الميراث
مدونة تعنى بمستقبل العمارة والحرف الفنية في ليبيا
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17
الأربعاء، فبراير 18، 2026
حينما يتحدث العمران بغير لساننا: فصام الواقع وغياب الشريعة عن تشكيل الحياة
الإعلام بأحكام البنيان، كتاب في فقه العمران لإبن الرامي
جمال الهمالي اللافي
تساؤلات
في فراغ الواقع
ما علاقة
الشريعة الإسلامية بالعمارة؟ وما علاقتها بتخطيط المدن والمناطق؟ بل ما الرابط بين
أحكام الدين وتصميم الأثاث، وتجهيز البيوت، والرسم الحر، وتصميم الأزياء؟ وهل
للشريعة حضور في الهوية البصرية للمؤسسات، أو في الإعلام والدراما والإعلانات؟ وهل
بقي لها أثر في مسميات المقاهي والمواليد التي باتت تميل للرطانة الأعجمية؟
الإجابة الصادمة والمؤلمة هي: أن
الشريعة مغيبة تماماً عن واقع هذه التطبيقات اليوم.
لقد
انفصلت هذه المجالات الحيوية عن مقتضيات الشريعة، وباتت تائهة في أودية التغريب،
وتشويه العقيدة، وطمس اللغة العربية. وفي المقابل، نجد فجوة معرفية هائلة لدى قطاع
واسع من المتصدرين للعلوم الشرعية؛ حيث استغرق الكثير منهم في تفاصيل الخلافات
الفرعية، غافلين عن "فقه العمران" و"فقه الحضارة" الذي يُشكل
وجدان الإنسان المسلم ويوجه بوصلة حياته اليومية.
هندسة
الاستلاب: العمران كأداة أيديولوجية
إن تزكية
النفس والالتزام بمقتضيات الشرع لا يستقيم لهما حال في بيئة مادية تُصادم في
تكوينها قيم الإسلام. فالمخطط العمراني، وتصميم المنزل من توزيع فراغاته إلى
واجهاته، واتساع الشوارع وضيقها، كلها رسائل صامتة تفرض نمط حياة يزاحم هوية
المسلم. وباختصار: إن البيئة العمرانية الحديثة بتركيبتها الحالية تضع المسلم في
صراع دائم مع ثوابته، وكأنها تدفعه قسراً نحو الانسلاخ عن عقيدته.
هذا
الواقع ليس نتاج صدفة، فالعشوائية الظاهرة والفوضى المعمارية ما هي إلا انعكاس
لمخططات فلسفية مدروسة من قِبل منظري "الحداثة" و"ما بعد
الحداثة" والتفكيكية". هؤلاء لم يضعوا خطوطهم اعتباطاً، بل انطلقوا من
رؤى مادية تهدف لعزل الدين عن المجال العام. وما المعماريون المسلمون اليوم إلا
منفذون لهذه الرؤى، بعد أن تشربوها في مناهج كليات العمارة والفنون والإعلام،
فصاروا- عن غير قصد- حماة لمشروع يقوض الخصوصية الإسلامية من جذورها.
غياب
"الفقه التطبيقي" والفجوة المعرفية
تكمن
المأساة في الانفصال النكِد بين "النص الشرعي" و"الواقع
المعاش". فبينما يُكتفى بالوعظ الشفهي في دروس العقيدة والتوحيد، نجد أن
"التطبيق العملي" للإسلام يُضرب في مقتله عبر الاختصاصات الحياتية.
إن خطب
الجمعة لن تجد طريقها لمن فسدت فطرته تحت تأثير معايشة واقع يخالف عقيدته في مأكله
وملبسه ومسكنه. لقد غابت الشريعة عن "هندسة الحياة" بسبب إعراض بعض
المتخصصين في الشرع عن فقه واقع هذه التطبيقات، واكتفائهم ببطون الكتب القديمة دون
إدراك لكيفية تنزيل أحكامها على النظريات المعمارية والإعلامية المعاصرة التي
تسيطر على الأرض.
الحداثة:
فلسفة إحلال لا مجرد طراز
يجب أن
ندرك أن عمارة الحداثة، والتفكيكية، وما ينبثق عنها من نظريات، ليست مجرد
"أذواق" أو طرز فنية، بل هي تيار فكري مبني على إزاحة المركزية الإلهية
وإحلال المركزية المادية مكانها. ورغم سقوط بعض هذه النظريات تقنياً، إلا أن
آثارها الفلسفية لا تزال تفتك بمجتمعاتنا.
إن
الشواهد الحية من مدن ومناطق قامت على أركان هذه النظريات، ويعيش بداخلها
المسلمون، كفيلة بأن تحول المسلم إلى كائن يؤدي "طقوساً" مجردة، بينما
يغيب جوهر الإسلام عن سلوكه ومعاملاته اليومية نتيجة البيئة الضاغطة التي يعيش
فيها.
خاتمة:
براءة للذمة
أعلم
يقيناً أن هذا الطرح قد لا يروق للكثير من الزملاء المعماريين -خاصة أولئك الذين تتلمذوا
على مناهج الحداثة الصرفة- ولن يكون من السهل عليهم مراجعة الطريق الذي يسلكونه.
ولكنها
تبقى رسالة التبليغ وإبراء الذمة أمام الله ثم المجتمع. إن الإسلام لن يستعيد
عافيته إلا حينما تعود الشريعة لتحكم "التصميم" قبل أن تحكم
"اللسان"، فالعمارة هي الوعاء الذي إما أن يحفظ روح الأمة أو يبددها في
زحام المادة.
الثلاثاء، فبراير 17، 2026
المعماري: القائد الغائب عن المشهد الليبي
جمال الهمالي اللافي
في
ليبيا، ترسّخ في الأذهان تصوّرٌ قاصر يحصر دور المعماري في مرحلة "التصميم
الأولي"، وكأن مهمته تنتهي بمجرد تسليم المخططات، لتبدأ بعدها مسؤولية
المهندس المدني في التنفيذ. هذا الفهم لم يضر بجمال مدننا فحسب، بل أثر بعمق على
سياسات التوظيف التي باتت تطلب عشرات المهندسين المدنيين مقابل معماري واحد. ومع
توقف المشاريع الكبرى لسنوات طويلة، ضاعت التقاليد المهنية الصحيحة لصالح
التعيينات العشوائية، مما أدى لتهميش الدور المحوري للمعماري كمسؤول أول عن جودة
المباني وسلامة بيئتنا العمرانية.
المعماري
كمنسق رئيسي للمشروع
تؤكد
المعايير الهندسية العالمية أن المعماري هو "المنسق الرئيسي" لكل
العملية الهندسية. فالمشروع ليس مجرد مخطط على ورق، بل هو دراسة شاملة تجمع بين
طبيعة الأرض، والمناخ، واحتياجات الناس، والتفاصيل الدقيقة والجدوى الاقتصادية.
في هذا
الإطار، يتولى المعماري مهمة الربط والانسجام بين كافة التخصصات، لضمان ألا تتعارض
الحلول الفنية مع الهدف من بناء المشروع وجمالياته:
· مع المهندس الإنشائي: ينسق
المعماري معه لتوزيع الهيكل والأسقف بطريقة تخدم الفراغات الداخلية ولا تشوهها.
فالمعماري هو من يحدد "منطق الفراغ"، والمهندس الإنشائي المبدع هو من
يبتكر الحلول الهندسية لتحقيق هذا التصور.
·
تنسيق
الأنظمة التقنية: يوجه
المعماري مهندسي الكهرباء والسباكة والتكييف لدمج التمديدات بذكاء داخل التصميم،
وهذا يمنع الحلول الارتجالية أثناء التنفيذ، والتي غالباً ما تشوه شكل الواجهات أو
الغرف وتعيق استخدامها.
· التكامل بين الداخل والخارج: يضمن
المعماري وجود علاقة انسيابية بين التصميم الداخلي وتنسيق المساحات الخارجية
والحدائق، مما يجعل المشروع وحدة واحدة متناغمة.
فجوة
التعليم وتحدي الرؤية الشمولية
تكمن
الإشكالية الكبرى في "تجزئة المسؤولية" الناتجة أساساً عن طبيعة المناهج
الأكاديمية. فبينما يمتلك المعماري نظرة شاملة ترى المشروع ككيان واحد، تميل مناهج
الهندسة المدنية والتقنية إلى التركيز على الحسابات الرقمية والمعادلات المجردة
كجزيئات منفصلة، دون ربطها بصورة المبنى الكلية أو غاياته الإنسانية.
هذا
التباين في التكوين المعرفي يصبح عائقاً عندما يتولى قيادة المشاريع أشخاص اعتادوا
رؤية المشروع كأجزاء تقنية مستقلة. إن نقص الإلمام بجوانب العمارة الاجتماعية
والبيئية في المناهج الهندسية الأخرى، يؤدي غالباً إلى صراعات إدارية وتهميش
للمعماري، بدلاً من استثمار خبرته في إدارة هذا التعقيد. فمن تشرّب فكراً
أكاديمياً قائماً على تجزئة الحلول، سيواجه صعوبة حتمية في قيادة عمل يتطلب
بطبيعته إدراكاً شمولياً لكافة المؤثرات المترابطة، وهي رؤية قد لا يكتسبها أصحاب
الاختصاصات الهندسية إلا بعد سنوات طويلة من الممارسة الميدانية والاحتكاك المباشر
مع المعماريين في مواقع التنفيذ.
التبعات
الاقتصادية والاستدامة
إن إبعاد
المعماري عن قيادة التنفيذ ليس مجرد خسارة للشكل، بل هو هدر مالي صريح. فالمعماري
هو "حارس الاستدامة"؛ هو من يعرف كيف يجعل المبنى موفراً للطاقة عبر
اختيار مواد البناء الصحيحة وتوجيه النوافذ للضوء والريح. كما أن غياب المعماري عن
الموقع يحرمه من متابعة أفكاره وتطويرها، ويحول المباني إلى كتل خرسانية مكلفة
جداً في التبريد والتدفئة والصيانة.
خارطة
طريق للإصلاح المهني
لإعادة
الاعتبار لدور المعماري، نحتاج لخطوات واضحة:
1. إلى صُنّاع القرار : يجب
مراجعة هيكلية الإدارة في المشاريع العامة، وفرض وجود "مدير مشروع
معماري" كشرط أساسي لضمان التنسيق وجودة التنفيذ.
2. إلى الجامعات: تحديث المناهج الهندسية لتعريف
جميع الطلاب بأن المشروع المعماري هو "عمل واحد متكامل"، وربط المعادلات
النظرية بالواقع التطبيقي لتقليل الفجوة المهنية.
3. إلى المواطن : المعماري
هو مستشارك الذي يحمي استثمارك المالي على المدى الطويل؛ فالبناء الناجح ليس مجرد
قواعد قوية، بل هو فراغ يوفر لك الراحة النفسية والكفاءة في الاستخدام.
الخاتمة
مهمة
المعماري لا تنحصر في تصميم المشروع، بل هو الضامن لروح المشروع وهويته. إن
الانتقال من "التفكير المجتزأ" إلى "القيادة الشمولية"
المؤسسة على فهم عميق لكافة جوانب البناء، هو السبيل الوحيد لإنقاذ مدننا من
العشوائية البصرية، وضمان بناء بيئة تعكس قيمنا وتدعم جودة حياتنا.
الاثنين، فبراير 16، 2026
جدلية العمارة والمجتمع: من يفسد الآخر؟
جمال الهملي اللافي
انطلق
حوارٌ فكريٌ لافت على منشوري: "عمارة
الشظايا: حين خان المعماري مرآته"، حين
علّق المهندس المعماري قائلاً: "عمارة
فاسدة = مجتمع فاسد"،
ليأتيه الرد من أحد المشايخ بقلب المعادلة: "مجتمع
فاسد = عمارة فاسدة". هذا
السجال المختصر يختزل قضية فلسفية وعمرانية كبرى: هل العمران مجرد نتيجة للحالة
الاجتماعية، أم أنه صانعٌ لها؟
الحقيقة
أن كليتهما على صواب؛ فالعلاقة بين المجتمع وعمارته هي علاقة عضوية تبادلية، تشكل
حلقة مفرغة يصعب فيها تحديد "البادئ" بالفساد للوهلة الأولى.
1. المجتمع كصانع للعمارة (رؤية الشيخ)
من هذه
الزاوية، يُنظر إلى العمران كـ "مرآة" عاكسة. فالمجتمع الذي يعاني من
تخلخل القيم، والأنانية المفرطة، وضياع الذوق العام، سينعكس ذلك حتماً على تخطيط
مدنه وبناء منازله:
·
التعدي
على الفراغ العام: انعكاس
لغلبة المصلحة الخاصة على العامة وضياع مفهوم الحق المشترك.
·
عشوائية
التصميم: تعبير عن
حالة الفوضى الفكرية والقيمية وعدم احترام النظم والمعايير.
·
غياب
الروح في البناء: دليل على
مادية المجتمع وانفصاله عن جذوره الجمالية والروحية والاكتفاء بالوظيفة النفعية
الضيقة.
2. العمارة كمشكل للمجتمع (رؤية المعماري)
في
المقابل، يرى المعماريون أن البيئة المبنية ليست صامتة، بل هي التي تعيد صياغة
سلوك البشر. العمارة الفاسدة (الضيقة، المظلمة، التي تفتقر للخصوصية أو التي تعزز
العزلة) تؤدي إلى:
·
توليد
العنف والتوتر: الازدحام
العمراني وغياب المساحات الخضراء يرفع من حدة التوتر الاجتماعي ويولد الضغط النفسي.
·
قتل
الانتماء: المدن
التي بلا هوية تجعل الفرد يشعر بالغربة، مما يقلل من حرصه على سلامة بيئته.
·
إفساد
الذوق العام: نشوء
أجيال في بيئة مشوهة بصرياً يجعل القبح هو "المعيار" الطبيعي لديهم، مما
يؤدي إلى تبلد الحس الجمالي.
3. الحلقة التبادلية: من يقود من؟
بناءً
على ما سبق، نحن أمام حلقة تدور حول نفسها؛ فجيلٌ يقوم بمهمة إفساد عمارته لتوافق
سوء حاله، فتعود تلك العمارة الفاسدة لتفسد الأجيال التي تليها، ما لم يتم تدارك
الأمر. وهنا يبرز السؤال الجوهري: متى وكيف
بدأت هذه الحلقة في مجتمعاتنا؟
4. المفتاح التاريخي: العمارة كأداة استلاب
عند
البحث في "أسبقية" الفساد، نجد أن التغير الجذري في تخطيط مدننا لم يكن
تطوراً طبيعياً نابعاً من الداخل، بل كان "صدمة" خارجية حسمت هذا الصراع
لصالح العمارة كبادئ بالإفساد:
·
إرث
الاستعمار: دخل
الاستعمار الغربي العالم الإسلامي حاملاً معه منظومة "الحداثة الفكرية"
التي تتصادم في جوهرها مع العقيدة والهوية.
· نمط الشقق والعمارات: مخططات
مدن ومناطق فرضت الأنماط السكنية الرأسية (العمارات) والفلل التي تحوطها
الارتدادات من جميع جوانبها وتفتح نوافذها على الشوارع، وهي أنماط لم تكن معروفة
في تراثنا المعماري. هذا النمط بُني على فلسفة غربية تقدس الفردانية، بينما كانت
العمارة الإسلامية (مثل البيت ذو الفناء) تبنى حول قيم "الستر"
و"الجيرة" و"الترابط الأسري".
· الشرارة الأولى: كان هذا
النمط الدخيل هو الشرارة التي أشعلت الفساد القيمي؛ لأنه أجبر المجتمع على التكيف
مع فراغات لا تشبهه، مما أدى إلى تصدع المنظومة الأخلاقية والاجتماعية من الداخل.
الخاتمة: مسؤولية التشخيص ونقد "الوعظ
المنفصل"
إن إصرار
العالم الشرعي على أن الفساد القيمي نبت من فراغ، هو تفريغ للحالة من أسسها
الموضوعية. إن الاقتصار على النصوص دون الإلمام بواقع تطبيقها -وبالبيئة العمرانية
التي تحتضنها- يجعل الخطاب الشرعي يدور في حلقة مفرغة من الوعظ المنفصل عن الواقع؛
فهو ينظر إلى "فساد بلا مسببات" يمكن إعادة النظر فيها بالإصلاح، ويترك
الأمر مبهماً تحت مسمى "الفساد المجتمعي" الذي أفسد كل شيء.
هذه
العقلية التي تنطوي تحت التخصص الدقيق في العلوم الشرعية النظرية، وتنفصل عن
تطبيقاتها في الواقع المادي، هي ما خلق حالة من النفور عند عامة الناس؛ فالواعظ
هنا يصب غضبه عليهم، مهدداً بالوعيد والويل والثبور، دون أن يبصرهم بالأسباب التي
دفعتهم لهذا التشوه، وعلى رأسها العمارة التي سكنوها قبل أن تسكنهم.
إن كسر هذه الحلقة يتطلب وعياً مزدوجاً؛ فإصلاح النفوس ضرورة لاستعادة الهوية، ولكن إصلاح "الفراغ المعماري" هو الضمانة لتهذيب السلوك وتوفير بيئة تحترم إنسانية البشر وقيمهم الأصيلة. ويبقى الدرس الأهم أن العمارة التي بنيت وفق منظومة فكرية غريبة كانت هي الجناية الأولى، وما السلوك الاجتماعي الفاسد اليوم إلا صدىً لجدرانٍ غريبة سكنّاها قبل أن تسكننا.
الأحد، فبراير 15، 2026
عمارة الشظايا: حين خان المعماري مرآته
جمال الهمالي اللافي
في كل
المراحل التاريخية الماضية كانت العمارة المرآة العاكسة لحالة مجتمع ما بأكمله.
فإذا بها تضحى اليوم المرآة العاكسة لحالة فرد ما في مجتمعه.
تتجلى
أزمة مدننا اليوم في كونها مجرد شظايا متناثرة من مرايا تعكس
نرجسيات فردية متنافرة، بدلاً من أن تكون وعاءً لروح الجماعة. هذا التشظي ليس صدفة
بصرية، بل هو النتيجة الحتمية لسقوط "الحصن التعليمي" الذي تحول فيه
"الوسيط الأكاديمي" من منتج للمعرفة إلى مجرد مروج لثقافة الاستهلاك.
لقد فُتحت في هذا الحصن ثغرة نفذت منها رياح التغريب والقسر الأكاديمي، لتقدم
العمارة الغربية كعقيدة لا تقبل النقاش، مبررة ذلك بـ "عالمية العلم" في
خبث
تحايلي يعفي الأكاديمي من عناء البحث في عبقرية عمارته المحلية
وتقنين قواعدها المعاصرة.
هذه
الثغرة التعليمية لم تكن مجرد إهمال معرفي، بل كانت البوابة التي استباحت من
خلالها قوى الاقتصاد السياسي الليبرالي عِرضِنا
القيمي؛ فتحول المبنى من فضاء إنساني إلى "سلعة" و"علامة
تجارية" تخضع لمنطق السوق. وبدلاً من أن تكون العمارة حائط صد، أصبحت
الأداة الرئيسة لعملية مسخ ثقافي شاملة، استلهمت أقبح
ما في الإعلام والترويج العقاري، لتمسخ ذائقة مجتمع تحول من منتج للقيم إلى مستهلك
تائه لكل وافد.
إن
الادعاء بأننا ملزمون بمجاراة النماذج الغربية لتحقيق "المعاصرة" هو
الوهم الذي يقتات عليه الفشل؛ فنحن نمتلك في عمارة غدامس وطرابلس القديمة وبيوت
الحفر نظاماً تخطيطياً وحضرياً سابقاً لعصره، يحل ببراعة إشكاليات يئن منها الغرب
اليوم، مثل تغول السيارات وبرودة العلاقات الإنسانية. الاستلهام هنا ليس
"قشرة تراثية" أو حنيناً عاطفياً، بل هو استرداد لنظام حلول متكامل
(مناخياً واجتماعياً) أثبت كفاءته في "العيش" وقدرته على صياغة حداثة
تنتمي لتربتنا.
وهنا
تبرز جناية المعماري الممارس؛ ذلك القائد
البصري الذي سلمنا له الرؤية، فخان الأمانة حين تذرع بـ "رغبة الزبون"
ليبرر انسياقه وراء الكتل الهجينة. إن التذرع بأن المجتمع المتفسخ هو من أفسد
العمارة هو قلب للموازين؛ فالمعماري هو من صنع هذه الذائقة المشوهة وزين للمجتمع
أن "الاغتراب" هو قمة الرقي، تماماً كمن يقتل القتيل ثم يبكي في جنازته
متهماً إياه بضيق الأفق. إن العالمية الحقيقية لا تعني التخلي عن الذات للمنافسة
في ملاعب الآخرين بفكر مستعار، بل تعني الاعتزاز بالرسالة المحلية وتقديم مضامينها
الإنسانية بلغة عالمية رصينة.
الخلاصة:
ستبقى
العمارة هي المرآة الصادقة التي لا تكذب؛ فإن كانت اليوم مشوهة، فهي تفضح ذلك
المعماري الذي ترك حصنه مفتوحاً أمام مسخ الوافد وسلعة السوق، ليغدو غريباً في
بيته، ومغترباً في عمارته.
السبت، فبراير 14، 2026
بيان في فقه العمران: العمارة أخلاقٌ قبل أن تكون ثقافة
ميثاق المعماري المسلم: من صنمية الشكل إلى أمانة الاستخلاف
جمال الهمالي اللافي
تنهض العمارة في جوهرها كـ "عقيدة متجسدة" وحالة أخلاقية وجودية تسبق
بضرورتها كونها تجلياً ثقافياً أو نتاجاً فنياً. إن تقديم "الأخلاق" على
"الثقافة" ينبع من حقيقة أن السلوك الأخلاقي للمعماري هو
"البوصلة" الثابتة، بينما الثقافة وعاء متغير قد يتأثر بالعولمة أو
الاستلاب. فالأخلاق المستمدة من شريعة الخالق هي الجوهر، وما سواها تبعية تدور في
فلكها.
الصراع
القيمي في الفراغ المعماري
يعيش الواقع المعماري صراعاً بين منظومتين: منظومة القيم الحافظة التي تصون المجتمع وتحترم الخصوصية
وتناغم الفطرة، وبين منظومة الهدم القيمي التي توظف
"ثقافة التحلل" لتحويل العمارة إلى أداة للهيمنة وتشويه الوعي. لذا، لا
يجوز ترك العمارة لادعاءات "مجاراة العصر" دون إخضاعها لمساءلة العقيدة؛
فالمعرفة الحقيقية هي التي تنشر الفضيلة، لا تلك التي تكرس التغريب عبر الافتتان
بالقشور الشكلية.
نقد
السيولة: "حصان طروادة" وتفكيك المرجعية
إن نظريات الحداثة وما بعد الحداثة، وعلى رأسها
"التفكيكية"، ليست مجرد أنماط هندسية، بل هي مشروع لهدم أركان العقيدة.
إن تفكيك الكتلة في فلسفة (كولهاس وغيهري) هو تمهيد مادي لـ تفكيك "المركز"؛ والمركز في وعينا وفطرتنا هو الله عز وجل، المرجع الأعلى واليقين الثابت.
لقد استُخدمت أسماء مثل "زها حديد" كـ "حصان طروادة" لشرعنة
هذه الفلسفة في مجتمعاتنا؛ حيث عَمِيَ الانبهار بالتشكيل البصري عن الحقيقة
الخطيرة: وهي أن نبذ التوازن والاستقرار هو دعوة صامتة لتبني "النسبية
المطلقة" التي لا تعترف بإله أو شريعة، مكرسةً "صنمية الشكل" على
حساب المضمون الإلحادي المتخفي خلفها.
العمارة
كمختبر للسلوك (الواقع الليبي نموذجاً)
إن عمارة البيت الليبي المعاصر هي "مختبر سلوكي للفضيلة"؛ فالمبنى
"المنحرف" قيمياً يحرض على التحلل لمصادمته الفطرة:
· الستر مقابل الانكشاف:
الواجهات الزجاجية الشاملة في بيئتنا ليست "تحديثاً"، بل هي
"انحراف سلوكي" يفرض على الأسرة إما التخلي عن الحياء أو العيش في سجن
خلف الستائر.
·
الترابط
مقابل التفكك: التوزيع "الفندقي" المعزول يقتل روح
"العيلة" ويحول البيت إلى نقاط شتات يسهل معها تغلغل القيم الهدامة.
·
سيكولوجية
الفراغ: الزوايا الحادة والتكوينات القلقة تزرع
"عدم الاستقرار" الذهني، بينما التوازن المعماري يعكس استقرار العقيدة
واليقين.
الميثاق
الأخلاقي للمعماري (المنطلقات والضوابط)
لكي لا يظل الوازع الأخلاقي مجرد شعار، يجب على
المعماري إخضاع مشروعه لـ "قائمة تدقيق"
قبل التنفيذ، متسائلاً بصدق أمام كل خط يرسمه:
1.
أمانة الاستخلاف:
·
التساؤل: هل
التصميم إعمار للأرض أم إفساد فيها وتعدٍ على حقوق الآخرين؟
·
التوضيح: أن يدرك
المعماري أن الأرض أمانة، وأن عمارته يجب أن تكون إعماراً لا تدميراً، وتواضعاً لا
استكباراً. التصميم الأخلاقي هو الذي يخدم كرامة الساكن ولا يقدم
"الأنا" المتضخمة للمصمم على حساب فطرة وهوية المجتمع.
2.
اختبار الجوار:
·
التساؤل: هل
يحترم المبنى حق الجار في الضوء والخصوصية، أم يتعدى عليه استعلاءً؟
·
التوضيح: العمارة
المسلمة هي "عمارة حقوق"؛ فلا يجوز أن يطغى بناء على آخر بحجب شمس أو
كشف عورة (بصرياً). إن احترام حدود الجار المادية والمعنوية هو تطبيق عملي لوصية
النبي ﷺ بالجار، وهو ما يمنع تحول الحي إلى غابة من الخرسانة المتصارعة.
3.
مرجعية الفطرة السوية:
·
التساؤل: هل يحقق
التوزيع الفراغي قيم "السكينة والستر" الفطرية؟
·
التوضيح:
الالتزام بتصميم فراغات تحترم سيكولوجية الإنسان المسلم، مثل قيم
"الستر" التي تصون الأسرة، و"السكينة" التي تمنح الهدوء
النفسي، ومحاربة الأنماط التي تكرس العزلة أو الانحلال السلوكي عبر الفراغات
المفتوحة بشكل مبالغ فيه التي تقتل الخصوصية.
4.
النقد المعرفي الواعي:
·
التساؤل: هل أنا
مبهور بالشكل لمجرد الحداثة، أم أعي خلفياته الفكرية التي تستهدف هدم مرجعيتي؟
·
التوضيح: أن تكون
دراسة تاريخ العمارة دراسة نقدية، تفرق بين "المنجز التقني" (الذي نأخذه
ونطوره) وبين "المنطلق الفكري المنحرف" (الذي نرفضه). الإبداع لا يعني
استنساخ أشكال ولدت من رحم فلسفات عدمية أو إلحادية بدعوى "العالمية".
5.
المسؤولية الاجتماعية:
·
التساؤل: هل مشروعي
يحترم النسيج العمراني المحلي ويحقق نفع المجتمع؟
·
التوضيح: أن تكون
الغاية هي نفع الناس وصيانة البيئة المحلية، لا تحقيق شهرة زائفة عبر
"صرعات" معمارية هلامية تشوه الهوية البصرية للمدينة وتستنزف مواردها
دون جدوى حقيقية للمستخدم البسيط.
6.
اختبار المقياس الإنساني:
·
التساؤل: هل يشعر
الإنسان داخل الفراغ بأنه "مُكرم"، أم أنه ضئيل أمام ضخامة مادية باردة؟
·
التوضيح: العمارة
الأخلاقية هي التي تحتفي بالإنسان ككائن كرمه الله، فتعطيه مقياساً يمنحه الهيبة
والراحة معاً. عكس ذلك هي "عمارة الاستعلاء" التي تهدف لإشعار الفرد
بضآلته أمام سلطة المادة أو رأس المال، وهو نهج يصادم التواضع الإيماني.
7.
رقابة الضمير:
·
التساؤل: هل
أستشعر رقابة الخالق في كل خط وتفصيلة؟
·
التوضيح: العمارة
شهادة صامتة تبقى بعد رحيل صانعها لعقود. المعماري الرسالي يبني ليكون أثره شاهداً
له بالصلاح، مدركاً أن كل قرار تصميمي هو قرار سيُحاسب عليه أمام الله قبل أن
يُحاسب عليه أمام المجتمع.
8.
أمانة المورد (الصدق المادي):
·
التساؤل: هل
المواد المستخدمة تعكس "صدقاً" واستدامة، أم هي هدر للموارد من أجل بهرج
زائل؟
·
التوضيح: تجنب
التبذير والمباهاة بالمواد المكلفة لمجرد التفاخر الطبقي. الأمانة تقتضي استخدام
الموارد بحكمة (الاستدامة)، والابتعاد عن المواد "الزائفة" التي تخفي
عيوب التصميم خلف واجهات براقة لكنها تفتقر للأصالة والمتانة.
الخلاصة
إن
المعماري المسلم الذي يلتزم ببوصلته الأخلاقية يقدم الرد الحضاري الأقوى على حملات
التشويه؛ ليثبت أن عمارة الإسلام هي عمارة بناء وإصلاح، تفتح أبواب "التعارف
الإنساني" شريطة احترام القيم.
تذكر
دائماً: إننا نشكل أبنيتنا، وبعد ذلك هي التي تشكلنا؛
فالمعماري الذي لا يحمل وازعاً أخلاقياً ورقابة ضمير، يبني سجناً لروح الإنسان..
وإن كان القصر من زجاج.
أنماط البيوت التقليدية في ليبيا
المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...
-
تصميم وعرض/ جمال الهمالي اللافي في هذا العرض نقدم محاولة لا زالت قيد الدراسة، لثلاثة نماذج سكنية تستلهم من البيت الطرابل...
-
م/ آمنه العجيلى تنتوش المقدمة تتوقف الراحة الفسيولوجية للإنسان على الثأتير الشامل لعدة عوامل ومنها العوامل المناخية مثل درجة...
-
موسوعة الفن التشكيلي في ليبيا 1936- 2006 جمال الهمالي اللافي الفنان التشكيلي" علي سعيد قانة " هو أبرز الف...


.jpg)


