أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، مارس 01، 2026

العمارة والكرامة بين واجهة السياحة وواقع المواطن

 


جمال الهمالي اللافي

في العديد من دول العالم العربي، تبرز مفارقة بصرية ونفسية حادة تُلخص علاقة الدولة بمواطنيها من جهة، وبنظرتها للخارج من جهة أخرى. هذه المفارقة تتجلى بوضوح في التناقض الصارخ بين الفوضى العشوائية التي تخنق المدن والأحياء التي يقطنها المواطنون، وبين "الجنة الموعودة" التي تتجسد في القرى والمرافق السياحية المغلقة.

الفكرة هنا لا تتعلق فقط بالإسفلت والأشجار والمباني، بل تتجاوز ذلك إلى حقيقة أعمق: العمارة والبيئة المحيطة هما جزء لا يتجزأ من إحساس الإنسان بكرامته.

العمارة كمرآة لقيمة الإنسان

في مدننا اليومية، يغيب التخطيط السليم، وتتوارى الهوية المعمارية المحلية خلف غابات من الأسمنت الأصم. تنعدم المساحات الخضراء، وتتهالك البنية التحتية، وتصبح الشوارع ساحات للفوضى البصرية والبيئية. في هذا المحيط، ينمو شعور خفي ومستمر لدى المواطن بالتهميش؛ فالمدينة بتركيبتها الحالية لا تكترث لراحته، ولا تحترم حقه في بيئة جمالية وخدمية لائقة. العشوائية في الخارج تنعكس كفوضى واغتراب في الداخل.

على النقيض تماماً، تقف المرافق السياحية كـ "مدينة فاضلة" مصغرة. هناك، وفجأة، تتذكر الجهات المسؤولة والمستثمرون أهمية "الهوية المعمارية المحلية" فيتم استنساخها وتجميلها. هناك تُرصف الطرق بعناية، وتُنسق الحدائق بشغف، وتعمل البنية التحتية بكفاءة عالية، وتُقدم الخدمات بابتسامة ورقي. في تلك البقعة المعزولة فقط، يجد المواطن – إن استطاع إليها سبيلاً، وأنّ له ذلك ما لم يكن قادراً على تحمل نفقاتها الباهظة – أن يجد الحياة التي يحلم بها، ويسترد جزءاً من كرامته الإنسانية التي تُهدر يومياً في زحام مدينته المنسية.

سياحة الإقصاء: المواطن في ذيل الاهتمامات

الواقع المرير أن هذه "القرى الحصينة" لم تُبنَ في الأساس من أجل المواطن. لقد صُممت لتكون واجهة تُرضي "عين السائح الأجنبي" وتستنزف عملته الصعبة. إنها عملية تسليع للهوية والجمال، تُعرض للغريب وتُحجب عن القريب.

المواطن في هذه المعادلة يأتي في ذيل الاهتمامات. الدليل الأكبر على ذلك هو طبيعة المعاملة ونظرة الاستعلاء التي كان يواجهها المواطن في هذه المرافق في أوقات الذروة السياحية، حيث كانت تُفصل الخدمات وتُحدد الأسعار وتُوضع شروط الدخول بطريقة تُقصي الأغلبية الساحقة من أبناء البلد.

زبون الضرورة القصوى

لولا الظروف الاستثنائية والأزمات (سواء كانت أمنية، سياسية، أو اقتصادية عالمية) التي أدت إلى عزوف السائح الأجنبي عن زيارة بلادنا في فترات معينة، لما فُتحت أبواب هذه المرافق للمواطن المحلي بهذا الشكل. لقد أصبح المواطن اليوم هو "زبون الضرورة" الذي يُلجأ إليه لإنقاذ هذه الاستثمارات من الإفلاس.

هذا الترحيب المؤقت والمشروط لا يعكس تغييراً في العقلية التي تُدير التنمية، بل هو مجرد تكيّف اقتصادي مؤقت. ولو عادت تدفقات السياحة الأجنبية لسابق عهدها، لعادت الحواجز الخفية والمعلنة لترفع في وجه المواطن، ولعادت المعاملة لتفرّق بين من يحمل جواز سفر أجنبي ومن يحمل هوية وطنية.

خاتمة

إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المنتجعات السياحية الفاخرة المعزولة بأسوار عالية، بل تُقاس بمدى جودة الحياة في شوارع العاصمة، وفي الأزقة الشعبية، وفي القرى النائية. عندما تصبح نظافة الشارع، وجمال العمارة، واحترام الإنسان حقوقاً بديهية يتمتع بها المواطن في كل شبر من وطنه، حينها فقط يمكننا الحديث عن نهضة حقيقية. أما إبقاء الجمال والكرامة حكراً على "المناطق السياحية"، فهو تكريس لغربتنا داخل أوطاننا.

الثلاثاء، فبراير 24، 2026

منارة للأجيال: نداء لحفظ الهوية والموروث الثقافي

 


جمال الهمالي اللافي

سيأتي يومٌ تفقد فيه كل الأشياء بريقها الزائف؛ تلك الأشياء التي لأجلها تخلينا طواعية عن لغتنا الأم، وملابسنا الأصيلة، وحرفنا اليدوية، وعمارتنا التي كانت تتنفس بروح بيئتنا، وقيمنا الإسلامية السمحة التي كانت تنظم إيقاع حياتنا اليومية. سيأتي اليوم الذي يثبت فيه للأجيال القريبة القادمة أن كل هذا اللهاث وراء قشور الحضارات الأخرى لم يكن سوى مصدر للتعاسة والشقاء، وأنه لم يحقق يوماً السعادة الموعودة لجيلنا، بل أسهم بشكل مباشر في ضياعه واستلابه.

وهم الحداثة وفخ الاستلاب

لقد فُتن جيل اليوم ببريق الاستهلاك، وجرى لاهثاً وراء كل ما يُصدره الغرب والشرق ـ وحتى ما يصدره بعض العرب ـ من نفايات ثقافية وفكرية ومادية. في غمرة هذا الركض، استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فاستبدلنا فصاحة لغتنا برطانة هجينة، وعمارتنا المتوافقة مع مناخنا وقيمنا بغابات من الإسمنت الأصم، وحرفنا التي تحمل بصمة الروح بمنتجات المصانع الباردة. ظننا أننا نشتري تذكرة العبور إلى "الحداثة"، فإذا بنا نشتري تذكرة نحو الاغتراب والتعاسة التي أصبحت، للأسف، عنواناً عريضاً لحياتنا اليوم.

الخوف من الفراغ

إن أشد ما نخشاه اليوم ليس ضياع جيلنا فحسب، بل ما سيواجهه أبناؤنا وأحفادنا. غداً، عندما يكتشفون حجم الخديعة، وعندما تضيق عليهم سبل الحياة القويمة المادية والروحية، سيبحثون عن جذورهم ليعودوا إليها، وسيحاولون تلمس طريق العودة إلى هويتهم التي فقدوها قبل أن يولدوا. الكارثة الحقيقية تكمن في احتمالية ألا تجد هذه الأجيال القادمة أي "مرجع" تستند إليه للعودة. وذلك نظراً للإهمال الشديد، واللامبالاة القاتلة في حفظ وتوثيق موروثنا الثقافي والاجتماعي والمعماري بصورة علمية صحيحة.

التوثيق.. خط الدفاع الأخير

بناءً على هذا الواقع المرير، تبرز ضرورة ملحة وواجب تاريخي لا يقبل التأجيل: إن كان جيل اليوم يصر بعناد على العبث بمقدرات حياته وهويته، فعلى الأقل يجب أن ننهض بمهمة "التوثيق". نحن بحاجة ماسة إلى مشروع وطني وحضاري لتوثيق هذا الموروث بصورة علمية ومنهجية حديثة:

  • التوثيق المعماري والحرفي: أرشفة المخططات المعمارية القديمة، وتسجيل تفاصيل الحرف اليدوية قبل رحيل آخر روادها.
  • التوثيق اللغوي والاجتماعي: تدوين القصص، والأمثال، والأعراف التي كانت تحكم المجتمع، وتسجيل تفاصيل الحياة اليومية المرتبطة بالقيم الإسلامية.
  • الرقمنة والحفظ الأكاديمي: استخدام أحدث التقنيات لإنشاء مكتبات رقمية ومتاحف افتراضية وقواعد بيانات مفتوحة ومتاحة للجميع.

خاتمة

ليكن هذا التوثيق المنهجي بمثابة "رسالة في زجاجة" نلقيها في بحر الزمن المتلاطم. فربما في غدٍ ليس ببعيد، عندما تتخبط الأجيال القادمة في ظلمات التيه، وتصبح التعاسة عنواناً لحياتهم كما هي اليوم لحياتنا، يجدون في هذه الأرشيفات العلمية منارةً تسترشد بها سفنهم، لتعود وترسو بأمان على شواطئ هويتها الأصيلة، وتبني من جديد ما هدمناه نحن بأيدينا.

الاثنين، فبراير 23، 2026

العودة إلى الأرض: رؤية معمارية لاستعادة الريف الليبي وتحقيق الأمن الغذائي

 


جمال الهمالي اللافي

المشهد الأول: فلسفة الفجر وضجيج البركة

قبل أربعة عقود ونيف، لم يكن الريف الليبي مجرد تجمع سكاني، بل كان كائناً حياً يتنفس في دورة زمنية مقدسة تبدأ مع أول خيوط الفجر. كانت "الفجرية" هي الساعة الصفر لانطلاق ملحمة العطاء؛ حيث يكسر أذان الفجر وصياح الديكة سكون الليل، ليبدأ ضجيج البركة في كل بيت.

في تلك المرحلة، لم تكن الجدران مجرد مأوى، بل كانت "رحماً" يحقق الاكتفاء الذاتي الكامل. كانت الحياة دائرة متصلة؛ تبدأ من باطن الأرض وتنتهي إلى فراش السكن، في تناغم جعل من الإنسان الريفي سيد قراره وقوت يومه، يستمد كفايته من "السانية" التي ارتوت من عرق أهلها، مغنياً نفسه عن الوقوف على أبواب المدن.

المشهد الثاني: انكسار الدائرة وواقع الاغتراب

لكن هذا النموذج المتماسك انهار بعنف تحت وطأة حداثة قشرية. وهنا يجب التأكيد على أن ضياع الفلاح الليبي لم يكن نتيجة تطور طبيعي، بل كان نتيجة لمحاصرته بقرارات سياسية استهدفت ذاته قبل معاشه، وبعمارة غريبة "نفيت" فيها روحه قبل جسده.

لقد تحول الريف اليوم إلى "مقابر خاوية" ومساكن صامتة. نرى زرافات السكان يرحلون كل صباح نحو العاصمة، يطاردون "سعادة موهومة"؛ بعضهم في عمل وظيفي لا يكفيهم مؤونة الشهر، وكثيرهم يتسكعون في مقاهي المدينة المزدحمة، باحثين عن انتماء مفقود في شوارع لا تعرفهم. إن خروج مواطن ريفي يومياً لقطع المسافات الطويلة من أجل شراء "خبز الإفطار" من قلب المدينة، ليس إلا تعبيراً عن حالة اغتراب نفسي وعقدة نقص فُرضت عليه، جعلته يهرب من واقع أرضه المهجورة بحثاً عن تميز زائف في زحام العاصمة.

تشخيص الفجوة: لماذا خسرنا الإنسان قبل الأرض؟

إن أزمة الريف المعاصر ليست أزمة جمالية فحسب، بل هي أزمة وجودية تسببت فيها عوامل عدة:

·     الاغتراب المعماري والتخطيطي: تم تدمير البنية الزراعية لصالح مخططات عمرانية عشوائية شاركت فيها الدولة بمشاريع إسكانية لم تراعِ خصائص البيئة الريفية، بل استبدلت "السانية" بالسور الأصم والكتل الإسمنتية الخانقة.

·     ضياع الأمن الغذائي (المحور المهدور): إن تحول السواني إلى مخططات إسمنتية عشوائية لم يقتل الجمال فقط، بل أجهز على السيادة الغذائية. لقد تحول الريف من "سلة الغذاء" إلى مستهلك نهم ينتظر طعامه من وراء البحار، مما جعل الأمن الغذائي الوطني في مهب الريح.

·     الفراغ النفسي والاجتماعي: غياب الوظيفة المنتجة حول البيت إلى "مرقد" بارد، مما خلق فراغاً نفسياً دفع السكان للهروب نحو صخب المدينة.

الرؤية المعمارية: عمارة "الإنقاذ" واستعادة السيادة

إن "عمارة الإنقاذ" لا تعني العودة إلى الماضي، بل تعني إعادة الاعتبار للريف بتحسين خدماته وبنيته التحتية، وتوفير أسباب الرفاه التي ترفع عن كاهل الساكن مشاعر الدونية. تقوم هذه الرؤية على ثلاثة أعمدة:

1.   المسكن كمنظومة إنتاجية: إعادة تصميم البيت ليكون مركزاً اقتصادياً يضم مساحات للزراعة وورشاً للحرف اليدوية، ليعود البيت كياناً "يستيقظ لينتج".

2.   ذكاء المواد واقتصاديات البناء: استخدام الحجر الطبيعي في العناصر البصرية والأسوار يعطي الهوية المطلوبة، بينما يمكن الاعتماد على المواد الحديثة (كالآجر واللياسة) في البناء الإنشائي وتشكيل الأثاث الثابت المدمج، مما يحقق توازناً بين الأصالة والتكلفة.

3.      التخطيط كفعل مقاومة: يجب أن يتوقف الزحف العمراني على حساب الأراضي الزراعية، وأن يُعاد صياغة المخططات لتعزز الإنتاج لا لتقتله.

الخاتمة: العودة إلى الذات.. العمارة كفعل مقاومة

إن استعادة الريف الليبي ليست مجرد عملية ترميم للمباني، بل هي معركة لاستعادة "زمن الفجر" وقيمة العمل اليدوي والارتباط الوجداني بالأرض. إننا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في تشييد كتل إسمنتية صماء تكرس الاغتراب، أو العودة إلى عمارة تحترم كرامة الإنسان ككائن "منتج" وسيد لقراره.

إن العودة إلى الأرض تبدأ بكسر تلك التبعية النفسية والاقتصادية للمدينة، وبالتوقف عن مطاردة "السعادة الزائفة" في ازدحام العاصمة، ومواجهة صمت "مدن الأشباح" بإحياء روح المزرعة والبيت المنتج. إن الفلسفة المعمارية التي ننادي بها هي الرد العملي على تهميش الريف؛ إنها دعوة لنعيد للأرض هيبتها، وللإنسان فخره، وللمسكن روحه التي خنقها الزحف العمراني العقيم. ففي نهاية المطاف، لن تتحقق السيادة الحقيقية إلا حين يسكن الإنسان في فضاءٍ هو من صنعه، ويأكل مما زرعت يداه، ويستعيد يقيناً ضاع في زحام الحداثة القشرية.

الأحد، فبراير 22، 2026

المدينة: أكثر من مجرد أنشطة.. إنها سلوك جمعي وذاكرة حية

 


جمال الهمالي اللافي

في هذا النص، أطرح رؤية نقدية وفلسفية عميقة لمفهوم المدينة، متجاوزاً التعريفات التقليدية الجافة التي تحصرها في تصنيفات وظيفية أو ديموغرافية (صناعية، تجارية، ريفية، أو حتى ذكية). إنني أفهم المدينة هنا كـ كائن حي يتنفس ويتشكل بوعي سكانها وحركتهم اليومية، لا بمجرد خطوط هندسية أنحتها بمسطرتي كمعماري على الورق.

1.      المدينة كمرآة لخياراتنا المشتركة وذاكرتنا المكانية

أرى أن الصورة الحقيقية للمدينة وروحها لا تُصنع بقرار سياسي فوقي أو برغبة فردية معزولة لمطور عقاري، بل هي محصلة رؤيتنا وتجربتنا المشتركة التراكمية، التي يؤطرها احترامنا المتبادل للمكان وإحساسنا العميق بالانتماء إليه.

·     المواطنة المكانية (انتماؤنا للفضاء العام : تتجاوز فكرة الخوف من العقوبة لأصل إلى الشعور بأن الفضاء العام هو امتداد لبيتي الشخصي. إن التزامي كفرد بعدم إيذاء الآخر أو تشويه البيئة (مثل رمي القمامة أو التعدي على الأرصفة) هو اللبنة الأولى التي أضعها في بناء الحضر، وهو ما يخلق شعوراً بالثقة والأمان بيننا كجيران.

·     الاحتواء الاقتصادي والاجتماعي:  أؤمن بأن المدينة الحقيقية والحيوية هي التي لا تحجر على الأنشطة البسيطة التي تمثل مصادر رزق للفئات الكادحة بحجة "التنظيم الصارم". فالأسواق الشعبية، وعربات الباعة، والحرفيون ليسوا في نظري تشوهاً بصرياً، بل هم جزء أصيل من نسيج المدينة الحيوي الذي يمنح شوارعنا نبضاً وعفوية نفتقدها في المراكز التجارية المغلقة.

2.      التحضر الأخلاقي في مقابل القشرة المعمارية الباردة

أنتقد بشدة المفهوم السطحي للتحضر الذي يركز على "الأناقة" الخارجية، والواجهات الزجاجية اللامعة، والقوانين الصارمة التي قد يفرضها مخططون برؤية "قاصرة" ترى المدينة كنموذج رياضي يجب ضبطه.

·     التحضر كفعل يومي وثقافة: بالنسبة لي، التحضر ليس شكلاً معمارياً يُغلّف المدينة بغلاف أنيق لا يحتمل الاتساخ أو يرفض استيعاب المتغيرات الطارئة؛ بل هو سلوك عفوي نمارسه يومياً وينبع من قيمنا الاجتماعية، وتكافلنا مع الآخرين، ونشاطنا الاقتصادي المتفاعل.

·     قصور الإدراك المعماري (هندسة العزلة : (عندما أفشل كمعماري في فهم "العقل الجمعي" وثقافة مجتمعي، فإنني أخلق مدناً "معاصرة" باردة ومصممة للسيارات أكثر من البشر. مدن تفتقر لروح الحياة الطبيعية، وتتحول إلى مساحات تقصي الفقراء وتُعقّد تفاعلاتنا الاجتماعية البسيطة.

3.      مهمتي كمعماري: "المُيسّر والمستثمر" لا "المستبد"

أحدد مهمتي كمخطط للمدن ومعماري في هذا السياق العضوي من خلال:

·     استثمار التنوع (التصميم التشاركي) : التخلي عن دور الديكتاتور الذي يفرض أسلوب حياة محدد، والتحول إلى "مُيسّر" يحول أنشطتنا الحياتية المتضاربة أحياناً إلى بيئة متناغمة تستوعبنا جميعاً.

·     إثراء المحيط بدلاً من محوه : السعي لخلق عمران يتوافق مع المناخ، ولا يتنافر مع الطبيعة، والأهم من ذلك أنه يحترم قيمنا الإنسانية والثقافية، ويوفر لنا فراغات مرنة قابلة لإعادة التشكيل حسب احتياجاتنا.

الخاتمة: سر استدامة وعظمة مدننا القديمة

أجد أن قوة وروح المدن العتيقة تكمن في أنها نتاج "تخطيط تراكمي عضوي" قدناه كبشر عبر الزمن، وتوارثته الأجيال. خطت مساراتها حركة أقدامنا اليومية واحتياجاتنا المتغيرة، مما جعلها "تضج بعفوية الحياة" ودفء العلاقات الإنسانية. في المقابل، أرى الكثير من مدننا المعاصرة تقف عاجزة عن خلق هذه الحياة الطبيعية، لأنها صُممت كقوالب جامدة لا تقبل التغيرات أو التنوع البشري الصاخب.

الخلاصة الكبرى: المدينة ليست مجرد مساحة جغرافية أو أوعية خرسانية نعيش بداخلها، بل هي الطريقة التي نختار أن نعيش بها معاً؛ إنها انعكاس لروحنا الجماعية.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...