جمال الهمالي اللافي
في المشهد المعماري المعاصر، تبرز
إشكالية عميقة تتجاوز حدود التصميم والرسم لتمس جوهر الأخلاق المهنية والصدق
الحضاري. وهي الفجوة بين من يرى في الطراز المحلي رسالة وغاية، ومن يراه مجرد وسيلة وارتقاء.
القشرة التي تخفي العداء
إن القدرة التقنية على إنتاج مشروع
تخرج، أو تجميع مادة علمية لرسالة دكتوراة، أو حتى تنظيم مؤتمرات دولية حول
العمارة المحلية، لا تعني بالضرورة ملامسة "روح" هذه العمارة. فالأدوات
الأكاديمية والمهنية متاحة للجميع، لكن الروح لا تُستعار. الخطورة تكمن في ذلك
النوع من المتصدرين للمشهد الذين يتخذون من الهوية العمرانية ستاراً، بينما هم في
حقيقتهم "معادون" لها. هذا التضاد يخلق عمارة بلا نبض، عمارة تُبنى
تماشياً مع سياق الشهرة وتحقيق المكاسب الشخصية، لا عن قناعة راسخة بجدارتها.
سُلم الصعود وكسر الدرجات
لا يكتفي هؤلاء باتخاذ العمارة المحلية "مطية" للوصول
إلى مآربهم، بل يمارسون نوعاً من التخريب الممنهج أثناء رحلة الصعود. فالمعماري
الذي لا يؤمن بهويته يقوم بـ "كسر الدرجات" التي تجاوزها؛ لضمان انفراده
بالقمة ومنع الآخرين من ملاحقته. هذا السلوك يتجسد في:
·
تسفيه الجهود: التقليل من شأن أي محاولة صادقة يبذلها الآخرون لخدمة هذا الطراز.
·
الاحتكار الفكري: تصوير الأصالة كعلم معقد لا يملك مفاتيحه سوى "النخبة"
التي ينتمون إليها.
استراتيجية "التعجيز الممنهج"
من المفارقات الصارخة أن هؤلاء المتصدرين هم أول من يروجون لـ "عجز" العمارة المحلية عن ملاءمة الواقع
المعاصر. يستخدمون عبارات براقة حول "صعوبة التطبيق" أو "قصور
الحلول التقليدية" أمام المتطلبات الحديثة. هذا الخطاب ليس نقدياً، بل هو
وسيلة دفاعية لتبرير تشويههم للمفاهيم التراثية، ولإقناع الأجيال الصاعدة بأن
التمسك بالهوية هو ضرب من المحال، مما يؤدي في النهاية إلى وأد القناعات في مهدها.
الخاتمة: العمارة كخيار أخلاقي
إن العمارة المحلية ليست مجرد
تراكم للأحجار أو تكرار للعناصر البصرية، بل هي انعكاس لقيم ومبادئ. وعندما تتحول
إلى أداة للانتهازية، فإنها تفقد قدسيتها وتتحول إلى بضاعة في سوق النخاسة المهني.
إن كشف هذا "الانفصام" بين الادعاء والحقيقة هو أول خطوة لحماية هويتنا
العمرانية من أن تظل مجرد جسر يعبر عليه الباحثون عن الشهرة، تاركين خلفهم حطاماً
من القناعات المشوهة.
الصورة المرفقة: مشروع إسكاني يضم 19 وحدة سكنية صغيرة
الحجم- من دورين وملحق في السطح، متباينة في ابعادها - على مساحة أرض 42 م.×100م. "يعكس المبدأ في مواجهة المُطية؛ بناءٌ يخدم الناس ويحترم هويتهم".






