أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، أبريل 14، 2026

ميثاق مساءلة إعادة الإعمار

جمال الهمالي اللافي

المقدمة

إعادة إعمار المدن المتضررة ليست مجرد عملية هندسية أو اقتصادية، بل هي فعل وجودي يمس ذاكرة المكان ووجدان الناس ويعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة والفضاء العمراني. لذلك، فإن أي مشروع إعمار يجب أن يخضع لمساءلة صارمة تضمن أن يكون فعلاً للحياة لا للمحو، وأن يرسخ الهوية والعدالة والشفافية، لا أن يكرّس المصالح الضيقة أو يطمس الذاكرة الجمعية. هذا الميثاق يُطرح كوثيقة مرجعية ومعيار يُحتكم إليه قبل اعتماد أي مخطط إعمار، ليكون ضمانة أخلاقية ومهنية في مواجهة الارتجال أو التوظيف السياسي والاقتصادي غير النزيه.

أولاً: القرار والسلطة

  • لا يُعتمد أي مخطط إعمار إلا بقرار تشاركي يضم المجتمع المحلي، لا بقرار مركزي منفرد.
  • الجهة المنفذة يجب أن تكون مؤهلة مهنياً وتخضع لمعايير شفافة، لا لمصالح ضيقة أو احتكارات.

ثانياً: المجتمع والذاكرة

  • المخططات يجب أن تُصاغ لصالح السكان الأصليين، لا لتغيير ديموغرافي أو إقصاء اجتماعي.
  • الحفاظ على المعالم التاريخية والمعمارية واجب، ما لم يكن الضرر غير قابل للترميم.
  • تُعطى الأولوية لترميم ما يمكن ترميمه، لا للهدم السهل الذي يمحو الذاكرة.
  • المساحات المفتوحة والخضراء عنصر أساسي، لا هامشي، لضمان صحة المجتمع وراحته.

ثالثاً: القيمة والمعنى

  • المشاريع المقترحة يجب أن ترتقي لتكون معالم تؤصل للمدينة وتضيف إلى تاريخها، لا مشاريع ارتجالية عابرة.
  • اتجاه الإعمار يجب أن يعكس هوية المكان وذاكرة الناس، لا أن يطمسها.
  • يُسأل كل مشروع عن نواياه: هل يخدم المجتمع أم يخدم مصالح خاصة؟
  • يُقاس نجاح الإعمار بمدى تحسينه لحركة الإنسان وراحته، لا بمدى تسهيله لحركة السيارات وضجيجها.

رابعاً: المساءلة والشفافية

  • كل مشروع إعمار يخضع لتقييم علني يجيب عن الأسئلة التالية:
    1. من قرر؟
    2. من نفذ؟
    3. لصالح من؟
    4. ما القيمة المعمارية والخدمية؟
    5. كيف يحافظ على الذاكرة والهوية؟
    6. ما نصيبه من المساحات الخضراء؟
  • تُنشر هذه الإجابات للرأي العام قبل التنفيذ، ضماناً للشفافية والمحاسبة.

الخاتمة

إن إعادة الإعمار مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الهندسة والاقتصاد لتصبح مشروعاً أخلاقياً وثقافياً يحدد ملامح المستقبل. هذا الميثاق ليس مجرد قائمة مبادئ، بل هو دعوة إلى مساءلة دائمة تضع الإنسان والذاكرة والهوية في صميم أي مخطط عمراني. فالإعمار الحقيقي هو الذي يعيد للمدينة روحها، ويمنح سكانها معنى جديداً للعيش، ويصون للأجيال القادمة حقها في ذاكرة مكانية أصيلة لا تُمحى.

الاثنين، أبريل 13، 2026

سحر "الترند" وضجيج التفاهة: رحلة البحث عن المعنى في مجتمع القشور

 

إذا كانت ربة البيت للدُف ضاربة، فشيمة أهل البيت الرقص

جمال الهمالي اللافي

في المشهد العمراني المعاصر، تبرز ظاهرة تثير الكثير من التساؤلات البصرية والفلسفية؛ وهي تلك النماذج التي أطلقتُ عليها في مقالة سابقة وصف "العمارة اللاشيئية". تكمن مفارقة هذه البيوت في طابعها "الهلامي، برغم شكلها الهندسي الظاهر"؛ فهي تشغل حيزاً من الفراغ لكنها تفتقر إلى الروح أو الهوية الثقافية. ومع ذلك، يتبناها المستثمر العقاري، ويباركها المكتب الهندسي، ويقبل عليها المواطن بشغف.

فما الذي يجده المجتمع في هذا النمط؟ وكيف تصبح القشور هي المطلب الأساسي في حين يتراجع الجوهر؟ إنني هنا لست بصدد تشريح هذا الطراز فنياً، بل أود النفاذ إلى "القوة السحرية" التي جعلت من هذه "اللاشيئية" مطلباً جماهيرياً، وهي سطوة "الترند".

عند جفاف الوعي: الشهرة غاية في ذاتها

الحقيقة أن المجتمعات حين تعاني من جفاف الثقافة والوعي، تتكشف فيها ظواهر غريبة، أبرزها "الترند"؛ أي الشهرة في حد ذاتها بغض النظر عن الأسباب أو الجودة. لقد أصبح الشيء مشهوراً فقط لأنه مشهور، وبالتالي أصبح مرغوباً لدى شريحة كبيرة من المجتمع. وهذا هو واقع الحال الذي يفرض طرازاً معمارياً "هلامياً" لمجرد أنه تصدّر المشهد وصار "موضة"، إلى أن تتغير أدوات اللعبة.

معضلة الشهرة: لماذا يكتسح التافه؟

هذا يجرنا لسؤال أعمق: ما الذي يصنع هذه الشهرة لنمط معماري دون غيره؟ أو لشخص دون سواه؟ قد يلوم البعض الإعلام، ولكن الرد يكمن في أن الانحراف بدأ قبل سطوة المنصات الحديثة. واليوم، رغم أن لكل صاحب رأي منصته، إلا أننا نسأل بمرارة: لماذا يشتهر التافه ويُخفق صاحب العمل المُتقن؟ لماذا يتقبل المجتمع هذا ويرفض ذاك؟

لقد رأينا مشاهير وصلوا بمنتجاتهم حد التفاهة التي لا يمكن لأي ماكينة تلميع أن تسترها، ومع ذلك صاروا هم المطلب. والسر هنا يكمن في حقيقة قرآنية وواقعية ثابتة؛ أن الكثرة لا تبحث بالضرورة عن القيمة ولا عن المعنى، والمولى عز وجل في محكم تنزيله قد حسم هذا الوصف في سياق غياب الوعي والفقه، كقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فوردت الكثرة دوماً في سياق القصور الإدراكي، بينما اختص القلة بمديح الوعي والفضل في قوله: ﴿قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾. وما نراه اليوم من انقياد أعمى خلف "الترند" ليس إلا شواهد واقعة لهذه السنن الربانية التي تخبرنا أن الغلبة العددية ليست معياراً للحقيقة أو الجمال.

البيت: المسؤول الأول ومصير المجتمعات

أين الخلل والقصور إذاً؟ إن البحث عن المنبع يقودنا حتماً إلى "البيت"، وتحديداً إلى دور الأم ثم الأب كصناع لمصير المجتمعات. إن انبهار الأم بقشور الأمور وتأثرها بما يُصدّره "الترند"، وممارسة الضغوطات لتطبيقه داخل محيطها، هو الشرارة التي تُعلي من شأن التفاهات وتُسقط القيم الأصيلة.

وإذا كانت المؤسسات الأخرى تعاني خللاً، فهي في النهاية نتاج تلك البيوت؛ فإذا كان ربُّ البيت للدف ضارباً، فشيمة أهل البيت - من مؤسسات ومكاتب ومجتمع- الرقص على إيقاع التفاهة ذاته. إن القائمين على تلك المؤسسات هم ثمرة تربية لم تُحصنهم من الانبهار بـ "اللاشيئية"، فصاروا جزءاً من آلة إنتاجها وتكريسها.

خاتمة

إن الحرب على تشوه الوعي والعمارة تشتد اليوم داخل جدران منازلنا، وبيد الأسرة وحدها تصحيح الأمور. فإما الاستسلام لسحر الترند، أو العودة لغرس القيمة والمعنى، ليكون البيت -عمارةً وفكراً- حصناً للجمال لا مجرد استنساخ لهوية "هلامية" فارغة.

الأحد، أبريل 12، 2026

مأزق الخطاب المعماري: بين عفوية الكتابة ووصاية "المنبر" النقدي

 

جمال الهمالي اللافي

مقدمة

تشهد الساحة المعمارية الليبية حراكاً فكرياً متصاعداً، يبرز من خلاله تساؤل جوهري حول طبيعة "الكتابة المعمارية" ومن يمتلك أحقية ممارستها. هل الكتابة حكر على المؤسسات الأكاديمية والمنطلقات التنظيرية الصارمة؟ أم أنها فعل ديمقراطي متاح لكل معماري يعايش الفراغ العمراني ويستشعر هموم مجتمعه؟ تتناول هذه المقالة العلاقة الجدلية بين النص المعماري العفوي وبين محاولات "قولبة الخطاب أكاديمياً التي تسعى لتهميش الخطاب الممارس تحت ذريعة الافتقار للمنهجية، بينما تهدف في جوهرها إلى ممارسة إقصاء مهني مبني على تعالٍ نخبوي يفتقر للسند الميداني.

أولاً: الكتابة المعمارية كفعل مسؤول

لا ينطلق المعماري الممارس في كتاباته من رغبة في "اعتلاء منبر النقد" أو تزكية الذات، بل تأتي كتابته كاستجابة طبيعية لإحساس عالٍ بالمسؤولية المهنية تجاه المكان. إن الكتابة المعمارية في سياقنا المحلي هي "حالة عفوية" بامتياز؛ فهي انعكاس لمعايشة يومية لتطلعات المجتمع وإشكالياته العمرانية المعقدة.

إن هذه الكتابة لا تضع نفسها بالضرورة ضمن قوالب "نقدية" أو "تنظيرية" جامدة، لأن قضيتها الأساسية ليست نيل اعتراف أكاديمي، بل فك شفرات العلاقة بين الإنسان والمجال المعاش. ومن هنا، يصبح من التطاول المعرفي وسم هذه الجهود بأنها "ادعاء للنقد"؛ فالمفاتيح النقدية ليست هبة تمنحها الألقاب، ولا يمكن لأي وصاية فكرية أن تصادر حق المعماري في التعبير عن رؤيته لمحيطه الذي يشكله ويبنيه يومياً.

ثانياً: نماذج عالمية وعربية: حين تقود الممارسةُ الفكرَ

إن تاريخ العمارة الحديث يثبت أن أقوى الأطروحات النقدية لم تأتِ من قاعات المحاضرات المغلقة، بل من قلب الممارسة والالتحام بالواقع. ولنا في النماذج التالية خير دليل:

·         حسن فتحي (مصر) : الذي لم يكن مجرد أكاديمي، بل كان "معمارياً ممارساً" انحاز للفقراء وللخامات المحلية. كتاباته (مثل "عمارة الفقراء") لم تكن تهدف لمدح الذات الأكاديمية، بل كانت "بياناً ثورياً" ضد التغريب المعماري، وقد حاربه الأكاديميون في وقته قبل أن يصبح أيقونة عالمية.

·     جين جاكوبز (الولايات المتحدة) : التي لم تكن تحمل حتى شهادة في العمارة، لكن كتابها "موت وحياة المدن الأمريكية الكبرى" أحدث ثورة في التخطيط الحضري. لقد انتقدت الأكاديميين والمخططين "النخبويين" الذين دمروا أحياء المدن الحية بنظرياتهم المجردة، واعتمدت في نقدها على "الملاحظة العفوية" والارتباط بالشارع.

·     رفعت الجادرجي (العراق) : المعماري الممارس الذي زاوج بين المهنة والتنظير الفلسفي انطلاقاً من فهمه العميق للهوية المحلية، مؤكداً أن العمارة فعل اجتماعي قبل أن تكون ترفاً أكاديمياً.

إن هؤلاء وغيرهم أثبتوا أن "الصدق المعرفي" والخبرة الميدانية هما المصدران الحقيقيان للنقد، وأن الوصاية الأكاديمية غالباً ما تكون عائقاً أمام فهم روح المكان.

ثالثاً: فجوة "الأبراج العاجية" والارتهان للتغريب

تعاني العمارة في ليبيا من فجوة عميقة بين النخبة المنظرة في أروقتها الأكاديمية وبين الواقع المعقد في الشارع. ومن المفارقات الصارخة أن يتصدى للحديث عن "العمارة المحلية" في الندوات من يفتقرون للارتباط العضوي بجذورها، متبنين توجهات تغريبية منفصلة عن السياق الثقافي المحلي.

إن محاولات تهميش الكتابة العفوية والمشاريع التطبيقية تكرس هذه العزلة؛ فالخطاب الذي يلامس الوعي الجمعي هو الذي ينبع من الممارسة والاحتكاك المباشر بذاكرة المكان، كأزقة طرابلس القديمة ومعالمها، وليس الخطاب المتخندق خلف لغة متعالية تهدف لخدمة أجندات تنظيرية تقصي الهوية الوطنية لصالح نماذج مستوردة.

رابعاً: شرعية "المعرفة التراكمية" مقابل سلطة اللقب

إن التجربة الميدانية الممتدة لسنوات في صلب المشاريع وإدارة المدن التاريخية، تمنح المعماري شرعية "المعرفة التراكمية" التي لا يمكن للقب العلمي وحده أن يضاهيها. إن محاولات الإقصاء من منصات الحوار بدعوى عدم الاختصاص "النقدي" ما هي إلا محاولة للهروب من مواجهة الرؤى التطبيقية التي كشفت عجز النموذج الأكاديمي التقليدي عن تقديم حلول حقيقية لواقع المجتمع.

إن تحرير الخطاب المعماري يعني الاعتراف بأن الاجتهاد المبني على سنوات من البحث في الهوية المحلية والعمل في المختبر الميداني هو الأقدر على تشخيص العلة واقتراح الحل، خاصة عندما يكون هذا الاجتهاد قد صمد أمام محاولات "المحاربة الفكرية" التي تمارسها المؤسسات التقليدية ضد التوجهات المنحازة للأصالة.

خامساً: ميثاق النقد كأداة بناء لا معول هدم

إن النقد المعماري الحقيقي هو ممارسة أخلاقية قبل أن يكون أدوات منهجية. ولارتقاء المهنة، يجب أن يستند النقد إلى:

1.   النزاهة الموضوعية:  بحيث لا يتحول "النقد" إلى قناع لتصحيح مواقف شخصية أو محاولة استباقية لإقصاء أصحاب الرؤى الميدانية المنافسة.

2.      المصداقية العلمية : التي تعترف بالخبرة التطبيقية كمصدر أصيل للمعرفة، وتتوقف عن محاولة تقزيم الجهود الجادة بدوافع الغيرة المهنية.

3.   التوجيه البناء : الدور الحقيقي للناقد هو الارتقاء بالوعي العام والاحتفاء بالاجتهاد، بهدف تصحيح المسار المعماري الوطني وتطوير جودة البيئة المبنية.

خاتمة

تكمن القيمة الحقيقية لأي نص معماري في قدرته على إثارة الأسئلة وتغيير الواقع، لا في انضباطه الشكلي لقواعد أكاديمية منفصلة عن روح الإنسان والمكان. إن محاولات الإقصاء التي يمارسها بعض الأكاديميين تجاه المعماريين الممارسين هي انعكاس لأزمة أعمق تفتك بالمجتمع الليبي في كافة مجالاته. إن الميدان هو الحكم، وسيبقى النقد المتعالي صوتاً معزولاً، بينما تظل الكتابة الصادقة والمشاريع المرتبطة بالهوية هي الأثر الحي الذي لا تملك أي وصاية القدرة على محوه.

السبت، أبريل 11، 2026

العدالة المكانية: من ديمقراطية البناء إلى هيكلية الإقصاء العمراني

 

جمال الهمالي اللافي

مقدمة: فلسفة العدالة المكانية كحق سياسي واجتماعي

تتجاوز العدالة المكانية في جوهرها النظريات التخطيطية لتصبح أداة سيادية لقياس المساواة الاجتماعية. إنها تجسد حق الفرد في "المكان" ليس كسلعة خاضعة للمضاربة، بل كضرورة وجودية وحق إنساني أصيل. إن غياب هذه العدالة في السياق المعاصر يعني تحويل السكن الملائم إلى "امتياز طبقي" تحميه التشريعات البيروقراطية، بدلاً من أن يكون حقاً مشاعاً تتكافأ فيه الفرص بعيداً عن هيمنة المركزية المالية أو التعقيد الإنشائي المفتعل الذي يخدم كبار المطورين والموردين.

التحول التاريخي: "الرغاطة" كفعل مقاومة اجتماعي واكتفاء ذاتي

لم تكن "الرغاطة" في المجتمعات العربية التقليدية مجرد وسيلة بناء بدائية ناتجة عن الحاجة، بل كانت تجسيداً حياً لـ ديمقراطية العمارة والاقتصاد التضامني. هذا النظام وفر عدالة مكانية فطرية من خلال ثلاث ركائز أساسية:

·     سيادة الإنتاج المجتمعي: حيث كان فعل البناء نشاطاً تشاركياً يتجاوز مفاهيم "القيمة الإيجارية" أو "الارتهان للبنوك"، مما جعل المسكن ملكية ناتجة عن الجهد الاجتماعي لا عن الاستدانة.

·     عبقرية الخامة المحلية واستدامة البيئة: استنطاق الأرض (سواء بالحجر الجيري، الطين، أو التراب المدكوك) لتقديم حلول سكنية متوائمة مناخياً واقتصادياً مع عين المكان، دون الحاجة لوسطاء تجاريين أو مواد مستوردة ترهق كاهل الفرد والدولة.

·     الأسطى كمهندس ممارس: كسر الهوة التقليدية بين التصميم والتنفيذ؛ إذ كانت الخبرة المتوارثة تضمن كفاءة البناء وجمالياته الفطرية دون "تنظير أكاديمي" يعيق التطبيق أو يرفع التكلفة بلا طائل.

أزمة الحداثة: الاغتراب المعماري ومأسسة الإقصاء الطبقي

يشخص النقد المعاصر أزمة السكن كـ "معضلة مصطنعة" برزت نتيجة تحولات هيكلية وسيادية:

1.   الأكاديمية المنفصلة والقطيعة مع الواقع: تحول خريجو العمارة إلى "تقنيين نظريين" يغرقون في الحسابات المعقدة والمحاكاة الرقمية، متجاهلين "منطق الموقع" وحرفية البناء الواقعية، مما أنتج عمارة "مغتربة" وظيفياً وجمالياً، لا يفهمها المستخدم البسيط ولا يقوى على تحمل كلفتها التنفيذية.

2.   تحولات السبعينيات وانسحاب الدولة: شهدت أواخر السبعينيات من القرن العشرين نقطة تحول سيادي حرجة؛ حيث أوقفت الدولة التعامل مع الشركات الكبرى والعابرة للحدود التي كانت تفرض أنماطاً استهلاكية معينة، لكنها بدلاً من استعادة النموذج المحلي، نفضت يدها تماماً من مسؤولية توفير السكن الملائم.

3.   صراع المواطن مع "تغول" العمالة والسوق: ترك انسحاب الدولة المواطن وحيداً في مواجهة مباشرة مع عمالة وافدة غير مؤهلة تلاعبت بأسعار الأيدي العاملة، بالتزامن مع ارتفاعات جنونية ومتتالية في أسعار مواد البناء والتشطيب. هذا الثنائي (تلاعب العمالة + غلاء المواد) حوّل عملية البناء من "حق متاح" إلى "عملية تعجيزية" تستنزف مدخرات العمر وتثقل كاهل المواطن بأعباء تفوق طاقته.

التشخيص النهائي: العدالة الموؤودة وتسليع المكان

إن غياب العدالة المكانية اليوم هو الثمرة المرة لعملية تسليع السكن ونبذ المسؤولية الرسمية. لقد تم اختزال البيت من "مأوى آمن" إلى "أداة استنزاف مالي". هذا التحول جعل السكن الملائم حكراً على النخبة، بينما يُترك ذوو الدخل المحدود في مهب الريح تحت رحمة عمالة تفتقر للكفاءة والضمير المهني، وتشريعات لا تحميه من جشع تجار مواد البناء.

خاتمة نقدية: ضرورة استعادة الدور الرقابي والقيمي

لن تجدي الدراسات الأكاديمية نفعاً ما لم يتم تفكيك المنظومة التي جعلت المواطن ضحية للسماسرة والعمالة غير المؤهلة. إن استعادة العدالة المكانية تتطلب تدخلاً حازماً لإعادة ضبط تكاليف البناء، و"أنسنة" التشريعات، وإحياء قيم الاكتفاء الذاتي والتعاون المجتمعي كبديل عن حالة "التعجيز" الممنهج التي يفرضها الواقع الحالي.

الجمعة، أبريل 10، 2026

رأس المال الليبي بين الاستنزاف والاستثمار الوطني: مرافعة في مواجهة التزييف

 

جمال الهمالي اللافي

يُجمع المراقبون على أن ليبيا لا تعاني من شحٍ في السيولة أو ضآلة في المدخرات؛ فالمليارات المكدسة في الخزائن والمهربة في المصارف الدولية هي حقيقة واقعة. لكن المأساة الحقيقية تكمن في "العقم الفكري" الذي أصاب أصحاب هذه الثروات، حيث تحولت رؤوس الأموال من محركات لبناء الدولة إلى أدوات لتعظيم الأرباح الشخصية عبر مشاريع نفعية لا تقدم للمواطن إلا التبعية الاستهلاكية.

"الصناعة المستوردة": قراءة في تضليل الواقع

إن السمة الغالبة على ما يُسمى اليوم "مشاريع وطنية" هي كونها واجهة لعمليات استيراد مقنّعة تستنزف العملة الصعبة وتكرس الارتهان للخارج. ولعل إعلان أحد منتجي الألبان عن رفع أسعاره مبرراً ذلك بـ "ارتفاع أسعار الحليب عالمياً" يمثل ذروة هذا التضليل؛ فهذا الاعتراف الضمني يؤكد أن صناعتنا المزعومة لا تملك من "الوطنية" إلا الاسم، طالما أنها تعجز عن توطين المادة الخام.

إن التذرع بالعقبات المناخية أو ندرة الموارد المائية لم يعد عذراً مقبولاً في ظل الثورة التقنية التي مكنت دولاً أكثر جفافاً من تحقيق الاكتفاء الذاتي. غير أن المستثمر الليبي اختار الطريق الأسهل: الربح السريع عبر الاستيراد، وهو نهج يتكرر بمرارة في قطاعات العمران والمقاولات والصناعات التحويلية، مما يفرغ مفهوم "الاستثمار الوطني" من محتواه الحقيقي.

تفنيد ذريعة "الكسل": الجريمة المسكوت عنها

يتشدق الكثير من أصحاب العمل بمقولة إن "الشاب الليبي لا يريد العمل"، مستخدمين ذلك مبرراً لاستجلاب العمالة الوافدة. وهنا لا نتوجه للدولة بأسئلة، بل نضع مرآة الحقيقة أمام "رأس المال" نفسه:

1.      أين هي المعاهد والتقنيات التي ساهمتم في تمويلها لتأهيل هذا الشباب؟

2.      هل وفّرتم بيئة عمل مهنية تليق بكرامة المواطن وتستوعب طموحه؟

3.      هل استثمرتم في برامج التدريب المستمر لمواكبة التطور العالمي؟

إن الإجابة الصادمة بـ "لا" على هذه التساؤلات، تحول المستثمر من شاكٍ إلى "شريك في الجريمة"؛ فهو يقتنص ثمار الفشل السياسي والتعليمي ليشرعن تهميش الكادر الوطني، ضارباً عرض الحائط بهمة الشباب الذي استوعب مأساة واقعه وبات يتوق لفرصة حقيقية يثبت فيها ذاته.

استعادة الذات: من إرث الإنتاج إلى فخ التبعية

وإذا عدنا إلى جذورنا قبل عام 1969، سنجد دليلاً دامغاً على قدرة الإنسان الليبي؛ فقد أديرت المزارع والمقاولات والمصانع بسواعد ليبية خالصة وبكفاءة شهد لها الجميع. إن ما نعيشه اليوم من تشوه سلوكي ليس فطرياً، بل هو "خلل طارئ" نتج عن سياسات "حكم العسكر" التي تعمدت تجريف البنية الأخلاقية والإنتاجية للمجتمع.

إن هذا التشوه هو "مرض عارض" تسببت فيه منظومات تدميرية ممتدة-لا تزال شخوصها ونهجها تهيمن على المشهد الحالي- وعلاجه يكمن في إرادة البناء والتدريب الصارم، وليس في تكريس ثقافة الاتكال التي يغذيها أصحاب الأموال عبر استبدال المواطن بالوافد.

نداء إلى الضمير المغيب

في ظل منظومة حاكمة تفتقد لشرعية الإنجاز وتستمر في نهج التخريب، لا يبقى أمامنا إلا مخاطبة "الوازع الأخلاقي" لدى من يملكون القدرة المالية. إن غياب الدولة المفسدة لا يسقط المسؤولية عن كاهل المستثمر؛ بل يضاعفها.

إن الوطنية ليست شعارات تُرفع، بل هي انتماء يتجسد في خلق فرص العمل وتوطين المعرفة. وعليه، نذكر من جمع المال وعدده بوعيد الخالق لمن يحسب أن ماله أخلده، فالحطمة تنتظر من جعل ماله وبالاً على وطنه. إن الأوطان لا تُشترى بالأرصدة المهربة، بل تُبنى بالعقول التي تؤمن بأن استثمارها في الإنسان الليبي هو الضمان الوحيد للخلود الحقيقي.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...