جمال الهمالي اللافي
إن تكرار
طرحنا لهذا الموضوع ليس من باب الترف الفكري، بل استشعاراً للمسؤولية تجاه الخطورة
البالغة التي تشكلها "النظرية التفكيكية" على قيم المجتمع العقائدية
والأخلاقية. فالعمارة والفنون ليست مجرد قوالب بصرية، بل هي أدوات ناعمة لإعادة
صياغة الوعي الجمعي. وما يدعو للقلق والتحذير هو ما نلاحظه من تمادٍ صريح في
المؤسسات الأكاديمية، وعلى رأسها قسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس،
في ترسيخ هذه النظرية الهدامة في أذهان الطلبة؛ وهو ما ينعكس بوضوح في الكثافة الملحوظة
لمشاريع التخرج التي تتبنى التوجهات التفكيكية وتجعل منها معياراً وحيداً للرقي
المعماري، مما يساهم في عزل الأجيال الجديدة عن هويتها وقيمها الراسخة.
لم تكن
العمارة والفنون في أي حقبة من حقب التاريخ مجرد مساحات صماء للجمال المادي، بل
كانت وما زالت أوعية تحمل في طياتها فلسفات وعقائد الأمم. وفي العصر الحديث، ظهرت
نظريات سعت إلى إعادة صياغة الوجدان البشري وتوجيهه نحو مسارات محددة، لعل أخطرها
وأكثرها تغلغلاً هي "النظرية التفكيكية".
حقيقة
النظرية التفكيكية: من المباني إلى المعتقدات
النظرية
التفكيكية (Deconstructivism) في
جوهرها ليست مجرد طراز معماري أو مدرسة فنية يعتمد على الخطوط المائلة والأشكال
غير المألوفة، بل هي امتداد لفلسفة ما بعد الحداثة التي تهدف إلى "هدم
المرجعيات" و"تفكيك الثوابت". إنها نظرية تقوم على التشكيك في كل
ما هو مستقر، ورفض المركزية، وتحطيم التوازنات الفطرية.
هذه
النظرية لم تتوقف عند حدود الفنون الجميلة أو عوالم التصميم، بل امتدت لتطبق على
كافة المستويات: من الأدب إلى السياسة، ومن القانون إلى العقيدة؛ ليتغلغل أثرها
تغلغل السم في بنية المجتمعات الأخلاقية السوية. إن كل ما نشهده اليوم من ظواهر متعارضة
مع عقيدتنا وفطرتنا- بدءاً من محاولات تفكيك الأسرة، مروراً بتمييع الهوية وتجميل
الشذوذ، وصولاً إلى الإنتاج الإعلامي والفني الذي ينتهك المحرمات ويسفه من قيمة
المتدينين- ما هو إلا إرهاصات وتطبيقات عملية لهذه النظرية الهدامة التي تسعى لخلق
فوضى نفسية واجتماعية تتقبل كل ما هو شاذ ومنفر.
زها
حديد: حصان طروادة بأصول عربية
وبما أن
التوجهات الفلسفية والأخلاقية للتفكيكية تتعارض جملة وتفصيلاً مع عقيدة المجتمع
الإسلامي وقيمه الراسخة، كان تمريرها بشكل مباشر أمراً مستحيلاً. هنا برزت الحاجة
الماسة إلى "حصان طروادة"؛ أداة ناعمة وجذابة تخترق الحصون الثقافية
للمجتمعات العربية والإسلامية من خلال نقطة ضعفها التاريخية: غلبة العاطفة
والافتخار بأي إنجاز يُنسب للذات العربية المهزومة في كل المحافل.
لقد
استثمر صُنّاع هذه الأيقونة حالة "الاستلاب النفسي" التي يعيشها الإنسان
العربي المعاصر، الباحث عن بصيص نصر يرمم به انكساراته المتلاحقة، فجاءت "زها
حديد" لتقدم هذا النصر الوهمي في قوالب خرسانية. لقد تم توظيف المعمارية
البريطانية ذات الأصول العراقية كخيار نموذجي لهذا الدور؛ كامرأة تنحدر من أصول
عربية، تم تسليط أضواء الآلة الإعلامية الغربية عليها بكثافة استثنائية، وصُدرت
صورتها كأول معمارية عربية تتربع على عرش العمارة العالمية، واشتهرت بجملة من
الأعمال "التفكيكية" البحتة.
لكن
الحقيقة المغيبة خلف هذا الضجيج الإعلامي هي أن زها حديد لم تكن تعمل منفردة، بل
كانت "واجهة ورقية" لمكاتب هندسية كبرى يختفي خلفها معماريون ومنظرون
معروفة عقائدهم وأجنداتهم، وعلى رأسهم "ريم كولهاس". لقد انحصر دورها
الحقيقي في كونها "حصاناً خشبياً" يتخفى في بطنه جنود الأعداء؛ فهي
الأداة المحلية التي تُشرعن دخول النظريات الهدامة، لتمرير فكر تفكيكي يخدم
المخططات الكبرى للسيطرة على الوجدان وتفكيك المركزية العقدية.
كشف
الزيف: قراءة شاملة في تغلغل النظرية وتفكيك المجتمع
لا ينبغي
لمن يتأمل هذا المشهد أن يقع في فخ "التسطيح البصري" بحصر القضية في
مجرد خطوط منحنية أو كتل هندسية طائرة؛ فالتفكيكية ليست مجرد عمارة، بل هي
"سوس" ينخر جسد الأمة عبر منظومة تدميرية شاملة تعمل فيها كافة المجالات
الإنسانية بالتوازي لتمييع الثوابت. إنها نظريات تُبنى على بعضها البعض؛ تبدأ بهدم
الأجزاء، وكلما انهار ركن أتت نظرية جديدة لتهدم ما استعصى على الأولى، ويمكن رصد
هذا التغلغل من خلال الزوايا التالية:
1. تحطيم "الحياء" المكاني والبصري: لقد
انتقلت العمارة بتأثير هذه النظريات من الانفتاح على الداخل (الأفنية) التي تحمي
الخصوصية وتصون الحرمات، إلى النوافذ المشرعة على الشوارع والجيران بلا حياء. هذا
التحول من الكتل المتراصة إلى الكتل المنفصلة بأسوار يمهد بالضرورة للتحول
السلوكي؛ فمن الملابس الساترة والمحتشمة إلى تلك التي تكشف أكثر مما تستر، ومن
الفن الذي يحترم النص الشرعي إلى الرسومات الفاضحة والأجساد العارية، وصولاً إلى
نتاج إباحي يُسوق اليوم تحت مسمى "الفن".
2. تمييع المصطلحات وتجميل القبح: إن قبح
النوايا يتم تجميله وتزيينه بأساليب الفن والآداب، فالشكل الخارجي يقود حتماً
لاعتناق المضمون الباطن. لقد تم تغيير مسميات الأشياء لتبطين حقيقتها وسلب
حساسيتها؛ فصار الخمر "مشروباً روحياً"، والزنا "علاقة حب"،
والشذوذ "مثلية". هذا التضليل اللغوي والجمالي هو جوهر التفكيك الذي
يقلب الحقائق رأساً على عقب.
3. العقل المدبر وصناعة التفاهة: لا يمكن
تجاهل وجود عقول تدير هذا الواقع بكل حيثياته؛ من السياسة القذرة إلى الفن الرخيص،
ومن تجارة الجسد والقمار إلى صناعة "التفاهة" والنجوم الوهميين. الهدف
هو السيطرة على عقول ومقدرات الشعوب وتوجيه وجدانها بعيداً عن مراكز القوة
الحقيقية، وإشغالها بالقشور والترف السطحي.
4. دور النخب المستلبة: إن
"أحصنة طروادة" لا تقتحم الحصون المنيعة من بواباتها إلا عندما يفتح لها
بعض المنتسبين للنخب من ساسة وأكاديميين ومعماريين وأدباء وكتاب الثغرات؛ أولئك
الذين باعوا دينهم وقيمهم بعرض من الدنيا الزائل، ليصبحوا هم أنفسهم الأدوات التي
تنفذ أجندة الهدم من الداخل.
لقد
توفيت زها حديد بشكل مفاجئ، ولكن رحيلها جاء بعد أن أدت مهمتها بنجاح؛ إذ ترسخت
أفكار وتوجهات النظرية التفكيكية في عقلية من يُطلق عليهم "النخب" في
مجتمعاتنا. لم تعد هناك حاجة لتلك "الفرس الخشبية" التي كان يتخفى خلف
أعمالها ونجاحاتها منظرو التفكيكية، فقد أصبحت النظرية تُدرس وتُطبق بأيدي أبناء
جلدتنا، الذين تجرعوا هذا السم وهم يظنونه ترياقاً للتقدم.
إن إدراك
هذه الحقيقة قد يبدو للبعض شطحاً بعيداً عن الواقع، أو سباحة عكس تيار
"الحداثة" المزعومة، ولكنها براءة للذمة وقراءة ضرورية للوعي بكيفية
هندسة عقول المجتمعات وتفكيك عقائدها من خلال هندسة مبانيها وفنونها.




