جمال الهمالي اللافي
يُجمع
المراقبون على أن ليبيا لا تعاني من شحٍ في السيولة أو ضآلة في المدخرات؛
فالمليارات المكدسة في الخزائن والمهربة في المصارف الدولية هي حقيقة واقعة. لكن
المأساة الحقيقية تكمن في "العقم الفكري" الذي أصاب أصحاب هذه الثروات،
حيث تحولت رؤوس الأموال من محركات لبناء الدولة إلى أدوات لتعظيم الأرباح الشخصية
عبر مشاريع نفعية لا تقدم للمواطن إلا التبعية الاستهلاكية.
"الصناعة المستوردة": قراءة في تضليل الواقع
إن السمة
الغالبة على ما يُسمى اليوم "مشاريع وطنية" هي كونها واجهة لعمليات
استيراد مقنّعة تستنزف العملة الصعبة وتكرس الارتهان للخارج. ولعل إعلان أحد منتجي
الألبان عن رفع أسعاره مبرراً ذلك بـ "ارتفاع أسعار الحليب عالمياً"
يمثل ذروة هذا التضليل؛ فهذا الاعتراف الضمني يؤكد أن صناعتنا المزعومة لا تملك من
"الوطنية" إلا الاسم، طالما أنها تعجز عن توطين المادة الخام.
إن
التذرع بالعقبات المناخية أو ندرة الموارد المائية لم يعد عذراً مقبولاً في ظل
الثورة التقنية التي مكنت دولاً أكثر جفافاً من تحقيق الاكتفاء الذاتي. غير أن
المستثمر الليبي اختار الطريق الأسهل: الربح السريع عبر الاستيراد، وهو نهج يتكرر
بمرارة في قطاعات العمران والمقاولات والصناعات التحويلية، مما يفرغ مفهوم
"الاستثمار الوطني" من محتواه الحقيقي.
تفنيد
ذريعة "الكسل": الجريمة المسكوت عنها
يتشدق
الكثير من أصحاب العمل بمقولة إن "الشاب الليبي لا يريد العمل"،
مستخدمين ذلك مبرراً لاستجلاب العمالة الوافدة. وهنا لا نتوجه للدولة بأسئلة، بل
نضع مرآة الحقيقة أمام "رأس المال" نفسه:
1. أين هي المعاهد والتقنيات التي ساهمتم في تمويلها
لتأهيل هذا الشباب؟
2. هل وفّرتم بيئة عمل مهنية تليق بكرامة المواطن
وتستوعب طموحه؟
3. هل استثمرتم في برامج التدريب المستمر لمواكبة
التطور العالمي؟
إن
الإجابة الصادمة بـ "لا" على هذه التساؤلات، تحول المستثمر من شاكٍ إلى
"شريك في الجريمة"؛ فهو يقتنص ثمار الفشل السياسي والتعليمي ليشرعن
تهميش الكادر الوطني، ضارباً عرض الحائط بهمة الشباب الذي استوعب مأساة واقعه وبات
يتوق لفرصة حقيقية يثبت فيها ذاته.
استعادة
الذات: من إرث الإنتاج إلى فخ التبعية
وإذا
عدنا إلى جذورنا قبل عام 1969، سنجد دليلاً دامغاً على قدرة الإنسان الليبي؛ فقد
أديرت المزارع والمقاولات والمصانع بسواعد ليبية خالصة وبكفاءة شهد لها الجميع. إن
ما نعيشه اليوم من تشوه سلوكي ليس فطرياً، بل هو "خلل طارئ" نتج عن
سياسات "حكم العسكر" التي تعمدت تجريف البنية الأخلاقية والإنتاجية
للمجتمع.
إن هذا
التشوه هو "مرض عارض" تسببت فيه منظومات تدميرية ممتدة-لا تزال شخوصها
ونهجها تهيمن على المشهد الحالي- وعلاجه يكمن في إرادة البناء والتدريب الصارم،
وليس في تكريس ثقافة الاتكال التي يغذيها أصحاب الأموال عبر استبدال المواطن
بالوافد.
نداء إلى
الضمير المغيب
في ظل
منظومة حاكمة تفتقد لشرعية الإنجاز وتستمر في نهج التخريب، لا يبقى أمامنا إلا
مخاطبة "الوازع الأخلاقي" لدى من يملكون القدرة المالية. إن غياب الدولة
المفسدة لا يسقط المسؤولية عن كاهل المستثمر؛ بل يضاعفها.
إن
الوطنية ليست شعارات تُرفع، بل هي انتماء يتجسد في خلق فرص العمل وتوطين المعرفة.
وعليه، نذكر من جمع المال وعدده بوعيد الخالق لمن يحسب أن ماله أخلده، فالحطمة
تنتظر من جعل ماله وبالاً على وطنه. إن الأوطان لا تُشترى بالأرصدة المهربة، بل
تُبنى بالعقول التي تؤمن بأن استثمارها في الإنسان الليبي هو الضمان الوحيد للخلود
الحقيقي.




