أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، سبتمبر 21، 2026

عُقدة الذنب العُمرانية: لماذا نعتذر عن هويتنا، وكيف نعود إلى نقطة الانحراف؟

جمال الهمالي اللافي 

من المفارقات العجيبة والمحزنة في الخطاب العمراني المعاصر، تلك الحالة من التحرج المقيت والانهزامية النفسية التي تتلبس الكثيرين عند الحديث عن الموروث. فما إن تُطرح رؤية تستلهم النسيج التقليدي، حتى تُستنفر التبريرات الساذجة والديباجات الدفاعية لتأكيد أننا "لا ندعو للتقليد!"، وكأن الاستقاء من المعين الصافي الذي يمثله موروثنا الثقافي بات "تهمة" نخشى التصاقها بنا، أو سُبةً وجب إبطالها قبل الشروع في الحديث. 

يجب أن نتجاوز هذه العقدة بشجاعة؛ فما المشكلة حين نتوه وسط فوضى المدارس المعمارية المستوردة التي شوهت مدننا ومسخت هويتنا، أن نقف عند تفرع الطريق، ونعود إلى النقطة التي انحرفنا فيها عن جادة الصواب؟ إن العودة إلى تلك النقطة ليست نكوصاً، بل هي انطلاقة جديدة لتصحيح المسار والمسير حتى نصل إلى الغاية المنشودة. وكلنا ثقة وتصالح مع ذواتنا بأننا نفعل ما هو صواب؛ وهو موقف لا يتطلب التبرير المرتجف، بل يستوجب التمسك به كحق أصيل في صياغة بيئة تشبهنا. 

عندما ندعو للعودة إلى "البيت الإسلامي"، الذي تمثله بيئتنا بكل معطياتها الاجتماعية والمناخية والاقتصادية وخصوصيتها الثقافية، فإننا نؤسس لعودة واعية. نحن نعود إليه محملين بآلامنا من القصور الفادح للنماذج المستوردة وشقق العمارات الشاهقة؛ تلك القوالب الإسمنتية التي عجزت عن تحقيق أدنى أسباب الراحة والسكينة، وفشلت في توفير الحماية من قسوة متغيرات الظروف البيئية. نعود بعد أن أدركنا عقم هذه النماذج الدخيلة عن خلق بيئة حاضنة للتواصل الاجتماعي، فكانت النتيجة أن كدّرت النفوس، وحطمت الأجساد، واستهلكت الأموال، دون أن تلبي حاجة نفسية واجتماعية، أو تحقق مطلب العيش الكريم. نعود إلى موروثنا المعماري الذي أثبت– في كافة مدننا التاريخية– قدرته الفذة ومرونته العالية في استيعاب أحدث التقنيات المعاصرة، ليتعايش معها إنساننا طبيعياً دون أي عائق يُذكر. 

إن العودة إلى فلسفة المخطط العُمراني للمدينة الإسلامية هي ضرورة حتمية لإنقاذ إنسانيتنا المهدورة في شوارع الإسفلت. نعود إلى المخطط حيث البيوت متراصة، وحيث الشوارع مصممة على المقياس الإنساني لا تسع غير المشاة وآليات التخديم الضرورية لبيوتها ومرافقها، بحجم لا يضطرنا لتمزيق النسيج الحضري وتوسعة الطرق من أجلها. في هذا المخطط، كل خطة وتفصيلة غايتها القصوى هي "راحة الإنسان" وليس "السيارة والآلة". 

في هذا النسيج، يتعمق التواصل بين الجيران، وينشر الظل عباءته ليحمي العابرين والمقيمين من حر الصيف وبرد الشتاء. نحن نعود إلى هذا المخطط محملين بخبرات وتجارب ما بين المؤلمة والطموحة، لنصيغ تجمعاً عمرانياً يعيد "المسجد الجامع" ليحتل مركزه كقلب نابض للمدينة، بدلاً من ركنه في الزوايا المهملة من كل تخطيط لمنطقة. تخطيطٌ تعود فيه المصليات لتكون علامات دالة يهتدي بها الناس إلى حيث غايتهم ومقصودهم. 

إننا لا نستدعي الماضي لنعيش فيه، بل نستدعي حكمته لنبني بها مستقبلاً يليق بنا. ومَن يرى في ذلك تهمة، فليراجع هو بوصلته؛ فالمستلبون وحدهم مَن يخشون الانتماء.

الأحد، سبتمبر 20، 2026

بين الأصالة والاستلاب: الهوية الإسلامية الليبية وحدة المبدأ وشمولية التأصيل

  

جمال الهمالي اللافي

فقط للعلم لمن فاته العلم، 

    حين اخترتُ مسار "التأصيل للهوية الإسلامية" في ليبيا منذ التحاقي بقسم العمارة والتخطيط العمراني، لم يكن ذلك خيارًا عابرًا ولا رد فعل على أحداث يومية، بل كان مشروعًا فكريًا وإنسانيًا وشخصيًا امتد لعقود. كان هذا المسار انحيازًا واعيًا لشخصيتنا الحضارية في زمن سادت فيه مناهج تعزل الإنسان عن جذوره، وتدفع به نحو التغريب والمحاكاة لنموذج يقطع مع العقيدة والتاريخ، وهو موقف دفعتُ ثمنه في مسيرتي الأكاديمية والمهنية دون أن يثنيني ذلك عن المضي فيه. 

    لقد قامت رؤيتي للتأصيل على أن الهوية كلٌّ متكامل لا يتجزأ؛ فالمسكن والمدينة والزي واللسان وسائر المظاهر الحياتية ليست أدوات مجردة، بل هي التعبير المادي والسلوكي عن عقيدة المجتمع وثقافته. ومن هذا المنطلق، لم يكن تنظيري معزولاً عن الواقع الميداني؛ بل نهلت ثقافة التأصيل من عمق المرجعية الحية في مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، ومن رحلات استكشافية وتوثيقية شملت الجبل الغربي (يفرن، جادو، غريان، نالوت، الجوش، كاباو)، والشرق الليبي (درنة ومحيطها)، والجنوب (الجفرة: ودان، هون، سوكنة) وغدامس. كان الهدف دائمًا استلهام عمراننا الأصيل وتحويله إلى واقع معماري، سواء ما نُفّذ منه أو ما بقي حبيس الأدراج. 

    ولأن الرسالة شاملة، لم تتوقف عند العمارة؛ بل امتصّت المقالات والبحوث - من الجرائد الحائطية في قسم العمارة إلى مجلات "آثار العرب" و"مربعات"، ومنتدى المهندسين العرب، وصولاً إلى مدونتي "الميراث" وحساباتي الرقمية - نقدًا صريحًا لكل نظريات التغريب والصرعات الدخيلة التي مسّت السلوك واللسان والملبس. 

    ولم يكن نقدي للملابس الغربية والدخيلة مجرد تنظير على ورق، بل كان موقفًا ميدانيًا مباشرًا؛ فقد تصديتُ مبكرًا لانتشار صرعات الأزياء الغربية الشاذة والمنافية للفطرة وللأخلاق الإسلامية - كعادة (السراويل الطايحة) التي يعلم الجميع جذورها المنحرفة - ووصل بي الأمر إلى مواجهة ونصح أحد كبار موردي هذه الملابس في ليبيا، ونبهته صراحة إلى خطورة استيراد ونشر هذه الأزياء الهادمة لهوية شبابنا وقيمه، فلم أجد منه سوى الاستخفاف والسخرية، في تناقض صارخ بين الركض وراء الربح التجاري وبين واجب الرعاية للهوية العامة! وفي المقابل، طالبنا مرارًا بتعميم الزي الوطني الليبي في مؤسسات الدولة والتمسك باللغة العربية في الفضاء العام والأنشطة المهنية.

وهنا تكمن نقطة الجوهر التي يجب أن تتضح للجميع بغير لبس: 

    إن انحيازي للزي الوطني الليبي، ونقدي لاستبداله بـ "الزي الإقليمي الوافد- أيً كان" وتكريسه كمظهر حصري للالتزام، ينطلق من ذات المبدأ الذي انتقدتُ به الأزياء والتصاميم الغربية الدخيلة. إنها قضية رفض الاستلاب الثقافي والتبعية المظهرية كائناً ما كان مصدرها شرقيًا أم غربيًا. 

    فمن الناحية الشرعية والأصولية، جاءت الشريعة الإسلامية المطهرة بقواعد كليّة عامة وضوابط للحشمة والستر، ولم تفرض على الشعوب زياً جغرافياً محصوداً لمنطقة بعينها، بل أعملت "العُرف" الصالح وأقرت التنوع الثقافي وجعلته باباً للتعارف لا للذوبان (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). إن القضية ليست في مجرد أصل جواز ارتداء زيٍّ لبلد أخر، بل في إسباغ صبغة القداسة أو الأفضلية التعبدية على تقاليد إقليمية بعينها، واختزال المظهر الشرعي فيها، وتهميش الزي الوطني الذي ارتداه أجدادنا وعلماؤنا على مر التاريخ، وهو خلط بيّن بين "جوهر الدين الجامع" وبين "الأعراف الثقافية المحلية" لتلك البيئات. 

    إننا نكنُّ لكافة علماء المسلمين في كل أرجاء العالم الإسلامي - بما فيهم علماء المملكة العربية السعودية - كل الاحترام والتقدير، وننهل من علمهم وفتاواهم بغير تحيز أو تبديع، فلسنا في مقام تقييمهم ولا تصنيفهم. غير أن تقدير العلماء والاستفادة من علمهم الشرعي لا يعني بالضرورة نسخ تقاليد بلدانهم ومظاهرها البيئية على حساب تراثنا وشخصيتنا الوطنية. فالتبعية المظهرية ليست تدينًا، بل هي شكل آخر من أشكال التخلي عن الذات. 

    إن مشروعي المدون على صفحات مدونة "الميراث" وفي أرشيف منشوراتي على صفحتي هذه متاح للجميع، يقرأه من يبتغي الحقيقة والموضوعية. وهو موقف ثابت يتصدى لكل ما يهدد عقيدة وهوية المجتمع الليبي، من الهندسة والعمران إلى اللسان والملبس، بغير محاباة لأحد وبغير خشية من موقف أو مصادرة. 

    رحلة التأصيل مستمرة، والهوية الليبية الإسلامية ستظل أعمق وأجلّ من أن تُختزل في تبعية شكليّة أو صرعة مستوردة.

الخميس، سبتمبر 17، 2026

عمارة الاستلاب: نقد التخطيط المستورد ومأزق الهوية العمرانية في ليبيا

مبنى سكني في مدينة السرير- ليبيا صممه المعماري الياباني كيشو كوروكاوا. 

جمال الهمالي اللافي 

تخوض الحواضر الليبية منذ استقلال ليبيا مواجهة حاسمة مع أزمة تشكيل هويتها العمرانية، حيث يتجلى الفارق شاسعاً بين عمران ينبثق من روح المكان وتاريخه، وعمران يُسقط عليه قسراً باسم الحداثة وما بعدها. إن ظاهرة الاستعانة بالمعماريين النجوم (Starchitects) والشركات العابرة للحدود لوضع "لطخاتهم" الهندسيّة لا يمكن تصنيفها ضمن خانة التحديث الحضري، بل تصب في مسارين: تكريس عقدة الدونية والاستلاب الثقافي من جهة، وإقصاء المعماري والمخطط المحلي من حقه التاريخي في صياغة مشهده الوطني من جهة أخرى.

الاستشراق المعماري وفخ الحلول الجاهزة

تعتمد الأطروحات المعمارية الأجنبية- مهما بلغت أدواتها النقدية- على اختزال الإنسان المحلي في نموذج افتراضي مجرد. إن غالبية الدراسات التخطيطية الوافدة تعيد إنتاج ما يمكن تسميته بـ "الاستشراق المعماري"؛ حيث يُعامل التراث كزخرفة سطحيّة تُجرد من عمقها الثقافي والاجتماعي وتُلصق على كتل خرسانية غربية التكوين لا علاقة لها بطبيعة الحياة الاجتماعية. 

ولا يتوقف الخلل عند الشركات الغربية؛ إذ يقدم البديل الإقليمي أو العربي نموذجاً لا يقل رداءة. فهذه الشركات، المسكونة بقوالب الاستنساخ التجاري السريع، لا تقدم ما تحتاجه المدينة حقيقة، بل تقدم "ما ألِفته هي". النتيجة في الحالتين هي منتج عمراني مغترب يتجاهل الديناميكيات الاجتماعية للأسرة الليبية، ومفهوم التدرج الفراغي والخصوصية، والتوافق البيئي مع المناخ المحلي.

مفارقة الخبرة وأسطورة "المهندس النجم"

تتذرع الإدارات المتعاقبة بـ "غياب الخبرة الكافية" لدى الكادر الوطني لتبرير استيراد الحلول الجاهزة، غير أن تفكيك هذه الذريعة يكشف عن مفارقة منطقية فادحة: الخبرة المعمارية ليست هبة جينية، بل هي حصيلة تراكمية للفرص، والممارسة، والتجربة، وتصحيح الخطأ. 

إن الشهرة والصفة الاستشارية التي يحظى بها المعماري الأجنبي لم تأتِ من فراغ، بل وُلدت لأن دولته أتاحت له المجال أولاً ليتعلم ويسهم في تشكيل مدنه الخاصة. وحين تتخلى الدولة عن كوادرها وخريجي جامعاتها تحت ذريعة نقص الخبرة، فإنها لا تحرمهم من النمو فحسب، بل تحول ميزانياتها القومية إلى حقول تجارب مدفوعة الأجر لتمويل خبرات الشركات الأجنبية وصقل مهاراتها على حساب النسيج العمراني المحلي.

"بيت العنكبوت": التواطؤ المؤسسي والاستخفاف بالداخل

تتضاعف الأزمة حين ندرك أن الهياكل والأجسام المهنية والنقابية قد تحولت في مجملها إلى واجهات شكلية تشبه "بيت العنكبوت"؛ كونها تظل أذرعاً لمنظومة أعمق ترسخت منذ الاستقلال وتقتات على الاستخفاف بالداخل وتمجيد الوافد. 

إن استمرار هذا النهج يُفقد المجتمع "مواطنته العمرانية"؛ فالمدينة التي لا يخططها ولا يبنيها أبناؤها تظل بالنسبة لهم مجرد مساحات طارئة للعيش، بدلاً من أن تكون وعاءً حضارياً حياً يتطور بتطور إنسانه ويحفظ ذاكرته الوطنية. 


مرجع الصورة والمعلومات حول المصمم: صفحة المعمارية إيناس القلالي، على فيسبوك.



السبت، سبتمبر 12، 2026

بيتٌ يُعاش.. لا بيتٌ يُسكن فقط

جمال الهمالي اللافي

حين يفقد المعماري بوصلته، يغرق في ظلمات التبعية واللهاث وراء قشور الصرعات الغربية، ليحشر الإنسان في قوالب شكليّة غريبة عنه. لكن المعماري الحق- الثابت على أرض هويته، والمدرك لاحتياجات إنسانه وبيئته- لا يكتفي بأن يرسم خطوطاً على ورق، بل يتقمّص همّك ويحتضن حلمك حتى يغدو شريكاً في معاناتك؛ روحاً ثانية تعيش قلقك وتطلّعك إلى بيتٍ يُعاش لا بيتٍ يُسكن فقط.

إنّه يترجم توقك إلى مأوى يليق بكرامتك، ويحوّل رغبتك في فضاءٍ حميم إلى فكرة حية تتجسّد حجراً وضوءاً وظلالاً. وفي قاموسه الإبداعي، لا مكان للعجز ولا تقف القيود حائلاً بين الحلم والواقع؛ إذ يروّض العقبات المادية بالحلول المعمارية ليلغي المسافة بين ما تصبو إليه وما تلمسه بيديك.

إنه، باختصار، مَن يضع نفسه في موضعك، يرى بعينيك، ويصوغ بيتك كما لو كان يكتب سيرتك الذاتية؛ بيتاً يروي قصتك ويحتضن ذاكرتك، ويفتح أبوابه على الحياة لا على صمم الجدران.

 

هامش:

جاءت هذه الخاطرة من وحي حوارٍ مع زبونة كانت تخشى ألا تتسع المساحة أو الإمكانيات لرغبتها في الانتقال من الشقة إلى بيتٍ أرضي بحديقة وفناء. العمارة الأصيلة لا تُصمم الأبنية فحسب، بل تُصغي للمخاوف أولاً لتصنع منها حلولاً تليق بأحلام ساكنيها.

الثلاثاء، سبتمبر 08، 2026

العمارة بين حمولة المعتقد وفخ الحداثة: قراءة نقدية في الفكر والتقنية

جمال الهمالي اللافي 

لا تولد العمارة من فراغ، ولا تتشكل بمجرد رصّ مواد البناء لرفع جدران وأسقف، سواء تجسدت في مبنى سكني أو مرفق تعليمي أو مخطط عمراني شامل. إنها في صميمها وعاء يحمل مضموناً ورسالة، وتوجهاً وعقيدة. فالمعماري، أكان مدركاً لغاياته أم مجرد ناقل منبهر بطرز وافدة، يطرح على أرض الواقع مشروعاً ثقافياً يفيض بالخلفيات الفكرية لذلك الطراز الذي يتبناه. 

وهنا تبرز الإشكالية الكبرى في مناهج التعليم المعماري التي تحشو عقول الطلاب بأشتات من الطرز المعمارية المتباينة، وتدفع بهم نحو استيعاب توجهات مستوردة يغلب عليها النزعة المادية المجردة. يحدث هذا دون تبصير الطالب بمدى تعارض هذه التوجهات مع قيم المجتمع وأخلاقياته المستمدة من عقيدته الإسلامية. والنتيجة الحتمية هي تخريج أجيال تتبنى قناعات متصادمة، مما يؤدي إلى انحراف مسار المجتمع وتمزيق هويته عبر ضخ مشاريع تفتقر إلى المضمون والانتماء، وذلك تحت دعاوى براقة مثل مواكبة العصر ورفض التقوقع في الماضي. 

إن خطورة الفضاء المعماري تتجاوز غيره من الوسائل، لأنه البوتقة التي تحتضن المجتمع وتُعيد تشكيله وفق تفاصيل البيئة المبنية. وحين تتضارب المشاريع المنفذة في منطلقاتها، يغدو الفرد رهيناً لبيئة يومية تسلخه عن ثوابته، مما يجعل من المستحيل تكوين رؤية مجتمعية موحدة تجاه أي قضية. 

ولعل المدخل الأهم لتصحيح هذا المسار العبثي يكمن في الفهم الدقيق للفارق الجوهري بين "الحداثة" كمنظومة فكرية، وبين "التحديث" كأدوات وتقنيات ابُتكرت لتسهيل سبل العيش. إن رفض فكر الحداثة لا يعني البتة معاداة التطور التقني، بل هو رفض لقطيعة متعمدة مع الموروث، ورفض لقيم لا أخلاقية تُفرغ المسكن من معانيه الإنسانية. 

أما التحديث التقني، فقد أثبتت التجربة خضوعه التام لمعايير السوق والمكاسب المادية الرأسمالية بعيداً عن الغايات الإنسانية. فالجهات المصنعة تتعمد تقليص العمر الافتراضي لمواد البناء والأدوات الحديثة إلى الحد الأدنى لضمان استمرار الاستهلاك ورفع هوامش الربح، متجاهلة مبدأ الجودة والديمومة الذي كان أساساً في البناء. 

في المقابل، تقف التقنيات المعمارية التقليدية شاهداً على كفاءة لا تُضاهى. فمواد البناء المحلية وطرق الإنشاء الأصيلة والمعالجات المناخية الطبيعية أثبتت تفوقها العملي والوظيفي على منتجات السوق الاستهلاكية الحديثة التي سجلت فشلاً ذريعاً في توفير بيئة ملائمة دون تكاليف باهظة. لقد حققت العمارة التقليدية استدامة حقيقية وعمراً ممتداً، وقدمت حلولاً تحترم المناخ وتصون الأسرة. 

ختاماً، إن الموقف الحازم برفض منظومة الحداثة الفكرية وإفرازاتها الاستهلاكية ليس تراجعاً عن ركب التطور، بل هو انحياز للعقل والمنطق، وتفريق واعٍ بين تقنية يجب أن تخدم المجتمع، وبين استلاب فكري وتجاري يسوّق للربح المادي على حساب استقرار المجتمع وكفاءة عمرانه.

الاثنين، سبتمبر 07، 2026

العمارة وقوانين العقل.. إما أن تكون أو لا تكون

جمال الهمالي اللافي 

إن تقييم الأفكار والممارسات لا يكتمل إلا بالاحتكام إلى القواعد العقلية الكبرى التي ضبط بها الفيلسوف اليوناني أرسطو مسار التفكير البشري، والموسومة بـ "قوانين الفكر الأساسية". ولأن المعركة الفكرية اليوم ليست معركة خطوط وكتل فحسب، بل هي معركة مصير عقدي وهوياتي، فإننا نلجأ إلى هذه القوانين الصارمة لنزن بها واقعنا المعماري والأكاديمي، كاشفين بذلك عورة التناقض المستشري في استيراد منظومات غربية تتصادم جذرياً مع العقيدة الإسلامية ومنهج الحياة الشامل. 

في عالم البناء وتشكيل الفراغات، لا تنفصل حركة القلم على الورق عن حركة الفكر في العقل. العمارة ليست مجرد جدران وأسقف، بل هي الوعاء المادي الأكبر الذي يترجم عقيدة المجتمع ورؤيته للوجود والكون. وحين يقف المعماري أمام طاولة التصميم، فإنه لا يختبر مهارته الهندسية فحسب، بل يختبر انتماءه العقدي والفكري بالكامل. 

ومن هنا، فإن كشف عمق هذا الصراع العقدي قبل الهندسي في ممارساتنا المعمارية والأكاديمية يستوجب منا تفصيل القواعد الثلاث كالتالي: 

أولاً: قانون الهوية (الشيء هو ذاته)

ينص هذا القانون على أن الهوية ثابتة لا تتجزأ. المسلم يعتنق عقيدة شاملة تنظم كل تفاصيل حياته؛ في عمرانه، وملبسه، ومأكله، ومشربه، وعاداته، وسلوكياته، ومعاملاته. هذه العقيدة ليست شعاراً، بل هي منهج حياة متكامل ينبثق من استخلاف الإنسان في الأرض وفق مراد خالقه. هويته المعمارية هنا هي الامتداد المادي والعضوي لهذه العقيدة، وثباته عليها أمر لا مساومة فيه. 

ثانياً: قانون عدم التناقض

يخبرنا العقل أنه لا يمكن للشيء أن يحمل صفة ونقيضها في اللحظة ذاتها. وهنا تكمن الأزمة الكبرى التي يتغافل عنها الكثيرون؛ إذ لا يمكن للمعماري أن يعلن انتماءه لعقيدته الإسلامية كمنهج حياة شامل، ثم يتبنى في الوقت نفسه نظريات وفلسفات غربية وافدة تتصادم في جوهرها مع أصول هذه العقيدة. إن تمرير هذه النظريات وترويجها -سواء عبر المناهج الأكاديمية أو التطبيقات العملية التي تجعل من الإنسان وغاياته المادية المطلقة محوراً للكون بدلاً من العبودية لله- هو تناقض صارخ يلغي الانتماء الأول. العقل السليم يرفض الجمع بين تبني فكر يصادم عقيدته وبين ادعاء الوفاء لها. 

ثالثاً: قانون الثالث المرفوع (إما أن تكون أو لا تكون)

القضية إما صادقة أو كاذبة، ولا وجود لمنطقة وسطى أو رمادية للتلفيق أو الهروب إلى تفاصيل شكلية زائفة. لن ينفع المعماري هنا أن يدعي بأنه "عالج الخصوصية" أو وضع بعض الحلول الشكلية بينما يستورد فلسفة حياتية ومنظومة قيمية مغتربة. هذا القانون يضع الأكاديمي والممارس أمام محك الحقيقة القاطعة: لا يمكنك اعتناق هويتين متصادمتين في آن واحد. إما أن تكون معمارياً مسلماً تنبع فلسفتك وتطبيقاتك من مشكاة عقيدتك ومنهجها الشامل، أو أن تكون أداة تروج لنظريات غربية تصادم دينك في الجوهر والفرع. إما أن تكون، أو لا تكون. 

ختاماً:

    وهنا تتوجه المساءلة بحزم إلى الأكاديمي والقائمين على صياغة العقول في قاعات المحاضرات: كيف يستقيم أن تستمر مناهجنا التعليمية في فرض نظريات وتوجهات استعمارية في جوهرها الفكري، تُخضع المسلم لرؤية تتصادم مع عقيدته في كل ما يحيط به؟ إن الوقوف أمام الطلاب لتمرير هذا الاستلاب الفكري تحت غطاء الحداثة والتطور ليس نقلاً للمعرفة، بل هو محاولة مسخ لطمس الهوية من أصولها. ألم يأنِ الأوان لتطهير هذه العقول والمناهج من هذا التناقض، لتعود قاعات الدرس منطلقاً لعمارة تنبع من العقيدة وتصون إنسانها، بدلاً من تخريج أجيال تكرس الاغتراب وتناقض دينها في الفكر والممارسة؟

الأحد، سبتمبر 06، 2026

الاستعمار الفكري وتهديم العمران: التصادم العقدي بين الحداثة والعمائر الإسلامية

جمال الهمالي اللافي 

تُطرح في أروقة النقد والتخطيط العمراني محاولات مستمرة لما يُسمى "التوفيق بين الأصالة والمعاصرة". غير أن هذه المحاولات تنطلق في الغالب من اختزال تسطيحي للمسألة في حدود "التراث المحلي"، وتتغافل عن الجذر الحقيقي للأزمة: إن التصادم الجذري ليس بين الحداثة و"موروث تقليدي"، بل هو تصادم مباشر بين الفلسفة الغربية التي أنتجت الحداثة وما تلاها، وبين العقيدة الإسلامية كمنهج حياة متكامل انعكس تاريخياً على كل مظاهر حياة المسلمين.

1. سياق الحداثة الغربية مقابل المفهوم الإسلامي

حققت عمارة الحداثة في موطنها الغربي استجابة لظروف مجتمعاتها التقنية والفكرية، وعكست تحولاتها نحو المادية والفردانية وإعادة تعريف الإنسان بعيداً عن الوحي. غير أن أزمة هذه النظريات تظهر حين تُفرض كنموذج عالمي يتجاوز سياقه، ليحل محل مرجعية عقدية مختلفة تماماً.

·     المرجعية الإسلامية: تنطلق من عقيدة التوحيد، وتصوغ الفضاء العمراني ليكون امتداداً لقيم السكن، والستر، والتواضع، ومراعاة حرمة الجوار. إنها رؤية تجعل المبنى أداة لتحقيق عبودية الله والانسجام مع الفطرة، لا أداة للاستعراض.

·     النموذج الوافد: ينطلق من مركزية المادة، وتشييئ الفضاء لخدمة حركة الاستهلاك، وتحويل الكتلة المعمارية إلى أداة للتعبير الفردي والاستعراض المادي، وهو ما يتصادم جذرياً مع منظومة القيم والأخلاق التي تشكل الوجدان الإسلامي.

2. تفوق المشروع العمراني الإسلامي وكفاءته الشاملة

إن النقد الموجه لإسقاط الحداثة على مدننا لا ينطلق من موقف عاطفي، بل من واقع أن العمائر الإسلامية قدمت مشروعاً حضارياً شاملاً حقق كفاءة وظيفية وبيئية واجتماعية تعترف الأدبيات المعمارية المعاصرة نفسها بعدم قدرة الحداثة على مضاهاتها:

·     الانسجام البيئي والمادي: اعتمد العمران الإسلامي على مواد البناء المحلية والحلول المعمارية البيئية الموجبة (كالفناء وسمك الخوائط والفتحات الصغرة وملاقف الهوائية) لتوليد مناخ مصغر يستغل حركة الطبيعة، خلافاً للكتل الخرسانية والزجاجية الوافدة التي تستهلك الطاقة بقسوة للتكيف الميكانيكي.

·     التكافل الاجتماعي والخصومية: صُممت الكتل المعمارية متضامنة ومتصلة لتعزيز التكافل ولحمة الحي، مع توجيه الفتحات والفناءات إلى الداخل لتحقيق الخصومية التامة والستر لأهل الدار، في مقابل الكتل المنفردة الحداثية المنفتحة على الخارج والتي تكرس الفردانية وتكشف الحرمات.

3. أدوات الفرض القسري والانبهار الأعمى

لم يدخل النموذج الحداثي الغربي إلى ديار المسلمين نتيجة اقتناع فكري أو مفاضلة معمارية مجردة، بل أُدخل وفرض عبر مسارين:

1.   سطوة الاحتلال والقوة العسكرية: تفكيك النسيج العمراني المتضامن للمدن الإسلامية بالقوة، وشق الشوارع العريضة لاختراق الأزقة المحمية لتسهيل السيطرة الأمنية وتدمير البنية الاجتماعية المترابطة.

2.   الغزو المؤسسي والنخب المغتربة: توظيف مناهج التعليم والإعلام لتغريب العقل المعماري، وتنشئة نخب تبنت الطرح الغربي وصارت تبنيه وتدرّسه دون مراجعة لمرجعيته. وحين اصطدمت هذه النخب بالرفض الفطري للمجتمع، لجأت إلى "التوفيق التلفيقي" بإلصاق مفردات شكلية كالأقواس على كتل خرسانية مسخ سترًا للتصادم الجوهري.

4. المنهجية التطبيقية: استعادة "فقه العمران" لا اختراع البدائل

إن الحديث عن البديل التطبيقي للمعماري الممارس اليوم لا يعني البحث عن "ثورة تصميمية معقدة"، فالأمة لم تكن بلا منهج عمران، بل كانت تمتلك منظومة متكاملة من التشريعات والضوابط أفرزت أرقى الحواضر المعمارية. إن تفعيل هذا البديل يبدأ من خطوتين عمليتين:

·     استعادة ضوابط "فقه العمران" كقوانين تصميمية: تحويل قواعد الفقه العمراني كقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وما استلهمه المُشرع منها (كحريم الدار، ومراعاة حقوق الضوء والهواء للجوار، ومنع الإشراف الكاشف للحرمات)، إلى محددات رئيسية تشكل مسقط المبنى وحجمه قبل البدء في أي عملية رسم.

·     الانطلاق من التراكم التاريخي لا القطيعة: معالجة المتطلبات المعاصرة واستخدام التقنيات الحديثة بوصفها "أدوات تنفيذية" خادمة لجوهر الفضاء الإسلامي (كالبيت ذي الفناء الداخلي والكتل المتضامنة)، وليس بوصفها فلسفة توائم التشكيل. 

إن المفاصلة المعرفية المطلوبة هي الانتقال من موقع "المستورد المنبهر" الذي يلهث خلف نظريات تفكك أصوله، إلى موقع "الوارث الواعي" الذي يستأنف العمل بمنظومته العمرانية التي أثبتت كفاءتها عبر التاريخ.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...