي وتحقيق الأمن الغذائي

 


جمال الهمالي اللافي

المشهد الأول: فلسفة الفجر وضجيج البركة

قبل أربعة عقود ونيف، لم يكن الريف الليبي مجرد تجمع سكاني، بل كان كائناً حياً يتنفس في دورة زمنية مقدسة تبدأ مع أول خيوط الفجر. كانت "الفجرية" هي الساعة الصفر لانطلاق ملحمة العطاء؛ حيث يكسر أذان الفجر وصياح الديكة سكون الليل، ليبدأ ضجيج البركة في كل بيت.

في تلك المرحلة، لم تكن الجدران مجرد مأوى، بل كانت "رحماً" يحقق الاكتفاء الذاتي الكامل. كانت الحياة دائرة متصلة؛ تبدأ من باطن الأرض وتنتهي إلى فراش السكن، في تناغم جعل من الإنسان الريفي سيد قراره وقوت يومه، يستمد كفايته من "السانية" التي ارتوت من عرق أهلها، مغنياً نفسه عن الوقوف على أبواب المدن.

المشهد الثاني: انكسار الدائرة وواقع الاغتراب

لكن هذا النموذج المتماسك انهار بعنف تحت وطأة حداثة قشرية. وهنا يجب التأكيد على أن ضياع الفلاح الليبي لم يكن نتيجة تطور طبيعي، بل كان نتيجة لمحاصرته بقرارات سياسية استهدفت ذاته قبل معاشه، وبعمارة غريبة "نفيت" فيها روحه قبل جسده.

لقد تحول الريف اليوم إلى "مقابر خاوية" ومساكن صامتة. نرى زرافات السكان يرحلون كل صباح نحو العاصمة، يطاردون "سعادة موهومة"؛ بعضهم في عمل وظيفي لا يكفيهم مؤونة الشهر، وكثيرهم يتسكعون في مقاهي المدينة المزدحمة، باحثين عن انتماء مفقود في شوارع لا تعرفهم. إن خروج مواطن ريفي يومياً لقطع المسافات الطويلة من أجل شراء "خبز الإفطار" من قلب المدينة، ليس إلا تعبيراً عن حالة اغتراب نفسي وعقدة نقص فُرضت عليه، جعلته يهرب من واقع أرضه المهجورة بحثاً عن تميز زائف في زحام العاصمة.

تشخيص الفجوة: لماذا خسرنا الإنسان قبل الأرض؟

إن أزمة الريف المعاصر ليست أزمة جمالية فحسب، بل هي أزمة وجودية تسببت فيها عوامل عدة:

·     الاغتراب المعماري والتخطيطي: تم تدمير البنية الزراعية لصالح مخططات عمرانية عشوائية شاركت فيها الدولة بمشاريع إسكانية لم تراعِ خصائص البيئة الريفية، بل استبدلت "السانية" بالسور الأصم والكتل الإسمنتية الخانقة.

·     ضياع الأمن الغذائي (المحور المهدور): إن تحول السواني إلى مخططات إسمنتية عشوائية لم يقتل الجمال فقط، بل أجهز على السيادة الغذائية. لقد تحول الريف من "سلة الغذاء" إلى مستهلك نهم ينتظر طعامه من وراء البحار، مما جعل الأمن الغذائي الوطني في مهب الريح.

·     الفراغ النفسي والاجتماعي: غياب الوظيفة المنتجة حول البيت إلى "مرقد" بارد، مما خلق فراغاً نفسياً دفع السكان للهروب نحو صخب المدينة.

الرؤية المعمارية: عمارة "الإنقاذ" واستعادة السيادة

إن "عمارة الإنقاذ" لا تعني العودة إلى الماضي، بل تعني إعادة الاعتبار للريف بتحسين خدماته وبنيته التحتية، وتوفير أسباب الرفاه التي ترفع عن كاهل الساكن مشاعر الدونية. تقوم هذه الرؤية على ثلاثة أعمدة:

1.   المسكن كمنظومة إنتاجية: إعادة تصميم البيت ليكون مركزاً اقتصادياً يضم مساحات للزراعة وورشاً للحرف اليدوية، ليعود البيت كياناً "يستيقظ لينتج".

2.   ذكاء المواد واقتصاديات البناء: استخدام الحجر الطبيعي في العناصر البصرية والأسوار يعطي الهوية المطلوبة، بينما يمكن الاعتماد على المواد الحديثة (كالآجر واللياسة) في البناء الإنشائي وتشكيل الأثاث الثابت المدمج، مما يحقق توازناً بين الأصالة والتكلفة.

3.      التخطيط كفعل مقاومة: يجب أن يتوقف الزحف العمراني على حساب الأراضي الزراعية، وأن يُعاد صياغة المخططات لتعزز الإنتاج لا لتقتله.

الخاتمة: العودة إلى الذات.. العمارة كفعل مقاومة

إن استعادة الريف الليبي ليست مجرد عملية ترميم للمباني، بل هي معركة لاستعادة "زمن الفجر" وقيمة العمل اليدوي والارتباط الوجداني بالأرض. إننا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في تشييد كتل إسمنتية صماء تكرس الاغتراب، أو العودة إلى عمارة تحترم كرامة الإنسان ككائن "منتج" وسيد لقراره.

إن العودة إلى الأرض تبدأ بكسر تلك التبعية النفسية والاقتصادية للمدينة، وبالتوقف عن مطاردة "السعادة الزائفة" في ازدحام العاصمة، ومواجهة صمت "مدن الأشباح" بإحياء روح المزرعة والبيت المنتج. إن الفلسفة المعمارية التي ننادي بها هي الرد العملي على تهميش الريف؛ إنها دعوة لنعيد للأرض هيبتها، وللإنسان فخره، وللمسكن روحه التي خنقها الزحف العمراني العقيم. ففي نهاية المطاف، لن تتحقق السيادة الحقيقية إلا حين يسكن الإنسان في فضاءٍ هو من صنعه، ويأكل مما زرعت يداه، ويستعيد يقيناً ضاع في زحام الحداثة القشرية.

الأحد، فبراير 22، 2026

المدينة: أكثر من مجرد أنشطة.. إنها سلوك جمعي وذاكرة حية

 


جمال الهمالي اللافي

في هذا النص، أطرح رؤية نقدية وفلسفية عميقة لمفهوم المدينة، متجاوزاً التعريفات التقليدية الجافة التي تحصرها في تصنيفات وظيفية أو ديموغرافية (صناعية، تجارية، ريفية، أو حتى ذكية). إنني أفهم المدينة هنا كـ كائن حي يتنفس ويتشكل بوعي سكانها وحركتهم اليومية، لا بمجرد خطوط هندسية أنحتها بمسطرتي كمعماري على الورق.

1.      المدينة كمرآة لخياراتنا المشتركة وذاكرتنا المكانية

أرى أن الصورة الحقيقية للمدينة وروحها لا تُصنع بقرار سياسي فوقي أو برغبة فردية معزولة لمطور عقاري، بل هي محصلة رؤيتنا وتجربتنا المشتركة التراكمية، التي يؤطرها احترامنا المتبادل للمكان وإحساسنا العميق بالانتماء إليه.

·     المواطنة المكانية (انتماؤنا للفضاء العام : تتجاوز فكرة الخوف من العقوبة لأصل إلى الشعور بأن الفضاء العام هو امتداد لبيتي الشخصي. إن التزامي كفرد بعدم إيذاء الآخر أو تشويه البيئة (مثل رمي القمامة أو التعدي على الأرصفة) هو اللبنة الأولى التي أضعها في بناء الحضر، وهو ما يخلق شعوراً بالثقة والأمان بيننا كجيران.

·     الاحتواء الاقتصادي والاجتماعي:  أؤمن بأن المدينة الحقيقية والحيوية هي التي لا تحجر على الأنشطة البسيطة التي تمثل مصادر رزق للفئات الكادحة بحجة "التنظيم الصارم". فالأسواق الشعبية، وعربات الباعة، والحرفيون ليسوا في نظري تشوهاً بصرياً، بل هم جزء أصيل من نسيج المدينة الحيوي الذي يمنح شوارعنا نبضاً وعفوية نفتقدها في المراكز التجارية المغلقة.

2.      التحضر الأخلاقي في مقابل القشرة المعمارية الباردة

أنتقد بشدة المفهوم السطحي للتحضر الذي يركز على "الأناقة" الخارجية، والواجهات الزجاجية اللامعة، والقوانين الصارمة التي قد يفرضها مخططون برؤية "قاصرة" ترى المدينة كنموذج رياضي يجب ضبطه.

·     التحضر كفعل يومي وثقافة: بالنسبة لي، التحضر ليس شكلاً معمارياً يُغلّف المدينة بغلاف أنيق لا يحتمل الاتساخ أو يرفض استيعاب المتغيرات الطارئة؛ بل هو سلوك عفوي نمارسه يومياً وينبع من قيمنا الاجتماعية، وتكافلنا مع الآخرين، ونشاطنا الاقتصادي المتفاعل.

·     قصور الإدراك المعماري (هندسة العزلة : (عندما أفشل كمعماري في فهم "العقل الجمعي" وثقافة مجتمعي، فإنني أخلق مدناً "معاصرة" باردة ومصممة للسيارات أكثر من البشر. مدن تفتقر لروح الحياة الطبيعية، وتتحول إلى مساحات تقصي الفقراء وتُعقّد تفاعلاتنا الاجتماعية البسيطة.

3.      مهمتي كمعماري: "المُيسّر والمستثمر" لا "المستبد"

أحدد مهمتي كمخطط للمدن ومعماري في هذا السياق العضوي من خلال:

·     استثمار التنوع (التصميم التشاركي) : التخلي عن دور الديكتاتور الذي يفرض أسلوب حياة محدد، والتحول إلى "مُيسّر" يحول أنشطتنا الحياتية المتضاربة أحياناً إلى بيئة متناغمة تستوعبنا جميعاً.

·     إثراء المحيط بدلاً من محوه : السعي لخلق عمران يتوافق مع المناخ، ولا يتنافر مع الطبيعة، والأهم من ذلك أنه يحترم قيمنا الإنسانية والثقافية، ويوفر لنا فراغات مرنة قابلة لإعادة التشكيل حسب احتياجاتنا.

الخاتمة: سر استدامة وعظمة مدننا القديمة

أجد أن قوة وروح المدن العتيقة تكمن في أنها نتاج "تخطيط تراكمي عضوي" قدناه كبشر عبر الزمن، وتوارثته الأجيال. خطت مساراتها حركة أقدامنا اليومية واحتياجاتنا المتغيرة، مما جعلها "تضج بعفوية الحياة" ودفء العلاقات الإنسانية. في المقابل، أرى الكثير من مدننا المعاصرة تقف عاجزة عن خلق هذه الحياة الطبيعية، لأنها صُممت كقوالب جامدة لا تقبل التغيرات أو التنوع البشري الصاخب.

الخلاصة الكبرى: المدينة ليست مجرد مساحة جغرافية أو أوعية خرسانية نعيش بداخلها، بل هي الطريقة التي نختار أن نعيش بها معاً؛ إنها انعكاس لروحنا الجماعية.

الأربعاء، فبراير 18، 2026

تهنئة

 


حينما يتحدث العمران بغير لساننا: فصام الواقع وغياب الشريعة عن تشكيل الحياة

 

الإعلام بأحكام البنيان، كتاب في فقه العمران لإبن الرامي

جمال الهمالي اللافي

تساؤلات في فراغ الواقع

ما علاقة الشريعة الإسلامية بالعمارة؟ وما علاقتها بتخطيط المدن والمناطق؟ بل ما الرابط بين أحكام الدين وتصميم الأثاث، وتجهيز البيوت، والرسم الحر، وتصميم الأزياء؟ وهل للشريعة حضور في الهوية البصرية للمؤسسات، أو في الإعلام والدراما والإعلانات؟ وهل بقي لها أثر في مسميات المقاهي والمواليد التي باتت تميل للرطانة الأعجمية؟

الإجابة الصادمة والمؤلمة هي: أن الشريعة مغيبة تماماً عن واقع هذه التطبيقات اليوم.

لقد انفصلت هذه المجالات الحيوية عن مقتضيات الشريعة، وباتت تائهة في أودية التغريب، وتشويه العقيدة، وطمس اللغة العربية. وفي المقابل، نجد فجوة معرفية هائلة لدى قطاع واسع من المتصدرين للعلوم الشرعية؛ حيث استغرق الكثير منهم في تفاصيل الخلافات الفرعية، غافلين عن "فقه العمران" و"فقه الحضارة" الذي يُشكل وجدان الإنسان المسلم ويوجه بوصلة حياته اليومية.

هندسة الاستلاب: العمران كأداة أيديولوجية

إن تزكية النفس والالتزام بمقتضيات الشرع لا يستقيم لهما حال في بيئة مادية تُصادم في تكوينها قيم الإسلام. فالمخطط العمراني، وتصميم المنزل من توزيع فراغاته إلى واجهاته، واتساع الشوارع وضيقها، كلها رسائل صامتة تفرض نمط حياة يزاحم هوية المسلم. وباختصار: إن البيئة العمرانية الحديثة بتركيبتها الحالية تضع المسلم في صراع دائم مع ثوابته، وكأنها تدفعه قسراً نحو الانسلاخ عن عقيدته.

هذا الواقع ليس نتاج صدفة، فالعشوائية الظاهرة والفوضى المعمارية ما هي إلا انعكاس لمخططات فلسفية مدروسة من قِبل منظري "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" والتفكيكية". هؤلاء لم يضعوا خطوطهم اعتباطاً، بل انطلقوا من رؤى مادية تهدف لعزل الدين عن المجال العام. وما المعماريون المسلمون اليوم إلا منفذون لهذه الرؤى، بعد أن تشربوها في مناهج كليات العمارة والفنون والإعلام، فصاروا- عن غير قصد- حماة لمشروع يقوض الخصوصية الإسلامية من جذورها.

غياب "الفقه التطبيقي" والفجوة المعرفية

تكمن المأساة في الانفصال النكِد بين "النص الشرعي" و"الواقع المعاش". فبينما يُكتفى بالوعظ الشفهي في دروس العقيدة والتوحيد، نجد أن "التطبيق العملي" للإسلام يُضرب في مقتله عبر الاختصاصات الحياتية.

إن خطب الجمعة لن تجد طريقها لمن فسدت فطرته تحت تأثير معايشة واقع يخالف عقيدته في مأكله وملبسه ومسكنه. لقد غابت الشريعة عن "هندسة الحياة" بسبب إعراض بعض المتخصصين في الشرع عن فقه واقع هذه التطبيقات، واكتفائهم ببطون الكتب القديمة دون إدراك لكيفية تنزيل أحكامها على النظريات المعمارية والإعلامية المعاصرة التي تسيطر على الأرض.

الحداثة: فلسفة إحلال لا مجرد طراز

يجب أن ندرك أن عمارة الحداثة، والتفكيكية، وما ينبثق عنها من نظريات، ليست مجرد "أذواق" أو طرز فنية، بل هي تيار فكري مبني على إزاحة المركزية الإلهية وإحلال المركزية المادية مكانها. ورغم سقوط بعض هذه النظريات تقنياً، إلا أن آثارها الفلسفية لا تزال تفتك بمجتمعاتنا.

إن الشواهد الحية من مدن ومناطق قامت على أركان هذه النظريات، ويعيش بداخلها المسلمون، كفيلة بأن تحول المسلم إلى كائن يؤدي "طقوساً" مجردة، بينما يغيب جوهر الإسلام عن سلوكه ومعاملاته اليومية نتيجة البيئة الضاغطة التي يعيش فيها.

خاتمة: براءة للذمة

أعلم يقيناً أن هذا الطرح قد لا يروق للكثير من الزملاء المعماريين -خاصة أولئك الذين تتلمذوا على مناهج الحداثة الصرفة- ولن يكون من السهل عليهم مراجعة الطريق الذي يسلكونه.

ولكنها تبقى رسالة التبليغ وإبراء الذمة أمام الله ثم المجتمع. إن الإسلام لن يستعيد عافيته إلا حينما تعود الشريعة لتحكم "التصميم" قبل أن تحكم "اللسان"، فالعمارة هي الوعاء الذي إما أن يحفظ روح الأمة أو يبددها في زحام المادة.

الثلاثاء، فبراير 17، 2026

المعماري: القائد الغائب عن المشهد الليبي

  

المعماري ليس مجرد صانع فكرة، بل منسق يحوّل الخرسانة إلى بيئة إنسانية متكاملة.

جمال الهمالي اللافي

في ليبيا، ترسّخ في الأذهان تصوّرٌ قاصر يحصر دور المعماري في مرحلة "التصميم الأولي"، وكأن مهمته تنتهي بمجرد تسليم المخططات، لتبدأ بعدها مسؤولية المهندس المدني في التنفيذ. هذا الفهم لم يضر بجمال مدننا فحسب، بل أثر بعمق على سياسات التوظيف التي باتت تطلب عشرات المهندسين المدنيين مقابل معماري واحد. ومع توقف المشاريع الكبرى لسنوات طويلة، ضاعت التقاليد المهنية الصحيحة لصالح التعيينات العشوائية، مما أدى لتهميش الدور المحوري للمعماري كمسؤول أول عن جودة المباني وسلامة بيئتنا العمرانية.

المعماري كمنسق رئيسي للمشروع

تؤكد المعايير الهندسية العالمية أن المعماري هو "المنسق الرئيسي" لكل العملية الهندسية. فالمشروع ليس مجرد مخطط على ورق، بل هو دراسة شاملة تجمع بين طبيعة الأرض، والمناخ، واحتياجات الناس، والتفاصيل الدقيقة والجدوى الاقتصادية.

في هذا الإطار، يتولى المعماري مهمة الربط والانسجام بين كافة التخصصات، لضمان ألا تتعارض الحلول الفنية مع الهدف من بناء المشروع وجمالياته:

·     مع المهندس الإنشائي: ينسق المعماري معه لتوزيع الهيكل والأسقف بطريقة تخدم الفراغات الداخلية ولا تشوهها. فالمعماري هو من يحدد "منطق الفراغ"، والمهندس الإنشائي المبدع هو من يبتكر الحلول الهندسية لتحقيق هذا التصور.

·         تنسيق الأنظمة التقنية: يوجه المعماري مهندسي الكهرباء والسباكة والتكييف لدمج التمديدات بذكاء داخل التصميم، وهذا يمنع الحلول الارتجالية أثناء التنفيذ، والتي غالباً ما تشوه شكل الواجهات أو الغرف وتعيق استخدامها.

·     التكامل بين الداخل والخارج: يضمن المعماري وجود علاقة انسيابية بين التصميم الداخلي وتنسيق المساحات الخارجية والحدائق، مما يجعل المشروع وحدة واحدة متناغمة.

فجوة التعليم وتحدي الرؤية الشمولية

تكمن الإشكالية الكبرى في "تجزئة المسؤولية" الناتجة أساساً عن طبيعة المناهج الأكاديمية. فبينما يمتلك المعماري نظرة شاملة ترى المشروع ككيان واحد، تميل مناهج الهندسة المدنية والتقنية إلى التركيز على الحسابات الرقمية والمعادلات المجردة كجزيئات منفصلة، دون ربطها بصورة المبنى الكلية أو غاياته الإنسانية.

هذا التباين في التكوين المعرفي يصبح عائقاً عندما يتولى قيادة المشاريع أشخاص اعتادوا رؤية المشروع كأجزاء تقنية مستقلة. إن نقص الإلمام بجوانب العمارة الاجتماعية والبيئية في المناهج الهندسية الأخرى، يؤدي غالباً إلى صراعات إدارية وتهميش للمعماري، بدلاً من استثمار خبرته في إدارة هذا التعقيد. فمن تشرّب فكراً أكاديمياً قائماً على تجزئة الحلول، سيواجه صعوبة حتمية في قيادة عمل يتطلب بطبيعته إدراكاً شمولياً لكافة المؤثرات المترابطة، وهي رؤية قد لا يكتسبها أصحاب الاختصاصات الهندسية إلا بعد سنوات طويلة من الممارسة الميدانية والاحتكاك المباشر مع المعماريين في مواقع التنفيذ.

التبعات الاقتصادية والاستدامة

إن إبعاد المعماري عن قيادة التنفيذ ليس مجرد خسارة للشكل، بل هو هدر مالي صريح. فالمعماري هو "حارس الاستدامة"؛ هو من يعرف كيف يجعل المبنى موفراً للطاقة عبر اختيار مواد البناء الصحيحة وتوجيه النوافذ للضوء والريح. كما أن غياب المعماري عن الموقع يحرمه من متابعة أفكاره وتطويرها، ويحول المباني إلى كتل خرسانية مكلفة جداً في التبريد والتدفئة والصيانة.

خارطة طريق للإصلاح المهني

لإعادة الاعتبار لدور المعماري، نحتاج لخطوات واضحة:

1.   إلى صُنّاع القرار : يجب مراجعة هيكلية الإدارة في المشاريع العامة، وفرض وجود "مدير مشروع معماري" كشرط أساسي لضمان التنسيق وجودة التنفيذ.

2.   إلى الجامعات:  تحديث المناهج الهندسية لتعريف جميع الطلاب بأن المشروع المعماري هو "عمل واحد متكامل"، وربط المعادلات النظرية بالواقع التطبيقي لتقليل الفجوة المهنية.

3.   إلى المواطن : المعماري هو مستشارك الذي يحمي استثمارك المالي على المدى الطويل؛ فالبناء الناجح ليس مجرد قواعد قوية، بل هو فراغ يوفر لك الراحة النفسية والكفاءة في الاستخدام.

الخاتمة

مهمة المعماري لا تنحصر في تصميم المشروع، بل هو الضامن لروح المشروع وهويته. إن الانتقال من "التفكير المجتزأ" إلى "القيادة الشمولية" المؤسسة على فهم عميق لكافة جوانب البناء، هو السبيل الوحيد لإنقاذ مدننا من العشوائية البصرية، وضمان بناء بيئة تعكس قيمنا وتدعم جودة حياتنا.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...