أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، أغسطس 24، 2026

كيف نصمم بيوتاً تُعاش؟

 

جمال الهمالي اللافي 

عندما يُكلَّف المعماري بتصميم مسكن، غالباً ما يبادر عقلُه إلى استغراقٍ هندسي بحت: موقع القطعة، أبعادها، اتجاه الشمال، زوايا الشوارع، وشكل الواجهة التي تسُرّ عين المارّ في الشارع. كُل هذا لا غبار عليه، لكنه يظل في مساحة التجريد الشكلي؛ إذ ينظر الأغلبية للتصميم إما بعين النسر التي ترى المخططات من ارتفاعات شاهقة مجرد خطوط صماء، أو بعين النملة التي تغرق في التفاصيل المادية الضيقة وتغفل عن حقيقة الفراغ المعماري وعلاقته بالإنسان. 

لكن، كيف نتجاوز هذا التجريد؟ كيف نصمم بيوتاً تُعاش حقاً، لا مجرد كتل صامتة للعرض؟ 

إن البيت الحي لا يُرسم من الأعلى، بل يُبنى من الداخل إلى الخارج عبر "عين الساكن"؛ عين تتحرك على مستوى القامة، وتختبر الملمس، ونسب الفراغ، وانسيابية الحركة، وتتنفس الضوء والهواء الطبيعي. والعيش ليس مجرد كفاءة حرارية أو أبعاد هندسية، بل هو في جوهره توازن نفسي واجتماعي؛ يتأسس حين ينجح الفراغ في حماية حميمية الفرد دون عزله، وتيسير التفاعل الجماعي دون فرض الاقتحام. لتتحول الإجابة عن هذا السؤال إلى واقع ملموس، ينبغي أن يلتقي الطرح الفلسفي والإنساني بالتدليل المادي؛ فيتحول المسكن من أرقام صماء إلى مسرح حياة دافئ يتأسس من النواة الأولى للبيت وتفاصيله الحية.

أولاً: البعد النفسي والاجتماعي للفراغ المعماري

يتشكل المسكن الحي من خلال معالجة دقيقة للثنائيات النفسية والاجتماعية التي تُسيّر حياة الإنسان اليومية:

·     الاحتواء النفسي والسكينة: يحتاج الإنسان إلى فراغ يُشعره بالأمان والكرامة النفسية؛ أبعاد ونسب تتناسب مع حجم الجسد، وملمس خامات طبيعية كالجير والحجر الطبيعي يُقلل التوتر البصري، إلى جانب ضوء نهار متدرج يمنح الفرد شعوراً بالاستقرار والسكينة بعيداً عن صخب العالم الخارجي.

·     الخصوصية التدرجية (السمعية والبصرية): الخصوصية ليست مجرد إغلاق للأبواب، بل هي تدرج فضائي واعي. يتطلب ذلك صياغة ممرات وانكسارات حركة تُحقق الفصل البصري بين أجزاء البيت العامة والخاصة، مع معالجة الجدران والفتحات لمنع انتقال الضوضاء، مما يضمن للفرد حقه الكامل في عزلة اختيارية مريحة.

·     التوافق والتفاعل الاجتماعي الداخلي: الفراغ المباشر والمفتوح كلياً يُولد الاحتكاك والتوتر القسري، بينما الفراغات المنفصلة بحدة تُفكك الأسرة. يكمن الحل في إيجاد نقاط التقاء حميمة- كالفناء الداخلي أو جلسة المعيشة المحورية- تسمح بالالتقاء العفوي والتواصل الدافئ الذي يجمع العائلة بانسجام دون تلصص أو إزعاج.

·     الانتماء للمحيط دون تكشف: ضابط العلاقة مع المجتمع الخارجي يتجلى في التدرج من الشارع إلى الفناء ثم إلى الغرف الحميمية؛ حيث يتعامل البيت مع الجوار بلطف دون حرمان ساكنيه من حريتهم، فيتيح ممارسة الحياة الاجتماعية البسيطة بتلقائية وأمان.

ثانياً: الدليل التنفيذي للتوازن الإنساني والمكاني

1. هندسة الخصوصية والاحتواء النفسي

·     المداخل المكسورة والانكسار البصري: صمم المدخل بحيث يتخذ مساراً منحنياً أو منكسراً يُحقق التدرج من الشارع إلى قلب البيت، مما يمنع الرؤية المباشرة ويُهيئ الساكن نفسياً للانتقال من العام إلى الخاص.

·     الحدود السمعية والملمس: اعتمد قواطع بنائية ذات كفاءة في عزل الصوت بين مناطق النوم والأنشطة المشتركة، واستخدم الطلاءات الطبيعية ذات الملمس الناعم للغرف الخاصة لتعزيز الشعور بالدفء والسكينة.

·     نسب السقف والأبعاد: وازن بين ارتفاع السقف ومساحة الغرفة؛ فالارتفاعات المتوسطة والمنخفضة نسبياً تُعزز الشعور بالطمأنينة والألفة في المساحات الخاصة، بينما تُترك الارتفاعات الأكبر للفراغات الجمعية. 

2. صياغة الفراغات الاجتماعية والتفاعل

·     الفناء الداخلي كمجمع إنساني: جعل "الحوش" أو الفناء الداخلي بؤرة الحركة والالتقاء، ليكون متنفساً مشاعاً يتلاقى فيه أفراد الأسرة بتلقائية تحت الضوء والهواء دون التكشف على الجيران.

·     الرابط الفراغي المرن: صمم مناطق الانتقال بين الغرف والجلسات بحيث تكون واسعة ومستجيبة للأنشطة المشتركة، مع اعتماد أبواب أو فتحات تسمح بالاتصال البصري أو انفصاله عند الحاجة.

·     الجلسات المدمجة والتواصل الداخلي: استخدم الجلسات المنخفضة والمدمجة في معمارية الغرفة لتعزيز تقارب الجالسين وإلغاء الحواجز النفسية، مما يُحفز التفاعل العفوي والحوار الهادئ. 

3. التكامل البيئي وديمومة العيش

·     التهوية والنباتات العطرية: وظف الفناء الداخلي لزراعة شجيرات ذات أريج هادئ (كالورد الجوري أو الياسمين) مع فتحات تهوية متقابلة، ليكون المزيج الصوتي للحفيف والروائح الزكية مصدراً ثابتاً للراحة النفسية.

·     مقياس الزمن والذاكرة: اختر خامات تتفاعل مع لمس الأيدي وحركة الأقدام وتكتسب جمالاً مع التقادم (كالأخشاب والجير والآجر)، لتتحول أركان البيت إلى ذاكرة حية تحمل أثر حياة ساكنيه.

خاتمة

إن الانتقال من صب الكتل إلى ابتكار مسكنٍ يُعاش يتطلب شجاعة المعماري في نقل زاوية رؤيته من عين النسر الحالمة برضا المارة، إلى عين الساكن المستقرة في أرجاء المكان. إن المسكن الأصيل ليس مجرد ملجأ تقني من عوارض الطقس، بل هو حاضنة نفسية واجتماعية تمنح الإنسان حقه الكامل في العزلة والاطمئنان، وتتيح له في الوقت ذاته التفاعل مع أسرته ومحيطه في تناغم وكرامة. 

وحين يلتقي صدق الفلسفة مع دقة التفصيلة الإنشائية والإنسانية، تتوقف البيوت عن كونها استعراضاً شكلياً على أطراف الشوارع، لتعود إلى جوهرها الأسمى: ملاذاً يتنفس مع أهله، ويحفظ سكينتهم، ويصون حضورهم الإنساني الدافئ على مر الأيام.

الجمعة، أغسطس 21، 2026

علاقة الموروث بين "ضرورة التقليد للوصل" و"تخوفات التجديد للقطع"


جمال الهمالي اللافي 

في هذه المقالة أعالج في طرحي واحدة من أكثر القضايا إشكالية في الفكر والثقافة المعاصرة، وهي علاقة الأمة بتراثها بين "ضرورة التقليد للوصل" و"دعاوى التجديد للقطع". فعندما تتعالى الأصوات الداعية للنهل من التراث، تقابلها تحذيرات متزاحمة من الوقوع في فخ "التقليد"، مما يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري: ما الذي تعنيه هذه التخوفات حقيقةً؟ وما المعنى الأصيل للتقليد؟ 

لكي نفهم "ماذا تعني التخوفات من تقليد التراث عندما تتعالى الأصوات الداعية للنهل منه؟"، يمكن تفكيك المشهد إلى النقاط التالية: 

أولاً: إعادة تعريف "التقليد"

·         الجوهر: التقليد ليس مجرد نقل آلي أو نسخ ولصق بلغة العصر، بل هو مجاراة في الأسلوب، والطريقة، والنمط.

·         الهدف: المقلّد الواعي يجاري المبدع في محاولة جادة للاقتراب من فلسفته، ونمط تفكيره، وزوايا رؤيته للأمور وطريقة تعاطيه معها في نتاجه الإبداعي. 

ثانياً: التقليد كـ "مرحلة جسرية" لا بد منها

التقليد هنا ليس عيباً ولا جموداً ذهنياً، بل هو أداة تعليمية واستكشافية؛ فبعد قطيعة طويلة أدت إلى واد الجذور وفقدان تراكم خبرة آلاف السنين تحت خديعة "البدء من الصفر"، تتجلى ضرورة المجاراة أو التقليد لتحقيق غايتين:

·     إعادة ربط ما انقطع: بعد فترة من القطيعة والتغريب والبدء من الصفر، يصبح التقليد هو الوسيلة الوحيدة لإحياء "الذاكرة المفقودة" ووصل السلسلة التاريخية والتراثية.

·     فهم أدوات التراث: المقلد هنا لا يقلد بعمى، بل يجاري التراث ليفهم فلسفته، أسلوبه، ونمط تفكيره. تماماً كما يقلد الرسام المبتدئ لوحات كبار الفنانين ليتقن ضربات الفرشاة قبل أن يبتكر أسلوبه الخاص. 

ثالثاً: التخوفات والتهم (تفكيك الخطاب المضاد)

1.      التخوف الظاهري (المعلن):

    يروج أصحاب هذا الطرح بأن تقليد التراث يؤدي إلى:

·         التكرار والجمود والعيش في الماضي.

·         إنتاج نسخ باهتة لا تناسب العصر (النسخ واللصق).

·         الخوف من سلب العقل القدرة على التفكير الحر والابتكار المعاصر. 

2.      المعنى الحقيقي والأعمق للتخوفات:

تكشف المقالة أن هذه "التخوفات" المحاطة بشعارات التجديد ليست سوى دوافع مغرضة تهدف إلى:

·         استمرار القطيعة: الحيلولة دون وصول الأجيال الحالية إلى الجذور والخبرة المتراكمة عبر آلاف السنين.

·         الاستمرار في "التيه": إبقاء المجتمع في حالة من الانبتات الحضاري، حيث لا ماضٍ يستند إليه ولا حاضر متماسك يبنيه.

·     تفريغ المنتَج المعاصر من قيمته: القفز المباشر إلى "التجديد" دون استيعاب التراث ينتج نتاجات سطحية، هشة، وخالية من المعنى والعمق الحضاري.

·         تدمير الهوية: دعوات التجديد الشكلي والهروب من التراث تؤدي في النهاية إلى فوضى عارمة، حيث يُفقد المعنى وتُستأصل الهوية الوطنية والثقافية. 

رابعاً: تفكيك التخوفات ووهم "متطلبات العصر"

إن الوقوف في وجه هذه المرحلة الجسرية بدافع الخوف من التقليد، والاعتصام بشعارات التجديد المتسرعة، يرتكز على مغالطات شائعة:

·         تجاوز مفهوم "التراث الميت": الموروث المقصود هنا ليس الشواهد الأثرية القديمة، بل العمارة المحلية الإسلامية الحية بتنوعها البيئي والاجتماعي في الجبل والصحراء والمدن القديمة.

·     تفكيك شماعة "روح العصر": التخوف من عدم ملاءمة الموروث لمتطلبات الحياة الحديثة هو وهم ملتبس؛ فالمدن القديمة المأهولة اليوم تثبت كفاءتها وتمنح ساكنيها تميزاً في الجودة وعمقاً تعجز عنه المخططات المعاصرة.

·     حقيقة المنطق الإنشائي: النظام البنائي أداة تابعة للرؤية المعمارية وليست قيداً؛ وتوظيف المواد التقليدية أو تطويرها لم يعد مجرد خيار محلي، بل اتجاه عالمي لمواجهة التحديات المناخية والبيئية.

·     المآل الخاطئ للاستعجال: القفز المباشر لنفي التقليد دون هضم أدوات الموروث لا ينتج تجديداً، بل يكرس القطيعة، ويولد معاصرة هشة تُفرغ العمران من معناه وتستأصل الهوية من جذورها. 

خامساً: الخاتمة

التقليد الاستكشافي ليس جموداً ولا خياراً نهائياً، بل هو الشرط المعرفي والمدخل الفعلي الوحيد لاستيعاب الأدوات الأصلية وتملّكها. التجديد الحقيقي لا يبدأ من نقطة العدم، بل ينبت من قلب الاستيعاب الكامل للموروث؛ وبدون هذا المدخل، يتحول التجديد إلى مجرد قفز في الفراغ، يكرس الانقطاع، ويستبدل الحلول الأصيلة المجربة بمهاترات شكلية وفوضى عارمة. السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل نُقلد التراث أم نجدده؟ بل: كيف نفهم أدواته أولاً لنملك حق التجديد فيه؟

الأحد، أغسطس 16، 2026

التقليد الأعمى.. حين تفقد الأمة هويتها وتخترق عقيدتها

 

جمال الهمالي اللافي

لقد اتسعت مجالات التقليد الأعمى في عصرنا هذا، حتى تفرقت بالناس السبل، وضلت بهم المذاهب. انحدرت بعض العادات إلى مستويات من الإسراف والعبث، بدءاً من أعراس البذخ المفرط، مروراً بإطلاق الألعاب النارية، في مشاهد تهدر فيها الأموال بلا حساب وتغيب فيها الحكمة، وصولاً إلى أبشع مظاهر الاحتفال كتلطيخ الناجحين والعرسان بزيوت السيارات والأوساخ، التي نتج عن بعضها حالات أزهقت فيها أرواح وعميت أبصار بلا رقيب أو حسيب.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى الانسلاخ من الهوية - العقائدية قبل الوطنية-؛ فمن تقليد ملابس لا تليق بقيمنا، إلى الارتداء الاستعراضي للباس شعوب أخرى تزيناً وتفاخراً، وصولاً إلى تقليد تصاميم "مساكن الذين ظلموا". مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: 45]. والمقصود هنا ليس سكن ديارهم بعينها، بل استنساخ طراز حياتهم ومبانيهم التي شيدت على ثقافة تختلف جذرياً عن ثقافتنا التي تستمد أصولها من العقيدة السمحاء، وتراعي المستدعيات الشرعية والبيئية التي توجب التميز والاستقلال عن مناهج المغضوب عليهم والظالمين.

إن كل مسلسل يُعرض في الفضاء المفتوح، وكل رحلة إلى بلاد الله الواسعة، باتت تعود على بعضنا بأثقالٍ من العادات المستوردة؛ مأكلاً وملبساً ومسكناً. الكارثة أن الكثيرين يغضون الطرف عما يدسّ في هذا التقليد من شركيات خفية وبدعيات خطيرة. إن هذا الميل العجيب لمحاكاة الآخرين حتى في انحرافاتهم العقدية يعيد للأذهان مشهد بني إسرائيل حين تأثروا بما رأوه، كما يقص علينا القرآن الكريم: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [ الأعراف: 138].

تماماً كما نجد اليوم من يقلّد طقوساً لجلب الحظ، أو يتبنى ممارسات "روحية" مستوردة لا تمت للإسلام بصلة، أو يحتفل بمناسبات ذات جذور وثنية، وكلها أمور قد تخدش عقيدة التوحيد وتخرج صاحبها عن ملة الإسلام الحنيفية، ناهيك عما تسببه من انسلاخ تام للشخصية المسلمة وذوبانها في هويات الآخرين.

إن حماية أجيالنا الناشئة من هذا اليمّ المتلاطم من التبعية الفكرية والعقدية تفرض علينا وعياً راشداً ويقظة دائمة؛ فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تذوب في غيرها، والعقيدة أغلى من أن تباع بثمن الهوان ومحاكاة المقلدين. وإن العزة الحقيقية ليست في استيراد قوالب الآخرين ومسخ الذات، بل في استنبات الهوية من جذور الوحي الخالد، لتبقى الأمة شامخة بأصالتها، منيعة بحصن توحيدها.

السبت، أغسطس 15، 2026

العمارة بين البوصلة والمتاهة: حتمية الانحياز الفكري

 

 

جمال الهمالي اللافي

نجاح المعماري مرهون بامتلاكه بوصلة فكرية حاسمة، تتجاوز مجرد الانبهار بالتوجهات المعمارية المتضاربة. إن الوقوف في منطقة الوسط لمحاولة التوفيق بين فلسفات يناقض بعضُها بعضاً يجعل المعماري كمن يقف عند مفترق طرق يطمح للسير فيها جميعاً؛ فيستهلك طاقته في البدايات المتكررة، دون أن يحقق تراكماً أو يصل إلى غاية.

هذا التشتت المفهومي يحكم على التجربة المعمارية بثلاث معضلات:

·         الهشاشة المفهومية: الانشغال بالقشور والأشكال الظاهرة على حساب الفلسفة الجوهرية والحلول البنيوية للتوجه المعماري.

·         غياب هوية الموقف: التذبذب بين قيم متضاربة يفقد المعماري أصالة الصوت والمصداقية، فيستسلم للإملاءات المتغيرة بدلاً من أن يقود المشهد.

·         العقم التراكمي: المراوحة في نفس النقطة والعودة للصفر مع كل اتجاه جديد، مما يحرم النتاج المعماري من النضج والتطور التاريخي الطبيعي.

الرسوخ المعماري لا يتأتى من العبث بالهويات أو ملاحقة المتناقضات، بل من الشجاعة الفكرية في حفر مجرى عميق لرؤية أصيلة متكاملة، وتجويدها عبر تراكم الخبرة والممارسة.

 

الجمعة، أغسطس 07، 2026

الستار الديني والقحط المعماري: خبايا الصفحات الرقمية

 

جمال الهمالي اللافي

لم تعد بعض صفحات المعماريين على وسائل التواصل الاجتماعي تعبر عن علمهم الهندسي أو نفعهم التخصصي، بل تحولت إلى منابر لإعادة نشر المنقولات الشرعية بتحيزٍ وانتقائية لعلماء دون سواهم، وكأن صاحب الصفحة قد نصّب نفسه حكماً يقيّم علماء الأمة ويقرر مَن يُؤخذ عنه ومَن يُترك، وسط اختزال مخل وتهميش لباقي المذاهب والعلماء، مع خلوّ صفحته شبه التام من أي محتوى معماري يمثّل صلب تخصصه.

والمثير للانتباه في هذه الحسابات هو الانفصام الفكري الفاضح؛ فتجد صاحب الصفحة يتظاهر بالالتزام والتقوى في منشوراته، ويتقبل النظريات المعمارية الغربية وفلسفاتها المادية التي تتصادم في جوهرها مع العقيدة الإسلامية بالقبول الحسن ويدرسها لطلابه دون نقد؛ وهو هوسٌ يظهر جلياً حتى في المشاريع الشحيحة التي يعرضها القلة منهم على صفحاتهم. لكنه حين تبصره بحقيقتها، وتدعوه للالتزام بمنهج الشريعة الإسلامية في طرحه المعماري والتأصيل لعمارة تستمد مقوماتها من قيمنا والعزوف عن تقليد العمارة الغربية، يهز رأسه استكباراً، وينظر إلى ذلك على أنه طرحٌ عفا عنه الزمن!

وحين تبحث في هذه الصفحات عن فائدة معمارية واحدة في صلب التخصص، أو حلول فراغية ووظيفية تُجنب الناس أخطاء البناء وتوفر عليهم أموالهم، لا تجد شيئاً! وكأن الخبرة المعمارية جوهرٌ مصون يُبخل به على الناس، أو أن الصفحة ليست سوى ستار يستتر خلفه الفراغ المهني والضعف المعرفي.

إن بناء الثقة الظاهرية بالانتقاء الديني وتصنيف العلماء، ثم استغلال تلك الهالة للترويج لتصاميم مبالغ في تكاليف تنفيذها-تُغطى عيوبها التخطيطية والفراغية بأسعار التشطيبات الفاخرة والمواد الغالية- هو شكل من أشكال التضليل وإثقال كاهل الناس تحت سترة التقوى الظاهرة.

إن الأمانة الرقمية للمعماري لا تتجلى في التنصل من هويته وتخصصه المعماري الأصيل، بل في النصح والبيان، وتوظيف منصته لنفع الناس بتخصصه الذي يتقنه. فأن تنفع المسلمين بعلمك وتصدق معهم في مهنتك، خير لك من أن تتصدر فيما لا تحسن، وتترك ما أوجب الله عليك إتقانه.

الخميس، يوليو 30، 2026

المعماري: ما وراء التوازن المفقود


جمال الهمالي اللافي

    هل المعماري عالم نفس، أم اجتماعي، أم بيئي، أم اقتصادي؟ أم هو فنانٌ تشكيلي، ونحات، ومصمم فراغ؟ يتصارعون في عقله صراعاً لا يهدأ. عامة الناس يرونه شخصاً واحداً يفكر بعقلية واحدة، غافلين عن ساحة المعركة القابعة خلف صمته.

    تساؤلٌ يفرض نفسه: متى يبدأ دور كلٍّ منهم في ذهنه؟ وإلى أي مدى يتحكم في العملية التصميمية؟ ومتى يقف دور كل تخصصٍ عند حده؟ المعماري هنا هو القائد المُلهم؛ يمتلك ناصية المعرفة، ويصهر شتات الرؤى في بوتقة واحدة، ليفرض توازناً وسط تدافع التخصصات.

    وحين ينحاز القائد لطرفٍ، أو يستسلم لغواية التشكيل أو إملاءات السوق، تتحول العمارة من بيئةٍ تحتضن الإنسان وترتقي به إلى زلزالٍ ينهش العمران، وفيضانٍ يغرق كينونة الإنسان؛ لتصبح العمارة حينها جريمةً، تغتال الجمال، وتمسخ الإنسان، وتفصله عن كينونته.

الأحد، يوليو 26، 2026

البُعد المنسي في الممارسة المعمارية

جمال الهمالي اللافي

يُقال إن المبدع يعكس روحه وحالته النفسية على العمل الذي ينتجه. تنعكس هذه الحالة حتى على المنتج المعماري في مرحلتي التصميم، بل وعلى الحالة النفسية للعمالة الفنية في مراحل التشطيب النهائي.

لهذا أكدوا قولهم بانعكاس ذلك على بيوت ندخلها فنشعر بالراحة رغم بساطتها، وبيوت رغم فخامتها ننفر منها ونسعى لمغادرتها بأسرع وقت.

يبدو من هذا القول، أن عناصر التصميم المعماري - من إضاءة، وتشكيل فراغي، واختيار للمواد- ليست مجرد أدوات وظيفية، بل هي وسائط تحمل في طياتها الانعكاس النفسي للمصمم والمنفذ، وتؤثر بشكل مباشر على إدراك المستخدم للمكان. وهو أمرٌ يغفل عنه كثيرٌ من المعماريين، لأنه لا يُدرَّس ولا تُنشر عنه الدراسات، إلا اللمم في البلاد البعيدة.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...