جمال الهمالي اللافي
إن العمارة لغة لها مفرداتها، التي تتضارب أو تتباين مع الشعوب
الأخرى. ومثلما تمتلك اللغة العربية حروفها ومفرداتها التي تختص بها دون سائر
اللغات، تمتلك أيضاً روحانية مستمدة من ارتباطها بعقيدة سماوية سمحاء. هذه
الروحانية ليست مجرد شكل تاريخي، بل هي "نظام لغوي" يحكم الطريقة التي
ننظم بها الفراغ لكي نشعر بالراحة والسكينة.
أزمة "الحروف اللاتينية" في بيوتنا
لا يمكننا صياغة عبارات عربية
بحروف لاتينية، ولا عبارات لاتينية بحروف عربية؛ ففي هذه المحاولة لا يستقيم لا
الوضع ولا المعنى ولا المغزى. نحن نرى هذا التشويه جلياً في لغتنا المنطوقة حين
نكتب "محل بيع خضروات" بصيغة هجينة مثل (Mhl bih khdrwat)؛ حيث يقف الحرف
اللاتيني (H) عاجزاً عن التمييز بين (الحاء) و(العين)، ويفقد حرف (الضاد)
فخامته حين يُختزل إلى (دال) ركيكة.
هذا التلاعب هو بالضبط ما نفعله في واقعنا المعماري اليوم:
· تغريب المفردة: حين نستبدل "البرج الخشبي أو المشربية"
(التي هي حرف معماري ينطق بالستر والسكينة) بـ "الواجهات الزجاجية"
الصارخة، فنحن نحاول نطق "الحاء" الأجنبية. النتيجة هي بيت يفتقر
للخصوصية ويصطدم مع حرارة مناخنا، تماماً كجملة عربية كُتبت بحروف لا تناسب
مخارجها.
· الفراغ المشوه (مكة وأهل باريس): نحن لا نعترض على الفكر الغربي في ذاته، فهو وليد بيئته، وصدق من
قال: "أهل باريس أدرى بشعابها". ولكن مكمن الخلل
وبيت الداء هو عندما تدخل تشريعاتهم إلى "مكتنا" فلا نعود ندري بشعابها.
لقد استوردنا قانون "الارتداد" (المساحات
الميتة حول البيت) الذي صُمم لبيئات باردة، وقتلنا به "الفناء
الداخلي" (وسط الحوش) الذي هو قلب البيت العربي ورمز ستره. نحن
هنا لم نتحضر، بل فقدنا درايتنا بشعابنا وبنينا بيوتاً لا تشبهنا.
· التبعية الشكلية: إن تعريب مصطلحات مثل "سوبر ماركت"
أو محاكاتها معمارياً ببناء كتل خرسانية غربية وإلصاق أقواس زخرفية عليها، هو
جريمة بحق اللغة المعمارية؛ فهي لا تعبر عن حضارة ولا تحترم أصالة.
هدم الشكل وإماتة المعنى
إننا اليوم نرتكب جريمة بحق اللغة، سواء كانت معمارية أو منطوقة،
باسم "التحضر" أو "التنوع" أو "البعد عن التقليد"
أو "التماهي مع كل ما هوغربي". والحقيقة أننا نُميت لغة حية لتنصيب لغة
هجينة لا تملك جذوراً.
إن هدم الشكل لن يحيي المعنى
الذي يستند على أركانه؛ لأن المعنى يسكن في التفاصيل المعمارية التي ولدت من رحم
العقيدة والبيئة. إن هدم هذه الأشكال ليس مجرد تغيير بصري، بل هو بتر لذاكرة
جماعية وإماتة لهوية أمة. إن مسؤوليتنا تنحصر في البناء لا الهدم؛ في
بناء المعنى وإغناء المفردات (مثل تطوير المشربية لتناسب العصر) لا في استبدالها
ببدائل باردة ومغتربة.
الخاتمة: الأصالة كمنطلق للحداثة
الحداثة الحقيقية هي التي تنطلق من الجذور لتصل إلى السحاب، لا
التي تقتلع الجذور لتبني في الفراغ. إن رقيّنا المعماري لا يكون بهجر حروفنا، بل
بجعل "الضاد المعمارية" قادرة على صياغة جمل حديثة تليق بعصرنا دون أن
تفقد "مخارج حروفها" الروحانية الأصيلة. إن بناء المعنى هو الغاية، والحفاظ
على سلامة "اللغة" المعمارية هو السبيل الوحيد لضمان استقامة المغزى في
مدننا العربية.


