أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، يوليو 19، 2026

لماذا غابت بصمة "البستنة" عن أزقة مدينتنا القديمة وبيوتها؟

 

جمال الهمالي اللافي

سؤالي يتجاوز مجرد الاستفسار إلى العتاب المحب: لماذا يغيب الحضور الفاعل والمشاركة الملموسة لقسم البستنة بكلية الزراعة في تجميل شوارع مدينتنا القديمة وبيوتها العريقة؟ لماذا تُترك جدرانها الخارجية عارية، وتُحرم أفنيتها الداخلية من بهجة الطبيعة، بينما يمكن إكليلها بالنباتات المتسلقة كالياسمين الفواح والورد الجوري، وتزيين ساحاتها وباحات منازلها بأشجار البرتقال والليمون التي تنبض بالحياة؟

لعل هذا الغياب يشي بقصور في فلسفة المناهج الدراسية المعتمدة في القسم، والتي يبدو أنها تحصر مفهوم "الجمال" وتنسيق المدن في قوائم ضيقة من نباتات وأشجار الزينة التقليدية. فهل يُعقل أن تُستبعد الأشجار المثمرة والنباتات العطرية الفواحة من خطط التجميل الحضري والمنزلي بحجة أنها تنتمي حصراً لقاموس "الفلاحة" والزراعة الإنتاجية؟ إن هذا الفصل التعسفي يفرّغ التجميل من روحه، ويحرم مدينتنا، بشوارعها وبيوتها، من جماليات مزدوجة تجمع بين البهاء البصري والعبق العطري.

إن المدن العريقة لا تكتمل هويتها إلا بتعانق الحجر مع الشجر، ولنا في التاريخ والجغرافيا أسوة حسنة:

·     روح الأندلس: لو تأملنا ساحات قرطبة وأزقة غرناطة، بل وأفنيتها الداخلية الساحرة، لوجدناها تتنفس عبق (البرتقال المر) المزروع في وسطها، بينما تتدلى المتسلقات والياسمين من شرفاتها الداخلية وتعريش الكروم على جدران البيوت من الداخل والخارج، لتخلق لوحة فنية تمتزج فيها خضرة الطبيعة مع نقوش العمارة الإسلامية. هذا التناغم لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة اعتناء و"بستنة" لا تفرق بين شجرة مثمرة ونبتة زينة، بل توظف كليهما لصناعة فردوس أرضي.

·     سحر الجزر اليونانية: وفي جزر اليونان، نرى كيف تكسر ألوان أزهار "الجهنمية" الأرجوانية والوردية حدة البياض الناصع للمنازل، وكيف تتسلق الأزهار الأزقة الضيقة وأسوار البيوت لتظلل المارة وتمنح المكان هوية بصرية لا تُنسى.

ولكي لا نكتفي بالوصف والعتاب، أضع بين يدي قسم البستنة بكلية الزراعة مقترحاً عملياً: لماذا لا يُبادر القسم بتنظيم "مهرجان سنوي لتخضير المدينة القديمة"؟ تظاهرة تتجاوز التنظير الأكاديمي إلى المشاركة الفاعلة والميدانية، ينزل فيها الأساتذة والطلاب لزراعة المتسلقات على الجدران العتيقة، وغرس الأشجار المثمرة والعطرية في الساحات العامة وداخل البيوت التي ترحب بذلك.

نحن نمتلك المناخ المماثل والتراث المعماري الأصيل، فلماذا لا نعيد إحياء هذا السحر؟ أليس من حق مدينتنا القديمة أن تتنفس الياسمين، وأن تظلل ساحاتها وبيوتها أشجار البرتقال، لتكون معارض فنية حية تسر الناظرين وتبهج قلوب قاطنيها؟

السبت، يوليو 18، 2026

بين الفن والتشويه: لماذا يجب أن تبقى جدران المدينة القديمة كما هي؟


جمال الهمالي اللافي

تداول الكثيرون مؤخراً منشوراً لفنان تشكيلي مبدع يقوم برسم جدارية على أحد جدران مدينتنا القديمة، مع دعوة لزملائه الفنانين للمشاركة. ورغم احترامي الشديد للفن التشكيلي والنوايا الطيبة لتجميل المدينة، إلا أنني، وبصفتي معمارياً غيوراً على تراثنا، أجد لزاماً عليّ أن أسجل اعتراضي الواضح على هذا التوجه، وأود هنا أن أوضح "لماذا".

لكل فن سياقه، ولو عدنا لجذور "فن الجداريات" (Muralism) أو فن الشارع، سنجد أنه نشأ تاريخياً كحركة تمرد وتعبير بصري لبعث الحياة في المساحات الحضرية المهملة، وتجميل الجدران الإسمنتية الصماء، وإضافة الهوية للمناطق الصناعية الباردة التي تفتقر للروح. في تلك الأماكن، يكون الفن الجداري تدخلاً عبقرياً يحول القبح إلى جمال.

ولكن، هل المدينة القديمة مساحة إسمنتية صماء تفتقر للروح؟

بالتأكيد لا. المدينة القديمة ليست "لوحة قماشية بيضاء" نتظر من يلونها. إنها عمل فني معماري مكتمل بحد ذاته. كل حجر، كل قوس، كل تقشر في طلاء جدرانها العتيقة، وكل زقاق فيها يروي قصة مئات بل آلاف السنين من التاريخ والذاكرة الحضرية. النسيج العمراني للمدينة القديمة بطبيعته الحجرية وألوانه البيضاء الأصلية هو هويتها البصرية التي لا تقدر بثمن.

إن الرسم على هذه الجدران التاريخية، مهما كان الرسم جميلاً أو متقناً، هو في لغة العمارة والتراث "طمس" و"تشويه" لهذه الهوية. تخيلوا أن يقوم شخص برسم لوحة حديثة بألوان زاهية فوق تمثال روماني أو جدار أثري بحجة تجميله! هذا بالضبط ما يحدث لجدراننا العتيقة.

رسالتي ودعوتي الصادقة لإخوتي وأصدقائي من الفنانين التشكيليين: نحن بحاجة ماسة لإبداعكم ولريشكم وألوانكم. مدينتنا الحديثة وشوارعها مليئة بالجدران الخرسانية الكئيبة، والمساحات الميتة، والساحات العامة التي تتوق للمساتكم السحرية لتبث فيها الحياة. وجهوا طاقاتكم ومواهبكم إلى هناك، وسنكون أول الداعمين لكم.

أما المدينة القديمة، فدوعها تتنفس بتاريخها. حمايتها والحفاظ على أصالتها ليس ضد الفن، بل هو أسمى درجات التذوق الفني والمعماري.

#المدينة_القديمة #تراثنا_هويتنا #عمارة #فن_الجداريات


الخميس، يوليو 16، 2026

التخطيط الذكي: لماذا نحتاج إلى "بيت المزرعة الكبير"؟

رفع مساحي لحوش القلعة- أحد بيوت المزارع بمنطة تاجوراء.


جمال الهمالي اللافي

لماذا نحتاج إلى "بيت المزرعة الكبير"؟ هذا السؤال يتجاوز كونه استفساراً معمارياً؛ إنه تساؤل حول فلسفة الوجود في المزرعة ككيان اقتصادي وبيئة اجتماعية. غالباً ما تُحكم قرارات البناء بنظرة مادية قاصرة، تقتصر على احتياجات اللحظة أو الضغوط المادية الوقتية، متجاهلةً الأثر المستقبلي لهذا التوسع العشوائي. هذا "قصر النظر" لا يحول دون استثمار المزرعة ككيان منتج فحسب، بل يكرس واقعاً من التفتيت المعماري والاجتماعي الذي ينهش جسد الأرض.

التوسع العشوائي: الكلفة الخفية وتآكل الإنتاج

عندما تُقسّم المزرعة لبيوت متناثرة لكل ابن، فنحن لا نستهلك مساحاتٍ كان يمكن أن تكون أكثر إنتاجية فحسب، بل نرتكب خطأً فادحاً في إدارة الأصول. وهنا تبرز "تكلفة الفرصة البديلة"؛ فكل متر مربع يُهدر لبناء بيتٍ إضافي ليس مجرد تكلفة إسمنت وبناء، بل هو خسارةٌ دائمة للأرباح التي كان يمكن أن يجنيها هذا المتر لو استُثمر في الزراعة، أو حظائر المواشي، أو مرافق الصناعات الغذائية.

علاوة على ذلك، يفرض التشتت السكني بنية تحتية مفرقة (شبكات مياه، كهرباء، وصرف صحي لكل بيت)، وهو إهدار مالي كان يمكن توفيره بالكامل في "بيت كبير" بنظام طاقة موحد. أضف إلى ذلك أن هذا التوزيع العشوائي يُحدث "تلوثاً بصرياً" يقتل جمالية الأرض، ويُدمر المسارات اللوجستية التي تضمن سهولة الحركة بين مرافق الإنتاج. بهذا، تتحول المزرعة من مشروع استثماري متكامل إلى مجموعة من البيوت المتنافرة التي تفتقر للمخطط التوجيهي، وتصبح الحركة التشغيلية داخلها عبئاً بدلاً من أن تكون سلاسةً إنتاجية.

البيت الكبير: توازن النفس والضبط الاجتماعي

إنَّ الركون إلى "البيت الكبير" ليس تراجعاً عن الاستقلالية، بل هو ذكاء في التصميم المعماري يعمل كأداة "ضبط اجتماعي". فالتصميم الذي يمنح الخصوصية التامة (عبر أجنحة خاصة) مع الحفاظ على المساحات المشتركة (كالمساحات المفتوحة وحجرات استقبال الضيوف)، يقلل من حدة التنافس والنزاعات التي تنشأ عادة نتيجة لاختلاف رغبات الأبناء أو زوجاتهم.

هنا، يصبح البيت الكبير حاضنةً توفر التوازن النفسي المفقود، ويفرض "توافقاً جبرياً" يحمي العائلة من الانعزال، ويحمي الأرض من التفتيت. البيت الكبير ليس قيداً، بل هو "الملاذ" الذي يضمن استمرارية الروابط، ويحمي المزرعة من الضياع في فواصل وأسوار بين بيوت متناثرة.

الروابط كاستثمار مستدام للمزرعة

إنّ حماية العائلة عبر "بيت كبير" هي بذاتها حماية للنشاط الإنتاجي، فالتجمع السكني المخطط له بعناية يجعل الأرض تتنفس، ويُفرغ المساحات المفتوحة بالكامل لخدمة أهداف المزرعة الأصلية –من زراعة وتربية مواشي وصناعات غذائية– بدلاً من ضياعها في فواصل بين منازل لا وظيفة لها سوى السكن. فالمزرعة ليست مجرد أمتار مربعة، بل هي إرثٌ حيّ يحتاج لحكمة في التخطيط؛ والبيت الكبير هنا هو الحصن الذي يحمي قيمة الأرض من التفتيت والضياع، ويصون شريان حياتها لتظل رافداً للإنتاج الزراعي والحيواني. إننا لا نبني هذا البيت لنحيا فيه فحسب، بل لنجعل من المزرعة مشروعاً استثمارياً مستداماً، ومنظومة حياةٍ متكاملة تظل شاهدةً على قيمة الأرض للأجيال القادمة.

الأربعاء، يوليو 15، 2026

قراءة في الهوية المعمارية: بين "الامتداد العضوي" والواقع الميداني

 

جمال الهمالي اللافي

تطرح العديد من القراءات التاريخية المعاصرة فرضية أن العمارة الأندلسية هي "امتداد عضوي" للحضارة الأموية في دمشق، مستندة في ذلك إلى الربط بين سقوط الدولة الأموية في المشرق ونشأتها في الأندلس. وهنا أؤكد أن طرحي هذا لا يحمل في طياته أي نية للتقليل من شأن دولة أو شعب، بل هو محاولة لفهم الحقائق التاريخية والمعمارية في سياقها الصحيح، بعيداً عن محاولات احتكار التاريخ وتوظيفه لخدمة الاستعلاء والنزعات العرقية التي برزت كإفرازات لمشاعر العجز والقمع في المنطقة العربية. فهل كانت العمارة وسيلة لنقل هوية عرقية، أم كانت نتاجاً حتمياً لاستجابة الحرفيين لبيئتهم؟

أولاً: القرار السياسي كاستثناء لا كقاعدة

يجب التمييز بدقة بين "القرار السياسي" وبين "الصيرورة المعمارية". إن محاولة ربط العمارة الأندلسية بدمشق تبدأ وتنتهي عند "جامع قرطبة"، وهو ما يجب توصيفه بدقة: لم يكن نتيجة لتطور معماري تلقائي يعكس ثقافة شعب، بل كان "إعلاناً سياسياً" موجهاً للعباسيين في المشرق؛ فقد أراد عبد الرحمن الداخل، بصفته الأموي القرشي، أن يؤكد أن الدولة الأموية لم تسقط، بل استعادت حضورها في الأندلس.

إن استحضار نمط "القوس الأموي" في بداية التأسيس كان استثناءً سياسياً محدوداً بـ "القرار" لحظة البناء، ولم يكن إيذاناً ببدء مدرسة معمارية مستوردة. لقد كان جامع قرطبة "حالة سياسية معزولة" لم يتبعها أي "توليد" لنمط معماري مشرقّي، بل تلاشت هذه الاستعارة السياسية فوراً أمام عبقرية الحرفي المحلي الذي أعاد صياغة هويته بعيداً عن أية "وصاية" سياسية. إن الربط بين "شرعية الحكم" وبين "الهوية المعمارية" هو مغالطة تاريخية؛ فالحاكم الأموي سعى لشرعية سياسية، لكنه لم يستطع (ولم يرد) فرض نمط معماري على أرض لها هويتها المتجذرة.

ثانياً: الفوارق المعمارية: البرهان التقني والمادي

إن الادعاء بـ "الامتداد العضوي" يسقط تماماً عند فحص التفاصيل الإنشائية والمادية التي تباينت جذرياً بين المدرستين:

1.      الخامات والتقنية:

·     في دمشق: تعتمد العمارة على الحجر الكلسي والرخام الضخم، مع توظيف تقنية "الأبلق" (المداميك الملونة). الصلابة والكتلة هما السمة الغالبة، وهو اختيار فرضته جيولوجيا بلاد الشام.

·     في الأندلس والمغرب: نجد الاعتماد الكلي على الطوب (الآجر) والجبس المنحوت والزليج الملون. الحرفة هنا اتجهت نحو "التكسية" (Decoration) والزخرفة الدقيقة، وهي استجابة لندرة الحجر البنائي المتوفر في الشام ووفرة المواد الطينية والخبرات المحلية في الغرب.

2.      التنظيم الفراغي والخصوصية:

·     البيت الدمشقي: يتسم بالانفتاح على فناء مركزي (الصحن) يضم عناصر مائية ونباتية، مع توجه نحو التعامل مع مناخ البحر المتوسط الشرقي.

·     البيت الأندلسي والمغاربي: اتخذ نمطاً "انطوائياً" (introverted) بامتياز، حيث يغيب الانفتاح الخارجي تماماً، وتتركز العمارة في الداخل لتوفير خصوصية قصوى، مع معالجة فريدة للضوء والظل تعكس ثقافة سكنية مختلفة كلياً عن دمشق.

3.      اللغة التشكيلية:

·     العمارة الأندلسية طورت "قوساً" خاصاً بها (تعددت أشكاله بين المتجاوز، والمفصص، والمتداخل) كاستجابة إبداعية تقنية، بينما ظلت العمارة الشامية متمسكة بنظم معمارية تعود جذورها للأنماط البيزنطية والرومانية المتأخرة التي تشبعت بها المنطقة.

ثالثاً: العمارة كمنتج محلي (نحو فهم أشمل (

إن فكرة "انتقال الحضارة" من خلال فرد واحد أو قرار سياسي واحد لا تصمد أمام المنطق المعماري؛ فالحضارة تُبنى على أكتاف حرفيين محليين يمتلكون تراثهم الخاص. إن الادعاء بوجود "امتداد" معماري هو تبسيط مخل يتجاهل عبقرية الحرفي المغربي والأندلسي الذي طوّر لغته الخاصة بعيداً عن أية "وصاية" مشرقية.

إن المعطيات التاريخية والخرائط المعمارية الموثقة تشير إلى أن العمارة الأندلسية خرجت من عباءة "تجاربها الخاصة" لتكتب تاريخها المستقل، وتفرض حضورها الثقافي. إن تبيان هذه الحقائق يدعونا للتوقف عن استخدام العمارة كأداة لتغذية نزعات التفوق، لننظر إليها بوصفها لغة إنسانية مشتركة، تحترم خصوصية كل أرض وشعب، بعيداً عن محاولات احتكار التاريخ وتوظيفه لخدمة الاستعلاء.

الثلاثاء، يوليو 14، 2026

نبض المبدع وجفاء المقلّد: فلسفة الروح في التصميم

 

جمال الهمالي اللافي

قد تُحاكي الشكل ببراعةٍ واحترافية تُبهر الأبصار، لكنّك لن تبثّ فيه أبداً نبض الحياة.

تأمل -على سبيل المثال- تلك النباتات الاصطناعية التي تُتقن التقنيات الحديثة صياغتها؛ دقة متناهية تجعل التمييز بينها وبين الحقيقية عسيراً على العين للوهلة الأولى. غير أنك إن تأملت الفضاء من حولها، فستجده باهتاً، خالياً من ذلك الأثير الحيوي الذي تنشره النباتات الطبيعية؛ ذلك الأثير الغامض الذي قد لا ندرك كنهه، لكننا نشعر بغيابه في تفاصيل المكان.

ومن هنا يتجلى جوهر الإبداع في كل ما يصنعه الإنسان؛ من عمارةٍ، وفنون. فالنسخُ الآلي والمحاكاة الجافة، مهما بلغا من دقة متناهية، سيبقى نتاجهما محنطاً بالجمود والبرود؛ بينما وحده المبدع من يهبُ الفضاء المعماري روحاً تنبض بالحضور. إنها روحٌ تسري في تفاعل الضوء والظل، وتتناغم مع حركة الزمن، وتتجلى في تفاصيل حميمية نستشعر أثرها العام في أرجاء المكان دون أن نملك الإشارة إلى مادة بعينها؛ تماماً كالروح التي تسكن الجسد فلا تُرى، ولكن بها يحيا وينبض.

وهذا هو الفارق الجوهري في تعاطي المعماري مع موروثه الثقافي؛ فبينما يقف المقلّد عند حدود قشور الأشكال والمفردات مستنسخاً إياها كقوالب بلا روح، يتغلغل المبدع في أعماق هذا الموروث، مستلهماً جوهره الفلسفي ليتماهى معه، ويعيد صياغته في فضاءات حية تنتمي لعصرها وتحتفي بأصلها.

وتظل الإشكالية الكبرى التي أطرحها دوماً على نفسي، كلما وقفتُ متأملاً لوحة الرسم البيضاء وشاشة التصميم في بدايات مشروعي: كيف نبعث الروح حقاً في جسد العمارة؟

لكن هذا السؤال لا يبقى طي الأوراق؛ بل يتحول إلى هاجسٍ يسكنني ويقلقني باستمرار، كلما وقفتُ لاحقاً متأملاً مشاريعي بعد أن اكتمل تنفيذها وارتفعت جدرانها على أرض الواقع. أقف متطلعاً إليها بخشية وخوفٍ خفي: هل نجحتُ فعلاً في بث تلك الروح؟ أم أنني لم أكن سوى مقلدٍ آخر، يظن واهياً أنه يتعاطى مع جوهر موروثه الثقافي، بينما لا يتعدى ما بناه حدود استنساخ الملامحه الخارجية؟

الخميس، يوليو 09، 2026

ميزان الوعي بين الاستلاب والجمود


جمال الهمالي اللافي

يُجمع علماءُ النفس على وجود طريقين لتحقيق الإنجازات، ألا وهما: التقليد والتجديد. فالامتثال والتقيد بالقديم يعني اتباع الطرق التقليدية المألوفة والحفاظ على الأمور كما هي بلا تغيير. أما التجديد والابتكار، فهو أن تطرق طرقاً غير مطروقة في رحلة الحياة، فتسير عكس التيار؛ فالأصليون يسلكون سبلاً غير مسلوكة ويخاطرون من أجل التفرد والإبداع.

مثل هذه الطروحات ـ ومثيلاتها كثر ـ ترد علينا كثيراً من بعض الكتاب والمفكرين والمحرضين على التجديد؛ وخصوصاً ذلك التجديد العائم الذي لا نكاد ندري كنهه ومبتغاه ومستهدفاته الحقيقية. وهنا نتساءل بحذر معرفي وعقدي: هل يشمل هذا التجديد ثوابت العقيدة وقيم المجتمع الراسخة ويستهدفها بالتقويض تحت لافتة "المعاصرة"، أم أنه يقتصر على الجوانب الشخصية والمهنية وتطوير الأدوات والوسائل ومواكبة المتغيرات؟

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: متى يكون الامتثال للماضي ممجوجاً ومتى يكون محموداً؟ وكيف نوازن بين اتباع السلف والتجديد دون السقوط في فخ الجمود أو هاوية الاستلاب الفكري؟

يمكننا مقاربة الإجابة عن هذا التساؤل من خلال هذا المثال البصري والنبوي العظيم؛ إذ يجسد الرسم التوضيحي في الصورة مشهداً مألوفاً في أذهاننا، لكنه في جوهره يمثل الوسيلة التعليمية البليغة التي خطها الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة على التراب ذات يوم؛ حيث خط خطاً مستقيماً وقال: «هذا سبيل الله مستقيماً»، وخط خطوطاً منحرفة عن يمينه وشماله وقال: «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.

هذا المفهوم الهندسي والنبوي الشريف ينسحب بوضوح تام على واقعنا؛ فحياتنا كمسلمين ليست عبثية، وليست بلا غاية، ولا هي محدودة بحدود هذه الدنيا الفانية. إننا نتحرك في هذه الحياة بوعي يقين بأننا أمام حق لا مناص منه، وخيارين لا ثالث لهما مهما ألحد الملحدون أو تشتت الضالون: إما جنة وإما نار.

بناءً على هذا الميزان، فإن السير على هذا الخط الأخضر الآمن ليس "تقليداً أعمى" ناتجاً عن عجز، بل هو «اتباع واعٍ بالدليل» لنهج الأنبياء والصالحين والعارفين الذين سلكوا الصراط المستقيم فوصلوا إلى بر الأمان. الاتباع هنا هو صمام الأمان الذي يحمينا من التشتت والضياع وسط رياح الشهوات والشبهات.

وفي المقابل، فإن السير مع المنحرفين عن هذا الخط بهدف التغيير لمجرد التغيير، ورفض السير على النهج القويم بدعوى التحرر، هو في حقيقته انقياد خلف تلك السبل المتشعبة (الخطوط الحمراء في الصورة)؛ حيث يقف على رأس كل سبيل منها شيطان من شياطين الإنس أو الجن يدعو إلى اتباع الهوى، أو الاستلاب الفكري والعقائدي، وتقليد الشرائع والقيم الدخيلة التي تهدم هويتنا، مما يؤدي حتماً إلى تشتت السالكين وضياع آخرتهم ودنياهم.

إن هذا التوازن المطلوب ينطلق أساساً من مفهومنا كمسلمين للعمل؛ فحياتنا كلها ترتبط بالنيات، ونيتنا تسبق عملنا دائماً، وغايتها كسب رضا الله عز وجل والفوز بجنته والنجاة من ناره. لكن النية الصالحة لا تكفي وحدها ما لم تحمل معها بذور الوعي بمدى صحة ما نفعله بمقاييس الشرع الحنيف.

لذلك، يجب أن نتنبه إلى أن التمسك بالقديم لمجرد أنه قديم قد يتحول إلى انحراف وعقائد فاسدة تنسب كذباً إلى الإسلام، كالتبرك بالقبور، أو الغلو في الصالحين ورفعهم إلى مقام الأنبياء أو تأليههم؛ فهذه الممارسات ـ رغم ادعاء أصحابها أنها اتباع لآبائهم ـ هي في حقيقتها تقليد منحرف وانجراف عن جادة التوحيد الصحيح.

وهنا يتجلى لنا الترابط العضوي الشامل؛ فهذا الوعي العقدي والشرعي ليس معزولاً في زاوية العبادات المحضة، بل هو الموجه المهيمن والميزان الحاكم لكل مناحي الحياة المادية والجمالية كالعمارة والفنون والآداب. فنحن كمسلمين لا نرفض مدارس العمارة والفن المعاصرة لمجرد أنها تخالف ما درجنا عليه في بيئتنا وفنوننا المحلية، بل إننا نتوقف فاحصين وناقدين لما تحمله في طياتها من أفكار وقيم تتصادم مع جوهر عقيدتنا الحنيفة، وإن أبهرتنا كمنتج فني أو معماري خلاب؛ فما بُني على باطل فكري وعقدي فهو باطل في ميزاننا، ناهيك عن عدم مواءمته لقيمنا الاجتماعية وظروفنا البيئية والمناخية الواقعية.

ومن هنا، يتوجب علينا تفعيل "ميزان الشرع والوعي" في ثلاثة اتجاهات رئيسية متكاملة:

1.   الوعي بقيمة ما عندنا غربلةً وتأصيلاً: لنميز الثابت العقدي والشرعي الذي لا يقبل المساومة، من المتغير السلوكي أو التاريخي الذي يحتاج إلى غربلة، مطهرين ممارساتنا من كل تقليد بالٍ يتصادم مع صحيح التوحيد.

2.   الوعي بقيمة ما يُقدّم لنا فحصاً وملاءمةً: فنختبر الأفكار والنظريات والفنون الوافدة، مدركين أن استيراد مظاهر "الحداثة" دون وعي نقدي واجتماعي وبيئي هو استلاب يسلب الأمة ذاتها وهويتها لصالح قيم عبثية لا تلائم لا ديننا ولا طبيعة عيشنا ومناخ بلادنا.

3.   الوعي بالمنجزات العلمية والتقنية للأمم الأخرى: عندما نأخذ عن غيرنا ما وصلوا إليه من تقدم تقني، فإننا لا ننبهر انبهاراً أعمى يمس عقيدتنا، بل نزن هذا الوافد بميزان الشرع الشريف؛ فما وافق ثوابتنا وأصلح دنيانا قبلناه بنية الإعمار، وما تصادم مع عقيدتنا وقيمنا رددناه حماية لهويتنا، وما كان محايداً استثمرناه لتطوير وسائلنا دون وجل.

إن الميزان الحقيقي إذن يقوم على ركيزتين: نية صالحة تبتغي الفوز بالجنة والنجاة من النار، ووعي يقظ يزن الأفعال بميزان الشرع الحنيف. فلا الحداثة والتغيير المادي بحد ذاتهما خطأ، ولا التشبث بالماضي دون إعادة تقييمه على المنهج الصحيح بصواب.

ومثلما تعودنا في بيوتنا أن نوصد النوافذ والأبواب بإحكام أمام الرياح العاتية المحملة بالغبار والأتربة، بينما نشرعها بابتهاج وترحاب عندما تهب علينا لطائف النسائم العليلة، كذلك يتوجب علينا أن نتعامل مع رياح التغيير العاصفة التي تهب علينا من كل حدب وصوب في هذا العصر المتسارع. فمن الحكمة البالغة ألا ننكفئ خلف جدران الجمود خوفاً من الرياح، وألا نترك أبوابنا مشرعة لنذوب في عواصف الاستلاب؛ بل نتريث، ونختبر تأثير ما تحمله هذه الرياح بدقة على هويتنا وقيمنا أولاً.

ونعود لنطرح على أنفسنا السؤال الجوهري مرة أخرى للتفكر والتأمل: متى يكون التقليد ممجوجاً فنرفضه، ومتى يكون التجديد محموداً فنسلك دروبه دون وجل أو خوف من العواقب؟

إنه سؤالٌ مفتوحٌ نطرحه للتداول وتلاقح الرؤى على مائدة الحوار، لنتشارك الرؤى من مختلف الاتجاهات والمجالات.

السبت، يوليو 04، 2026

عصر القيم المفقودة

المعنى، القيمة، الجدوى؛ لم تكن هذه المحاور مطروحةً في الأزمان الغابرة بهذا الإلحاح، لولا أنها أضحت مفقودةً في كل مناحي حياتنا المعاصرة. والحديث عنها اليوم لا يستهدف استعادتها، بقدر ما يرمي إلى تحويلها مادةً للسجال والكتابة؛ جدليةً مفرغةً لا تنتهي إلى نتيجة، سوى إحالتها إلى مجرد حنين باردة للماضي. ومن رحم هذا الحنين المترنح، ربما لن يتحدث الحكواتي مستقبلاً في مقاهينا عن سيرة "عنترة بن شداد" أو "أبي زيد الهلالي"، بل سيروي سيرة هذه القيم الثلاث الغائبة؛ كيف تسرّبت من بين أيدينا في غفلة منا.. أم كيف نُهِبَت منا جهاراً!

جمال الهمالي اللافي

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...