أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، نوفمبر 07، 2026

ليس بالطين وحده تُبنى العمارة

في نقد اختزال منظومة قيم العمارة المحلية في مادة بناء

الصورة المرفقة هي لثلاث محاولات مازالت قيد الدراسة للمسكن العائلي المعاصر.

جمال الهمالي اللافي

ينطلق المعماريون في توجهاتهم الفكرية من مدارس شتى. فبعضهم يعتلي منصة الريادة بالتأسيس لرؤية جديدة، وبعضهم يتبنى رؤية قائمة ويبني عليها مساره، كما تتباين مداخلهم إلى العمارة نفسها؛ فمنهم من يجعل الشكل محور اهتمامهم، ومنهم من ينطلق من الوظيفة، ومنهم من يرى في مواد البناء وتقنيات الإنشاء المدخل الرئيس. بينما رأيت أن المدخل الأوسع والأكثر شمولاً يكمن في إعادة الاعتبار لمنظومة القيم التي تنتج العمارة قبل أن تنتج أشكالها وموادها. وفي داخل هذه المنظومة تتداخل الوظيفة، والشكل، ومواد البناء، والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، لتصبح جميعها أجزاء من رؤية أشمل، دون أن يستأثر أي منها وحده بتعريف العمارة أو اختزالها في حدوده.

ولطالما طالعتني- بين الحين والآخر- أصوات تُعيرني بعدم استخدام "الطين"، وكأن أصالة المعماري تقاس بمدى التزامه بمادة بناء بعينها، أو كأن المطلوب مني أن أستنسخ حرفياً تجارب معمارية كتجربة حسن فتحي أو عبدالواحد الوكيل.

ومن هنا تحديداً أكتب؛ لأقول بوضوح: إن من يعيرني بذلك إنما يختزل عقوداً من العمل الفكري والميداني في قالب مادي ضيق، ويجهل منطلقات رحلتي مع العمارة منذ بدايتها.

فمنذ التحاقي بدراسة العمارة في مطلع الثمانينيات، لم يكن مدخلي إلى العمارة المحلية مادة البناء، ولم يكن همي البحث عن تقنية إنشائية تقليدية أو الدعوة إلى العودة لاستخدام الطين أو الحجر. بل كان الهاجس الذي استحوذ عليّ هو البحث في مسكن العائلة الليبية، ومحاولة فهم المنظومة التي أنتجته، واستكشاف السبل التي تمكن من استعادة جوهرها في نموذج سكني معاصر قادر على التفاعل مع تحولات الزمن دون أن يفقد صلته بأصوله. لم يكن البيت الليبي بالنسبة لي جدراناً وسقوفاً وأفنية داخلية، بل كان صورة مادية لمنظومة كاملة من القيم الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والعمرانية. وكان السؤال الذي شغلني مبكراً: كيف يمكن إعادة الاعتبار لتلك المنظومة في واقع مغاير؟ وكيف يمكن أن تستمر القيم التي أنتجت البيت دون أن تصبح أسيرة لأشكال مرحلة تاريخية معينة؟

وقد عبرت عن هذا التوجه في المناقشة الأولى لمشروع التخرج، ثم توسع لاحقاً في محاضرتي الأولى «نحو رؤية جديدة ومعاصرة لمفهوم البيت الاقتصادي» بمقر مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، ونُشرت في مجلة آثار العرب، قبل أن تظهر في كتاباتي في مدونة الميراث. ولهذا كنت أنظر دائماً إلى مواد البناء باعتبارها جزءاً من العمارة، لا العمارة نفسها. ولذلك أجد غرابة بالغة في ذلك الاختزال الذي يجعل العمارة المحلية مرادفاً للطين، أو يجعل الحكم على تجربة أي معماري مرهوناً باستخدام هذه المادة أو تركها.

وعندما نتأمل تجارب المعماريين الكبار الذين انشغلوا بقضية الهوية، نجد أنهم انطلقوا من هموم متقاربة لكنهم اتخذوا مسارات مختلفة؛ فحسن فتحي وظف الطين معالجة لقضايا الإسكان والعدالة الاجتماعية في الريف المصري، وواصل عبدالواحد الوكيل مساراً خاصاً، واتجه رفعة الجادرجي وصالح مكية مسارات مغايرة، بينما قدم راسم بدران معالجة أخرى. وللإجابة على من يضعني في مقارنة ظالمة مع هؤلاء، يجدر التذكير بحقيقة تغيب غالباً عن النقاش: فالمعماري ليس هو الذي يصنع الطوب بيديه ولا هو الذي يشيد العقود والقباب بجهده الشخصي. فحسن فتحي لم يكن صانع طوب، وعبدالواحد الوكيل لم يكن أسطى بناء يمارس الحرفة بنفسه؛ لقد كانا مفكرين ومصممين، بينما تولى التنفيذ حرفيون مهرة ورثوا تقنيات البناء جيلاً بعد جيل، وفي مقدمتهم أسطوات النوبة. إذن، لم يكن النجاح ثمرة مادة بناء وحدها، ولا عبقرية فردية مجردة، بل نتاج منظومة كاملة من المعرفة والحرفة والخبرة المتراكمة. فهل يُعقل بعد ذلك حصر العمارة المحلية في تجربة واحدة، أو شخص واحد، أو مادة واحدة؟

إن تاريخ العمارة الليبية نفسه لا يسند هذا الاختزال. فلم تعرف ليبيا مادة بناء محلية واحدة؛ ففي غدامس غلب الطوب الطيني المجفف بالشمس، وفي مناطق أخرى استُخدم التراب المدكوك (ضرب الباب)، وفي جبل نفوسة كان الحجر هو الأساس، بينما اعتمدت غريان على الحفر في التربة وإنشاء الفراغات داخلياً. فأي هذه المواد يمكن اعتباره ممثلاً وحيداً للعمارة المحلية؟ لا شيء؛ لأن ما جمع هذه التجارب لم يكن وحدة المادة، بل وحدة المنهج القائم على استثمار موارد البيئة لتحقيق أفضل استجابة لحاجات الإنسان.

بل إن التطور الصناعي أوجد مع مرور الزمن مواد حققت كثيراً من أهداف المواد التقليدية؛ فالطوب الرملي، والياجور، والحجر الجيري، وأنظمة العزل الحراري، توفر حلولاً بكفاءة عالية. ومن واقع تجربتي المهنية، لم أكن يوماً في خصومة مع المواد المحلية، بل حاولت توظيفها متى أمكن. وأذكر أنني صممت استراحة واقترحت تنفيذها بالطوب الرملي لكفاءته البيئية والعزل، غير أن صاحب المشروع قارن التكلفة بالبدائل المتوافرة واختار ما يناسب ظروفه الاقتصادية.

وهذا يقودنا إلى جوهر القضية: إن أزمة البناء بالمواد المحلية في ليبيا ليست أزمة طين، وليست أزمة حجر، وليست أزمة خرسانة. إنها أزمة منظومة. فالطين ما زال موجوداً، لكن أين البناء الحرفي؟ وأين المعلم الذي ينقل خبرته؟ وأين المختبرات والشركات وسوق العمل التي تجعل هذه المواد خياراً تنافسياً قابلاً للحياة؟

فضلاً عن ذلك، فإن المهن المرتبطة بالبناء تحولت جذرياً؛ فلم يعد المعماري هو "المعلم البناء" الذي يجمع التصميم والتنفيذ وصناعة المواد في شخصه. لقد توزعت المعرفة على تخصصات مستقلة (هندسة إنشائية، علوم مواد، مراكز أبحاث، وسوق مال). وبالتالي، فإن تحميل المعماري وحده مسؤولية غياب البناء بالمواد المحلية ينطوي على تبسيط لا يقل سذاجة عن اختزال العمارة في مادة بناء. السؤال الحقيقي ليس: "لماذا لم يستخدم فلان الطين؟"، بل: "لماذا لم تنتج المنظومة العلمية والمهنية حلولاً معاصرة تجعل المواد المحلية قابلة للتطبيق والمنافسة؟"

لقد أدركت مع مرور السنوات أن التحدي الحقيقي ليس في المادة، بل في البيئة التي تجعل المادة قابلة للتحول إلى عمارة. ولهذا ظللت متحفظاً في الكتابة حول هذا الملف، لا شكاً في قيمة المواد المحلية، بل لأن القضية أعمق بكثير. العمارة المحلية لم تكن يوماً مسألة مادة، بل مسألة قيم تنتج شكل المسكن ووظيفته وعلاقته بالمجتمع والبيئة.

وختاماً؛ أقول لمن يضيق أفق حواره ليختزل العمارة في سؤال أحادي: هل بنيت بالطين أم لم تبنِ به؟ إن هذا الاختزال لا يظلمني شخصياً فحسب، بل يظلم العمارة برمتها. فالعمارة المحلية ليست جداراً طينياً، ولا حجراً منقوشاً، ولا عقداً، ولا فناءً. إنها رؤية كاملة للإنسان ومكانه في الحياة. وعندما تتحول هذه الرؤية إلى واقع عمراني، فإنها تستعين بكل ما تراه مناسباً من مواد وتقنيات، دون أن ترهن وجودها بمادة بعينها.

لم يكن شاغلي يوماً الطين من أجل الطين، بل البحث عن منظومة القيم التي أنتجت البيت الليبي، ومحاولة فهمها واستيعابها وإعادة قراءتها في ضوء احتياجات العصر ومتغيراته. أما المادة فتأتي بعد ذلك؛ فقد تتغير المواد وتتبدل الأدوات جيلاً بعد جيل، لكن العمارة الحية تبقى مرتبطة بقدرتها على التعبير عن قيم مجتمعها والاستجابة لتحديات زمانها.

وعندما نفهم العمارة من هذا المنظور، ندرك أن معركتنا الحقيقية ليست مع الطين ولا مع الخرسانة، بل مع ذلك الاختزال الكسول الذي يحاول حصر التجارب المعمارية في قالب واحد. فالعمارة لم تكن يوماً طيناً أو حجراً أو خرسانة.. كانت، وستظل، إنسانًا وقِيَمًا ومعرفةً تتخذ من المادة وسيلة للتعبير، لا غايةً تقوم عليها.

الجمعة، نوفمبر 06، 2026

في اليوم العالمي للعمارة: لماذا نحتاج إلى يومٍ للمناحة على العمارة الليبية؟


جمال الهمالي اللافي

الاحتفال باليوم العالمي للعمارة هو، في جوهره، احتفاء بالمنجز المعماري؛ منجز الدولة في عمرانها، ومنجز المهنة في قدرتها على الارتقاء بالبيئة المبنية، ومنجز المعماري في رحلته المهنية وما يتركه من أثر في واقعه ومجتمعه. ومن هنا يفرض الواقع المحلي سؤالاً لا يمكن تجاوزه: أين تقف العمارة الليبية من هذا الثالوث الاحتفائي؟

يصعب على المتأمل للمشهد المعماري الليبي أن يجد ما يدعو إلى قدر مماثل من الاحتفال. فالأزمة لا تتمثل في غياب البناء، فالمدن لا تزال تتمدد، والمشاريع لا تزال تنفذ، والكتل العمرانية تواصل زحفها على الأرض. لكن ما يغيب في كثير من الأحيان هو المشروع المعماري بمعناه الأعمق؛ ذلك المشروع القادر على تحويل البناء إلى قيمة، والعمران إلى هوية، والإنفاق إلى تنمية حقيقية تترك أثراً يتجاوز حدود اللحظة الراهنة.

فعلى مستوى الدولة، لا تزال القرارات العمرانية تتقدم في كثير من الأحيان على الرؤية العمرانية الشاملة، فتولد مشاريع متفرقة أكثر مما تولد مدناً متماسكة. وعلى المستوى المهني، تراجعت مكانة المعماري لحساب اعتبارات وإملاءات لا تنتمي إلى جوهر المهنة بقدر ما تنتمي إلى ضغوط الواقع ومصالحه المتشابكة. أما على المستوى الشخصي، فقد وجد كثير من المعماريين أنفسهم منشغلين بمعركة البقاء المهني أكثر من انشغالهم بإنتاج المعرفة المعمارية أو تطوير أدوات الممارسة أو إثراء العمران الليبي بما يستحقه من اجتهاد وإبداع.

وأمام هذا الواقع، قد يبدو من الملائم أن يكون للعمارة الليبية يومها الخاص؛ لا يوم احتفاء، بل يوم مراجعة ومكاشفة ومناحة. يوماً مستقلاً عن اليوم العالمي للعمارة، لا تُرفع فيه عبارات التهنئة، بل تُطرح فيه الأسئلة المؤجلة، وتُستعرض فيه التحولات التي أوصلت المهنة إلى ما آلت إليه، بعيداً عن المجاملات وعن الخطابات التي تكتفي بإعلان النجاح في الوقت الذي تشير فيه الوقائع إلى غير ذلك.

غير أن قيمة هذه المناحة لا تكمن في استدعاء مشاعر الأسى أو اجترار الشكوى، لأن الشكوى في حد ذاتها لا تصنع نهضة ولا تصحح مساراً. إن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على كشف مواطن الخلل، وتشخيص أسباب التراجع، وتحديد المسؤوليات، وفتح نقاش مهني جاد حول السبل الكفيلة باستعادة الدور الحضاري للعمارة الليبية. فالمهن لا تتقدم لأنها تحتفل بإنجازاتها فحسب، بل لأنها تمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة إخفاقاتها أيضاً.

ولعل المعضلة الأعمق ليست في وجود أسباب تدعو إلى المناحة، بل في اعتيادها حتى أصبحت جزءاً مألوفاً من المشهد. فالخطر لا يبدأ حين تتراجع المهنة، وإنما حين يتراجع الإحساس بخطورة هذا التراجع، ويتحول من استثناء يستوجب المعالجة إلى واقع يُتعايش معه ويُسلَّم به. وعند تلك اللحظة تحديداً تفقد المهنة قدرتها على التجدد وتفقد المؤسسات قدرتها على المراجعة.

إن الغاية من الدعوة إلى يوم للمناحة على العمارة الليبية ليست تمجيد المناحة ذاتها، بل السعي إلى تجاوز الحاجة إليها. فاليوم الذي نخصصه للمراجعة الصادقة والنقد المسؤول ينبغي أن يكون خطوة أولى نحو يوم آخر نستحق فيه الاحتفال دون حرج، حين تصبح العمارة الليبية شريكاً حقيقياً في صناعة المستقبل، لا موضوعاً دائماً للرثاء. وعندها فقط يمكن أن نغادر موقع المناحة إلى موقع الإنجاز، فعلاً لا ادعاءً.

الخميس، نوفمبر 05، 2026

توريث الخبرة

جمال الهمالي اللافي

    خلال سنوات دراستي الجامعية تعلمت كثيراً مما يفترض أن يتعلمه طالب العمارة، لكنني بعد دخولي إلى الحياة المهنية اكتشفت أن بين ما يُدرَّس في قاعات الدراسة وما يواجهه المعماري في الواقع مسافة واسعة. كانت سنوات طويلة من التعليم والحفظ والامتحانات، غير أن كثيراً من الأسئلة الحقيقية التي تفرضها الممارسة اليومية لم أجد لها جواباً فيما تعلمته. ولم يكن ذلك مقتصراً على العمارة وحدها، بل هو حال كثير من التخصصات التي يتخرج أصحابها وهم يحملون قدراً كبيراً من المعلومات، وقدراً أقل من الفهم، وقدراً أقل من ذلك من الخبرة.

    كنت أظن أن ما لم أجده في الجامعة سأجده عند من سبقوني في المهنة، وأن سنوات العمر التي أنفقوها في التجربة والخطأ والنجاح والإخفاق ستتحول إلى ميراث يتناقله القادمون الجدد. لكنني فوجئت بأن كثيراً من أصحاب الخبرة قد أحاطوا أنفسهم بجدران تحول دون الاقتراب منهم. لم تكن الخبرة غائبة، بل كان الوصول إليها هو الغائب. وكأن كل جيل مطالب بأن يبدأ رحلته من الصفر، وأن يكرر أخطاء من سبقوه قبل أن يصل إلى ما وصلوا إليه.

    ومن رحم هذه المعاناة وُلدت قناعتي بأن من أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمجتمعه ليس المال ولا الممتلكات، بل الخبرة المتراكمة التي اختصر بها سنوات من عمره. ومن هنا جاءت تجربتي في فتح الباب أمام الخريجين الجدد من خلال المدرسة الليبية للعمارة والفنون(2004-2008)، ليس بوصفها دورة تدريبية بالمعنى المتعارف عليه، وإنما بوصفها محاولة لتوريث الخبرة، وإتاحة الفرصة لمن يأتي بعدنا حتى لا يضطر إلى إعادة السير في الطرق الوعرة نفسها التي سرنا فيها من قبل.

    غير أن توريث الخبرة لا يعني مجرد نقل المعلومات. فالمعلومات وحدها متوافرة في الكتب والجامعات والمواقع الإلكترونية. وما يعاني منه كثير من الناس اليوم ليس نقص المعلومات، بل كثرتها واختلاط صحيحها بسقيمها. فقد يقضي الطالب سنوات طويلة متنقلاً بين مراحل التعليم المختلفة، ثم يكتشف أن ما تلقاه كان في معظمه معارف نظرية مجردة لا تسندها تجربة عملية حقيقية، وأن كثيراً مما ظنه حقائق راسخة يحتاج إلى مراجعة وتمحيص حين يصطدم بالواقع.

    ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فبعض الدورات التدريبية التي يُفترض أن تعالج هذا النقص وقعت في المشكلة نفسها. إذ تحولت أحياناً إلى عروض تسويقية أو جرعات سريعة من المعلومات المتفرقة التي توهم المتلقي بأنه تعلم، بينما هو لم يكتسب ملكة، ولم يبن فهماً، ولم يقترب من جوهر المهنة. وقد خضت بنفسي عدداً من الدورات في مجالات متنوعة، من برامج الرسم المعماري إلى التخطيط الاستراتيجي، فوجدت في بعضها معلومات متناثرة لا تكفي لبناء معرفة راسخة ولا لصناعة مهارة حقيقية. وهذا في نظري ليس تعليماً بالمعنى الكامل، لأن التعليم لا يقاس بما قيل في القاعة، بل بما ترسخ في عقل المتعلم وتحول إلى قدرة على الفهم والممارسة.

    ولهذا فإن مسؤولية من يورثون الخبرة أكبر من مجرد إعادة ما تعلموه أو تكرار ما حفظوه. فليس المطلوب أن ننقل للناس ما ورثناه من أخطاء، ولا أن نضيف ضجيجاً جديداً إلى ضجيج قائم أصلاً، وإنما أن نصحح ما وجدناه ناقصاً، وأن نراجع ما ثبت بطلانه، وأن نربط المعرفة بالواقع، وأن نقدم للمتعلم ما يعينه على الفهم قبل الحفظ، وعلى التمييز قبل التقليد.

    إن المجتمع الذي لا يورث أبناءه الخبرة محكوم عليه بأن يعيد البدايات في كل جيل. والحضارات لم تُشيد لأن كل جيل بدأ من الصفر، بل لأنها نجحت في نقل ما تراكم لديها من علم وتجربة وفهم إلى من أتى بعدها. وكل خبرة تموت بموت صاحبها هي خسارة تتجاوز الفرد إلى المجتمع بأسره.

    غير أن المسألة في نظر المسلم لا تقف عند حدود المنفعة الاجتماعية أو التقدم الحضاري. فالعلم الذي بين أيدينا ليس من صنعنا الخالص، بل هو فضل من الله يسّر أسبابه وهيأ لنا طريقه وسخر لنا من يعلمنا ويقودنا إليه. وما دام الأمر كذلك، فإن السؤال لا يقتصر على ماذا فعلنا بعلمنا في الدنيا، بل يمتد إلى ماذا سنقول حين نسأل عنه بين يدي الله.

    فما قيمة الخبرة إذا تحولت إلى وسيلة للاحتكار؟ وما قيمة المعرفة إذا مُنع عنها طالبها الصادق لأنه لا يملك القدرة على دفع ثمن الوصول إليها؟ وما قيمة العمر الذي أمضيناه في جمع العلم إذا انتهى أثره بانتهاء حياتنا؟

    إن من حق الإنسان أن يتكسب من مهنته وخبرته وعمله، ولا خلاف في ذلك. لكن يبقى هناك باب آخر لا يفتحه إلا من أدرك أن المال ليس كل شيء، وأن ما يدخره الإنسان عند الله أبقى مما يدخره في حساباته. ذلك الباب هو أن يجعل من علمه وخبرته سبيلاً لإعانة الآخرين، وأن يختصر عليهم سنوات من الضياع والحيرة، وأن يفتح لهم أبواب الرزق الحلال، وأن يعلمهم ما ينفعهم حقيقة لا ما يوهمهم بالمعرفة.

    ففي عقيدتنا الإسلامية لا ينقطع الأمر عند حدود الموت. هناك حساب وجزاء، وهناك صحائف تبقى مفتوحة بما تركه الإنسان وراءه من خير أو شر. ومن أعظم ما يبقى بعد رحيل المرء علماً نافعاً انتفع به الناس من بعده. أما العلم الذي كُتم، أو فُرِّغ من مضمونه، أو استُخدم لإيهام الناس بأنهم تعلموا وهم لم يتعلموا، فذلك باب آخر يسأل صاحبه عنه أيضاً.

    ولهذا فإنني كلما تقدمت بي السن ازددت اقتناعاً بأن السؤال الأهم ليس: كم كسبنا من خبراتنا؟ بل: ماذا تركنا منها وراءنا؟ وكم إنساناً أصبح أكثر قدرة على العمل والإنتاج بسبب ما علمناه إياه؟ وكم أسرة فُتح لها باب رزق لأن أحداً لم يبخل عليها بما تعلمه؟ وكم جيلاً سيواصل البناء على ما وصلنا إليه بدلاً من أن يبدأ من الصفر؟

    فالمال ميراث، والعقار ميراث، لكن أعظم ما يمكن أن نورثه للناس هو علم نافع، وخبرة صادقة، وفهم عميق للحياة والمهنة والواقع. ذلك هو الميراث الذي لا ينقص بالعطاء، ولا ينتهي بموت صاحبه، بل تبدأ ثماره الحقيقية بعد رحيله.

الاثنين، نوفمبر 02، 2026

المدرسة.. ليست مبنىً للتعليم، بل بياناً معمارياً عن الإنسان الذي نريد صنعه

 


جمال الهمالي اللافي 

منذ سنوات الدراسة الأولى، لم تكن المباني بالنسبة لي مجرد جدران وأسقف نحتمي بها، بل كانت فضاءات حية تتسلل إلى أعماقنا وتصنع انطباعاتنا بصمت. في تلك المرحلة المبكرة، كان هناك سؤالان يرافقانني بصمت ويكبران معي عاماً بعد عام؛ الأول يتعلق بما أصاب مسكن العائلة المعاصر من تحولات أفقدته كثيراً من أدواره الاجتماعية والإنسانية التي شكلت عبر أجيال متعاقبة إطار الحياة الأسرية ومجالها الطبيعي. أما الثاني فكان يتعلق بالمدرسة؛ ذلك المكان الذي يقضي فيه الطفل جانباً كبيراً من سنوات التكوين الأولى، والذي بدا لي منذ وقت مبكر أكثر تأثيراً في تشكيل السلوك والسكون النفسي مما يوحي به شكله الخارجي البسيط.

لم أكن أدرك آنذاك أن هذين السؤالين سيستمران في ملاحقتي حتى بعد التحاقي بقسم العمارة، وأنهما سيشكلان لاحقاً جوهر انشغالي المعماري والفكري. ولأن المقالة تتناول المدرسة، فإنني أجد نفسي مضطراً للعودة إلى تلك السنوات الأولى التي سبقت تعرفي على العمارة كمهنة أو كعلم. فبحكم انتقال السكن بين أكثر من منطقة داخل مدينة طرابلس، انتقلت بدوري بين عدد من المدارس خلال مراحل الدراسة المختلفة، بدأت بالمدرسة المركزية بشارع عمر المختار، ثم انتقلت إلى مدارس أخرى من بينها مدرسة شارع الزاوية وزاوية الدهماني وجامع عمورة والظهرة، قبل أن أصل إلى المرحلة الإعدادية بمدرسة علي حيدر الساعاتي، ثم المرحلة الثانوية بمدرسة علي وريث.

اليوم، وبعد مرور عقود على تلك التجربة، لا أتذكر المناهج التي درستها بالقدر نفسه الذي أتذكر به شعوري تجاه تلك الأماكن. لم تكن المشكلة مرتبطة بمدرس بعينه أو إدارة بعينها، بل كانت مرتبطة بالمكان نفسه. كنت أشعر بالضيق دون أن أمتلك القدرة على تفسير سببه؛ فحين كان الفصل الدراسي جهة شروق الشمس ومقعدي بجانب النافذة، كان أكثر فاعلية في استيعاب الدروس، بينما كان الابتعاد عنها، والتفاعل مع برودة الفصول وبلاط الأرضيات الذي يضاعف انكماش الجسد، يؤثر سلباً على التحصيل. وكانت أصوات بعض الأساتذة منخفضي النبرة تشكل عقبة، بينما بقيت رائحة المطر المنعشة عندما تتسرب من النوافذ المغلقة هي العلامة الفارقة لحاسة الشم في ذاكرة تلك الأيام.

ومع مرور الزمن اكتشفت أن ذلك الطفل لم يكن يخطئ في إحساسه، بل كان يفتقر فقط إلى اللغة التي تمكنه من تفسيره. فالعمارة تؤثر في الإنسان قبل أن يتعلم قراءتها، وقبل أن يعرف أسماء عناصرها ومفاهيمها. وهي تفعل ذلك بصمت شديد لدرجة أن معظمنا يعزو انطباعاته إلى أسباب أخرى، بينما يكون المكان نفسه أحد أهم العوامل الخفية التي صنعت تلك الانطباعات.

لهذا أجد صعوبة في تقبل الفكرة الشائعة التي تنظر إلى المدرسة باعتبارها مجرد مبنى يؤدي وظيفة التعليم. فالمدرسة، مثلها مثل المحكمة أو المسجد أو الساحة العامة، ليست بناءً محايداً. إنها تجسيد مادي لفكرة معينة عن الإنسان. وحين أستعيد صورة المدارس التي درست فيها، لا أجد أن المشكلة كانت في استقامة الجدران، بل في العلاقات التي أنتجها المكان؛ فالساحات المصممة للاصطفاف والضبط الجماعي، والممرات الطويلة للمراقبة، وذلك المقصف الذي تحول إلى نافذة ضيقة يزاحم عليها الطلاب بشكل يمس بكرامتهم الإنسانية، كلها صاغت تصوراً يجعل النظام والضبط أولوية مطلقة على حساب التجربة البشرية.

وحين حاول البعض تجاوز هذا النموذج لاحقاً، تحولت المدرسة إلى كتل خرسانية متشابهة وفصول نمطية تؤدي الحد الأدنى من الوظيفة دون روح أو تحفيز. ومن هنا تبلور السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن المساحات والأشكال ليس: كيف نبني مدرسة؟ بل: ما الإنسان الذي نريد أن يخرج من أبوابها بعد اثني عشر عاماً من التكوين؟

فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد شكل الفضاء، وطبيعة الساحات، ومفهوم المقصف المدرسي الذي ينبغي أن يتطور إلى فضاء صحي واجتماعي محترم يربط المدرسة بمحيطها وحدائقها العامة دون أن يعزلها. ولأن التجربة المعايشة أثبتت أن المكان يصنع الوعي، فإن المدرسة ليست مبنىً للتعليم فحسب، بل هي بيان معماري صامت عن الإنسان الذي نريد صنعه.

تعليق على الصورة المرفقة: مدرسة شارع الزاوية تحديداً... تلك التي انتقلت إليها مباشرة من المدرسة المركزية، فأثار مبناها في نفسي رهبة خفية نقلت مشاعري نحوها للوالدين لعدم شعوري فيها بالراحة، وكأني أوصلت إليهم رسالة ضمنية بأنها تخيفني. هذا ما أسعفتني به الذاكرة من مشاعر نحوها، ليتتابع بعدها هذا الوعي اللاواعي بالعمارة من خلال ما كنت أشعر به تجاه كل مدرسة انتقلت إليها؛ مقارنة صامتة بين مدرسة وأخرى لمست من خلالها فروقات التأثير العميق لفضاء تعليمي عن آخر.

الأحد، نوفمبر 01، 2026

أوهام التجديد وَأُكذوبة الصِدام الحضاري: قِراءة في مَعيارية الأداة وَأَصالة المرجعية

جمال الهمالي اللافي

مقدمة: الشعار البراق وتمدد خديعة الهدم

في بدايات القرن العشرين، رُفعت شعارات براقة دعت إلى "الثورة على التقليد والإبداع في التجديد". غير أن ما أفرزته تلك الدعوات على أرض الواقع، عبر أكثر من قرن من الزمان، لم يكن سوى تجريفٍ للوعي، وهدمٍ للموروث الحضاري، وإدخالٍ للأمة في حالة من الذهول والاستلاب؛ فلا هي أدركت روح العصر وشيدت بنياناً حضارياً مستقلاً، ولا هي حافظت على أركانها القيمية والمعرفية التي وقيت بها وجودها عبر القرون.

ولم يقف الأمر عند تلك الإرهاصات الأولى، بل إننا نشهد اليوم- وبكثافة متزايدة- تنامياً لافتاً لهذه الأصوات في عالمنا العربي؛ حيث تتردد النغمة ذاتها عبر منابر إعلامية وأطروحات ثقافية تعيد إنتاج الوهم نفسه، وتُصر على صب المفهوم في القالب ذاته، وكأن التحديث شرطه الساخط دوماً دك الأصول والتبرؤ من الذات.

لقد قامت تلك الدعوات- قديماً وحديثاً- على فرضية زائفة تُخيّر الإنسان بين أمرين لا ثالث لهم: إما القبول بالجمود والاندثار، وإما التخلي التام عن الموروث والعقيدة لمواكبة تيار "الحداثة والمعاصرة".

أولاً: تفكيك "المعاصرة".. الأدوات لا العقائد

إن الخلل الأساسي في هذا الطرح يكمن في إضفاء هالة أيديولوجية وهمية على مفهوم "المعاصرة". فالمعاصرة في حقيقتها المجرّدة ليست عقيدة، ولا فلسفة وجودية قاطعة، بل هي مجرد "الحاضر" وما وصل إليه العقل الإنساني من مستجدات تقنية، وعلمية، وآليات صناعية.

إن العلوم والتقنيات المعاصرة ما هي إلا أدوات وإنجازات إنسانية تراكمية، لا جغرافية لها ولا دين. وهي أوعية يستعين بها المرء لتسهيل حياته وإقامة عمرانه. وإذا كانت الغرفة مغبرة، وكان أمام المرء مكنسة يدوية وأخرى كهربائية، فإن العاقل يختار المكنسة الكهربائية لينجز عمله بسرعة وجودة أعلى؛ دون أن يعني ذلك إطلاقاً أن الأداة تشترط عليه هدم جدران الغرفة، أو تغيير هويته، أو اعتناق فلسفة صانع المكنسة وثقافته!

ثانياً: "الشرط المضمر".. عن الابتزاز الحضاري واستهداف العقيدة

وهنا ينكشف السر في تلك الصيحات الداعية للهدم: لم تكن المشكلة يوماً في الانتفاع بالمنتج الجاهز أو الأداة الحديثة، بل في الشرط المضمر الذي دُسّ معها قسراً. لقد حاول أدعياء التجديد إيهام الأمة بأن أدوات العصر لن تعمل في أيدينا إلا إذا تلبّسنا ثقافة صانعها وتخلينا عن عقيدتنا.

وإذا كان تعديل الغرفة أو هدم جدار فيها وتطويره وفق حاجيات الساكن أمراً يفرضه التطور الطبيعي للحياة، فإن المطالبة بهدم العقيدة والمرجعية تقودنا إلى السؤال المفصلي: لماذا؟ والجواب: لأن العقيدة الإسلامية هي مركز الاستقلالية والكرامة، والبوصلة التي يزن بها المجتمع النافع والضار. واستهدافها لم يكن ساذجاً ولا حداثياً، بل كان محاولة لتجريد الأمة من "الروح" التي تضمن قيامها واستقلال قرارها الحضاري، لتحويلها إلى مجتمع مُستَلَب وتابع كلياً.    

ثالثاً: معيار السلامة والكفاءة.. الحسبة المادية والاقتصادية

حين تُنزع الأدلجة المصطنعة عن المعاصرة، تعود المسألة إلى نصابها الطبيعي: حسبة اقتصادية ووظيفية صرفة. أنت تقرر ماذا تحتاج؛ فإن لم تكن قادراً على تصنيعه، فإما أن تذهب إلى حرفي ليصنعه لك وفق مواصفاتك الخصوصية، أو تذهب إلى السوق فتشتري المنتج الجاهز الذي يقضي حاجتك بكفاءة.

وهنا تتقلص المعركة الوهمية ليحل محلها المعيار العقلاني الوحيد للمفاضلة:

  • المنتج الكفء والآمن: الذي يحقق المراد، ويؤدي الوظيفة، ولا يلحق الضرر بمستعمله ولا ببيته.
  • المنتج الرديء والمخادع: الذي يغتر المرء بجمال ظاهره وبهرجته، بينما باطنه الرديء كفيل بإحراق البيت بأكمله وسكانه غافلون.

رابعاً: من الفكر إلى الواقع.. الأطروحة العملية لتصميم المسكن المحلي

لتسقيط هذه المفاهيم على الواقع العملي، يتوجب الانتقال من المساحة الفكرية المجردة إلى منهج معماري تطبيقي؛ فالمسكن ليس مجرد جدران وسقف، بل هو "وعاء حياتي" ينبغي أن يزاوج بين أصالة المفهوم والخصوصية الاجتماعية من جهة، وبين كفاءة الأداة التقنية والمعاصرة من جهة أخرى.

وتتلخص الأطروحة العملية لتصميم المسكن المحلي المعاصر في أربعة أركان أساسية:

1. الفصل التام بين "المفهوم الفراغي" و"الأداة التقنية"

  • المفهوم الفراغي (الأصالة والموروث): التمسك بالتنظيم الفضائي الذي يلبي متطلبات الأسرة وخصوصيتها وقيمها؛ مثل الفناء الداخلي (الحوش) كمركز اجتماعي وموجه مناخي، والاعتناء بمدخل البيت (المجاف / السقيفة) لتحقيق حرمة المسكن، وتوفير المساحات الخضراء والتهوية الطبيعية. هذا المفهوم لا علاقة له بزمن معين، بل هو حل إنساني ومجتمعي مستدام.
  • الأداة التقنية (المعاصرة): استخدام أحدث ما وصلت إليه برامج النمذجة والحسابات الإنشائية (مثل SketchUp وAutoCAD) لضبط الكتل والظلال، واستخدام التقنيات المعاصرة في العزل الحراري، وحسابات الإضاءة والزوايا الشمسيّة، وتقنيات الحفر والتنفيذ الميكانيكي.

2. معيار "الكفاءة والسلامة" في اختيار مواد البناء

تطبيق المقارنة الموضوعية (بعيداً عن بهرجة الظاهر ورداءة الباطن):

 

العنصر الإنشائي

الخيار الرديء/الاستهلاكي

الخيار الكفء/المستدام

الجدران والكتلة

الهياكل الخرسانية المفتوحة الخالية من العزل

الحوائط الحاملة أو البناء بالبلوك الرملي/الجيري المزود بعزل حراري مدمج لمقاومة المناخ.

الإكساء والطلاء

الواجهات الزجاجية الضخمة والمركبة التي تزيد حرارة البيت وتستهلك الطاقة

الملاط الجيري والطلاء الأبيض النقي ذو الملمس الناعم الذي يعكس أشعة الشمس ويحمي المبنى.

التأثيث

الأثاث المستورد الرديء الذي يستهلك المساحة ويتلف سريعاً

العناصر الثابتة المبنية بالطوب (السدّة، الرفوف، المقاعد) المدمجة في أصل البناء.

3. توظيف التقنية لتلبية "الوظيفة" لا "الموضة"

  • الأنظمة الذكية والمستدامة: توظيف الطاقة الشمسية، وأنظمة حصاد مياه الأمطار، وتقنيات إعادة تدوير المياه الرمادية لري الحديقة المنزلية، باعتبارها تقنيات معاصرة تعزز الاكتفاء الذاتي للمسكن دون المساس بهويته.
  • معالجة المناخ بالتقنية الحديثة: استخدام وسائل التهوية والمراوح والتكييف الحديثة كعامل مساعد، مع الاعتماد الأساسي على التوجيه المعماري الذكي والكتلة الحرارية للمبنى لتوفير بيئة داخلية مريحة بأقل استهلاك ممكن للطاقة.

4. الحسبة الاقتصادية والعملية (صناعة الخاص vs الجاهز)

  • الاستعانة بالحرفي والأسطى المحلي: لتنفيذ التفاصيل المعمارية التي تمنح البيت روحاً ورونقاً (كالأقواس، المشربيات، والأعمال الحجرية والفخارية)، مما يدعم الاقتصاد المحلي ويحافظ على صنعة الآباء.
  • الاعتماد على المنتج الجاهز الكفء: الشراء من السوق لكل ما هو منتج صناعي ناضج وآمن (كالأنظمة الكهربائية، التمديدات الصحية، وأجهزة التكييف) طالما يحقق معيار والسلامة والجودة بأقل تكلفة.

كيف ترى إمكانية البدء في تطبيق هذه الأطروحة كمشروع نموذجي (بيت عائلي معاصر) يجسد هذه المعايير واقعياً ليكون حجة عملية ورداً ساطعاً على أدعياء التحديث الشكلي؟

خاتمة: المنهج المرن واستعادة الذات

إن الشريعة الإسلامية بمنهجها الكلي المرن لا تتصادم مع المعاصرة، ولا تقف ضد أي تطور علمي أو تقني يخدم البشرية، بل ترحب بكل نافع ودرء كل مفسدة. إنها لا ترفض إلا ما يهدد حياة الإنسان ووجوده وكرامته، كالقتل والاستعباد وإذهاب العقل.

إن الخروج من حالة الموات والسبات لا يكون بقطع الجذور والارتماء في أحضان التبعية، بل بالحفاظ على الموروث العقدي والقيمي، والتعاطي الواعي مع أحدث أدوات العصر. حينها فقط، يسترد الإنسان سيادته وقراره، ويختار من معطيات الحاضر ما يُشيّد به أركان بيته، دون أن يخسر نفسه أو يحرق داره.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...