أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، يونيو 25، 2026

التربية في قلب الدوامة: نحو فهم شمولي لمنظومة التأثير

 

محاولة قيد الدراسة والتطوير لنموذج المسكن العائلي

جمال الهمالي اللافي

التربية ليست جهداً فردياً منعزلاً، ولا تقتصر على حدود العلاقة داخل الأسرة النواتية (سواء بجهد منفرد من المرأة أو بشراكة مع الزوج). إنها منظومة متكاملة وشديدة التعقيد من العوامل المتشابكة المؤثرة، والتي تتطلب حواضن أوسع وأكثر تماسكاً للسيطرة عليها.

إذا وضعنا "التربية" في المركز، وسلطنا عليها الضوء، سنجد أنفسنا أمام شبكة واسعة من القوى الجاذبة والدافعة، والتي يجب إعادة هيكلتها وفق التالي:

·     النظام العائلي (المحيط الأول وحجر الأساس : (الخطوة الأولى للتصحيح هي تجاوز "الأسرة النواتية" الهشة والعودة إلى "النظام العائلي" الممتد. في ظل الأسرة النواتية المعاصرة، غالباً ما يتزوج شابان في مقتبل العمر بقليل من الخبرة بأصول التربية، وبلا دراية كافية بتقلبات الحياة الشديدة. ومع انشغال الزوج وسعيه المستمر لتأمين لقمة العيش الذي يضطره للبقاء خارج المنزل، تصبح الرقابة الواعية غائبة أو منقوصة. هنا يبرز الدور الحيوي والجوهري للجدين والوالدين الكبار؛ فهم الصمام والبوصلة لتبصير الأبناء وتوجيههم، وفي ذات الوقت، لمراقبة الأحفاد ورعايتهم وسد الفجوة المعرفية والسلوكية التي يتركها غياب الآباء المنشغلين بالعمل.

·     البيئة العمرانية (المحيط المكاني وتأطير السلوك) : إن هذا النظام العائلي الممتد ليس فكرة غابرة أو أثراً من الماضي، بل هو واقع حي نابض ما زال معاصراً وموجوداً في مجتمعاتنا حتى اليوم. غير أن المانع الحقيقي لتفعيل دوره التربوي والاجتماعي يكمن في غياب التصميم المعماري الملائم الذي يستوعب هذه البنية العائلية المتميزة. إن البناء المعاصر الذي يعتمد على مجرد رص الشقق السكنية فوق بعضها البعض بشكل عمودي مكرر، يقتل روح العائلة الممتدة؛ إذ يفرض إما عزلة فردية تامة أو تداخلاً خانقاً يلغي الخصوصية.

ولنا في التاريخ المعماري العالمي شاهد صارخ على خطورة هذه "الهندسة الاجتماعية" القسرية؛ فمشروع "برويت-آيغو" (Pruitt-Igoe) السكني الشهير في مدينة سانت لويس الأمريكية، والذي صُمم في منتصف الخمسينيات على نسق الأبراج العمودية الخرسانية الضيقة كأحدث صيحة لحل أزمة السكن، سرعان ما تحول إلى بؤرة للجريمة، والتفكك الأسري، والانحراف القيمي السريع، مما اضطر السلطات الأمريكية في النهاية إلى اتخاذ قرار تاريخي بتفجيره وهدمه بالكامل في سبعينيات القرن الماضي بعد أن ثبت فشله الأخلاقي والاجتماعي. والمفارقة التاريخية المريرة هي أن هذا النموذج العمراني الفاشل والمطرود عالمياً، تحول فجأة في ليبيا والعديد من الدول العربية - عبر المشاريع الإسكانية الحكومية الاحتكارية - إلى النمط المعماري الوحيد المعتمد والمهيمن! وهذا يؤكد بشكل قاطع خطورة توظيف العمارة وتخطيط المدن كأداة ممنهجة لتفتيت الكتل الاجتماعية والتمهيد للإفساد، بدلاً من إعمار المجتمعات وإصلاحها. لذا، تتطلب مسيرة التصحيح نمطاً سكنياً ذكياً ومدروساً لـ "البيت الكبير"؛ تصميماً هندسياً يحفظ للعائلة الممتدة لُحمتها وتواصلها، ويوفر في الوقت ذاته الاستقلالية والخصوصية التامة لكل أسرة صغيرة داخلها، مع تهيئة الفراغات والمساحات المشتركة التي تُمارس فيها الأنشطة التربوية والاجتماعية بأمان وراحة.

·     التعليم الحديث ومناهجه (المحيط المعرفي) : المدرسة يجب ألا تُترك كمنطقة فراغ قيمي. يتطلب الأمر السيطرة التامة على المناهج الدراسية لمعرفة ما يُبث في عقول النشء، والتدقيق الصارم فيمن يقوم بتدريسها. والأهم من ذلك، التحكم في بيئة "الأقران". ولنا في الواقع شواهد حية على خطورة التراخي في هذا الجانب؛ ففي إحدى المشاهدات من الساحة المدرسية في بداية المرحلة الثانوية، تحلق تجمع طلابي حول طالب واحد أخذ يسرد مغامراته وعلاقاته النسائية مع دور البغاء في الخارج. كان هذا الطالب، بحديثه العلني، يقوم بمهمة خطيرة تتمثل في 'كسر الحياء' بين الطلاب، وتطبيع الحديث عن أمور غير مسموح اجتماعياً وأخلاقياً تداولها. من هنا ندرك أنه لا مجال للتراخي، بل يجب معاقبة الشذوذ الأخلاقي والانحراف السلوكي بقسوة قاطعة ومبكرة، لضمان عدم تلوث البيئة المدرسية.

·     الإعلام (المحيط الثقافي المهيمن : (وهو القوة الأكثر اختراقاً للأسوار، خاصة بعد أن تسلل جهاز التلفاز إلى بيوت الأسر الليبية كافة، ليفتح الباب على مصراعيه لثقافة وافدة وموجهة نحو الإفساد القيمي. لقد شكلت هذه الآلة الإعلامية والأدبية المصدرة - ولا سيما المصرية منها - معاول هدم ممنهجة للقيم على مستوى مناهج التعليم والإعلام العربي. فمن الروايات المليئة بالمشاهد المنحرفة لكبار الكتاب كنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس (والتي قرأناها قديماً وعايشنا أثرها التخريبي)، إلى الأفلام والمسلسلات التي تطبع مشاهد 'الحب والغرام' والقبلات والعري بين الأبطال وبنات الجيران أو الزميلات في الكليات، تشكَّل وعي مشوه يزين الرذيلة ويطبع السلوكيات المدمرة؛ كصورة البطل الذي يلجأ لشرب الخمر ليعبر عن فرحه أو حزنه الشديدين. ولم يقتصر التخريب عند حدود العلاقات التقليدية المحرمة، بل تعداه ليكون هذا الإعلام والإنتاج السينمائي هو المبادر الأول عربياً في الترويج للمثلية والشذوذ الجنسي وعرضه على الشاشات، كاسراً بذلك أعتى حصون الحياء والفطرة البشرية السوية.

ولم يقتصر الهدم على الأخلاق الفردية، بل استهدف أركان المجتمع الأساسية: هيبة التعليم وتماسك الأسرة. فحين انتشرت مسرحية 'مدرسة المشاغبين' (مسموعة ومصورة في فترة مبكرة) ومعها فيلم 'خلف أسوار الجامعة'، تحولت هيبة المعلم والتعليم إلى 'مسخرة' وتجرأ الطالب على معلمه وأستاذه، وهو تنبؤ أسود تحقق واقعاً اليوم. ولم يتوقف الأمر عند جدار المدرسة والجامعة، بل امتد لتقويض الأسرة من الداخل عبر مسرحية 'العيال كبرت' التي لا زالت تُبث للأسف في كل عيد فطر وأضحى، مروجةً لهدم الأسرة وتحطيم التقدير للوالدين وجعلهما مادة للسخرية والتهكم.

لكن المشهد الإعلامي اليوم لم يعد كما كان؛ فبينما كان التلقي قديماً قسرياً ومفروضاً بما تبثه الشاشات العامة، أتاحت التكنولوجيا الرقمية الحديثة للأسرة فضاءً مغايراً تماماً. لقد وفرت التقنية اليوم للعائلة كل أسباب التحكم والسيطرة على مصادر الترفيه والمعرفة. فوسائط الإنترنت تفتح باباً واسعاً من الخيارات والتفضيلات، تتيح فرز واختيار ما يُسمح بمشاهدته من أفلام ومسلسلات ترفيهية نقية، وتمييزه عما يمكن تلقيه من معرفة حقيقية وعلم نافع. إنها أدوات حاسمة؛ حيث بضغطة زر واحدة يُفتح باب واسع للخير والمعرفة، وبضغطة أخرى يُغلق ويُقفل كل مدخل من مداخل الشر والإفساد.

الجذر التاريخي والسياسي للتفكيك: زلزال 1969 وإعادة هندسة الإنسان

لكي نفهم كيف وصلنا إلى هذه "الدوامة"، وكاف ضعفت مقاومة الكيان الليبي أمام معاول الهدم الإعلامي والثقافي المستورد، لا بد من العودة إلى العلّة السياسية الأولى والمنعطف التاريخي الأكبر: انقلاب الأول من سبتمبر عام 1969.

لم يكن هذا الحدث مجرد انقلاب عسكري يستهدف السيطرة على مقاليد الحكم والسطة السياسية فحسب، بل كان مشروعاً تدميرياً شاملاً استهدف بنية المجتمع الليبي في مقتلها وعمل بوعي على إعادة هندسته قيمياً واجتماعياً. لقد ضرب هذا الانقلاب عمداً كافة مؤسسات الحماية والوساطة المجتمعية:

1.      الدولة: تم تفتيت مؤسساتها الدستورية والقانونية والتعليمية التي كانت تسير ببطء وتؤدة نحو ملامح الدولة المدنية السوية.

2.   القبيلة: تم تفكيك سلطتها الأخلاقية والاجتماعية كحاضنة لفض النزاعات وتأطير السلوك، واستبدالها بروابط هشة تذكي الصراع وتحركها رغبات السلطة.

3.   العائلة: جرى تقويض سلطة الأبوين عبر منظومات أدلجة وتعبئة عسكرية وسياسية قسرية (كالمعسكرات العامة ولجان الزحف)، التي شجعت الأبناء على التمرد والتجسس على الآباء، مما ضرب هيبة رأس الهرم العائلي في مقتلها.

4.   الفرد: جُرّد الإنسان الليبي من كيانه الأخلاقي والروحي وقدرته الإنتاجية، حتى أفرغ في كثير من الحالات من إنسانيته ولم يبقَ منه - لولا بقية من فطرة - سوى "جسد يتحرك على وجه الأرض تملأه ضغائن الحسد والتنافس المادي البغيض"، كنتيجة مباشرة للسياسات الاشتراكية الشعبوية المشوهة التي رفعت شعار "الشركاء لا الأجراء" و"البيت لساكنه"، مبيحةً النهب ومحطمةً قيم العمل والأمانة والملكية الخاصة.

إن هذا مشروع التفكيكي لم يكن فعلاً محلياً معزولاً؛ بل تقف خلفه وتدعمه الجارة مصر من خلال قيادة جمال عبد الناصر، الذي قاد ورعى موجة الانقلابات العسكرية في عموم المنطقة العربية. لقد شكلت هذه المنظومة السياسية العربية الناصرية الراعية للانقلابات التدميرية المدخل الأساسي الذي مهد الأرضية للسيطرة اللاحقة. فبعد أن سُلبت العائلة هيبتها، وُجّهت إليها تلك المنتجات الإعلامية الهدامة (من مسرحيات وروايات وأفلام) لتكمل ما بدأته الدبابات والسياسات الشعبوية القمعية؛ وبذلك تكاملت أدوات "الهدم الصعب" العسكري والسياسي مع أدوات "الهدم الناعم" الثقافي والإعلامي لتقويض الكيان المجتمعي الليبي والعربي برمته.

تحليل موازين القوى: أين يكمن التأثير الأقوى؟

عند النظر إلى هذه العوامل، نجد أن تأثير الإعلام الرقمي والانفتاح غير المنضبط قد طغى بشكل غير مسبوق في عصرنا الحالي، متجاوزاً تأثير الأسرة والمدرسة. وقد حدث هذا التغول تحديداً بسبب تفتت "العائلة الممتدة" وتخليها عن "البيت الكبير"، وهي النتيجة الاجتماعية الكارثية المباشرة لسياسات التفكيك البنيوي الممنهج التي دشنتها هندسة سبتمبر 1969، واستيراد نموذج الإسمنت العمودي الضيق المستنسخ من مشروع "برويت-آيغو" الفاشل. هذا واقع ترك الفرد (وخاصة المراهق) أعزلاً في غرفته المغلقة أمام شاشات المؤدلجين وصناع التفاهة.

غير أن هذا الطغيان الإعلامي والتفكيكي لم يعد حتمياً اليوم؛ إذ أن امتلاك العائلة لوسائل التحكم الرقمي وتوجيه الخيارات، إلى جانب الوعي المتزايد بالخراب البنيوي الذي أحدثه الماضي القريب، قد نقل ميزان القوى مجدداً لصالح الجهة القادرة على الفلترة والتحصين الذاتي واستعادة المبادرة.

نقطة الانطلاق: مشروع استعادة السيطرة

أمام هذا التشابك والانهيار القيمي، من أين نبدأ مسيرة إعادة التصحيح؟

إن إحكام السيطرة على التعليم (مناهج ومعلمين وأقراناً) وتقييد وحش الإعلام، هي معارك حتمية، لكنها كلها تحتاج وتعتمد بالأساس على تضامن "العائلة الممتدة" داخل "البيت الكبير" الذي يحتويها، وهو الأمر الذي يتطلب نقض كل إرث سبتمبر 1969 التفكيكي ومصالحته مع الفطرة والتقاليد.

·     البيت الكبير كحصن وغرفة عمليات رقمية: نقطة الانطلاق الحقيقية هي إعادة إحياء النظام العائلي مكانيّاً واجتماعيّاً. عندما تجتمع العائلة في نمط سكني ذكي ومدروس هندسياً يستوعب تمددها مع صيانة خصوصية أسرها، تتشكل جبهة داخلية قوية واعية. في هذا الحصن، لا يُترك قرار الاستهلاك الإعلامي للفرد المعزول، بل تتولى العائلة الممتدة -بخبرة شيوخها وحماس شبابها- استخدام أدوات الفلترة والتحكم الرقمية، وتفعيل تلك "النقرة" الذكية التي تفتح أبواب المعرفة وتوصد منافذ الإفساد.

·     الحزم التربوي: استعادة التربية تتطلب التخلي عن رخاوة التنشئة الحديثة، والعودة إلى الحزم الأخلاقي والرقابة الواعية التي يوفرها تكاتف الأجداد والآباء والأعمام في بيئة متماسكة، تستفيد من التقنية ولا تقع ضحية لها.

خلاصة الأمر

إن التربية الأسرية الصحيحة والآمنة لا تنطلق من الفراغ، بل تبدأ حتماً وبشكل قطعي من عودة لُحمة العائلة الممتدة والالتفاف حولها كواقع حي ومستمر يحتاج فقط للتأطير المكاني المناسب. في هذا الترابط المتين، والبيت الكبير المصمم خصيصاً ليجمع شتات العائلة مع صون خصوصيتها، تكمن القوة الحقيقية لإعادة هيكلة القيم وتصحيح المسار التربوي للأجيال القادمة وحمايتها من دوامات الاختراق الخارجي التي تضافرت عليها معاول التفكيك السياسي والنعومة الدرامية المفسدة طوال العقود الماضية.

الأربعاء، يونيو 24، 2026

بيان نقدي: في هجاء التعليم المعماري وتزييف الممارسة في ليبيا

جمال الهمالي اللافي

إن الموازنة بين منجز العمارة الليبية المعاصرة وإرث فضاءاتها التقليدية الأصيلة لا تفضي فقط إلى رصد تراجع جمالي، بل تكشف عن فجوة معرفية وجودية وقطيعة مهنية حادة. إن هذه الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمي لبيئة تعليمية وأكاديمية مفرغة من شروط التأهيل الحقيقي، وممارسة ميدانية مختطفة لصالح شبكات من المصالح البيروقراطية والطفيلية.

أولاً: البنية المعرفية المأزومة (تزييف التكوين الأكاديمي)

تكمن أولى حلقات التجهيل الممنهج داخل أسوار الأكاديميا المعمارية؛ حيث يقود العملية التعليمية جيل من الأكاديميين المفرغين من التجربة الميدانية الفعلية والوعي بأصول الصنعة وفلسفة المواد وطرق الإنشاء. لقد استُبدلت المعرفة الحية المتصلة بموقع البناء برصيد من النظريات المستوردة والمناهج التغريبية الهجينة التي عجزت عن التوطن في التربة المحلية أو الاستجابة لمتطلبات البيئة والمجتمع المعاش.

وتتجلى معالم هذا المأزق الأكاديمي في الآتي:

1.   الانفصال عن الواقع المادي: تحول التعليم المعماري من ممارسة حية ترتكز على فهم سلوك المواد وفيزياء البناء إلى تمرين شكلي ومرئي مجرد .

2.   عقم أدوات القياس والتقييم: عجز المنظومة عن التمييز بين الطالب الذي يمتلك وعياً نقدياً ورؤية أصيلة، وذلك الذي يبحر في التلقين ويستجيب آلياً لمتطلبات المنهج الجوفاء للحصول على درجات شكلية.

3.   أكذوبة الأقدمية الأكاديمية: تكريس "الأقدمية الزمنية" كمعيار وحيد للترقي والتوجيه، في غياب تام لأي منجز مهني ملموس أو إضافة معرفية حقيقية للمجال، مما جعل القيادة الفكرية للمؤسسات التعليمية تقع في أيدي النخب الأكثر جهلاً بأصول الممارسة العملية.

ثانياً: تفكيك الداء (التشظي المعرفي وسرقة السيادة الميدانية)

إن التشوه الذي يصيب الطالب على مقاعد الدراسة يتغذى على تقسيم جائر وهندسة معرفية مشوهة تفصل بين "التصميم المعماري" و"الحساب الإنشائي والمدني". هذا التشظي يتصادم جذرياً مع جوهر التعليم المعماري تاريخياً، والذي قام دوماً على تلاحم الفكرة التصميمية مع إمكانية تحققها المادي والإنشائي في عقل المصمم.

وامتد هذا الانفصام ليعيد تشكيل المشهد الميداني على النحو التالي:

·         تسيّد المقاول البيروقراطي: تحول مفهوم "المقاول" في الواقع المحلي من مهندس ممارس يمتلك أصول الصنعة إلى "وسيط إداري ومالي عابر" يقتصر دوره على التوجيه السطحي وإدارة العمالة الوافدة دون أي عمق فني أو معرفي.

·     الخصاء المهني للمعماري: بدلاً من تأهيل المعماري ليكون القائد الفعلي للموقع (على غرار المعلم البنّاء تاريخياً)، تم تهميشه وتحويله إلى مصمم ورقي أو متفرج معزول عن الميدان، لتنتقل السيادة والقرار الفني لـ "سماسرة التنفيذ" الذين يستمدون نفوذهم من غياب التمكين الأكاديمي والميداني للمعماري الجديد.

ثالثاً: التشوّه السوسيولوجي والبيروقراطي (من الفضاء الخلاق إلى دكاكين التعطيل)

إن غياب التأهيل الميداني أنتج ظاهرة اجتماعية معقدة؛ إذ تعج أقسام العمارة بآلاف الخريجين (وبالأخص من العناصر النسائية) وسط غياب كلي لآليات التدريب والتأهيل العملي المتناسب مع قسوة المواقع وظروفها اللوجستية والاجتماعية في ليبيا. والنتيجة الطبيعية هي اختفاء الغالبية العظمى من هذه الكفاءات خلف جدران المنازل أو في ركود الوظائف المكتبية الحكومية، مع استثناءات نادرة جداً كسرن هذا الطوق الميداني.

هذا التضخم العددي غير المؤهل ميدانياً أنتج ما يمكن تسميته بـ "المعماري البيروقراطي"؛ حيث يتحول لقب "المهندس المعماري" من رخصة للممارسة والابتكار إلى مجرد وجاهة اجتماعية ونياشين فارغة تُعلق على الصدور. وتكمن الفاجعة في الآتي:

1.   التعويض السلبي عن العجز الفني: يتحول هؤلاء الخريجون في أروقة المؤسسات والوزارات الحكومية إلى قوى معطلة؛ فيمارسون وصاية إدارية جاهلة تعرقل معاملات المعماري الممارس الحقيقي وتصادر جهده.

2.   مأسسة الفساد والجهل المهني: يغدو هؤلاء البيروقراطيون حراساً لبوابة المصالح الشخصية، يبتزون الممارسين الفعليين، ويطالبون بالرشاوى لتمرير المعاملات الواجبة قانوناً، ويتلاعبون بالعقود والمناقصات بجهل مهني صريح وفساد أخلاقي مستشرٍ، للتعويض النفسي والوظيفي عن عجزهم وفشلهم الميداني الحقيقي.

رابعاً: ستون عاماً من التيه وحقيقة "اللاحل"

إن الحقيقة الصادمة والوحيدة التي تقتضيها النزاهة النقدية هي الجهر بأننا اليوم -وبعد مرور قرابة ستين عاماً على تأسيس أول قسم للعمارة في ليبيا عام 1969- نقف أمام مهنة لا وجود حقيقي لها على أرض الواقع.

إن العقود الستة الماضية لم تؤسس لمدرسة معمارية وطنية متلاحمة مع تربتها وسياقها الاقتصادي والاجتماعي، بل أنتجت "بنية موازية" من الجهل الأكاديمي والبيروقراطي المحمي بقوة القانون والسلطة الإدارية والوجاهة الاجتماعية المزيفة.

وبناءً عليه، فإن الحديث عن "مواثيق إصلاحية"، أو "تعديلات مناهج طفيفة"، أو "حلول رقعية تجميلية" في ظل هذه المنظومة هو ضرب من الوهم والتواطؤ غير المباشر مع مسببي الفاجعة؛ إذ لا يمكن ترميم بنية نخر فيها الفساد الأكاديمي والإداري حتى النخاع.

إن التشخيص الصادق يفرض علينا إعلان الصدمة الكبرى: لا حلول ممكنة ما دامت هذه البنية الطفيلية والبيروقراطية هي المهيمنة على المشهد. إن الإقرار بموت المهنة الفعلي وتحللها تحت وطأة القيادات العبثية هو نقطة الصفر الحقيقية لأي وعي نقدي شريف؛ فالغاية هنا ليست تقديم مسكنات واهية لوضع مستعصٍ، بل إعلان النعي الصريح، لعل هذا الغضب الواعي يدفع جيلاً جديداً لإدراك أن انبعاث المعمار الليبي لن يبدأ برتق الأنقاض، بل بسقوطها التام والبدء مجدداً من الأرض الصلبة للميدان الحقيقي.

الخميس، يونيو 18، 2026

زيف الشكل وزيف القول: تعرية النفاق في التعليم المعماري


جمال الهمالي اللافي

حين يُلزم حامل الدكتوراه طلابه بنماذج شكلانية مغتربة لا تمتّ لواقعهم بصلة، فإنه يعيد إنتاج أزمة اغترابه الشخصي؛ إذ يمارس اليوم كأكاديمي ذات الاستعراض البصري الممجوج الذي نشأ عليه منذ مشاريعه الدراسية الأولى. والمفارقة الصارخة تكمن في انفصام خطابه؛ فبينما تنبري مقالاته لنقد التشويه العمراني في مدننا، تفضح تصاميمه وممارساته انغماسه في هذا التشويه ذاته! وحين يسعفه الذكاء الاصطناعي اليوم بصياغة تنظيرٍ منمق لا يؤمن بمضمونه، يكتمل مشهد الزيف المزدوج: زيفٌ في الفراغ وزيفٌ في الكلمة، لينطبق عليه قول المولى عز وجل: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} سورة آل عمران، الآية 167.

يزيد الأمر خطورة حين يكتفي بالتهجم على زملائه المعماريين، نافياً عنهم أي محاولة اجتهادية حقيقية، دون أن يستثني -من باب الإنصاف والموضوعية- تلك الاجتهادات الصادقة لبعض زملائه الذين احترموا بيئتهم، وأنتجوا عمارة تحترم المكان وتتصالح معه، ولا تتعالى عليه بصروح مشوهة تبتغي الاستعراض الفج على حساب صياغة بيئة جمالية منسجمة مع محيطها العمراني. إن هذا السلوك الإقصائي المتجاهل لشواهد معمارية قائمة بذاتها على الأرض لم يعد حالة فردية عابرة، بل غدا ظاهرة أكاديمية مكررة، يحاول فيها بعض حاملي الألقاب احتكار الحقيقة عبر تسفيه وإنكار أي منجز معماري حقيقي يُبنى خارج أسوار مكاتبهم العاجية. هنا يصبح الخطاب المعماري أداة إقصاء، لا أداة بناء، ويغدو مجرد محاولة لإثبات وجود في مكان لفظه منذ البداية لغثاثة منطق صاحبه وتشوه منهجه. إن هذا الصنيع ليس مجرد انحراف في الطرح المعماري، بل هو تشويه منهجي لعقلية الطلاب؛ إذ يستغل هؤلاء موقعهم الأكاديمي الذي منحتهم إياه تلك الدرجات العلمية ليمارسوا عقدة الفصام بين بريق اللقب الأكاديمي والعجز المهني عن مجاراة أقرانهم على أرض الواقع، أو يمارسون دوراً تعجيزياً يوهم طلابهم بأن ترسيخ الهوية لا يتعدى حدود التنظير، بينما يفرض الواقع عليهم الاغتراب كشرط لا بد منه لخوض معترك الممارسة المهنية بنجاح ودون عقبات.

إن المعماري الذي لا يكلّف نفسه عناء ملاءمة مشروعه مع بيئته، ولا يقرأ ذاكرة المكان، ولا يلتفت إلى هوية الناس، إنما يعلن عملياً أنه خارج السياق، وأنه يفتقر إلى أخلاق المهنة وروحها. وما يقدمه ليس سوى مزيد من التشويه الذي يضاعف قبح المدن ويعمّق اغترابها عن أهلها.

ذلك هو الخواء المهني الذي لا يملك من العمارة سوى قشورها الشكلية، ولا من النقد سوى خطابه الفارغ، ولا من المسؤولية العلمية سوى ادعائها الزائف. إنها سقطة فكرية وأخلاقية كبرى، لا تليق بمن اؤتمن على رسالة التنوير والمعرفة... فخان عهدها.

الأربعاء، يونيو 17، 2026

تساؤلات ومكاشفات حول السكن والإسكان في ليبيا: من النمطية الجاهزة إلى المسؤولية الأخلاقية

 

جمال الهمالي اللافي

يُعدّ السكن البوتقة التي تحتضن الإنسان منذ ولادته وحتى مماته، مما يستدعي دائماً طرح تساؤلات عميقة حول حقيقة ماهيته؛ وفي مقدمتها: كيف تتوزع فراغاته؟ وما طبيعة علاقته بالمحيط الخارجي وبمن يسكنه؟

ولكن، قبل أن نُسائل المعماري عن دوره الفردي، علينا أولاً مكاشفة الواقع بوقائعه المؤسساتية، والتقنية، والثقافية التي صاغت هذا المشهد المأزوم:

1.      غياب الدولة واختزال السكن في "المصرف والنموذج المتكرر" (امتهان الكرامة الإنسانية)

لقد شهدنا غياباً شبه تام للدور الرعائي والتنموي الحقيقي للدولة في تحمل مسؤولياتها المباشرة تجاه المواطن الليبي لتوفير السكن الملائم. وبدلاً من وضع استراتيجيات إسكانية شاملة تدرس جغرافية البلاد وتنوعها الثقافي، اكتفت الدولة بتأسيس "مصرف الادخار والاستثمار العقاري" كأداة وحيدة لإدارة الأزمة؛ فانحصر دوره العملي في تمويل وبناء عمارات سكنية تعتمد "النموذج المتكرر" للوحدة السكنية.

وحتى حين اتجهت الحلول لبناء مساكن منفردة من دورين، سقطت في ذات الفخ؛ حيث أُعيد تكرار ذات النمط الموحد والمعلب. إن خطورة هذه النماذج المستنسخة لا تكمن فقط في افتقارها لدراسة حقيقية تبحث في احتياجات العائلة الليبية، بل في الفلسفة الدونية الكامنة وراءها؛ إذ يتعاطى هذا النموذج التقييسي مع الإنسان بآلية مادية جافة لا تخرجه عن كونه كائناً بيولوجياً يُجمع في وحدات متكررة أشبه بحظائر المواشي وأقفاص الحيوانات، بلا أدنى اعتبار لكرامته وخصوصيته الفردية.

إن تغليب البعد الاقتصادي الضيق على الأبعاد الاجتماعية والإنسانية هو الذي حوّل هذه البيئات السكنية الرتيبة إلى بؤر للظلم الاجتماعي، والانحرافات السلوكية، ونمو الجريمة؛ إذ كُرّست معادلة جائرة تمنح المترفين حق السكن المرفه، وتفرض على محدودي الدخل الرضوخ لحلول تسلبهم آدميتهم. واليوم، تكتمل هذه المأساة بارتفاع تكلفة هذه الشقق السكنية في عمارات تفتقر لأبسط المواصفات الفنية والجمالية، لتصطف في مجمعات رتيبة تفتقر للبنية التحتية والخدمات الأساسية، وتُقدّم للمواطن المنهك كحل وحيد لا بديل عنه.

2.      هندسة "الراحة المكتبية" وغياب التكوين المعماري

إن تغلغل هذه النمطية يعود في كثير من الأحيان إلى إسناد مهام التصميم الحياتي المعقد لمهندسين قد يفتقرون أصلاً للتكوين الأكاديمي والفكري المتخصص في الهندسة المعمارية. وبدلاً من أن تُصمم الفضاءات لتلبي الاحتياجات النفسية واليومية للمواطن الليبي، تُركت صياغة حياة الناس لحسابات القدرة الضيقة والوقت المحدود؛ بهدف التخلص السريع من عبء التصميم والركون إلى "الراحة المكتبية" التي تفضل تكرار الجاهز والممل على عناء البحث والابتكار الإنساني.

3.      دكتاتورية الخرسانة والطوب الإسمنتي (مفارقة التقوقع والاحتكار الصناعي)

وتكتمل هذه الحلقة المفرغة عند الجانب التقني والإنشائي؛ حيث استسلمت أقسام الهندسة المدنية والمهندسون الإنشائيون لحلول تقليدية مكررة تعتمد بالكامل على الهيكل الإنشائي المرتكز على الخرسانة المسلحة والطوب الإسمنتي كخيار وحيد لا شريك له. هذا التمترس خلف مادة واحدة دون التفكير في بدائل محلية وبيئية ترتبت عليه مساوئ وخيمة؛ صحية ونفسية على القاطنين، ومناخية لعدم ملاءمة هذه المواد للحرارة والرطوبة، واقتصادية أرهقت كاهل المواطن والدولة على حد سواء في ظل غياب العزل الحراري والاعتماد المفرط على الطاقة والتهوية الاصطناعية.

إن هذا الدفاع المستميت عن الخرسانة والطوب الإسمنتي ليس قدراً تقنياً لا فكاك منه، بل هو حالة تقوقع فكري ونفسي تشترك فيها التخصصات الإنشائية والمواطن الليبي على حد سواء. وتتجلى المأساة في مستويين:

·     الأول؛ فصام الممارسة التراثية: ففي مدن تاريخية عريقة كـ "غدامس"، لا يزال البنّاء المحلي يتعامل ببراعة مع قوالب الطين المجفف في أعمال ترميم وصيانة المدينة القديمة، بينما يسقط نفس المواطن والمصمم في فخ الخوف والتردد عند التفكير في بناء مساكنهم المعاصرة بذات المادة الصديقة للبيئة، فيهربون هلعاً نحو رداءة الطوب الإسمنتي الحار صيفاً والبارد رطوبةً في الشتاء.

·     الثاني؛ احتكار البدائل الجاهزة وتدميرها: إن الادعاء بغياب البدائل المصنعة محلياً تدحظه الشواهد؛ فليبيا كانت تمتلك تجارب صناعية رائدة كـ "مصنع الطوب الرملي في سبها" الذي توقف وقُفل قسراً بعد التعدي عليه إثر أحداث فبراير 2011، ليظل "مصنع الطوب الرملي الجيري في منطقة سيدي السايح" يتيماً يصارع في سوق احتكاري مغلق. هذا الاحتكار حوّل البدائل البيئية الممتازة إلى سلع باهظة الثمن تفوق قدرة المواطن الشرائية، مما عمق أزمة الخيارات الإنشائية.

إن استسلام المهندس والمواطن لواقع الاحتكار وغياب كود العزل الحراري الإلزامي هو الذي يكرس دكتاتورية الإسمنت، بينما تزخر دول الجوار والعالم بحلول وتقنيات بيئية محلية يسيرة قادرة على كسر هذا الطوق الإنشائي لو وُجدت الإرادة المهنية والبحثية الحقيقية.

4.      الاستلاب البصري وتقصير الإعلام: تزييف نموذج السكن المثالي ومفارقة "العلب الزجاجية المغلقة"

ولا تكتمل هذه المكاشفة دون الالتفات إلى الدور الخطير الذي لعبه الإعلام والدراما في تزييف وتوجيه الوعي الجمالي والسكني للمواطن الليبي. فمن جهة أولى، ساهم الترويج المكثف للمسلسلات الوافدة (كالتركية والخليجية) في غرس صورة ذهنية مشوهة عن نموذج "السكن المرفه والمثالي"؛ وهو نموذج مادي مغترب تغلغل كـ "ثقافة غالبة" في وعي المجتمع، يقوم على الفلل الزجاجية والقصور الحداثية المفتوحة.

والمأساة هنا تكمن في المفارقة السلوكية الفاضحة لهذا النمط داخل واقعنا؛ إذ لا ينطلق هذا الإقبال الجارف من رغبة حقيقية في الانفتاح على الضوء والشمس والاتصال بالطبيعة، بل هو مجرد جريمة استلاب بصري وركض محموم خلف "الوجاهة الاجتماعية والفخر بالتقليد والافتخار الأجوف". ويتجلى فصام هذه الممارسة في أن أصحاب هذه الفلل الزجاجية يسارعون - فور السكن فيها - إلى إغلاق نوافذها الضخمة بشكل دائم ومطبق، بالستائر الثقيلة والستائر المعدنية، خوفاً وتلافياً لتلصص الجيران والمارة؛ ليتحول المسكن الزجاجي إلى قبو معتم ومغلق لا تدخله شمس ولا هواء. أما الحديقة والمسطحات الخضراء التي صُممت لربطه بالطبيعة، فسرعان ما تذبل وتموت شجيرات الزينة القليلة فيها تحت وطأة الجفاف والحرارة، لتلتهم الكتلة الخرسانية الصامتة والمحمية بالأسوار الشاهقة كامل قطعة الأرض، معلنة انتصار الخرسانة والتقليد ووهم الحداثة الهجينة.

ومن جهة ثانية، سقطت الدراما الليبية المحلية في فصام بصري وتنميط بصري جائر؛ إذ دأبت على تصوير حياة الأثرياء والشخصيات الناجحة داخل فيلات فارهة على النمط الحداثي الهجين، في حين ركنت لتصوير حياة البسطاء والفقراء حصراً داخل أزقة وحواشين "المدينة القديمة" في بيوت يهيمن عليها مظهر البؤس والفقر والقباحة. هذا التنميط المشوه ربط- بغير وعي- بين تراثنا المعماري العريق والأصيل (الذي يحمل في حقيقته أعمق الحلول البيئية والاجتماعية) وبين التخلف والضيق، مما ولد لدى المواطن الليبي نفوراً لا شعورياً من أسلوب عيشه الأصيل وهويته المكانية، ودفعه للركض خلف أنماط مغتربة ومنافقة لا تشبهه ولا تلبي احتياجاته.

5.      تساؤلات المصارحة وتوزيع المسؤوليات (تفكيك ثقافة التهرب)

أمام هذا التوصيف السابق، يغدو لزاماً علينا تفكيك دائرة التهرب الجماعي التي تحكم هذا المشهد. ففي ليبيا اليوم، ركن كل طرف في هذه المنظومة إلى حججٍ جاهزة تبرر تصرفه الفردي وتخليه عن أمانته المهنية والأخلاقية؛ فالمشرّع والمخطط يختبئان وراء غياب الميزانيات والظروف الاستثنائية، والمعماري يستسلم بحجة "الزبون عاوز كده" ورغبته في التخلص من عبء الابتكار، والإنشائي يركن إلى ما تدرب عليه دون عناء البحث عن بدائل، والمواطن يذعن ويحور عشوائياً تحت وطأة غلاء العقارات وسيطرة السماسرة، بينما الإعلام وصنّاع المحتوى يبررون استلابهم بالبحث عما يطلبه المشاهد والربح السريع.

هذا الادعاء المستمر بـ «أنني لستُ مسؤولاً عن شيء، وأنني مجرد منفذ لمصالح ضيقة أو لإملاءات الآخرين» هو الذي يقف حائلاً أمام أي تطور مكاني أو إنساني. لذلك، فإن المسؤولية ليست تائهة أو مشتتة، بل هي موزعة بالعدل والمهنية على كل من يملك سلطة القرار أو المعرفة:

·     فلو طرحنا التساؤل على كل معماري ليبيٍّ، مستحضرين مسيرته المهنية وتراكم خبرته؛ فما هو منطلقه التصميمي الحقيقي؟ وكيف يتجاوز قوالب "الراحة المكتبية" وتبريراتها الواهية ليحقق الملاءمة الحقيقية؟ إن هذا المنطلق لا يجب أن ينبع من "تصورات وهمية ومغتربة" في عقل المعماري لما يفترض أن يكون عليه المسكن المعاصر، بل يجب أن يتجه مباشرة نحو استلهام ذكي وإبداعي من النماذج التاريخية لكل بيئة عمرانية ليبية قائمة تزخر بإرث أصيل. ويتطلب هذا دراسة عميقة لخصائص هذا الإرث: المعمارية، العمرانية, البيئية، الاقتصادية، الفراغية، والاجتماعية، إلى جانب مواد البناء المحلية ومعالجاتها البيئية الفطرية. ومن هنا فقط، ستأتي الحلول السكنية متنوعة بتنوع جغرافيتنا الممتدة، رافضة لغة "النموذج المتكرر" الموحد الذي يُفرض قسراً على الساحل والجبل والجنوب دون احترام للظروف الفريدة التي شكلت هذا التنوع الثقافي والمناخي.

·     ولو وجهنا التساؤل ذاته للمواطن الليبيّ؛ بصفته المستهلك النهائي وصاحب الحق الأصيل؛ كيف يمكنه أن يتحرر من الصورة النمطية التي فرضتها عليه شاشات التلفاز، ويرفض الاستسلام لنماذج سكنية تُفرض عليه ليعيد صياغة وعيه الفراغي والجمالي؟ إننا ندرك تماماً وطأة الظروف الاقتصادية الشرسة، وسيطرة سماسرة العقارات، وشروط التمويل الضيقة التي تفرض على ذوي الدخل المحدود رضوخاً عمرانياً وتجبرهم على حلول عقارية تسلبهم خياراتهم الفردية وآدميتهم. ومع ذلك، فإن الاستسلام لمخالب هذه السوق المتوحشة يغذيه مباشرة تشتت الوعي المجتمعي وصمته; فالوعي الجماعي هو ما يحدد في النهاية توجهات السوق، والمستثمر العقاري لا يتورط في تشييد هذه "العلب الخرسانية" والاتجار بها إلا عندما يضمن وجود مجتمع يتقبلها ويستهلكها مستسلماً. إن مجتمعنا المعاصر يتأرجح بين "مغترب مقلد" يركض خلف المظاهر، و"لاهٍ منهك" يرضى بما يملى عليه؛ وهذا الفصام هو الذي يمنح الاحتكار شرعيته. من هنا، لا يغدو رفع الوعي الفراغي ترفاً جمالياً معلقاً بالملاءة المالية، بل هو سلاح مقاومة مجتمعية واعية وأداة لرفض القبح وكسر طوق السماسرة لانتزاع حق السكن الإنساني والعيش الكريم.

·     بل كيف نلزم بقية التخصصات الحيوية بمسؤولياتهم؟ من مصممي الفراغات الداخلية لتجاوز الجدران الصامتة، إلى موردي ومصنعي مواد البناء لابتكار وتوفير بدائل بيئية محلية تكسر احتكار الطوب والخرسانة وتناسب مناخنا المتنوع.

في وقتٍ يتساءل فيه المجتمع الليبي بمرارة: «أين الإسكان منا؟»؛ لم يعد مقبولاً تبرئة أي طرف تحت أي مبرر مصلحي أو مادي. إن على كل متداخل في هذه المنظومة أن يقف وقفة مصارحة حقيقية مع ذاته ليعيد صياغة التزاماته تجاه هذا الوطن وأهله.

إن رسالة إعمار الأرض وصناعة المسكن تتجاوز حدود الرسم المكتبي وحسابات المكسب المالي المباشر؛ فـ «كلكم راعٍ كلكم مسؤول عن رعيته»، والتصميم وإدارة الفراغ أمانة إنسانية ووطنية وشرعية مشتركة في عنق الجميع.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...