جمال الهمالي اللافي
هي عدة
أمور متشابكة مصدر غالبها الزبون ثم المهندس الإنشائي فالمقاول ثم تجار مواد
البناء، كيف؟
مطب الزبون: غالب الزبائن إن لم يكن جلهم،
أنظارهم تتجه للخارج، يقارنون واقعهم المعماري المشوه بواقع دول أخرى، فتتعلق
نفوسهم بما عند غيرهم ولسان حالهم يقول للمعماري: نبي كي دبي، أو كي تركيا أو
غيرها من الدول. هم يشاهدون عمارة الزجاج والكمرات الطائرة والأشكال العجيبة التي
يزخر بها العالم من حولهم. يرون مواد بناء لا وجود لها في ليبيا. ومساحات زجاج تطل
على طبيعة ساحرة، وتصميم داخلي وعناصر تأثيث تهفو لها نفوسهم وتشتهي مثلها.
ثم عند
الاصطدام بالواقع وظروفه الاقتصادية والمناخية والاجتماعية التي تضع الخصوصية في
مقدمة المطالب، يمارس حقه في الاعتراض. هذه تكلفني الكثير، الجيران يطلون علينا،
مناخ البلاد حار وهذا يتطلب مصاريف تبريد باهظة. ويصل الأمر أخيراً إلى تكاليف
الخريطة المعمارية التي يريدونها الحلقة الأضعف في مساوماتهم للمعماري ولسان حالهم
يقول هذه المرة: نبوها حمراء وجراية وما تاكلش الشعير. المفارقة أن هذا الحرص
المبالغ فيه على التوفير يختفي تماماً أمام الدفع للمقاول أو شراء مواد التنفيذ، بينما
يُستكثر على الخريطة – وهي العقل المدبر للمشروع والضامن لعدم هدر تلك الأموال –
أبسط حقوقها المادية. أي يريدون من المعماري أن يصمم لهم بيتاً من عدم يحقق لهم كل
ما يحلمون به، ويتحمل مواجهة كل معوقات الواقع، ولكن بثمنٍ بخس. وهنا لن نتكلم عمن
سرقوا الخرائط وفروا دون أن يستكملوا أتعابها وبعضهم لم يسددها.
المهندس الإنشائي: وهنا لن نتحدث عنه بل عن
المنهج الذي درسه والفرص التي لم تُتَح له ليخوض تجارب العلم الأكاديمي بأحدث
المستجدات في مجاله ثم خبرة الممارسة مع مواد بناء غير الإسمنت والياجور والبلك،
ومع نظام إنشائي غير الهيكل الخرساني. لا مشاريع تتاح له ولا خبرات تستجلب لأجل
توسيع آفاقه الهندسية؛ فلا يجد المعماري مفراً من الالتزام في تصاميمه بهذا القيد
الإنشائي الذي يعكس انحصار خبرة المهندس في النظام التقليدي وتجنبه للمخاطرة في
أنظمة غير مألوفة.
المقاولات والعمالة الفنية: بعد السياسات الاقتصادية التي
دُمرت بها ليبيا عبر إغلاق شركات المقاولات الليبية واقتصار تنفيذ المشاريع على
شركات عشوائية ثم إحالة الأمور إلى مقاولات وعمالة بلا قانون يضبطها ولا عقوبات
تردعها، انفتح الباب على مصراعيه في اتجاه ارتفاع أسعار البناء في مقابل انحسار
الجودة. هذا التفلت المهني الناتج عن غياب الرادع القانوني جعل الجودة عملة نادرة.
تجار مواد البناء: عندما تنحسر الجودة وترتفع
الأسعار وتتقلص الخيارات، يجد المعماري نفسه أمام خيار القبول راضخاً لإملاءات
السوق أو مشقة البحث عن البدائل المحلية الشحيحة. وهنا تبرز فوضى الاستيراد
والتلاعب بالمواصفات؛ حيث يُستجلب "الغش" وتُقدم المواد الرخيصة على
أنها بدائل معتمدة، ليس فقط استجابة لطلب السوق، بل سعياً من التاجر لتقليل
مصاريفه وزيادة أرباحه على حساب سلامة وجودة البناء.
المعماري المهني مقابل المعماري التاجر: وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال
بديهي: طالما أن هذا هو الحال، فكيف تستمر حركة البناء؟ الإجابة تكمن في الفارق
الجوهري بين معماري حريص على مصلحة زبونه، وبين معماري يتعاطى مع زبائنه بروح
التاجر الذي لا يحاسب نفسه بقدر ما يهمه الكسب المادي؛ فهذا التاجر يبيع
"الوهم البصري" ويسهل خداع الزبون، ولا يبصر زبائنه بأي مشاكل تنفيذية
مكلفة، بل يغطي العيوب بديكورات تبهر الأنظار وتثقل كاهل الزبون لاحقاً.
الخلاصة: في النهاية، هذا الطرح هو
امتداد لمسار التوعية للمجتمع؛ بهدف تبصير الزبائن بما هم مقدمون عليه. المعماري
الذي يرهق نفسه بالتفاصيل والاعتراضات والنقاشات المستمرة، ليس عقبة أمام أحلامك،
بل هو شريكك الحقيقي. هو من يخوض ذلك السجال شبه اليومي مع جميع الأطراف للوصول
بالمشروع إلى بر الأمان. إن التصميم الناجح في بلادنا ليس استنساخاً أعمى للصور
المستوردة، بل هو فن "الممكن"، وصناعة الجمال من رحم هذه التحديات، وهذا
لا يتحقق إلا بمعماري أمين، وزبون مستوعب لحجم المعركة المشتركة.


