لماذا تفشل مدننا في التعبير عنا؟
م.
عبداللطيف ابو زيد[1]
ليبيا لم تفقد عمرانها فحسب، بل
فقدت جزءًا من روحها العمرانية والإنسانية.
منذ أن توقفت مسارات
التخطيط العمراني المنظم وغابت الرؤية الشاملة لتوجيه نمو المدن، بدأت ليبيا تنزلق
تدريجيًا نحو العشوائية والتشوه البصري وفقدان الهوية. ومع انتشار التوسع العمراني
القائم على الكتل الخرسانية المتشابهة والشقق السكنية المغلقة، تراجع ارتباط
الإنسان الليبي ببيته ومحيطه، وضعفت العلاقة التي كانت تربطه بالفضاءات المعمارية
التي تعكس ثقافته وقيمه وخصوصيته الاجتماعية.
ولم يكن هذا التحول
العمراني منفصلًا عن التحولات التي أصابت الإنسان نفسه. فمع تراجع المبادرة
الفردية وإضعاف دور القطاع الخاص وتحول الدولة إلى المتحكم الرئيسي في مختلف
تفاصيل الحياة، فقدت أجيال كثيرة روح المبادرة والإبداع والاعتماد على الذات،
وأصبح الكثيرون ينتظرون الحلول من الدولة بدل المشاركة في صناعتها. فالإنسان الذي
لا يُمنح مساحة للتفكير والإنتاج والمنافسة يفقد تدريجيًا قدرته على الابتكار
وصناعة مستقبله بنفسه.
وزاد الأمر تعقيدًا أن
الإنسان الليبي عاش سنوات طويلة من الانغلاق والعزلة عن العالم، فلم يواكب
التحولات الكبرى التي شهدتها البشرية في مجالات العمران والتقنية والاقتصاد
والمعرفة. وخلال تلك العقود كانت أمم كثيرة تطور مدنها، وتراجع أخطاءها، وتبني
مدارس معمارية حديثة مستلهمة من تاريخها وهويتها المحلية، بينما بقي الليبي بعيدًا
عن هذا التراكم الحضاري والمعرفي.
وعندما انفتح على
العالم لاحقًا وجد نفسه أمام موجة هائلة من المنتجات والأفكار والأنماط العمرانية
الحديثة، فانبهر بكل ما هو جديد باعتباره رمزًا للتقدم والرقي. ومن شدة هذا
الانبهار بدأت تدخل إلى مدننا ومساكننا أنماط معمارية لا تشبهنا ولا تخدم
احتياجاتنا الحقيقية، ولا تراعي مناخنا أو بيئتنا أو طبيعة مجتمعنا. فأصبحنا
نستورد الواجهات قبل أن نفهم فلسفتها، ونقلد الأشكال قبل أن ندرس مدى ملاءمتها لنا.
فرأينا بيوتًا صُممت
لمدن باردة تُبنى في مناخ صحراوي، وواجهات زجاجية مستوردة تستهلك الطاقة وتتناقض
مع البيئة المحلية، ومخططات عمرانية لا تراعي الخصوصية الاجتماعية التي شكلت جزءًا
أصيلًا من الشخصية الليبية عبر قرون طويلة. ولم يكن ذلك نتيجة دراسة علمية بقدر ما
كان نتيجة لهفة المتعطش الذي حُرم طويلًا من الاطلاع على العالم، فلما انفتح أمامه
أخذ من كل شيء دون تمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه.
لكن المشكلة ليست في
الحداثة، وليست في الاستفادة من تجارب الآخرين، فالحضارات تتقدم بالتعلم والتفاعل.
المشكلة تكمن في النقل الأعمى الذي يفقد المجتمع شخصيته ويجعله مستهلكًا للأفكار
بدل أن يكون منتجًا لها. فالحداثة الحقيقية لا تعني أن نبني مدنًا تشبه غيرنا، بل
أن نبني مدنًا تعبر عنا نحن.
ولهذا فإن أزمة ليبيا
اليوم ليست أزمة عمران فقط، بل أزمة إنسان قبل كل شيء. فقبل بناء الحجر يجب بناء
البشر، وقبل رسم المخططات يجب إعادة إحياء العقل المنتج والإنسان المبادر القادر
على التفكير والإبداع والعمل وتحمل المسؤولية. والاستثمار الحقيقي الذي تحتاجه ليبيا
اليوم ليس في الخرسانة وحدها، بل في الإنسان الليبي نفسه؛ في تعليمه وتأهيله، وفي
إعادة ربطه بقيم العمل والإنتاج والانتماء، وبمرجعيته الدينية والحضارية التي شكلت
شخصيته عبر التاريخ.
أما عمرانيًا، فإن
الحل لا يكمن في الاستمرار في إعادة إنتاج المدن المشوهة نفسها، بل في تبني رؤية
طويلة المدى تقوم على إنشاء امتدادات عمرانية جديدة مخططة بعناية خارج النطاقات
المتدهورة، وفق مبادئ مستوحاة من الهوية الإسلامية المتوسطية الليبية. هوية تحترم
المناخ والخصوصية الاجتماعية والفراغات العامة، وتعطي الإنسان مكانته في التصميم
قبل المبنى نفسه. هوية تظهر في المساكن، وفي الساحات، وفي المدارس، وفي المؤسسات
العامة، وفي كل تفاصيل المدينة.
فالأمم الحية لا تكتفي
ببناء الطرق والمباني، بل تبني لنفسها شخصية حضارية تُقرأ في عمرانها كما تُقرأ في
ثقافتها. وكما تمتلك شعوب العالم مدارس معمارية تعبر عنها وتمنحها التميز، فإن من
حق ليبيا أن تمتلك هي الأخرى مدرسة عمرانية معاصرة تنطلق من جذورها الإسلامية
والمتوسطية والمحلية، وتستفيد من التكنولوجيا الحديثة دون أن تفقد روحها.
إن ليبيا لا تحتاج إلى
استيراد هوية جاهزة، بل إلى استعادة ذاتها. ولا تحتاج فقط إلى إعادة بناء المدن،
بل إلى إعادة بناء الإنسان الذي سيبني تلك المدن. فعندما يستعيد الإنسان الليبي
ثقته بنفسه، ويستعيد وعيه وثقافته وانتماءه، سيصبح قادرًا على إنتاج عمران يحمل روحه،
ويقول للعالم بوضوح: نحن أمة لها تاريخ، ولها شخصية، ولها هوية عمرانية خاصة بها
مثل سائر الأمم.
[1] - متابع شغوف بقضايا الهوية العمرانية، يشاركنا في هذا المقال
تأملاته حول علاقة الإنسان ببيئته ومدينته.



