أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، أكتوبر 28، 2026

هويتنا على المحك: من طلاسم "Atedal" إلى اغتراب الفضاء العام

 في نقض التغريب الأجوف واستعادة روح المكان واللسان

 جمال الهمالي اللافي

حين تنضم صديقة جديدة إلى منصات التواصل الاجتماعي، ويطالعك اسمها مكتوباً بحروف لاتينية غريبة مثل (Atedal)، تجد نفسك للوهلة الأولى أمام لغز صغير يتطلب جهداً في التهجئة وتفكيك الشفرات، قبل أن تكتشف بعد إعمال الفكر أنك أمام مفردة عربية أصيلة وعريقة: "اعتدال".

وهنا حريٌّ بنا أن نقف عند هذا الاسم بالذات، تكريماً وتأملاً في صياغته المعجمية، فالاعتدال في لسان العرب ليس مجرد اسم عابر، بل هو مفهوم سامٍ يستغرق أسمى معاني الاستقامة والتوازن؛ يُقال "اعتدل الشأن" أي استقام وتوازَنَ بلا ميل ولا ميلان، و"اعتدل الجو" أي طاب وتوسَّطَ بين أطرافه. هو اسم يحمل في طياته العدل والاتزان والوسطية الجمالية والنفسية، وهو المعنى الذي يضيع تماماً ويغدو باهتاً بلا روح حين يُسجن في حروف لاتينية مثل (Atedal) تفقد اللفظ نغمته المنسابة ودلالته الرصينة. وهذا المشهد المألوف اليوم ليس سوى رأس جبل الجليد لظاهرة أعمق وأكثر إيلاماً تمس صميم هويتنا اللغوية والبصرية، وتكشف عن شرخ واسع في علاقة الإنسان ببيئته وثقافته.

جذور الأزمة: أربعة عقود من التجريف وانكسار الوعي

ما نشهده اليوم من تمدد عشوائي للأسماء والمسميات الأجنبية ليس وليد الصدفة، ولا هو انفتاح حضاري واعٍ كما يحلو للبعض توصيفه؛ بل إنها المحصلة المرة لأربعة عقود من التجريف الممنهج والتجويع الثقافي الذي تعرضت له الشخصية الليبية، حيث مُسخت الهوية وغُيب الوعي التاريخي والجمالي.

وعندما حدثت نقطة التحول التاريخية، وجد مجتمعنا نفسه محكوماً بردة فعل عمياء؛ فبدلاً من العودة إلى الجذور وإعادة بناء مؤسسات الوعي الثقافي والوطني، ساد مناخ من التمرد العشوائي الموجه نحو تقليد كل ما هو غربي أو غريب. والأسوأ من ذلك أن من تصدروا المشهد الإداري والسياسي بعد تلك الأحداث تركوا الحبل على الغارب، متخبطين بين جهل مدقع واستحلاء شكلي للقشور، فغاب المشروع الوطني الجامع الذي يحمي الهوية.

الامتداد السرطاني: من الشاشات إلى الواجهات التجارية والعمران

لم تقف هذه الظاهرة عند حدود الحسابات الشخصية والأسماء المستعارة على الإنترنت، بل امتدت بصورة "سرطانية" لتجتاح الفضاء العام بأسره. فقد انتقلت العدوى لتصيب:

  • الواجهات التجارية والشركات: لافتات لمحال ومكاتب ومؤسسات تحمل أسماء لاتينية مبهمة لا تمت للواقع بصلة ولا تعبر عن أي مضامين حقيقية.
  • المكاتب الهندسية والمعمارية: التي لم تكتفِ باستعارة المسميات واللافتات اللاتينية، بل تمادت أيضاً في نوعية توجهاتها المعمارية والتصميمية، لتمارس حالة صريحة من الاغتراب الثقافي والعمراني؛ عبر اللهث خلف قوالب وأشكال مستوردة تفصل المبنى عن بيئته ومناخه وطبيعته المحلية المتجذرة.
  • تسميات المواليد الجدد: حيث يُحرم الطفل أحياناً من جماليات اللفظ العربي الواضح لصالح صيغ هجينة تفتقر للمعنى والانتماء. 

والمفارقة المؤلمة هنا أن هذا التغريب المستشري لا يقابله أي منجز حضاري أو إبداعي حقيقي يبرره؛ فهو مجرد استهلاك أجوف لشعارات ومظاهر مستعارة، واغتراب تام يجعل المواطن يشعر وكأنه غريب في مدينته، يتجول بين لافتات ومبانٍ لا تشبه روحه ولا تنتمي لتاريخه.

نحو استعادة الوعي: مقترحات لحماية الفضاء العام والهوية

    إن الوقوف في وجه هذه الموجة الهوجاء يتطلب وعياً جمعياً ومسؤولية أخلاقية وثقافية لا يمكن تأجيلها. ولعل أبرز مسارات المواجهة تتمثل في:

  1. إعادة الاعتبار للغة الأم في الفضاء العام: سن ضوابط تنظيمية ومجتمعية واضحة تُلزم المؤسسات والأنشطة التجارية والمهنية باعتماد اللغة العربية لغة رئيسية للتعريف واللافتات، مع توثيق ذلك بقوانين بلدية واضحة تحمي المشهد البصري للمدن.
  2. تفعيل دور المؤسسات الثقافية المستقلة: بعث المبادرات الفردية والمنابر الثقافية الجادة (كالمدونات، والندوات، وورش العمل الفكرية والعمرانية) التي تسلط الضوء على قيمة الهوية المحلية وتربط الأجيال الجديدة بتراثهم الحقيقي.
  3. مواجهة التسطيح التعليمي والإعلامي: إدراج برامج توعوية في المناهج والمنابر الإعلامية تبين أن المعاصرة والحداثة لا تعنيان أبداً انسلاخ الإنسان عن لغته وجذوره، بل تُبنى الحضارات الحقيقية من الداخل بالإنتاج والابتكار لا بالاستعارة الشكلية المستلبة.
  4. تأصيل الوعي المعماري والعمراني: الاعتماد على الروح المحلية في البناء والتصميم، وإثبات أن العمارة الأصيلة والمستمدة من بيئتنا ومناخنا وثقافتنا هي وحدها الكفيلة بخلق فضاءات عمرانية إنسانية تنبض بالحياة، بدلاً من استيراد قوالب هجينة مشوهة.

خاتمة واستطراد: حراسة الميراث في زمن الضياع

إن قضية اللسان والاسم والعمران ليست مجرد مفاضلة بين أشكال أو ذائقات جمالية عابرة، بل هي القضية الوجودية الأساسية لكل أمة تسعى للاستمرار والكرامة؛ فالأمم لا تنهزم حين تُسلب مقدراتها، بل حين تُسلب لسانها وذاكرتها ورؤيتها لذاتها. إن التغريب الشكلي الذي يعربد اليوم في فضاءاتنا وافتراضاتنا وحوائط مدننا ليس إلا دليلاً على أزمة عميقة في الثقة بالنفس، واستسهالاً خطيراً لارتداء أقنعة مستعارة ظناً أنها تمنح صاحبها زينةً أو حداثة.

إن التمسك بكتابة اسمك بلغتك، واختيار اسمٍ عربي صريح لمتجرك، وتصميم مسكنك بروح أرضك ومناخك، هي أفعال مقاومة ثقافية يومية ومظاهر اعتزاز حقيقية. المعاصرة الحقيقية هي أن نتحدث للعالم من موقع أصالتنا، وأن ننتج وعينا وعمارتنا ولغتنا من صلب تجربتنا وتاريخنا، لا أن نكون صداً باهتاً لغيرنا. وحين نترك الحبل على الغارب لهذا التداعي، فإننا نوقع وثيقة تنازل صامتة عن روحنا ومكاننا، ونسلّم الأجيال القادمة مدينة بلا ذاكرة، ولساناً بلا نبرة، وهوية بلا ملامح. إن حراسة هذا "الميراث" ليست ترفاً فكرياً، بل هي الواجب الأسمى الذي نبدأه بشرارة الوعي، ونرسخه في كل حرفٍ نكتبه، وكل جدارٍ نبنيه.

الثلاثاء، أكتوبر 27، 2026

اللون في العمارة... حين تصبح الجدران شاهدة على العقيدة والهوية

جمال الهمالي اللافي

رغم أنني أفردت لموضوع اللون ورمزيته في ثقافة الشعوب والعقائد أكثر من مقالة فيما سبق، فإن هذا الموضوع لا يزال يثير التساؤلات لدى البعض عبر الرسائل الخاصة، لذلك رأيت إعادة تلخيص الفكرة في هذا المنشور.

اللون ليس مجرد اختيار جمالي في العمارة، بل هو أحد أهم وسائل التعبير الثقافي والحضاري التي اعتمدتها الشعوب عبر التاريخ. فعندما تكون العمارة معبرة بصورة مباشرة عن مواد البناء المحلية، يصبح اللون انعكاساً لطبيعة المكان ومواده، فنراه مستمداً من الحجر أو الطين أو التراب أو غيرها من المواد التي شكلت عمران المنطقة عبر العصور. غير أن اللون يكتسب دلالة أخرى عندما يتحول إلى وسيلة للتعبير عن عقيدة أهل المكان وهويتهم الثقافية، فيعلو أحياناً على لون المادة نفسها، ويصبح جزءاً من خطاب بصري مقصود يعبر عن منظومة فكرية واجتماعية كاملة.

ولهذا نجد أن الجماعات البشرية، حتى عندما تتشارك المكان ذاته، كثيراً ما تمايزت في اختياراتها اللونية تبعاً لما تحمله تلك الألوان من رموز ومعانٍ مرتبطة بعقائدها وثقافاتها. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في المدينة القديمة بطرابلس، حيث احتفظت الألوان بدلالاتها المرتبطة بالجماعات الدينية التي عاشت فيها عبر القرون. فقد اختار المسلمون اللون الأبيض لحوائط المباني، ليس على مستوى مساكنهم فقط، وإنما باعتباره اللون الغالب على المشهد العمراني العام للمدينة، واختاروا اللون الأخضر للأبواب والشبابيك وعناصر التأثيث المختلفة، مع الحرص على توحيد درجته اللونية لتعبر عن وحدة المرجعية الثقافية والعقدية. بينما اشتهر اليهود باستخدام اللون السماوي للحوائط والأزرق للأبواب والشبابيك والعناصر الزخرفية، في حين ارتبطت مباني المسيحيين باللون الأصفر للحوائط والبني للأبواب والشبابيك وعناصر التأثيث.

وحتى هذه اللحظة، ورغم ما تعرضت له المدينة القديمة بطرابلس من إهمال وخراب وتشويه لكثير من معالمها العمرانية، فإن هذا التمايز اللوني بين العقائد السماوية المختلفة ما يزال من الحقائق التي يحتفظ بموثوقيتها غالب الليبيين. بل إن الأمر لا يقتصر على الذاكرة الشعبية والرواية المتوارثة، وإنما يمكن تتبعه مادياً في عدد من المباني التاريخية، حيث تكشف طبقات الطلاء المتراكمة فوق بعضها بعضاً عن تاريخ العقار وتحولاته عبر الزمن. ففي بعض البيوت يمكن قراءة تعاقب الشاغلين والملاك الذين تناوبوا على السكن أو التملك من خلال الطبقات اللونية المخفية تحت الطلاء الأحدث، وكأن الجدران نفسها احتفظت بسجل بصري يوثق تاريخ المكان وسكانه، ويكشف جانباً من هويته التي تراكمت عبر الأجيال.

ومع انقطاع المعرفة المتعلقة بثقافة اللون ورمزيته في البيئة المحلية، غلب على فهم كثير من الليبيين في العصر الحاضر أن بعض الألوان ترتبط حصراً ببيئة البحر الأبيض المتوسط، خاصة مع انتشار اللون الأزرق في بعض المدن اليونانية والتونسية المشهورة. ومن هنا باشر البعض، عن جهل أحياناً وعن قصد أحياناً أخرى، بمحاولات تعميم اللون الأزرق على معالم المدينة القديمة بطرابلس، بل وعلى مبانٍ ومناطق أخرى خارجها، انطلاقاً من تصور يرى في هذا اللون تعبيراً عن الهوية المتوسطية فحسب.

كما انطلقت بعض هذه المحاولات من اعتقاد أن شيوع اللون الأخضر في تفاصيل المباني الليبية ارتبط بفترة حكم القذافي، وأنه رمز سياسي مستحدث، في حين أن حضوره في البيئة الإسلامية أقدم من ذلك بكثير، ويرتبط برمزية دينية وثقافية متجذرة في وجدان المسلمين وفي منتجاتهم الثقافية والعمرانية عبر قرون طويلة.

إن اللون، في نهاية المطاف، ليس مجرد طلاء يغطي الجدران، ولا قراراً زخرفياً عابراً، بل هو أحد الرموز التعبيرية التي اعتمدتها الشعوب والثقافات الدينية والحركات السياسية عبر التاريخ لتمييز نفسها والتعبير عن معتقداتها ورؤيتها للعالم. وهو امتداد لرمزية اللغة وحروفها، ورمزية الملابس وطقوسها، ورمزية الفنون والعادات وسائر المنتجات الثقافية القادرة على التعبير عن هوية الجماعة وتعريف الآخرين بها.

ولهذا فإن العبث بالألوان التاريخية للمكان لا يغير مظهره فحسب، بل قد يؤدي إلى طمس جزء من ذاكرته الثقافية وإضعاف قدرته على رواية قصته للأجيال اللاحقة. فكما نفقد جزءاً من تاريخنا حين نهدم مبنى أثرياً، فإننا نفقد جزءاً من المعنى حين نمحو رموزه البصرية ونستبدلها برموز لا تنتمي إلى سياقه الثقافي.

فاللون في العمارة ليس اختياراً جمالياً فحسب، بل لغة بصرية تحفظ ذاكرة المكان، وتعلن هوية أهله، وتروي قصة العقائد والثقافات التي مرت به عبر الزمن.

الاثنين، أكتوبر 26، 2026

حقوق الملكية في المشاريع المعمارية

 بين حق المالك وحق المصمم... رؤية شرعية وقانونية

جمال الهمالي اللافي

من أكثر المسائل إثارة للجدل في الوسط المعماري اعتقاد بعض أصحاب المشاريع أن سداد أتعاب التصميم يجعل المخططات ملكاً خالصاً لهم، يحق لهم توزيعها أو إعادة استخدامها أو تنفيذها مرات متعددة متى شاؤوا. غير أن هذا التصور يخلط بين أمرين مختلفين: ملكية النسخة، وملكية الحق.

فشراء التصميم لا يعني بالضرورة شراء جميع الحقوق المرتبطة به، تماماً كما أن شراء كتاب لا يمنح صاحبه حق طباعته ونشره. فهناك فرق بين امتلاك الشيء والانتفاع به، وبين امتلاك حقوقه الفكرية كاملة.

ما الذي يشتريه المالك فعلاً؟

عندما يتعاقد شخص مع معماري لتصميم مشروعه، فإن محل العقد هو إعداد تصميم لمشروع محدد وفي موقع محدد ولغرض محدد. وبذلك فإن ما يحصل عليه المالك عادة هو حق الانتفاع بالمخططات لتنفيذ المشروع المتفق عليه، أما إعادة استخدامها أو استنساخها أو استثمارها في مشاريع أخرى فحقوق مستقلة لا تنتقل تلقائياً إلا بنص أو اتفاق صريح.

ولهذا السبب تعتبر أغلب الأنظمة القانونية الحديثة الأعمال المعمارية من المصنفات الفكرية التي تتمتع بالحماية القانونية شأنها شأن الكتب والرسومات وسائر الأعمال الإبداعية.

الموقف الشرعي من التصاميم المعمارية

قامت الشريعة الإسلامية على حفظ الحقوق وتحقيق العدل بين الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم».

والتصميم المعماري ليس مجرد خطوط مرسومة على الورق، بل هو ثمرة علم وخبرة وجهد مهني له قيمة معتبرة. كما تنطبق على هذه المسألة القاعدة الفقهية المشهورة: "المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً". فإذا كان العرف المهني السائد أن أتعاب التصميم تُدفع مقابل مشروع محدد وتنفيذ واحد، فإن هذا العرف يصبح جزءاً من العلاقة التعاقدية، حتى لو لم يُذكر صراحة في العقد.

أين يبدأ الالتباس؟

ينشأ الالتباس عندما يظن بعض الملاك أن سداد الأتعاب يمنحهم جميع الحقوق المتعلقة بالتصميم. ولو افترضنا أن المستثمر أخبر المعماري منذ البداية بأنه ينوي تنفيذ المشروع عشر مرات في مواقع مختلفة، فهل ستكون الأتعاب هي نفسها؟ في الغالب لا. والسبب أن التصميم في هذه الحالة يتحول من مشروع واحد إلى أصل استثماري يدر أرباحاً متكررة، وهو ما يمثل منفعة إضافية لم تكن داخلة في الاتفاق الأصلي.

هل يحق للمالك إعادة تنفيذ التصميم في مشاريع أخرى؟

هذه من أكثر الصور انتشاراً في الواقع العملي. فالمالك قد يعيد تنفيذ المخططات نفسها في أرض أخرى أو يوظفها في مشروع استثماري جديد. وهنا لا يعود الحديث عن المشروع الذي صُممت المخططات من أجله، بل عن استثمار جديد قائم على جهد فكري سابق. فإذا لم يكن حق إعادة التنفيذ قد مُنح له صراحة بموجب العقد أو الاتفاق، فإن الادعاء بأحقيته المطلقة في هذا التصرف يصبح محل إشكال شرعي وقانوني وأخلاقي.

عندما يتحول الأمر إلى نوع من التحايل

أفرز هذا الفهم لدى البعض ثقافة تنظر إلى إعادة استخدام التصميم دون الرجوع إلى صاحبه بوصفها نوعاً من "الشطارة" أو الاقتصاد في النفقات. غير أن الرغبة في إعادة استخدام التصميم لتوفير تكلفة تصميم جديد هي في حد ذاتها اعتراف ضمني بأن للتصميم قيمة مستقلة.

ومن هنا فإن استغلال غياب النصوص الواضحة أو التحايل على الأعراف المهنية لا يغير من حقيقة الحقوق شيئاً، فالعدل لا يقاس بما يستطيع الإنسان فعله، بل بما يحق له فعله.

المشاريع الاستثمارية وحقيقة القيمة المعمارية

تزداد أهمية هذه القضية في المشاريع الاستثمارية، حيث لا تكمن القيمة الحقيقية للعمل المعماري في عدد الرسومات، بل في الفكر الذي يقف خلفها.

فالمعماري الذي يصمم مجمعاً سكنياً أو مشروعاً استثمارياً متكاملاً لا يقدم مخططات فحسب، بل يساهم في صناعة منتج عقاري ذي قيمة تسويقية واستثمارية. ولذلك فإن اختزال هذا الجهد في أوراق قابلة للاستنساخ بلا حدود هو اختزال غير منصف لطبيعة العمل المعماري.

أهمية العقود الواضحة

تبقى العقود الواضحة أفضل وسيلة لحماية الحقوق ومنع النزاعات. ولذلك من المهم أن تتضمن عقود التصميم بنوداً صريحة تحدد حدود استخدام المخططات وحقوق الملكية الفكرية وما إذا كان للمالك حق إعادة التنفيذ أو الاستثمار المتكرر للتصميم. فكلما كانت الحقوق محددة منذ البداية، ضاقت مساحة التأويل وتراجعت أسباب الخلاف.

أهمية الوعي المهني قبل المطالبة بالحقوق

غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المشكلة لا تبدأ دائماً عند مالك المشروع، بل كثيراً ما تبدأ داخل الوسط المهني نفسه. فكم من معماري يسلم مخططاته دون عقد واضح أو تحديد لنطاق الاستخدام أو بيان لحقوق الملكية الفكرية، ثم يفاجأ لاحقاً بإعادة استخدام تصميمه.

ولهذا فإن هذه المقالة ليست دفاعاً عن المعماري وحده، بل دعوة إلى ترسيخ مفهوم أوسع هو احترام الحقوق الناتجة عن الجهد الفكري. فالمجتمعات لا تتقدم باحترام ملكية الأرض والعقار فقط، بل باحترام المعرفة والخبرة والإبداع أيضاً. فالحقوق الفكرية ليست امتيازاً للمبدعين، بل ضمانة للمجتمع كي يستمر في إنتاج المعرفة والحلول والابتكار.

الخلاصة

إن دفع أتعاب التصميم يمنح المالك حق الانتفاع بالمخططات في حدود ما تم الاتفاق عليه، لكنه لا يمنحه تلقائياً حق إعادة توزيعها أو استنساخها أو تنفيذها في مشاريع جديدة أو استثمارها بلا قيد. وهذا ليس مقتضى القانون فحسب، بل هو أيضاً مقتضى العدل الذي جاءت الشريعة بحفظه بين الناس.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل صاحب مشروع على نفسه قبل إعادة استخدام تصميم لم يأذن صاحبه بذلك هو:

هل أملك هذا الحق حقاً، أم أنني أستفيد من جهد غيري أكثر مما اتفقنا عليه؟

فالإجابة الصادقة عن هذا السؤال كفيلة بأن تعيد الأمور إلى ميزان العدل الذي لا تستقيم المعاملات إلا به.

السبت، أكتوبر 24، 2026

ما الذي أدركته العمارة المحلية وأضعناه نحن؟

العمارة بين الحاجة والرغبة

جمال الهمالي اللافي

لست من النوع الذي يوزع عبارات الإطراء على مشاريع أي معماري أو معمارية. بل إنني متحفظ جداً في هذا الأمر، إن لم أكن بخيلاً به على من لا يستحق، انطلاقاً من قيمي وقناعاتي المهنية. فعندما أقيّم مشروعاً معمارياً، فإنني أنظر أولاً إلى العمل المنجز نفسه، وأركز على ما يحمله من أفكار وما يقدمه من حلول وما يعكسه من فهم للعمارة، دون أن أغفل حق صاحبه في التقدير المستحق.

ولهذا لا أسمح لنفسي بأن أضغط زر الإعجاب على مشروع يتعارض مع قناعاتي المعمارية، مهما كانت مكانة صاحبه أو حجم ما يبديه من تقدير لمشاريعي. فالإعجاب عندي ليس مجاملة متبادلة، ولا استجابة لعلاقات شخصية أو مهنية، بل شهادة معمارية لا ينبغي أن تمنح إلا عن قناعة.

ولعل هذه المسألة تكشف عن مشكلة أعمق يعيشها الوسط المعماري اليوم، حيث أصبح النقاش يدور غالباً حول الأشكال والصور والانطباعات البصرية، بينما يغيب السؤال الأهم: ما المرجعية التي ننطلق منها في الحكم على العمارة؟ وما المعايير التي تجعل مشروعاً ما جديراً بالإعجاب أو النقد أو الإهمال؟

في الوسط المعماري الليبي، أصبح من النادر أن نعثر على مشروع يحكي عن صدق مصممه في تعاطيه مع البيئة واحتياجات المالك وطبيعة المجتمع الذي يعمل من أجله. وجل ما يقدم اليوم، إلا ما ندر، يفصح عن رغبة محمومة لدى المعماري في فرض منطقه التصميمي الخاص، وكأن المشروع فرصة لاستعراض الذات أكثر من كونه استجابة لمتطلبات الإنسان الذي سيعيش داخله. فيتحول المالك إلى متلقٍ، بينما يحتكر المعماري حق صياغة المشهد وفق رؤيته الخاصة.

ولست متعصباً لتوجه معماري بعينه، بقدر تعصبي لرسالة العمارة نفسها. فالعمارة في نظري وجدت أولاً لخدمة الإنسان، ولتحقيق السكينة والراحة والكرامة له، ثم تأتي بعد ذلك الاعتبارات البيئية والثقافية والاقتصادية لتكمل هذه الرسالة وتثريها. فإذا فقدت العمارة بعدها الإنساني، فقدت مبرر وجودها مهما بلغت درجة الإبهار في أشكالها أو تقنياتها.

ومن هذا المنطلق جاء انحيازي للعمارة المحلية الليبية. لا بوصفها تراثاً ينبغي التمسك به لمجرد قدمه، ولا باعتبارها تعبيراً شكلياً عن الهوية فحسب، بل لأنها تمثل في نظري نموذجاً عمرانياً استطاع أن يحقق معادلة نادرة بين الإنسان وبيئته وثقافته وقيمه.

فالعمارة المحلية في ليبيا تختلف في كثير من جوانبها عن نماذج عمرانية أخرى نشأت داخل فضاء الحضارة الإسلامية نفسه. وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد قدمت منظومة قيم عامة للعمران، فإن الشعوب تفاوتت في كيفية ترجمة تلك القيم إلى بيئة مبنية. وما يلفتني في التجربة الليبية هو أنها كانت أقرب إلى المقياس الإنساني، وأكثر ابتعاداً عن التكلف والاستعراض ومظاهر التفاخر العمراني.

لقد اختارت البساطة دون أن تقع في الفقر البصري، وحققت الإتقان دون أن تبحث عن الإدهاش المفتعل، وقدمت الراحة دون إسراف، والجمال دون تكلف. فلم تكن عمارة تبحث عن لفت الأنظار بقدر ما كانت تبحث عن توفير حياة كريمة ومستقرة لسكانها. ولهذا جاءت فراغاتها متوازنة، وعلاقاتها الاجتماعية واضحة، وحلولها البيئية ذكية، وتوظيفها للمواد المحلية متقناً ومنسجماً مع طبيعة المكان.

ولعل ما يميز هذه العمارة أكثر من غيره أنها لم تتعامل مع الدين بوصفه زخرفة تضاف إلى الواجهات أو مفردات شكلية تستعار من الماضي، بل بوصفه منظومة قيم انعكست بصورة طبيعية على العمران. فحضور الخصوصية، ومراعاة الجوار، واحترام الحياة الأسرية، وترشيد الإنفاق، وحسن استثمار الموارد، كلها لم تكن شعارات نظرية، بل ممارسات عمرانية تجسدت في البيت والشارع والحوش والعلاقة بين الفراغات المختلفة.

ولهذا أرى أن العمارة المحلية الليبية استوفت مبكراً شروط الإبداع المستدام، لأنها لم تنخرط في سباقات الضخامة والفخامة والتكلف، ولم تدخل في منافسات استعراضية مع الحضارات الأخرى، بل ركزت على تحقيق المقاصد الحقيقية للعمران. فكان الإنسان فيها هو الغاية، لا وسيلة لإبراز قدرات المصمم أو ثروة المالك.

وعندما نعرض هذه العمارة على متطلبات العصر، سنكتشف أن أغلب ما يثار حول قصورها المزعوم لا يعود إلى قصور حقيقي فيها، بقدر ما يعود إلى تغير نظرتنا نحن للعمارة. فالكثير من الاعتراضات الحديثة ليست ناتجة عن احتياجات إنسانية جديدة بقدر ما هي ناتجة عن تحولات ثقافية واستهلاكية أعادت تعريف مفهوم الحاجة نفسه.

فالإنسان الذي نشأ في مبانٍ لا توفر الراحة الحرارية إلا تحت ضغط أجهزة التكييف، قد يجد صعوبة في استيعاب الحكمة الكامنة في حلول عمرانية كانت تحقق قدراً كبيراً من الراحة بالاعتماد على التصميم ذاته. والإنسان الذي اعتاد تقييم العمارة وفق الصور المنشورة والإعلانات البراقة سيجد صعوبة أكبر في تقدير عمارة صممت لتُعاش لا لتُعرض.

أما الكثير مما يُقدَّم اليوم تحت عنوان "متطلبات العصر"، فلا يعدو في جانب كبير منه أن يكون انعكاساً لشهوات الاستهلاك والرغبة في تقليد كل جديد وكل موضة وكل صورة يتم الترويج لها. والحقيقة أن الإنسان الليبي لم تتغير احتياجاته الجوهرية بالقدر الذي تغيرت به رغباته. فما يزال يبحث عن السكن الآمن، والخصوصية، والراحة، وروابط الأسرة، والعلاقة السليمة مع الجوار والبيئة المحيطة. إلا أن ضجيج الاستهلاك أوهمه أن هذه الحاجات أصبحت متخلفة أو غير كافية.

ومن هنا فإن القضية ليست صراعاً بين القديم والجديد، ولا بين المحلي والوافد، بل بين مرجعيتين مختلفتين لفهم العمارة. مرجعية تنطلق من حاجات الإنسان الحقيقية، ومرجعية أخرى تنطلق من رغبات لا تتوقف عن التبدل والتجدد.

وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد قدمت عبر عمرانها مبادئ راسخة لتنظيم العلاقة بين الإنسان والمسكن والمدينة والمجتمع، فإن المشكلة لا تكمن في نقص تلك المبادئ، وإنما في ابتعادنا عنها واستبدالها بمرجعيات أخرى صنعت أوهام النقص ثم راحت تقدم حلولاً لمشكلات لم تكن موجودة أصلاً، بقدر ما خلقت مشكلات أكبر من تلك التي ادعت معالجتها.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: ما الذي ينقص العمارة المحلية الليبية حتى تواكب العصر؟ بل: ما الذي ينقص الإنسان المعاصر حتى يدرك قيمة ما فرّط فيه؟

فقبل أن نبحث عن عمارة جديدة، علينا أن نتأكد أولاً من أننا ما زلنا نعرف ما الذي نحتاجه حقاً من عمارتنا. لأن المجتمعات التي تفقد القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين السكن والترف، وبين الراحة والاستهلاك، قد تنجح في إنتاج مبانٍ أكثر حداثة، لكنها لن تنجح بالضرورة في إنتاج عمارة أكثر إنسانية.

ختاماً

ولعل المأساة الحقيقية ليست في أن العمارة المحلية الليبية قد تراجعت، بل في أننا أصبحنا ننظر إليها بعين من فقد ثقته بما أنتجه أجداده، وبما كان يملكه من حكمة قبل أن يتعلم الانبهار بكل وافد. فهذه العمارة لم تكن مجرد جدران من طين أو حجر، ولا تفاصيل إنشائية فرضتها ظروف زمنها، بل كانت خلاصة فهم عميق للإنسان وحاجاته، وللأسرة وعلاقاتها، وللمناخ وتحدياته، وللأرض وما تمنحه من موارد.

وحين نتأملها اليوم بعين الإنصاف، نجد أنها لم تكن تعاني أزمة في الفكر أو المنهج أو القيم، بقدر ما نعاني نحن أزمة في فهم معنى التقدم نفسه. فقد أقنعنا العصر أن كل جديد أفضل، وأن كل بسيط ناقص، وأن كل ما ورثناه يحتاج إلى استبدال، حتى أصبحنا نهدم ما أثبت نجاحه بحثاً عن بدائل ما تزال عاجزة عن إثبات جدارتها.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس: كيف نجعل عمارتنا المحلية تشبه عمارة هذا العصر؟ بل كيف نجعل إنسان هذا العصر أكثر قدرة على فهم العمارة التي أنتجها مجتمع عرف ذاته قبل أن يعرف الدعاية، وفهم احتياجاته قبل أن تتكفل الأسواق بتحديدها له.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ما الذي ينقص العمارة المحلية حتى تواكب العصر؟ بل ما الذي ينقص الإنسان المعاصر حتى يدرك قيمة ما فرّط فيه؟ فقبل أن نبحث عن عمارة جديدة، علينا أن نتأكد أولاً من أننا ما زلنا نعرف ما الذي نحتاجه حقاً من عمارتنا. لأن المجتمعات التي تفقد القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين السكن والترف، وبين الراحة والاستهلاك، قد تنجح في إنتاج مبانٍ أكثر حداثة، لكنها لن تنجح بالضرورة في إنتاج عمارة أكثر إنسانية.

فربما لا تكمن أزمتنا في تخلف عمارتنا عن العصر، بل في تخلفنا نحن عن فهم القيمة الكامنة فيها. وربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال العمارة المحلية عمّا ينقصها، ونبدأ بسؤال أنفسنا عمّا فقدناه نحن، حتى غدت بيوت أجدادنا أكثر فهماً لنا من كثير من المباني التي نشيدها اليوم باسم الحداثة والتقدم. فليست كل عمارة جديدة تقدماً، كما أن ليست كل عمارة قديمة تخلفاً؛ وإنما التقدم الحقيقي هو أن نعرف كيف نميز بين ما يحتاجه الإنسان حقاً وما يُقنعه عصره بأنه يحتاجه.

وعندها فقط سندرك أن بعض ما نبحث عنه في المستقبل كانت العمارة المحلية قد أدركته منذ زمن بعيد، ثم أضعناه نحن بأيدينا.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...