جمال الهمالي اللافي
منذ سنوات الدراسة الأولى، لم تكن المباني بالنسبة لي مجرد جدران وأسقف
نحتمي بها، بل كانت فضاءات حية تتسلل إلى أعماقنا وتصنع انطباعاتنا بصمت. في تلك المرحلة المبكرة، كان هناك
سؤالان يرافقانني بصمت ويكبران معي عاماً بعد عام؛ الأول يتعلق بما أصاب مسكن
العائلة المعاصر من تحولات أفقدته كثيراً من أدواره الاجتماعية والإنسانية التي
شكلت عبر أجيال متعاقبة إطار الحياة الأسرية ومجالها الطبيعي. أما الثاني فكان يتعلق بالمدرسة؛ ذلك المكان الذي يقضي فيه الطفل
جانباً كبيراً من سنوات التكوين الأولى، والذي بدا لي منذ وقت مبكر أكثر تأثيراً
في تشكيل السلوك والسكون النفسي مما يوحي به شكله الخارجي البسيط.
لم أكن أدرك آنذاك أن هذين السؤالين سيستمران في
ملاحقتي حتى بعد التحاقي بقسم العمارة، وأنهما سيشكلان لاحقاً جوهر انشغالي
المعماري والفكري. ولأن المقالة تتناول المدرسة، فإنني أجد نفسي مضطراً للعودة إلى
تلك السنوات الأولى التي سبقت تعرفي على العمارة كمهنة أو كعلم. فبحكم انتقال
السكن بين أكثر من منطقة داخل مدينة طرابلس، انتقلت بدوري بين عدد من المدارس خلال
مراحل الدراسة المختلفة، بدأت بالمدرسة المركزية بشارع عمر المختار، ثم انتقلت إلى
مدارس أخرى من بينها مدرسة شارع الزاوية وزاوية الدهماني وجامع عمورة والظهرة، قبل
أن أصل إلى المرحلة الإعدادية بمدرسة علي حيدر الساعاتي، ثم المرحلة الثانوية
بمدرسة علي وريث.
اليوم، وبعد مرور عقود على تلك التجربة، لا
أتذكر المناهج التي درستها بالقدر نفسه الذي أتذكر به شعوري تجاه تلك الأماكن. لم
تكن المشكلة مرتبطة بمدرس بعينه أو إدارة بعينها، بل كانت مرتبطة بالمكان نفسه.
كنت أشعر بالضيق دون أن أمتلك القدرة على تفسير سببه؛ فحين كان الفصل الدراسي جهة
شروق الشمس ومقعدي بجانب النافذة، كان أكثر فاعلية في استيعاب الدروس، بينما كان
الابتعاد عنها، والتفاعل مع برودة الفصول وبلاط الأرضيات الذي يضاعف انكماش الجسد،
يؤثر سلباً على التحصيل. وكانت أصوات بعض الأساتذة منخفضي النبرة تشكل عقبة، بينما
بقيت رائحة المطر المنعشة عندما تتسرب من النوافذ المغلقة هي العلامة الفارقة
لحاسة الشم في ذاكرة تلك الأيام.
ومع مرور الزمن اكتشفت أن ذلك الطفل لم يكن يخطئ
في إحساسه، بل كان يفتقر فقط إلى اللغة التي تمكنه من تفسيره. فالعمارة تؤثر في
الإنسان قبل أن يتعلم قراءتها، وقبل أن يعرف أسماء عناصرها ومفاهيمها. وهي تفعل
ذلك بصمت شديد لدرجة أن معظمنا يعزو انطباعاته إلى أسباب أخرى، بينما يكون المكان
نفسه أحد أهم العوامل الخفية التي صنعت تلك الانطباعات.
لهذا أجد صعوبة في تقبل الفكرة الشائعة التي
تنظر إلى المدرسة باعتبارها مجرد مبنى يؤدي وظيفة التعليم. فالمدرسة، مثلها مثل المحكمة
أو المسجد أو الساحة العامة، ليست بناءً محايداً. إنها تجسيد مادي لفكرة معينة عن
الإنسان. وحين أستعيد صورة المدارس التي درست فيها، لا أجد أن المشكلة كانت في
استقامة الجدران، بل في العلاقات التي أنتجها المكان؛ فالساحات المصممة للاصطفاف
والضبط الجماعي، والممرات الطويلة للمراقبة، وذلك المقصف الذي تحول إلى نافذة ضيقة
يزاحم عليها الطلاب بشكل يمس بكرامتهم الإنسانية، كلها صاغت تصوراً يجعل النظام
والضبط أولوية مطلقة على حساب التجربة البشرية.
وحين حاول البعض تجاوز هذا النموذج لاحقاً،
تحولت المدرسة إلى كتل خرسانية متشابهة وفصول نمطية تؤدي الحد الأدنى من الوظيفة
دون روح أو تحفيز. ومن هنا تبلور السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن المساحات
والأشكال ليس: كيف نبني مدرسة؟ بل: ما الإنسان الذي نريد أن يخرج من أبوابها
بعد اثني عشر عاماً من التكوين؟
فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد شكل الفضاء، وطبيعة الساحات، ومفهوم المقصف المدرسي الذي ينبغي أن يتطور إلى فضاء صحي واجتماعي محترم يربط المدرسة بمحيطها وحدائقها العامة دون أن يعزلها. ولأن التجربة المعايشة أثبتت أن المكان يصنع الوعي، فإن المدرسة ليست مبنىً للتعليم فحسب، بل هي بيان معماري صامت عن الإنسان الذي نريد صنعه.
تعليق على الصورة المرفقة: مدرسة شارع الزاوية تحديداً... تلك التي انتقلت إليها مباشرة من المدرسة المركزية، فأثار مبناها في نفسي رهبة خفية نقلت مشاعري نحوها للوالدين لعدم شعوري فيها بالراحة، وكأني أوصلت إليهم رسالة ضمنية بأنها تخيفني. هذا ما أسعفتني به الذاكرة من مشاعر نحوها، ليتتابع بعدها هذا الوعي اللاواعي بالعمارة من خلال ما كنت أشعر به تجاه كل مدرسة انتقلت إليها؛ مقارنة صامتة بين مدرسة وأخرى لمست من خلالها فروقات التأثير العميق لفضاء تعليمي عن آخر.



