جمال
الهمالي اللافي
عند
الحديث عن الفن التشكيلي، نقف أمام سدّ من المحاذير: هل ما نراه اليوم هو فن
بالمعنى الحضاري، أم مجرد نزوة شخصية تنعكس على لوحة؟ أين حضور الفنان التشكيلي في
صياغة العمارة الليبية المعاصرة بمختلف توجهاتها، وأين موقعه من الحرف الفنية؟
لماذا
حين يُستدعى للمشاركة في مشروع معماري يكتفي بأن تُقتنى أعماله لتزيين الجدران
بلوحاته ورسوماته، أو ينسحب معترضاً ومستهجناً؟ أين روحه وحضوره في صياغة العمارة
والحرف الفنية، لا كمعماري ولا كحرفي، بل كفنان تشكيلي يمتلك القدرة على إثراء
الجمال فيهما؟
1.
إشكالية
المعنى: بين الفعل الحضاري والنزوة الشخصية
تطرح
التساؤلات الأولى جوهر الأزمة؛ فالفن في أصله هو صياغة لروح الجماعة وذاكرة
المكان. لكن الواقع الراهن يشير إلى انكفاء يعزل العمل الفني عن محيطه، ليتحول في
كثير من الأحيان إلى تعبير ذاتي صرف (نزوة شخصية) يفتقد الرابط العضوي مع النسيج
الحضاري، مما يجعله يقف عاجزاً عن التأثير في الفضاء العام أو المساهمة في تشكيل
الهوية البصرية للمجتمع.
2.
قصور
المنهج الدراسي: تغييب الجمال لصالح المهارة
يكمن جذر
الأزمة في "المنهج الدراسي" الذي فصل بين العلم والجمال، وبين المهارة
والرؤية. هذا التخصص الدقيق أفرز فجوة منهجية أثرت على جودة المنتج المعماري
والحرفي:
· المعماري المعاصر: يركز
المنهج الدراسي للمعماري على كيفية "تصميم المبنى" من الناحية الوظيفية
والإنشائية، لكنه يفتقر للكثافة المطلوبة في دراسة "النسب الجمالية"
والقواعد التشكيلية العميقة. المعماري اليوم يدرس "كيف يبني" ولكنه لا
يدرس بعمق "كيف يرفد البناء بروح الفن"، مما يجعل المخرج النهائي قوالب
هندسية قد تكون متقنة تقنياً لكنها جافة بصرياً.
· الحرفي المعاصر: يعلم
المنهج الحرفي "الصنعة" كمهارة يدوية وتقنية مجردة، لكنه لا يعلم
"جماليات الصنعة". الحرفي يتعلم كيف يمسك بالأداة ويؤدي المهمة، لكنه لا
يتشرب الرؤية التشكيلية التي تجعل من المنتج الحرفي عملاً فنياً. وفي غياب التوجيه
من فنان تشكيلي، يأتي عمل الحرفي مبتذلاً، يفتقر للتفاصيل والنسب والألوان المتناسقة،
لأنه تحول من مبدع إلى مؤدٍ (ملقن) لما تعلمه آلياً.
3.
"باوهاوس" كنموذج غائب: دروس من العالم الآخر
في
"العالم الآخر"، وتحديداً في تجربة مدرسة "باوهاوس"
(Bauhaus) الألمانية، نجد النموذج المثالي الذي يثبت أن
الانفصال بين الفنون ليس قدراً محتوماً. فلسفة "باوهاوس" قامت أساساً
على إلغاء الحواجز بين الفنان والمعماري والحرفي، معتبرة أن "الهدف النهائي
لكل نشاط تشكيلي هو المبنى".
هناك،
كان الفنان التشكيلي شريكاً في ورشة النجارة والحدادة والنسيج، والمعماري كان
يتشرب فلسفة اللون والتكوين كجزء أصيل من أدواته الهندسية. هذه التجربة كافية
لتوصيل الفكرة من طرح هذه المقالة؛ فهي تؤكد أن ما نفتقده في ليبيا اليوم هو ذلك
"المنهج الشمولي" الذي يرى في العمارة والحرفة والفن تشكيلاً واحداً
لهوية بصرية متكاملة، بعيداً عن التشظي التخصصي الذي نعيشه.
4.
الفنان
وصناعة العزلة: مراجعة لموقف "الاكتفاء بالاقتناء"
خلافاً
لما قد يُظن، فإن غياب الفنان التشكيلي عن صياغة العمارة ليس نتاج تهميش خارجي
فحسب، بل هو نتاج "موقف منهجي" يتبناه الفنان نفسه. فحين تتاح له فرصة
التدخل لتعويض القصور الجمالي في العمارة والحرفة، يختار الفنان أحياناً النأي
بنفسه عن هذا الدور التكاملي الذي نجحت فيه مدارس مثل "باوهاوس".
هذا
الموقف يتجلى في المطالبة بالاكتفاء باقتناء الأعمال الجاهزة لتوضع في المكان،
والتحفظ على بذل الجهد في التفاعل مع تكويناتها الجمالية. الفنان هنا يهمش دوره
حين يرفض أن يكون "البوصلة الجمالية" التي تصحح مسار المعماري والحرفي،
مكتفياً بدور المورد للقطع الفنية.
5.
تجربة
الواقع: ضرورة التناغم مع الهوية المعمارية
تؤكد
المشاهدات الميدانية وجود هذا الانفصال؛ فالفنان قد يُدعى لإبداء رأيه في مشروع
معماري ذو طراز مستوحى من البيئة الليبية، لكنه قد يكتفي بالتمسك بخياره المستقل:
"إما اقتناء أعمالي الجاهزة أو لا تطلب مني شيئاً".
إن
التحدي يكمن في عدم التفات الفنان أحياناً للنمط المعماري للمبنى وهويته المحلية،
حيث يسعى لفرض رؤيته الخاصة بمعزل عن سياق المكان، سواء بطلب رسم لوحات جدارية لا
تتسق مع طابع البناء، أو بتقديم أعمال تبتعد عن الهوية البصرية المحلية. هذا
الإصرار يوضح الفجوة في كيفية نظر الفنان للعمارة، حيث يراها "حاملاً"
لعمله فقط، لا مساحة لتطبيق النسب الجمالية التي فقدها المعماري والحرفي في
دراستهم.
6.
البحث عن
الروح الضائعة
إن
استعادة حضور الفنان التشكيلي تتطلب أولاً مبادرة منه لكسر الحواجز التي صنعها
التعليم التخصصي والاقتداء بنماذج عالمية ناجحة. المطلوب هو استعادة "الروح
الشاملة" التي ترفض الاكتفاء بـ "الاقتناء" وتبحث عن
"التأثير" في بنية المكان. والحل يبدأ حين يدرك الفنان أن دوره هو إعادة
"النسب الجمالية" والذوق الرفيع لما جردته المناهج الدراسية من روحه
وسحره الفني.
خلاصة القول: إن
التساؤل عن موقع الفنان التشكيلي يكشف عن ضرورة تجسير الهوة بينه وبين العمارة
والحرفة. والحل لا يكمن في دعوته للتزيين فحسب، بل في مطالبته بأن يكون
"المعلم الجمالي" الذي يعيد الحيوية لمهن تجردت من حسها الفني، مقتدياً
بفلسفة "وحدة الفنون" التي جعلت من العمارة في العالم الآخر تجربة
إنسانية وحضارية متكاملة.




