أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، أكتوبر 24، 2026

ما الذي أدركته العمارة المحلية وأضعناه نحن؟

العمارة بين الحاجة والرغبة

جمال الهمالي اللافي

لست من النوع الذي يوزع عبارات الإطراء على مشاريع أي معماري أو معمارية. بل إنني متحفظ جداً في هذا الأمر، إن لم أكن بخيلاً به على من لا يستحق، انطلاقاً من قيمي وقناعاتي المهنية. فعندما أقيّم مشروعاً معمارياً، فإنني أنظر أولاً إلى العمل المنجز نفسه، وأركز على ما يحمله من أفكار وما يقدمه من حلول وما يعكسه من فهم للعمارة، دون أن أغفل حق صاحبه في التقدير المستحق.

ولهذا لا أسمح لنفسي بأن أضغط زر الإعجاب على مشروع يتعارض مع قناعاتي المعمارية، مهما كانت مكانة صاحبه أو حجم ما يبديه من تقدير لمشاريعي. فالإعجاب عندي ليس مجاملة متبادلة، ولا استجابة لعلاقات شخصية أو مهنية، بل شهادة معمارية لا ينبغي أن تمنح إلا عن قناعة.

ولعل هذه المسألة تكشف عن مشكلة أعمق يعيشها الوسط المعماري اليوم، حيث أصبح النقاش يدور غالباً حول الأشكال والصور والانطباعات البصرية، بينما يغيب السؤال الأهم: ما المرجعية التي ننطلق منها في الحكم على العمارة؟ وما المعايير التي تجعل مشروعاً ما جديراً بالإعجاب أو النقد أو الإهمال؟

في الوسط المعماري الليبي، أصبح من النادر أن نعثر على مشروع يحكي عن صدق مصممه في تعاطيه مع البيئة واحتياجات المالك وطبيعة المجتمع الذي يعمل من أجله. وجل ما يقدم اليوم، إلا ما ندر، يفصح عن رغبة محمومة لدى المعماري في فرض منطقه التصميمي الخاص، وكأن المشروع فرصة لاستعراض الذات أكثر من كونه استجابة لمتطلبات الإنسان الذي سيعيش داخله. فيتحول المالك إلى متلقٍ، بينما يحتكر المعماري حق صياغة المشهد وفق رؤيته الخاصة.

ولست متعصباً لتوجه معماري بعينه، بقدر تعصبي لرسالة العمارة نفسها. فالعمارة في نظري وجدت أولاً لخدمة الإنسان، ولتحقيق السكينة والراحة والكرامة له، ثم تأتي بعد ذلك الاعتبارات البيئية والثقافية والاقتصادية لتكمل هذه الرسالة وتثريها. فإذا فقدت العمارة بعدها الإنساني، فقدت مبرر وجودها مهما بلغت درجة الإبهار في أشكالها أو تقنياتها.

ومن هذا المنطلق جاء انحيازي للعمارة المحلية الليبية. لا بوصفها تراثاً ينبغي التمسك به لمجرد قدمه، ولا باعتبارها تعبيراً شكلياً عن الهوية فحسب، بل لأنها تمثل في نظري نموذجاً عمرانياً استطاع أن يحقق معادلة نادرة بين الإنسان وبيئته وثقافته وقيمه.

فالعمارة المحلية في ليبيا تختلف في كثير من جوانبها عن نماذج عمرانية أخرى نشأت داخل فضاء الحضارة الإسلامية نفسه. وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد قدمت منظومة قيم عامة للعمران، فإن الشعوب تفاوتت في كيفية ترجمة تلك القيم إلى بيئة مبنية. وما يلفتني في التجربة الليبية هو أنها كانت أقرب إلى المقياس الإنساني، وأكثر ابتعاداً عن التكلف والاستعراض ومظاهر التفاخر العمراني.

لقد اختارت البساطة دون أن تقع في الفقر البصري، وحققت الإتقان دون أن تبحث عن الإدهاش المفتعل، وقدمت الراحة دون إسراف، والجمال دون تكلف. فلم تكن عمارة تبحث عن لفت الأنظار بقدر ما كانت تبحث عن توفير حياة كريمة ومستقرة لسكانها. ولهذا جاءت فراغاتها متوازنة، وعلاقاتها الاجتماعية واضحة، وحلولها البيئية ذكية، وتوظيفها للمواد المحلية متقناً ومنسجماً مع طبيعة المكان.

ولعل ما يميز هذه العمارة أكثر من غيره أنها لم تتعامل مع الدين بوصفه زخرفة تضاف إلى الواجهات أو مفردات شكلية تستعار من الماضي، بل بوصفه منظومة قيم انعكست بصورة طبيعية على العمران. فحضور الخصوصية، ومراعاة الجوار، واحترام الحياة الأسرية، وترشيد الإنفاق، وحسن استثمار الموارد، كلها لم تكن شعارات نظرية، بل ممارسات عمرانية تجسدت في البيت والشارع والحوش والعلاقة بين الفراغات المختلفة.

ولهذا أرى أن العمارة المحلية الليبية استوفت مبكراً شروط الإبداع المستدام، لأنها لم تنخرط في سباقات الضخامة والفخامة والتكلف، ولم تدخل في منافسات استعراضية مع الحضارات الأخرى، بل ركزت على تحقيق المقاصد الحقيقية للعمران. فكان الإنسان فيها هو الغاية، لا وسيلة لإبراز قدرات المصمم أو ثروة المالك.

وعندما نعرض هذه العمارة على متطلبات العصر، سنكتشف أن أغلب ما يثار حول قصورها المزعوم لا يعود إلى قصور حقيقي فيها، بقدر ما يعود إلى تغير نظرتنا نحن للعمارة. فالكثير من الاعتراضات الحديثة ليست ناتجة عن احتياجات إنسانية جديدة بقدر ما هي ناتجة عن تحولات ثقافية واستهلاكية أعادت تعريف مفهوم الحاجة نفسه.

فالإنسان الذي نشأ في مبانٍ لا توفر الراحة الحرارية إلا تحت ضغط أجهزة التكييف، قد يجد صعوبة في استيعاب الحكمة الكامنة في حلول عمرانية كانت تحقق قدراً كبيراً من الراحة بالاعتماد على التصميم ذاته. والإنسان الذي اعتاد تقييم العمارة وفق الصور المنشورة والإعلانات البراقة سيجد صعوبة أكبر في تقدير عمارة صممت لتُعاش لا لتُعرض.

أما الكثير مما يُقدَّم اليوم تحت عنوان "متطلبات العصر"، فلا يعدو في جانب كبير منه أن يكون انعكاساً لشهوات الاستهلاك والرغبة في تقليد كل جديد وكل موضة وكل صورة يتم الترويج لها. والحقيقة أن الإنسان الليبي لم تتغير احتياجاته الجوهرية بالقدر الذي تغيرت به رغباته. فما يزال يبحث عن السكن الآمن، والخصوصية، والراحة، وروابط الأسرة، والعلاقة السليمة مع الجوار والبيئة المحيطة. إلا أن ضجيج الاستهلاك أوهمه أن هذه الحاجات أصبحت متخلفة أو غير كافية.

ومن هنا فإن القضية ليست صراعاً بين القديم والجديد، ولا بين المحلي والوافد، بل بين مرجعيتين مختلفتين لفهم العمارة. مرجعية تنطلق من حاجات الإنسان الحقيقية، ومرجعية أخرى تنطلق من رغبات لا تتوقف عن التبدل والتجدد.

وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد قدمت عبر عمرانها مبادئ راسخة لتنظيم العلاقة بين الإنسان والمسكن والمدينة والمجتمع، فإن المشكلة لا تكمن في نقص تلك المبادئ، وإنما في ابتعادنا عنها واستبدالها بمرجعيات أخرى صنعت أوهام النقص ثم راحت تقدم حلولاً لمشكلات لم تكن موجودة أصلاً، بقدر ما خلقت مشكلات أكبر من تلك التي ادعت معالجتها.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: ما الذي ينقص العمارة المحلية الليبية حتى تواكب العصر؟ بل: ما الذي ينقص الإنسان المعاصر حتى يدرك قيمة ما فرّط فيه؟

فقبل أن نبحث عن عمارة جديدة، علينا أن نتأكد أولاً من أننا ما زلنا نعرف ما الذي نحتاجه حقاً من عمارتنا. لأن المجتمعات التي تفقد القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين السكن والترف، وبين الراحة والاستهلاك، قد تنجح في إنتاج مبانٍ أكثر حداثة، لكنها لن تنجح بالضرورة في إنتاج عمارة أكثر إنسانية.

ختاماً

ولعل المأساة الحقيقية ليست في أن العمارة المحلية الليبية قد تراجعت، بل في أننا أصبحنا ننظر إليها بعين من فقد ثقته بما أنتجه أجداده، وبما كان يملكه من حكمة قبل أن يتعلم الانبهار بكل وافد. فهذه العمارة لم تكن مجرد جدران من طين أو حجر، ولا تفاصيل إنشائية فرضتها ظروف زمنها، بل كانت خلاصة فهم عميق للإنسان وحاجاته، وللأسرة وعلاقاتها، وللمناخ وتحدياته، وللأرض وما تمنحه من موارد.

وحين نتأملها اليوم بعين الإنصاف، نجد أنها لم تكن تعاني أزمة في الفكر أو المنهج أو القيم، بقدر ما نعاني نحن أزمة في فهم معنى التقدم نفسه. فقد أقنعنا العصر أن كل جديد أفضل، وأن كل بسيط ناقص، وأن كل ما ورثناه يحتاج إلى استبدال، حتى أصبحنا نهدم ما أثبت نجاحه بحثاً عن بدائل ما تزال عاجزة عن إثبات جدارتها.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس: كيف نجعل عمارتنا المحلية تشبه عمارة هذا العصر؟ بل كيف نجعل إنسان هذا العصر أكثر قدرة على فهم العمارة التي أنتجها مجتمع عرف ذاته قبل أن يعرف الدعاية، وفهم احتياجاته قبل أن تتكفل الأسواق بتحديدها له.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ما الذي ينقص العمارة المحلية حتى تواكب العصر؟ بل ما الذي ينقص الإنسان المعاصر حتى يدرك قيمة ما فرّط فيه؟ فقبل أن نبحث عن عمارة جديدة، علينا أن نتأكد أولاً من أننا ما زلنا نعرف ما الذي نحتاجه حقاً من عمارتنا. لأن المجتمعات التي تفقد القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين السكن والترف، وبين الراحة والاستهلاك، قد تنجح في إنتاج مبانٍ أكثر حداثة، لكنها لن تنجح بالضرورة في إنتاج عمارة أكثر إنسانية.

فربما لا تكمن أزمتنا في تخلف عمارتنا عن العصر، بل في تخلفنا نحن عن فهم القيمة الكامنة فيها. وربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال العمارة المحلية عمّا ينقصها، ونبدأ بسؤال أنفسنا عمّا فقدناه نحن، حتى غدت بيوت أجدادنا أكثر فهماً لنا من كثير من المباني التي نشيدها اليوم باسم الحداثة والتقدم. فليست كل عمارة جديدة تقدماً، كما أن ليست كل عمارة قديمة تخلفاً؛ وإنما التقدم الحقيقي هو أن نعرف كيف نميز بين ما يحتاجه الإنسان حقاً وما يُقنعه عصره بأنه يحتاجه.

وعندها فقط سندرك أن بعض ما نبحث عنه في المستقبل كانت العمارة المحلية قد أدركته منذ زمن بعيد، ثم أضعناه نحن بأيدينا.

الجمعة، أكتوبر 23، 2026

البيوت الصغيرة: حين تصبح أبعاد الأرض أهم من مساحتها


جمال الهمالي اللافي

عندما يشتري المواطن قطعة أرض بمساحة 120 أو 160 متراً مربعاً، فإنه غالباً ما يتعامل معها باعتبارها رقماً مجرداً، متوقعاً من المعماري أن يقدم معجزة تصميمية داخل هذه الأرقام. لكن الواقع الميداني يكشف أن المعضلة لا تكمن في صغر المساحة بقدر ما تكمن في الجهل بأبعاد الأرض، وضيق الواجهة المطلة على الشارع، وانحراف أضلاع التقسيمات، فضلاً عن الارتهان لتشريعات بناء جامدة لا تحمي الحلول المعمارية الأصيلة.

غير أن المشكلة لا تبدأ عند المعماري كما يظن كثير من الناس، بل تسبق وصول الأرض إلى مكتب التصميم بسنوات. فكثير من التقسيمات العقارية المعاصرة تُنتج بمنطق تجاري يهدف إلى تعظيم عدد القطع القابلة للبيع، دون اعتبار كافٍ لنسب الأرض وأبعادها وجودتها العمرانية. وعندما تُقسَّم الأرض وفق هذا المنطق، تنتقل تبعات القرار إلى المالك والمعماري معاً، ليجدا نفسيهما أمام مشكلات كان يفترض ألا تولد من الأصل.

في هذا المقال قراءة لمعاناة المعماري والساكن أمام مأزق القطع الضيقة والمنحرفة، والصراع بين الفناء الداخلي والارتدادات الإجبارية، وكيف يمكن للتشريع والعرف السائد أن يفرضا حلولاً أقل جودة مما تسمح به العمارة نفسها.

أولاً: عرض الواجهة... الحاكم الفعلي للحل الفراغي

يغلب على طلبات الناس اليوم البحث عن البيوت الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها الإجمالية 100 إلى 160 متراً مربعاً. وهو توجه يقودهم إليه التعاطي مع العقار كرقم مجرد يُحسب بالمتر المربع، دون إدراك حقيقي لأبعاد القطعة الهندسية أو لموقع واجهتها المطلة على الشارع. يشتري المواطن القطعة المتاحة، ثم يفترض أن على المعماري أن يحولها إلى مسكن مثالي بصرف النظر عن شكلها وأبعادها.

المسألة بالنسبة للمعماري ليست عجزاً عن إيجاد حل هندسي أو توزيع الفراغات. فغالباً ما يستطيع المعماري الوصول إلى مخطط يلبي المتطلبات الأساسية للمالك. لكن القضية الأعمق تتعلق بقدرة هذا الحل على إنتاج بيئة سكنية مريحة وقابلة للحياة على المدى الطويل، لا مجرد مخطط يستوفي المتطلبات الورقية.

مكمن الداء يكمن في الغفلة عن أن عرض القطعة المطل على الشارع هو الرئة الرئيسية للبيت ومدخله الفراغي والبصري. فالواجهة ليست مجرد مكان للباب والنوافذ، بل هي مصدر الضوء والهواء والعلاقة مع الفضاء العام. وكلما ضاقت هذه الواجهة تقلصت الخيارات المتاحة لتنظيم الفراغات الداخلية بكفاءة.

وهنا يبرز فارق مهم يغيب عن كثير من المشترين، وهو الفرق بين المساحة الاسمية والمساحة الفعلية القابلة للاستثمار المعماري. فليست كل مترات الأرض متساوية القيمة من الناحية العمرانية. فقد تنجح قطعة أرض مساحتها 120 متراً مربعاً في إنتاج مسكن مريح ومتوازن بسبب حسن أبعادها، بينما تعجز قطعة أخرى بالمساحة نفسها عن تحقيق النتيجة ذاتها بسبب ضيق واجهتها أو سوء نسبها الهندسية.

ويتكرر هذا الأمر بصورة أكثر حدة في قطع الأراضي الصغيرة عندما يكون الضلع المطل على الشارع هو الأصغر، بعرض لا يتجاوز ثمانية أو عشرة أمتار. هنا يتحول العمق إلى عبء بدل أن يكون ميزة، ويجد المعماري نفسه أمام مهمة شاقة تتمثل في ضغط برنامج سكني متضخم داخل شريط ضيق، فتبدأ التنازلات التي تمس جودة الفراغ قبل أن تمس شكل المبنى.

ثانياً: معضلة انحراف الأضلاع وغياب التعامد

لا تتوقف المشكلة عند ضيق الواجهة، بل تمتد إلى طبيعة التقسيمات العقارية السائدة. فكثير من الأراضي المطروحة في السوق ليست مستطيلات منتظمة، وإنما قطع منحرفة الأضلاع بأشكال شبه منحرفة وزوايا حادة أو منفرجة.

والواقع أن العمارة المعاصرة وأنظمتها الإنشائية وتجهيزاتها وأثاثها القياسي تقوم في معظمها على الزوايا القائمة. وعندما يُجبر المعماري على إدخال كتلة متعامدة داخل أرض غير متعامدة، يظهر صراع هندسي ينعكس مباشرة على جودة التصميم.

ومن أبرز النتائج المترتبة على ذلك:

  1. ظهور زوايا ومساحات ميتة يصعب استغلالها أو تأثيثها بكفاءة.
  2. تعقيد أعمال التنفيذ والتشطيب وما يرافقها من صعوبات في الأرضيات والحوائط والأثاث المدمج وتوجيه الفتحات.
  3. تشوهات بصرية وفراغية تنتج عن محاولة التوفيق بين انتظام المبنى وعدم انتظام الأرض.

ولا يقتصر أثر هذه الانحرافات على الجانب التصميمي فحسب، بل يمتد إلى الكلفة الاقتصادية للمشروع. فالمالك يدفع ثمن الأرض كاملاً وفق مساحتها المسجلة، ثم يكتشف أن جزءاً من هذه المساحة لا يحقق القيمة الوظيفية المتوقعة، أو يتطلب حلولاً تنفيذية خاصة وأثاثاً مفصلاً وميزانية إضافية. وهكذا تتحول رداءة شكل الأرض إلى عبء مالي دائم، لا إلى مجرد مشكلة هندسية عابرة.

وفي العادة يحاول المعماري المتمكن امتصاص هذه الانحرافات وتفريغها داخل المساحات الخدمية أو سماكات الجدران حفاظاً على انتظام الفراغات الرئيسية. غير أن هذه المعالجات تستهلك جهداً كبيراً كان الأولى أن يُصرف في تطوير جودة الفضاء المعماري نفسه.

ثالثاً: الفناء الداخلي بين الضرورة المعمارية والرفض الثقافي

أمام الأراضي الطولية ذات الواجهات الضيقة يبرز الفناء الداخلي، أو الحوش، بوصفه واحداً من أكثر الحلول المعمارية كفاءة. فهو ليس مجرد عنصر تراثي ارتبط بعمارة المدن القديمة، بل أداة فعالة لإدخال الضوء والهواء إلى قلب المبنى وتحرير المساحات الداخلية من الارتهان للواجهة الخارجية وحدها.

لكن المعماري يصطدم هنا بمقاومة ثقافية متنامية. فكثير من الملاك تشبعوا بنموذج الفيلا المنفصلة المحاطة بالارتدادات الجانبية، ويصرون على تكراره حتى في أضيق قطع الأراضي. والنتيجة غالباً ارتدادات جانبية ضيقة لا تحقق قيمة عمرانية أو بيئية حقيقية، بل تتحول إلى ممرات معتمة للخدمات ووحدات التكييف، في حين تُستنزف مساحة الأرض على حساب الغرف والفراغات المعيشية.

وهكذا يُستبعد الفناء الداخلي، رغم قدرته على تحسين الإضاءة والتهوية والخصوصية، لصالح نموذج لا يتوافق أصلاً مع طبيعة القطعة ولا مع متطلباتها الفراغية.

رابعاً: المأزق التشريعي ومخاطرة البناء على الصامت

حين يسعى المعماري لتطبيق الحل الأنسب للأراضي الضيقة عبر البناء على الصامت واستغلال العرض كاملاً وتوجيه الفراغات نحو فناء داخلي، يصطدم بعقبتين أساسيتين.

الأولى تتمثل في جمود تشريعات البناء التي تفرض ارتدادات متشابهة على أراضٍ تختلف جذرياً في أبعادها وظروفها. فكثير من اللوائح تتعامل مع المسكن الفردي بوصفه نموذجاً موحداً، دون مراعاة الفروق بين الأراضي العريضة والضيقة أو بين الأشكال المنتظمة وغير المنتظمة.

أما العقبة الثانية فتتمثل في الارتهان للقبول الاجتماعي أو اعتراض الجوار. فالبناء على الصامت قد يتحول إلى مخاطرة حقيقية إذا أصبح نجاح المشروع أو تعثره مرتبطاً بموقف جار أو أكثر. وعندها يجد المالك والمعماري نفسيهما مضطرين للتخلي عن الحل الأفضل والعودة إلى حلول أقل جودة تفادياً للنزاعات.

والمشكلة هنا لا تتعلق بحرية المعماري في التصميم فقط، بل بقدرة المنظومة التنظيمية على استيعاب التنوع الحقيقي في أشكال الأراضي وأبعادها. فحين تُفرض القواعد نفسها على ظروف مختلفة تماماً، تتحول اللوائح من أداة لتنظيم العمران إلى سبب إضافي في إضعاف جودته.

خامساً: نحو رؤية مؤسسية وتحديث للوعي العمراني

إن معالجة إشكالية البيوت الصغيرة لا يمكن أن تظل محصورة في اجتهادات فردية داخل المكاتب الهندسية. فالمشكلة تتجاوز حدود التصميم لتشمل التقسيم العقاري والتشريع والثقافة السكنية والوعي العمراني العام.

كما أن أثر هذه الإشكاليات لا يقف عند حدود المسكن الفردي. فالمدينة ليست سوى حاصل جمع آلاف القرارات الصغيرة المتعلقة بتقسيم الأراضي وتصميم المباني. وعندما تتكرر القطع الضيقة والمنحرفة، وتُفرض حلول غير مناسبة عليها، ينعكس ذلك على صورة الشوارع والأحياء وجودة البيئة العمرانية بأكملها.

ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى العمل في مسارين متكاملين:

أولاً: تحديث التشريعات العمرانية من خلال وضع لوائح خاصة بالأراضي الضيقة تسمح بحلول أكثر مرونة، وتستوعب نماذج المباني المتضامنة وبيوت الأفنية الداخلية، مع الحفاظ على حقوق الجوار ضمن ضوابط واضحة ومستقرة.

ثانياً: صناعة الوعي المعماري عبر المسابقات والدراسات والنماذج الإرشادية التي توضح للمواطنين والمطورين أثر أبعاد الأرض ونسبها الهندسية في نجاح المسكن، وتقدم بدائل مدروسة بدل ترك الناس أسرى للتجربة والخطأ أو للأفكار المستوردة غير الملائمة.

سادساً: من التشخيص إلى الحل... مسابقة للبيت الليبي المعاصر

إن معالجة هذه الإشكاليات لا تقتصر على تعديل التشريعات أو توعية المواطنين فحسب، بل تتطلب إنتاج نماذج سكنية مدروسة تنطلق من احتياجات الأسرة الليبية المعاصرة ومن واقع البيئة المحلية والقدرات الاقتصادية المتاحة.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تبني الدولة أو الجهات المختصة مسابقة معمارية وطنية للبيت الليبي المعاصر، لا يكون هدفها اختيار أجمل واجهة أو أكثرها إبهاراً، بل الوصول إلى أفضل علاقة بين مساحة الأرض وأبعادها وشكلها وبين جودة المسكن الناتج عنها.

ويمكن أن تُبنى هذه المسابقة على ثلاثة نماذج سكنية رئيسية:

  • المسكن الصغير.
  • المسكن المتوسط.
  • المسكن الكبير.

بحيث يُطلب من المشاركين دراسة الأبعاد المثلى لقطع الأراضي المناسبة لكل نموذج، وتقديم حلول معمارية مبتكرة تراعي الخصوصية الاجتماعية للأسرة الليبية، وتحقق جودة الإضاءة والتهوية الطبيعية، وتستوعب متطلبات التوسع المستقبلي، وتقلل من الهدر في المساحات والكلفة، وتراعي مبادئ الاستدامة وكفاءة استغلال الأرض.

فكما تخضع المركبات والمنتجات الصناعية للدراسة والتطوير المستمر للوصول إلى أفضل النماذج الممكنة، فإن السكن الذي يقضي فيه الإنسان معظم حياته أولى بأن يكون موضوعاً للبحث والتجريب والتقييم العلمي.

ومن شأن نتائج هذه المسابقة أن تشكل مرجعاً وطنياً يساعد جهات التخطيط على مراجعة معايير تقسيم الأراضي، ويمد المواطنين والمطورين العقاريين بنماذج مدروسة، ويمنح المكاتب الهندسية قاعدة معرفية مشتركة تنطلق منها عند تصميم المساكن المستقبلية.

خاتمة

إن البيوت الصغيرة ليست مشكلة في ذاتها، بل قد تكون خياراً سكنياً ناجحاً وراقياً حين تقوم على قطعة أرض متوازنة الأبعاد، وتحظى بتشريعات مرنة، وتُصمم وفق فهم معماري سليم. أما اختزال جودة السكن في عدد الأمتار المربعة وحده، فهو أحد أكثر الأوهام شيوعاً في سوق العقار المعاصر.

فالمشكلة ليست أن الأرض صغيرة، بل أن الثقافة العقارية السائدة تختزل الأرض في مساحتها، وتتغافل عن أبعادها وشكلها وما تتيحه من فرص أو ما تفرضه من قيود. ولذلك فإن جودة السكن لا تبدأ عند رسم المخطط، بل تبدأ منذ لحظة تقسيم الأرض نفسها.

فالعمارة ليست مجرد مهارة في التكيف مع الأخطاء، بل القدرة على منع تلك الأخطاء قبل أن تتحول إلى عمران دائم. ومن هنا تصبح أبعاد الأرض وشكلها، في كثير من الأحيان، أهم من مساحتها نفسها.

الثلاثاء، أكتوبر 20، 2026

متى تحظى العمارة بالجماهيرية؟


جمال الهمالي اللافي

    متى ترتقي العمارة في وجدان مجتمعنا لتنافس أشهر الأغاني، وتأخذ مكانة كرة القدم، وتستحوذ على اهتمام الشارع كما تفعل الأفلام؟

    لقد أصبحت العمارة اليوم في واقعنا المحلّي من أكثر المجالات الإبداعية انزواءً وركوناً في زوايا الإهمال. يُتعامل معها كتحصيل حاصل لمن أراد أن يبني، فيراها الجائع كوجبة إفطار أو غداء: يأتيها بلهفة واضطرار لسد جوعه العمراني، فلا يهمه كيف قُدّمت، ولا ماذا تحوي، وهل سيعقبها مغصٌ وإسهال أم ستمرّ بسلام! أما الشبعان، فلا ينظر إلى هذه الوجبة ولا يعيرها أي اهتمام؛ لأنها قُدّمت بلا روح ولا طعم يستفز ذائقته.

    لماذا لا تقترب العمارة من اهتمامات الناس في الشارع؟ فيتحدثون عن مبنى جديد شُيّد هنا أو هناك، ويذهبون لمشاهدته، ويتنافسون في تقييمه بين معجب ومنتقد؟ وتتكلم الصحافة والإعلام عمن صممه وشيّده، وتظهر صورهم أمام المبنى، وتتزاحم الكاميرات عليهم لتفوز بسبق الحديث معهم؟

    متى يقف "عالم العمارة" شامخاً ومنتظماً على منصة الإبداع بجانب عوالم السينما والغناء والرياضة؟

    متى نعيش مشهداً شبيهاً بليالي الأوسكار أو "السعفة الذهبية"، حين تتجه أنظار الليبيين إلى خشبة المهرجان، وتُسلط الأضواء على فريق العمل المعماري كاملاً؟ يتصرفون كنجوم حقيقيين ببدلاتهم الرسمية الأنيقة بعد أن خلعوا بدلات الشغل والغبار في الموقع؛ فيقف المعماري بجوار مهندس الإنشاء، ومصمم الإضاءة، وشيخ الحرفيين والبنائين، ليتحدث كل واحد منهم أمام الصحافة الجماهيرية بفخرٍ عن دوره الإبداعي في غزل هذا المنشأ: كيف طوعوا الضوء، وكيف روضوا المادة، وكيف خُلق هذا الفضاء الإنساني الساحر!

    والقضية ليست قصة "اعتياد وألفة" كما يظن البعض؛ فالناس محاطون بالموسيقى والأغاني، والمحطات تذيع المباريات والبطولات على مدار الساعة، والجميع يشاهد الأفلام دون أن تفقد هذه المجالات بريقها أو شغف الناس بها وانتظارهم بشوق كل جديد.

    الفارق الحقيقي والخطير يكمن في وجود حالة إبداعية تستقطب انتباه الجماهير إليها في جانب، مقابل حالة تعكس انهيار الإبداع وتغليب النشاز في الجانب العمراني، مما صرف عنها الأنظار، فلا الناس ولا الإعلام باتوا ينتبهون لها!

    إن سر جماهيرية الأغنية وفريق كرة القدم والفيلم يكمن في الحرص على تقديم عمل إبداعي يخلص فيه فريق العمل كله لإنجاحه. هناك شعور صادق لدى كل عضو بمسؤوليته الكاملة عن تقديم أقصى طاقته الإبداعية، فتنشأ حالة من تضافر الجهود والانسجام والتواصل وتقبل الملاحظات والأفكار من أجل الهدف الأسمى.

    في حين يغيب كل ذلك عن وسطنا العمراني والمهندسين بمختلف تخصصاتهم الهندسية والفنية! فتظهر النتيجة النهائية للمشروع لا كحالة إبداعية تُبهج الروح، بل كحالة تفصح عن تشرذم فريق العمل، وتنافر أدواته، وغياب روح الإخلاص في الخروج بعمل محترم. أصبح كل طرف في الفريق يهمه الكسب المالي السريع قبل نجاح العمل، فيؤديه بطريقة روتينية جافة خالية من أي روح.

    لقد فقدت العمارة ثقلها وصارت "أخف" من مباراة برغم ثقل خرساناتها التي شيدت بها، وأقصر طولاً من شريط سينمائي ملحمي رغم مناطحتها للسحاب، وأقل من سهرة غنائية في اختطاف مشاعر الجماهير والحوز على تصفيقهم، بل إنها لم تنل شهرة ترند عابر يستحوذ على عقول المتابعين!

    والواجب اليوم لا يبدأ من الدولة ولا من الشارع، بل يفرض على المنظومة المعمارية بكافة تخصصاتها أن تستعيد روح الإبداع والإخلاص أولاً، وتنهي حالة التشرذم والركض وراء الكسب السريع، حتى يُصنع المنتج العمراني بحس إبداعي متكامل؛ حينها فقط تفرض العمارة هيبتها، وينزل الإبداع إلى الشارع ليتحول العمران إلى موقف جماهيري حاشد، يترقب الناس جديده، ويتنافسون في تذوقه ونقده، ويحتفون بصنّاعه كنجوم يُشار إليهم بالبنان.

    وهنا تبدأ حكايتنا جميعاً؛ مواطناً ومستثمراً ودولة. فنحن جميعاً المنتفعون بجمال هذا العمران حين يزهر، ونحن المتضررون الأوائل حين يمرض ويُمرضنا معه! إننا نغفل أحياناً حين نسلم أقدار بيوتنا ومدننا لمن لا يدرك قيمتها، ونكتفي بقبول ما يُقدم لنا باضطرار الجائع، دون أن ننتبه للوجع البصري والنفسي الذي سيعيش معنا ومع أبنائنا طويلاً.

    إننا ندقق في كل تفصيل عابر في حياتنا، لكننا نمرّ باستسهال عجيب أمام المكان الذي نتنفس فيه عمرنا كله! وحين تتوقف مؤسساتنا عن رعاية الرداءة، وحين نرفع جميعاً سقف ذائقتنا ونرفض الاستهانة بعقولنا وأموالنا، حينها فقط سنجبر الوسط العمراني على الاستيقاظ من ركضه السريع، ولن تعود خرساناتنا مجرد جدران صماء تعزلنا عن الحياة، بل حالة جمالية حية تُشبهنا، وتليق بكرامة عيشنا على هذه الأرض.

    إن هذا النص لا يطرح مجرد تساؤلٍ عابر، بل يطلق صرخة نقدية وفلسفية تشخص جرحاً غائراً في ثقافة مجتمعنا المعاصر: إنه يبحث في سبب عزلة العمارة عن روح الشارع، ويسائل غياب "الجماهيرية" عن الفن الأقرب والأكثر ملاصقة لحياتنا يومياً.. لعل العمران يستعيد نبضه، ونعود لنرى في جدراننا مرآة تشبه أرواحنا.

الاثنين، أكتوبر 19، 2026

فِقْهُ العُمْرَانِ المُعَاصِر: المَرْجِعِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَمَنْهَجُ التَّأْصِيلِ فِي مَوَاجَهَةِ التَّغْرِيبِ المِعْمَارِيّ

 

جمال الهمالي اللافي

تمهيد: في طبيعة الصدمة العمرانية

تقتضي الأمانة الحضارية في التعاطي مع الشأن العمراني الخروجَ بالفكر المعماري من ضيق الرؤية الوظيفية أوالجمالية المجردة، إلى رحابة المنهج الشامل الذي يرى في العمارة انعكاساً مادياً ومباشراً لعقيدة الأمة ومنهج حياتها. فالمبنى ليس كائناً مقطوع الجذور صممته صرعات السوق أو استوردته قوانين البناء الحديثة، بل هو رسالة حية تتسلمها الأجيال من الماضي لتصوغها بحكمة عصرها وتسلّمها ناصعةً إلى المستقبل.

لم تكن الفجوة العميقة التي تفصل المناهج المعمارية الحديثة عن ميراثنا العمراني مجرد حادثٍ عابر أو تطورٍ فرضته المادية المعاصرة، بل كانت صدمة منهجية أحدثت انقطاعاً حاداً بين المعماري وبين جذوره العقائدية والفكرية. لقد أفضت هذه الصدمة، في غالب أحوالها، إلى تغريبٍ سلب البيت مسكونيته، وحوّل العمران من ممارسة إنسانية تعبدية قائمة على حراسة الفطرة إلى صنعة تجارية وشكليات مجردة تلاحق الصرعات وتتفاخر بالألقاب والشهادات.

غير أن هذه الصدمة نفسها هي التي شكلت الشرارة الأولى لولادة «منهج التأصيل العمراني»؛ إذ كانت بمثابة المشرط الجراحي الذي ميّز بين الاستسلام للتغريب وبين الوعي بضرورة العودة إلى الأصول. غير أن العودة هنا لا تعني النكوص إلى الماضي، ولا التغني بالأنماط القديمة من باب الحنين للموروث، بل تعني البحث العميق في "فقه العمران" بوصفه منهجاً حياً شريفاً، واستخراج مرجعياته الحاكمة وغاياته الكبرى، ثم إعادة إحيائها وتطبيقها بلغة هذا العصر ومواده.

أولاً: العمارة بوصفها تعبّداً وموجباً شرعياً

إن الخطأ الجسيم الذي أصاب البنية العمرانية المعاصرة يكمن في اختزاليّة التعاطي مع الضوابط الأخلاقية والاجتماعية للبيت بوصفها "مستحبات هامشية" أو "تراثاً شكلياً" يملك المعماري والتنفيذي التنازل عنه. بينما الحقيقة الفقهية تؤكد أن العمران جزءٌ لا يتجزأ من تكليف الاستخلاف، وأن ضوابطه الحاكمة هي موجباتٌ شرعية لا خيار فيها ولا مهادنة.

إن نقطة الارتكاز الأولى في منهج التأصيل تبدأ من تصحيح النظرة إلى الفعل المعماري برمته. فالعمران في رؤيتنا ليس مجرد مهنة هندسية تُمارَس بغرض توفير المأوى أو تحسين المشهد البصري، بل هو امتداد مباشر لوعينا بصلاح المنهج الرباني لإدارة حياتنا كلها.

وكما أن للصلاة أركاناً وشروطاً لا تصح إلا بها، وللحج والزكاة والصوم أحكاماً وموجبات تحفظ مقاصدها، فإن للعمران في الشريعة الإسلامية ضوابط شرعية وموجبات جازمة تقع في باب الفروض والواجبات، ولا تندرج بأي حال في دائرة التحسينات أو المستحبات التي يملك المعماري أو المالك التنازل عنها أو التغاضي عنها تحت إغراءات السوق أو ضغوط اللوائح الوضعية:

  1. موجب الستر وحفظ الحُرُمات:

إن الستر في المعمار ليس حلولاً معمارية ثانوية، بل هو استجابة فقهية صريحة لأمر الله بحفظ الحياء والعورات. يتجلى هذا الموجب عمرانياً في التوزيع الفضائي المحكم الذي يفصل حركية أهل البيت عن الزوار، وفي المعالجة الواعية لفتحات النوافذ والمطلات، وفي إعادة الاعتبار لفلسفة "الفناء الداخلي" والجدار الحامل؛ حيث تنفتح الحياة الأسرية على السماء والضوء في الخصوصية التامة، بعيداً عن أعيُن الفضول والانتهاك البصري.

  1. موجب كف الضرر ورعاية الجوار:

يقوم هذا الضابط على القاعدة الفقهية الكلية «لا ضرر ولا ضرار». فالمبنى المسلم لا يتطاول ليحجب الضوء والهواء عن جاره، ولا يكشف عورات الدور المجاورة، ولا يحدث أثراً بيئياً أو حرارياً يضر بالبيئة المحيطة. إن احترام حدود الجوار أصلٌ شرعي لا تسقطه أوراق التراخيص ولا تبرره قوانين البناء البيروقراطية المتصادمة مع الفقه.

  1. موجب القصد والاعتدال ونفي الخيلاء:

إن الإسراف في المسافات، والتطاول غير المبرر في الارتفاعات، والبهرجة الشكيلية الزائفة، والمكاثرة بالمواد المستوردة الغريبة عن البيئة، كلها ممارسات تدخل صراحة في باب النهي الشرعي عن الخيلاء والمكاثرة. العمران الأصيل يبنى على البساطة، والكفاية، وتوظيف الخامات المحلية الطبيعية التي تتنفس وتتكامل مع مناخ الأرض دون هدر للموارد أو كلفة حرارية زائدة.

ثانياً: التأصيل بين الشمول الفكري والممارسة الملموسة

إن الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه بعض الأدبيات المعمارية المعاصرة هو اختزال "التأصيل" في قشور شكيلة؛ كاستعارة القوس، أو رسم المقرنص، أو تركيب الفناء كعنصر ديكوري مفرغ من فلسفته. إن التأصيل الحقيقي هو استيعاب لـ «فقه العمران» في كلياته وجزئياته؛ فهم من أين استمد مرجعيته، وإلى ماذا يسعى في صون كرامة الإنسان وتوفير السكينة لعيشه.

ومن هنا، فإن منهج التأصيل العمراني ينبغي أن يتحرك على خطين متوازيين لا ينفصلان:

  • الخط الأول: النص المكتوب بلسان العصر:

صياغة هذا الفقه في مقالات ودراسات ونصوص محكمة، تُبسط أصوله وتفكك ضوابطه بلغة معاصرة يسهل على ابن اليوم- من معماريين ومُخططين وطلاب- استيعابها وتداولها. إن الهدف من هذا التدوين المنهجي هو تجريد الحجة وإيجاد البديل الفكري والقانوني في مواجهة التشريعات وقوانين البناء القائمة التي صُممت في غفلة عن المقاصد الشرعية والحاجة الفطرية للإنسان.

  • الخط الثاني: الشاهد المادي المنفّذ:

إن التنظير المجرد- مهما بلغت رصانته- يظل عرضة للتشكيك ما لم يُشفع بالبرهان المادي الملموس. إن إقامة مشاريع حية منفذة على أرض الواقع- ولو كانت قليلة العدد- هي الحجة القاطعة التي تثبت أن ضوابط الشرع ليست أفكاراً تاريخية معطلة ولا مجرد أوهام نظرية، بل هي حلول فراغية، صحية، متنسَمة، وقابلة للتطبيق والعيش في عصرنا هذا.

ثالثاً: صمود الرسالة ومواصلة السعي

إن صياغة هذا الفقه العمراني بلغة معاصرة يفهمها ابن اليوم هي الخطوة الأولى لتفكيك سطوة القوانين المتصادمة مع الشرع. غير أن المعركة الفكرية لا تُحسم بالتنظير المجرد وحده؛ إذ يظل المبنى المنفّذ على أرض الواقع هو الحجة الدامغة والأداة الأقوى لإثبات أن ضوابط الشرع ليست أفكاراً تاريخية معطلة، بل هي حلول معمارية حية، صحية، وممكنة التطبيق.

إن العبرة في تاريخ العمران لم تكن يوماً بكثرة المباني الزائفة التي تملأ الفضاء العام، بل بتلك النماذج المتقنة القليلة التي أُسست على تقوى وإحسان، لتكون شواهد خالدة تُقاس عليها الأصول وتستلهم منها الأجيال.

إن الممارسة المعمارية المستندة إلى الفقه الإسلامي ليست مساراً مهنياً ينتهي بطلب الرضا الذاتي أو الاستراحة عند محطة الإنجاز، بل هي رسالة تكليف واستخلاف ممتدة لا تتوقف إلا بانتهاء الأجل. إن القلة في عدد المشاريع المنفذة أو الخذلان المؤسسي لا يضران أصل القضية؛ فالمهم هو إقامة الحجة، وحفظ الأمانة، وتوريث هذا المنهج ناصعاً وغير مغشوش لمن يأتي بعدنا.

خاتمة: في وجوب حراسة الأمانة واستمرار السعي

سيظل «فقه العمران» هو الميزان الدقيق والأبدي الذي يفصل بين عمارةٍ تنبع من روح المنهج الرباني وتخدم سكينة الإنسان وكرامته، وبين نتاجٍ آلي هجين يغرق في التغريب الشكلي والسطحية التجارية. 

إن قضية العمران الأصيل ليست ترفاً فكرياً ولا استعادةً عاطفية لموروثٍ مضى، بل هي موقفٌ إيماني وأخلاقي حاسم يضع المعماري أمام أمانة الاستخلاف وعظمة التكليف. وحين تُدرك العمارة بوصفها عبادةً وموجباً شرعياً، يغدو السعي في إحيائها وتأصيلها مساراً ممتداً لا يعرف الاستراحة عند محطة إنجاز، ولا يتوقف بانتظار رضا المؤسسات أو كثرة السالكين؛ فالغاية هي إقامة الحجة، وتنقية الفكر من شوائب التغريب، وترك البينات القاطعة نصاً ومبنى. 

إن إعادة بناء الوعي العمراني لجيل اليوم والأجيال القادمة تبدأ من هذه اللبنات الراسخة: قلمٌ يكتب بالفقه والحكمة، وحجرٌ يُقام بالإحسان والستر، وروحٌ صادقة تواصل حراسة الثغر وتأدية الأمانة حتى يأتيها اليقين.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...