جمال الهمالي اللافي
مقدمة:
فلسفة العدالة المكانية كحق سياسي واجتماعي
تتجاوز
العدالة المكانية في جوهرها النظريات التخطيطية لتصبح أداة سيادية لقياس المساواة
الاجتماعية. إنها تجسد حق الفرد في "المكان" ليس كسلعة خاضعة للمضاربة،
بل كضرورة وجودية وحق إنساني أصيل. إن غياب هذه العدالة في السياق المعاصر يعني
تحويل السكن الملائم إلى "امتياز طبقي" تحميه التشريعات البيروقراطية،
بدلاً من أن يكون حقاً مشاعاً تتكافأ فيه الفرص بعيداً عن هيمنة المركزية المالية
أو التعقيد الإنشائي المفتعل الذي يخدم كبار المطورين والموردين.
التحول
التاريخي: "الرغاطة" كفعل مقاومة اجتماعي واكتفاء ذاتي
لم تكن
"الرغاطة" في المجتمعات العربية التقليدية مجرد وسيلة بناء بدائية ناتجة
عن الحاجة، بل كانت تجسيداً حياً لـ ديمقراطية العمارة والاقتصاد
التضامني. هذا النظام وفر عدالة مكانية فطرية من خلال ثلاث ركائز أساسية:
· سيادة الإنتاج المجتمعي: حيث كان
فعل البناء نشاطاً تشاركياً يتجاوز مفاهيم "القيمة الإيجارية" أو
"الارتهان للبنوك"، مما جعل المسكن ملكية ناتجة عن الجهد الاجتماعي لا
عن الاستدانة.
· عبقرية الخامة المحلية واستدامة البيئة: استنطاق
الأرض (سواء بالحجر الجيري، الطين، أو التراب المدكوك) لتقديم حلول سكنية متوائمة
مناخياً واقتصادياً مع عين المكان، دون الحاجة لوسطاء تجاريين أو مواد مستوردة
ترهق كاهل الفرد والدولة.
· الأسطى كمهندس ممارس: كسر الهوة
التقليدية بين التصميم والتنفيذ؛ إذ كانت الخبرة المتوارثة تضمن كفاءة البناء
وجمالياته الفطرية دون "تنظير أكاديمي" يعيق التطبيق أو يرفع التكلفة
بلا طائل.
أزمة
الحداثة: الاغتراب المعماري ومأسسة الإقصاء الطبقي
يشخص
النقد المعاصر أزمة السكن كـ "معضلة مصطنعة" برزت نتيجة تحولات هيكلية
وسيادية:
1. الأكاديمية المنفصلة والقطيعة مع الواقع: تحول
خريجو العمارة إلى "تقنيين نظريين" يغرقون في الحسابات المعقدة
والمحاكاة الرقمية، متجاهلين "منطق الموقع" وحرفية البناء الواقعية، مما
أنتج عمارة "مغتربة" وظيفياً وجمالياً، لا يفهمها المستخدم البسيط ولا
يقوى على تحمل كلفتها التنفيذية.
2. تحولات السبعينيات وانسحاب الدولة: شهدت
أواخر السبعينيات من القرن العشرين نقطة تحول سيادي حرجة؛ حيث أوقفت الدولة
التعامل مع الشركات الكبرى والعابرة للحدود التي كانت تفرض أنماطاً استهلاكية
معينة، لكنها بدلاً من استعادة النموذج المحلي، نفضت يدها تماماً من مسؤولية توفير
السكن الملائم.
3. صراع المواطن مع "تغول" العمالة والسوق: ترك
انسحاب الدولة المواطن وحيداً في مواجهة مباشرة مع عمالة وافدة غير مؤهلة تلاعبت
بأسعار الأيدي العاملة، بالتزامن مع ارتفاعات جنونية ومتتالية في أسعار مواد
البناء والتشطيب. هذا الثنائي (تلاعب العمالة + غلاء المواد) حوّل عملية البناء من
"حق متاح" إلى "عملية تعجيزية" تستنزف مدخرات العمر وتثقل
كاهل المواطن بأعباء تفوق طاقته.
التشخيص
النهائي: العدالة الموؤودة وتسليع المكان
إن غياب
العدالة المكانية اليوم هو الثمرة المرة لعملية تسليع السكن ونبذ المسؤولية الرسمية. لقد تم
اختزال البيت من "مأوى آمن" إلى "أداة استنزاف مالي". هذا
التحول جعل السكن الملائم حكراً على النخبة، بينما يُترك ذوو الدخل المحدود في مهب
الريح تحت رحمة عمالة تفتقر للكفاءة والضمير المهني، وتشريعات لا تحميه من جشع
تجار مواد البناء.
خاتمة
نقدية: ضرورة استعادة الدور الرقابي والقيمي
لن تجدي
الدراسات الأكاديمية نفعاً ما لم يتم تفكيك المنظومة التي جعلت المواطن ضحية
للسماسرة والعمالة غير المؤهلة. إن استعادة العدالة المكانية تتطلب تدخلاً حازماً
لإعادة ضبط تكاليف البناء، و"أنسنة" التشريعات، وإحياء قيم الاكتفاء
الذاتي والتعاون المجتمعي كبديل عن حالة "التعجيز" الممنهج التي يفرضها
الواقع الحالي.




