أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، أبريل 24، 2026

العمارة وكنه النفس البشرية: كيف يشكل العمران أخلاقنا وصحتنا النفسية

جمال الهمالي اللافي

في خضم الحياة المعاصرة، يتجاوز دور العمارة مجرد توفير المأوى ليكون صانعاً صامتاً لسلوكياتنا، وأحوالنا النفسية، بل وحتى أخلاقنا. وقد لخص السير ونستون تشرشل هذه الجدلية بمقولته الشهيرة: "نحن نشكل مبانينا، ثم بعد ذلك تشكلنا هي". إن هذه المقولة تمثل تشخيصاً دقيقاً لما نعيشه اليوم في المدن الليبية، حيث تحول العمران من قالب للهوية إلى مصنع للتوتر الدائم.

ليس هناك طريق أسهل لإفساد أخلاق شعب وتدمير نسيجه الداخلي من العبث ببيئته الحاضنة، ويبرز هذا التأثير المدمر في الواقع الليبي عبر مسار انحداري بدأ منذ عقود:

أولاً: عمارة "الصناديق" (1969-2011)

عكست عمارة تلك الفترة (كما في مجمعات طرابلس وبنغازي السكنية عام 1979) النمط الوظيفي الجاف الذي فرضته الدولة. كانت عمارات صماء، متكررة، تفتقر للفراغات الاجتماعية والجمالية، مما خلق حالة من "الاغتراب العمراني".

·     الانحدار السلوكي والاكتظاظ: تشير تجارب عالم النفس "جون كالهون" إلى أن الاكتظاظ في وحدات ضيقة ومجردة يؤدي إلى انهيار الروابط الاجتماعية وزيادة العدوانية نتيجة انتهاك الحيز الشخصي.

·     عمارة الثكنة: فشلت هذه المجمعات في أن تكون بيئات آمنة، بل تحولت بمرور الزمن إلى بؤر للتوتر، حيث غابت فيها "روح المدينة" وحل محلها نظام بصري يشبه الثكنات، مما نزع عن المواطن شعوره بالانتماء للمكان.

ثانياً: جذور العشوائيات وتفاقم الفوضى

خلافاً للاعتقاد الشائع، لم تبدأ العشوائيات بعد 2011، بل نمت بذورها في كنف النظام السابق كظلال مشوهة لمشاريع الإسكان العام الفاشلة، ثم انفجرت لتصبح "الفوضى المطلقة" في العقد الأخير:

·     العشوائيات الهجينة: التي تفتقر لأدنى معايير النظام الجمالي، مما يعزز نظرية "النوافذ المحطمة"؛ حيث يشجع القبح على خرق القوانين واللامبالاة تجاه الحيز العام، فالمواطن الذي لا يجد جمالاً في محيطه لا يشعر بوازع أخلاقي لحمايته.

·     الاعتداء على الرئة الطبيعية: الزحف العمراني على الغابات ومصادر المياه حرم الليبيين من "الملاذات الروحية". هذا الحرمان يؤدي إلى إجهاد معرفي دائم، يرفع من معدلات الاكتئاب والقلق بنسبة 25%، ويجعل النفوس حادة الطباع لغياب المتنفس.

تأثير الارتفاعات وانفصال الأطفال عن الأرض

في المدن الليبية، نشأت أجيال في طوابق عليا معزولة، محرومة من "أمان الأرض" واللعب الحر في الحدائق. هذا الانفصال عن "الفطرة" أدى إلى ضعف المهارات الاجتماعية وزيادة الميل للعنف، فالطفل المحاصر في صندوق إسمنتي يفقد قدرته على بناء علاقة سوية مع مجتمعه وبيئته.

نحو حلول عمرانية إنسانية

إصلاح "أخلاق المدينة" الليبية لا يبدأ برصف الشوارع فحسب، بل بالعودة إلى "العمارة الإنسانية" التي تحترم الهوية المعمارية المحلية (مثل نظام الفناء والبيت العربي الذي يوازن بين الخصوصية والسكينة) ودمج الطبيعة في قلب البناء عبر "التصميم الحيوي".

الجمال العمراني كبوصلة للأخلاق

الخلاصة هي أن الجمال المعماري ليس ترفاً، بل هو "قيمة عليا" تروض النفس على السكينة. الجمال يحيي الروح، بينما القبح المعماري هو "تعدٍ" صارخ على حق الإنسان في الكرامة. إن معركتنا مع العشوائيات والفوضى العمرانية في ليبيا هي معركة أخلاقية بامتياز؛ فإما أن نبني مدناً ترتقي بنا، أو نستمر في العيش داخل جدران تهدم أرواحنا قبل أجسادنا.

الخميس، أبريل 23، 2026

أزمة الهوية في العمارة الليبية: بين جدلية الإنكار وضرورة الحفظ

 

جمال الهمالي اللافي

تعاني العمارة الليبية المحلية من معضلة حقيقية تتمثل في غياب الوعي المجتمعي بقيمتها، وطغيان ثقافة "الإنكار" التي تنسب كل ملمح جمالي أو معماري في ليبيا إلى تأثيرات خارجية. في ظل غياب إعلام توعوي فعال وحضور كاسح لثقافات مستوردة، تتلاشى ملامح الهوية المعمارية الليبية تدريجياً، مما يستدعي وقفة جادة للحفظ والتوثيق.

1.      عقدة النقص وإنكار العمارة المحلية

يطرح الكثيرون سؤالاً يحمل في طياته إجابة سلبية: "هل توجد عمارة ليبية أصيلة؟". هذا التساؤل المبطن بالنفي يتجاهل حقيقة أن كل عمارة في حوض البحر المتوسط هي نتاج تفاعل وتراكم حضاري. في الوقت الذي تعتز فيه شعوب المتوسط (مثل تونس، اليونان، المغرب، ومالطا) بعمارتها وتعتبرها أصيلة - رغم تشابه المفردات كالأقبية، والقباب، والطلاء الأزرق والأبيض، وأعمال القيشاني، والأبراج الخشبية - نجد أن المجتمع الليبي يميل إلى إقصاء محليته ونسبتها كلياً للمستعمر الإيطالي أو غيره، متجاهلين أن الخبرات المحلية هي من صقلت هذه التأثيرات وأعادت صياغتها لتناسب البيئة الليبية.

2.      أسباب تغييب الهوية المعمارية

يمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى هذا التهميش في النقاط التالية:

  • الفهم الخاطئ للتحضر: أدت النقلة الاقتصادية واكتشاف النفط إلى الرغبة في التخلص من القديم بدعوى الحداثة والرفاهية. تم التخلي عن "البيت العربي" بتفاصيله البيئية والاجتماعية (مثل فناء "شمس وقمر") لصالح أنماط لا تمت للبيئة بصلة.
  • استيراد الهويات: التفاخر باقتباس تقاليد الآخرين المعمارية والثقافية (مثل المخططات السكنية الخليجية أو الواجهات المستوردة)، مما يعكس حالة من التنصل من الثقافة الوطنية، وهو بمثابة "مرض مزمن" يهدد الهوية.
  • الخلط بين الأصالة والاستعمار: صعوبة فصل بعض الأفراد بين العمارة المحلية لفترة ما قبل الاستعمار، وبين التأثيرات المتوسطية التي تفاعلت معها المدينة الليبية بشكل طبيعي عبر قرون.

3.      نحو رؤية للإنقاذ: خطوات عملية للحفاظ على الموروث

لم يعد النقاش الأكاديمي أو الجدال مع المشككين مجدياً في ظل تداعي المباني التاريخية. المرحلة تتطلب انتقالاً نحو العمل المؤسسي والقانوني المنظم، من خلال:

  1. تأسيس إدارة الموروث المعماري : إنشاء أقسام متخصصة في كل بلدية ضمن إدارة التخطيط العمراني، تتمتع بسلطات مستقلة لحماية ورعاية المباني التاريخية.
  2. التصنيف والتوثيق: حصر كافة المباني التاريخية بمختلف مكوناتها (الطرابلسية، الجبلية، الصحراوية، بتراكماتها الأمازيغية، الفينيقية، الرومانية، العثمانية، والإيطالية) وتصنيفها إلى درجات حسب الأهمية والقيمة التاريخية. 
  3. التشريعات الرادعة: استصدار قرارات سيادية تمنع المساس بأي مبنى مسجل تاريخياً، حتى من قبل مالكيه، وتصنيف التعدي عليها كـ "جريمة" يعاقب عليها القانون (جنائي وليس مدني)، على غرار القوانين المتبعة في بريطانيا والدول المتقدمة.
  4. دعم مؤسسات المجتمع المدني: تكاتف الجهود الأهلية مع المعماريين، وعلماء الآثار، والتاريخ، لدعم جهود الحفاظ على الموروث في ظل تعثر مؤسسات الدولة.

خاتمة

إن العالم يعتز في كثير من الأحيان بما لا يملك، والأولى بنا أن نعتز بما نملك، ونحافظ عليه، ونستلهم منه لتأسيس عمارة ليبية معاصرة. فالمجتمع الذي يفقد ماضيه وشواهده العمرانية، يفقد بوصلته نحو الحاضر والمستقبل.

الاثنين، أبريل 20، 2026

بين وهم التكلفة وعقدة العمالة: هل عمارة "الهوية" مستحيلة في ليبيا؟


جمال الهمالي اللافي

كثيراً ما تتردد خلف كواليس النقاشات المعمارية جملة أصبحت بمثابة "الفزاعة" التي تنفّر الناس من اعتماد النمط المحلي في بنائهم: "هذا النوع من العمارة مكلف جداً، ويحتاج لعمالة مغربية أو تونسية غير متوفرة لدينا!"

اليوم، أود أن نضع هذه "الافتراءات" تحت مجهر الواقع والخبرة الميدانية، لنكشف حقيقة الأمر بعيداً عن التعقيدات المفتعلة.

1. كذبة "العمالة النادرة"

من الشائع الاعتقاد بأن الأقواس، والقباب، وتفاصيل العمارة المحلية تتطلب أيدٍ عاملة تُستجلب من وراء الحدود. الحقيقة التي أراها وأشرف عليها يومياً هي أن هذه التصاميم تُنفذ في ليبيا، بأيدي العمالة المتوفرة في سوقنا المحلي.

المسألة ليست في ندرة العمالة، بل في "رؤية المصمم" وقدرته على تبسيط التفاصيل وتقديم مخططات واضحة وقابلة للتنفيذ. عندما يمتلك المعماري الشجاعة للإشراف المباشر، يكتشف أن الفني الموجود في ورشاتنا قادر على الإبداع إذا ما وُجد التوجيه الصحيح.

2. فخ "التكلفة العالية" والخرسانة الضائعة

يتهم البعض هذا النمط بأنه حكر على "النخبة" أو أصحاب الثروات الطائلة. والواقع يقول العكس تماماً:

·     الهيكل الإنشائي: العمارة المحلية تعتمد على فلسفة "الضرورة"؛ فهي لا تستهلك كميات خرسانية ضخمة في "شطحات" إنشائية لا تخدم الوظيفة، كما يحدث في بعض نماذج الحداثة المشوهة التي تُهدر الموارد في بروزات معقدة ومكلفة.

·     التشطيب: أسعار التشطيب تحكمها "جودة المواد" المختارة من السوق، وهي قاعدة تنطبق على أي طراز معماري. الفرق هنا هو أن القيمة الجمالية في الطراز المحلي تنبع من "النسب الهندسية" وتلاعب "الظل والنور"، وليس من غلاء المادة المستخدمة.

3. عمارة لا تعرف "الفساد" ولا "أمراء الحرب"

من الظلم ربط الجمال المعماري بالتحولات السياسية أو الثروات المشبوهة. بيت "شارع الظل" -على سبيل المثال- بُني قبل أحداث عام 2011 بسنوات، وهو دليل مادي على أن هذا النمط كان ولا يزال خياراً متاحاً للمواطن الذي يبحث عن السكينة والأصالة، بعيداً عن أي سياقات أخرى.

عمارة الهوية هي عمارة "الاستقرار" و"البيت الذي يبقى"، وليست عمارة "الاستعراض" اللحظي.

خاتمة: دعوة للتحرر من العُقد

إن محاولة تصوير العمارة المحلية كأمر "مُعجز" أو "مكلف" هي في الحقيقة محاولة غير واعية (أو ربما واعية) لتغريب ذائقتنا وحرماننا من حقنا في السكن داخل مساحات تشبهنا وتفهم مناخنا وتاريخنا.

العمارة المحلية هي الحل الأكثر "اقتصاداً" و"واقعية" إذا ما نُزعت عنها هالة التعقيد المفتعلة.

العمارة بين سطوة التحديث وأصالة الأثر: تأملات في "بيت أسامة الفرجاني بشارع الظل"

جمال الهمالي اللافي

في مثل هذا اليوم من العام الماضي، توقفتُ ملياً عند تجربة "بيت شارع الظل". واليوم، لا أستعيد ذكراه كإنجاز معماري فحسب، بل كدليل حي على قناعة فكرية أتمسك بها: أن العمارة الحقيقية ليست "موضة" تُستبدل، بل هي امتداد لروح المكان وذاكرة الإنسان.

ما وراء الحجر: العمارة كلغة لا كمحاكاة

قد يرى البعض في النمط المحلي "نكوصاً" للماضي أو استنساخاً له، لكنني أراه "حداثة مستنيرة". العمارة بالنسبة لي ليست مهنة لحشد المواد والمساحات، بل هي لغة سردية تحكي قصة الأرض التي تقف عليها. الأثر الذي يتركه المبنى في نفس عابر السبيل هو الشهادة الحقيقية على نجاح الفلسفة التصميمية، بعيداً عن صرامة النظريات الأكاديمية الجافة.

أتذكر حين كنتُ أقفُ متأملاً باباً قديماً بعد أن انتهيت من تصويره؛ باب صمد وحيداً ليظل أثراً باقياً وشاهداً على أحد المباني التاريخية التي طالتها يد الهدم وغيبتها الحداثة الجارفة.  وهذا ما كنتُ أقوم به فعلاً وأمارسه بشغف دائم؛ توثيق تلك الملامح التي يغفل عنها الكثيرون.  استوقفني حينها أحد سكان الحي، سائلاً عن سبب وجودي في هذا الزقاق أمام هذا الباب تحديداً، فأخبرته أنني مهتم بتوثيق المعالم التاريخية التي توشك على الاندثار.

هنا، وبحماسة لافتة، حدثني عن "بيت جميل" في منطقته، واصفاً إياه بـ "الطراز القديم" الذي يملك روحاً خاصة، وأخذ يحثني على زيارته. لم يكن يعلم حينها أنه يصف مشروعي الذي عشت تفاصيله تصميماً وتنفيذاً. هذا الانطباع العفوي من الجار كان الرد الأبلغ على من يظن أن الفخامة تكمن في تغريب المبنى عن سياقه؛ فالحداثة الحقيقية هي التي تحترم "هوية المكان" وتطوعها لاحتياجات العصر، لتعوض ما فُقد من ذاكرة الزقاق.

وكما عبر صديق الصفحة بشير العالم: "هذا البيت مميز في الحي ويشد انتباهي وإعجابي كلما مررت بالمنطقة.. فلا أجد أي ملل من معاودة التأمل في تفاصيله الحقيقية."

هذا "الملل المفقود" هو سر النجاح؛ فالمباني التي تفتقر للجذور قد تُبهرنا للحظات ببريقها الحديث، لكنها سرعان ما تصبح عبئاً بصرياً لأنها بلا روح.

فلسفة الشراكة المعمارية: حين يلتقي الناشر بالمعماري

إن المشاريع التي تبقى وتؤثر هي تلك التي تُبنى على "شراكة فكرية" عميقة. في هذا المشروع، كانت الشراكة مع الأستاذ أسامة الفرجاني- سليل عائلة محمد الفرجاني العريقة في عالم النشر والكتب بليبيا وصاحب مكتبة حي الأندلس- شراكة استثنائية.

لم يكن غريباً على رجل نشأ بين أرفف الكتب وعاش عراقة الكلمة، أن ينشد في مسكنه الخاص عراقة "المكان". لقد كان البحث عن "الفخامة الصامتة" القائمة على السكينة، والظلال، والتناغم مع المناخ، هو القاسم المشترك بيننا.

التصميم الذي لا يرفع من سوية الذوق العام، ولا يثير تساؤل المارّة، هو تصميم سقط في فخ التقليد (سواء كان تقليداً للماضي أو تقليداً للحداثة الغربية). نحن لا نبني جدراناً، نحن نزرع بصمات فكرية تُعمر طويلاً وتُضفي قيمة وجودية قبل أن تكون مادية.

تبقى الأسئلة المعمارية مفتوحة دوماً: كيف يمكن للمبنى أن يشيخ بكرامة ويزداد وقاراً مع مرور السنين؟ وكيف نتحول من مستهلكين للمساحات الصماء إلى صُناع للأثر الخالد؟

بانتظار تأملاتكم.. هل ترون في العودة للجذور المعمارية تقييداً للإبداع أم تحرراً نحو هوية حقيقية؟

الأحد، أبريل 19، 2026

بيان في فلسفة العمارة والنهضة الوطنية

قراءة نقدية في واقع الممارسة المعمارية: رؤى وتطلعات مهنية


جمال الهمالي اللافي

الاستهلال: في نقد السكون وعوائق المبادرة

في مناخٍ مهنيٍّ أثقلته تراكمات العقود العجاف، يتحول طرح الأفكار الإصلاحية إلى فعل نضالي يصطدم بجدار من الصمت أو الاكتفاء بالتفاعل الشكلي. إن ما تواجهه الممارسة المعمارية اليوم ليس ندرة في المقترحات، بل هو "أزمة ثقة" بنيوية؛ حيث يُحاصر كل مشروع وطني بظنون تفتش عن المرامي الضيقة، أو بتشكيك مسبق في القدرة على التنفيذ. إن الحضارات لا تُبنى بالإعجاب العابر، بل بالاستجابة الواعية للسؤال الوجودي: "بماذا نبدأ؟". إن الإخفاقات السابقة، سواء كانت نتاج هيمنة إدارية أو عوائق مؤسساتية، يجب ألا تتحول إلى قيد يحجزنا عن المستقبل، فالتاريخ الحضاري يعلمنا أن النجاحات الكبرى هي ابنة الإخفاقات التي تم استيعاب دروسها.

من هذا المنطلق، نستعرض جملة من الإشكاليات الفلسفية والمهنية التي تُطرح من طرف بعض المعماريين الشباب في مطلع ممارستهم للمهنة، لنسلط من خلالها الضوء على خارطة طريق لاستعادة الدور القيادي للمعماري في وطنه، متجاوزين حدود "الأنا" إلى فضاء "المسؤولية الجماعية".

المحور الأول: المعماري قائداً للتغيير (من الافتراضي إلى الملموس)

تبرز الإشكالية الأولى حول مدى قدرة المعماري على تجاوز دوره الفني ليكون قائداً فعالاً في تنمية محيطه. إن الإجابة تكمن في جوهر رسالة المعماري؛ فهو ليس مجرد رسام للخطوط، بل هو "مهندس للواقع". إن تأهيله العلمي والنفسي يستوجب أن يكون قائداً لمسيرة مجتمعه نحو حضارة تتجسد في شواهد مادية وقيمية. تكمن مسؤوليته في جسر الهوة بين "المتخيّل" و"المعاش"، محولاً تطلعات المجتمع من أمنيات افتراضية إلى كيانات ملموسة تعيد صياغة الوعي بالهوية والمكان. إن دور المعماري الحقيقي يبدأ من إدراكه أنه المحرك الأول لعملية التنمية، وليس مجرد تابع لإرادة الآخرين.

المحور الثاني: جدلية الإبداع والحصانة ضد الإفلاس الفكري

عند التساؤل عن هاجس الإفلاس الفكري الذي قد يهدد المبدع، نجد أن الضمانة تكمن في "الغاية". فالإفلاس الفكري هو الضريبة الحتمية لمن حصر العمارة في "المصلحة الضيقة" أو الاستهلاك المادي. أما المعماري الذي يرهن إبداعه لترسيخ قيم مجتمعه ومعالجة أعطابه الحضارية، فرصيده في نماء دائم. إن حالة "المكابدة" الفكرية هي الضمانة ضد الركود؛ فالمعماري الحقيقي يعيش في تجدد مستمر لأن قضايا وطنه شائكة ومتغيرة، والعمل الأكمل دائماً هو ذلك الذي يطمح من خلاله لمعالجة جرح وطني جديد أو سد ثغرة في جدار النهضة.

المحور الثالث: المبادرة الفردية كشرارة للتغيير المجتمعي

تُطرح مسألة قدرة الفرد الواحد على تغيير مجتمع كامل تساؤلاً حول الإرادة والمبادرة. إن التاريخ الحضاري يؤكد أن التغيير غالباً ما بدأ بـ "فرد" آمن برسالة سامية. عندما يغيب السند المؤسساتي، تصبح المبادرة الفردية ضرورة أخلاقية وليست مجرد خيار. المعماري الحقيقي هو من يملك شجاعة اقتحام الطرق الوعرة وحيداً، مستلهماً قوته من يقينه بأن فعله هو امتداد لرسالة الإعمار الكوني. وهذا يستدعي بالضرورة خروج الحوارات من الدوائر المغلقة إلى الفضاء العام؛ فنحن لا نحتاج لاجتماعات سرية بقدر ما نحتاج لإقحام كافة شرائح المجتمع في صلب مشاريعنا، ليرى المواطن نفسه شريكاً في البناء لا مجرد مستهلك للمكان.

المحور الرابع: النجاح بين البيئة المواتية وتحدي النواميس

أخيراً، تبدو جدلية النجاح مرتبطة بالبيئة والظروف. إلا أن القراءة المتعمقة تشير إلى أن النجاح المهني لا يتأتى بالتصادم مع الواقع، بل بـ "التناغم الذكي" مع نواميسه لتحويلها لصالح الفعل البنائي. المعماري الحقيقي هو من يرفض "لعن الظلام" ليوقد بدلاً عنه مشعل النور الحضاري. نحن لا ننتظر بيئة مثالية لنبدأ، بل نوجد "فعل البداية" الذي يخلق بيئته الخاصة. إن التحدي اليوم هو الانتقال من حالة "التأثر بالواقع" إلى حالة "التأثير فيه"؛ فالتفاعل المنتج هو الذي يُبنى على العطاء المتبادل وطرح الأفكار القابلة للتجسيد، وبهذا وحده تُستنهض الهمم الكابية وتبنى الحضارات الراسخة.

الخاتمة: نحو معمار للروح والوطن

إن هذا الطرح هو دعوة للانعتاق من أسر "الإحباط السلبي" إلى رحاب "العمل المنظم". إن بصمة المعماري لا تُقاس بالأمتار المربعة من الخرسانة، بل بمدى الأمل الذي يزرعه في وجدان شعبه. إن الطريق نحو النهضة قد يكون وعراً، لكنه الطريق الوحيد الذي يصنع التاريخ؛ فالعمارة في أسمى تجلياتها هي انتصار الإرادة الوطنية الواعية على العدم.

السبت، أبريل 18، 2026

الفن التشكيلي والعمارة في ليبيا: جدل الحضور والغياب


جمال الهمالي اللافي

عند الحديث عن الفن التشكيلي، نقف أمام سدّ من المحاذير: هل ما نراه اليوم هو فن بالمعنى الحضاري، أم مجرد نزوة شخصية تنعكس على لوحة؟ أين حضور الفنان التشكيلي في صياغة العمارة الليبية المعاصرة بمختلف توجهاتها، وأين موقعه من الحرف الفنية؟

لماذا حين يُستدعى للمشاركة في مشروع معماري يكتفي بأن تُقتنى أعماله لتزيين الجدران بلوحاته ورسوماته، أو ينسحب معترضاً ومستهجناً؟ أين روحه وحضوره في صياغة العمارة والحرف الفنية، لا كمعماري ولا كحرفي، بل كفنان تشكيلي يمتلك القدرة على إثراء الجمال فيهما؟

1.      إشكالية المعنى: بين الفعل الحضاري والنزوة الشخصية

تطرح التساؤلات الأولى جوهر الأزمة؛ فالفن في أصله هو صياغة لروح الجماعة وذاكرة المكان. لكن الواقع الراهن يشير إلى انكفاء يعزل العمل الفني عن محيطه، ليتحول في كثير من الأحيان إلى تعبير ذاتي صرف (نزوة شخصية) يفتقد الرابط العضوي مع النسيج الحضاري، مما يجعله يقف عاجزاً عن التأثير في الفضاء العام أو المساهمة في تشكيل الهوية البصرية للمجتمع.

2.      قصور المنهج الدراسي: تغييب الجمال لصالح المهارة

يكمن جذر الأزمة في "المنهج الدراسي" الذي فصل بين العلم والجمال، وبين المهارة والرؤية. هذا التخصص الدقيق أفرز فجوة منهجية أثرت على جودة المنتج المعماري والحرفي:

·     المعماري المعاصر: يركز المنهج الدراسي للمعماري على كيفية "تصميم المبنى" من الناحية الوظيفية والإنشائية، لكنه يفتقر للكثافة المطلوبة في دراسة "النسب الجمالية" والقواعد التشكيلية العميقة. المعماري اليوم يدرس "كيف يبني" ولكنه لا يدرس بعمق "كيف يرفد البناء بروح الفن"، مما يجعل المخرج النهائي قوالب هندسية قد تكون متقنة تقنياً لكنها جافة بصرياً.

·     الحرفي المعاصر: يعلم المنهج الحرفي "الصنعة" كمهارة يدوية وتقنية مجردة، لكنه لا يعلم "جماليات الصنعة". الحرفي يتعلم كيف يمسك بالأداة ويؤدي المهمة، لكنه لا يتشرب الرؤية التشكيلية التي تجعل من المنتج الحرفي عملاً فنياً. وفي غياب التوجيه من فنان تشكيلي، يأتي عمل الحرفي مبتذلاً، يفتقر للتفاصيل والنسب والألوان المتناسقة، لأنه تحول من مبدع إلى مؤدٍ (ملقن) لما تعلمه آلياً.

3.      "باوهاوس" كنموذج غائب: دروس من العالم الآخر

في "العالم الآخر"، وتحديداً في تجربة مدرسة "باوهاوس" (Bauhaus) الألمانية، نجد النموذج المثالي الذي يثبت أن الانفصال بين الفنون ليس قدراً محتوماً. فلسفة "باوهاوس" قامت أساساً على إلغاء الحواجز بين الفنان والمعماري والحرفي، معتبرة أن "الهدف النهائي لكل نشاط تشكيلي هو المبنى".

هناك، كان الفنان التشكيلي شريكاً في ورشة النجارة والحدادة والنسيج، والمعماري كان يتشرب فلسفة اللون والتكوين كجزء أصيل من أدواته الهندسية. هذه التجربة كافية لتوصيل الفكرة من طرح هذه المقالة؛ فهي تؤكد أن ما نفتقده في ليبيا اليوم هو ذلك "المنهج الشمولي" الذي يرى في العمارة والحرفة والفن تشكيلاً واحداً لهوية بصرية متكاملة، بعيداً عن التشظي التخصصي الذي نعيشه.

4.      الفنان وصناعة العزلة: مراجعة لموقف "الاكتفاء بالاقتناء"

خلافاً لما قد يُظن، فإن غياب الفنان التشكيلي عن صياغة العمارة ليس نتاج تهميش خارجي فحسب، بل هو نتاج "موقف منهجي" يتبناه الفنان نفسه. فحين تتاح له فرصة التدخل لتعويض القصور الجمالي في العمارة والحرفة، يختار الفنان أحياناً النأي بنفسه عن هذا الدور التكاملي الذي نجحت فيه مدارس مثل "باوهاوس".

هذا الموقف يتجلى في المطالبة بالاكتفاء باقتناء الأعمال الجاهزة لتوضع في المكان، والتحفظ على بذل الجهد في التفاعل مع تكويناتها الجمالية. الفنان هنا يهمش دوره حين يرفض أن يكون "البوصلة الجمالية" التي تصحح مسار المعماري والحرفي، مكتفياً بدور المورد للقطع الفنية.

5.      تجربة الواقع: ضرورة التناغم مع الهوية المعمارية

تؤكد المشاهدات الميدانية وجود هذا الانفصال؛ فالفنان قد يُدعى لإبداء رأيه في مشروع معماري ذو طراز مستوحى من البيئة الليبية، لكنه قد يكتفي بالتمسك بخياره المستقل: "إما اقتناء أعمالي الجاهزة أو لا تطلب مني شيئاً".

إن التحدي يكمن في عدم التفات الفنان أحياناً للنمط المعماري للمبنى وهويته المحلية، حيث يسعى لفرض رؤيته الخاصة بمعزل عن سياق المكان، سواء بطلب رسم لوحات جدارية لا تتسق مع طابع البناء، أو بتقديم أعمال تبتعد عن الهوية البصرية المحلية. هذا الإصرار يوضح الفجوة في كيفية نظر الفنان للعمارة، حيث يراها "حاملاً" لعمله فقط، لا مساحة لتطبيق النسب الجمالية التي فقدها المعماري والحرفي في دراستهم.

6.      البحث عن الروح الضائعة

إن استعادة حضور الفنان التشكيلي تتطلب أولاً مبادرة منه لكسر الحواجز التي صنعها التعليم التخصصي والاقتداء بنماذج عالمية ناجحة. المطلوب هو استعادة "الروح الشاملة" التي ترفض الاكتفاء بـ "الاقتناء" وتبحث عن "التأثير" في بنية المكان. والحل يبدأ حين يدرك الفنان أن دوره هو إعادة "النسب الجمالية" والذوق الرفيع لما جردته المناهج الدراسية من روحه وسحره الفني.

خلاصة القول: إن التساؤل عن موقع الفنان التشكيلي يكشف عن ضرورة تجسير الهوة بينه وبين العمارة والحرفة. والحل لا يكمن في دعوته للتزيين فحسب، بل في مطالبته بأن يكون "المعلم الجمالي" الذي يعيد الحيوية لمهن تجردت من حسها الفني، مقتدياً بفلسفة "وحدة الفنون" التي جعلت من العمارة في العالم الآخر تجربة إنسانية وحضارية متكاملة.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...