جمال الهمالي اللافي
العمارة، بخلاف اللوحات الفنية أو المقطوعات الموسيقية، هي الفن الوحيد الذي لا يمكننا الهروب منه؛ نحن نعيش فيه، ونعمل داخله، ونتأثر به شئنا أم أبينا. ولذلك، فإن تقييم أي مشروع معماري يقع دائماً في منطقة رمادية تتجاذبها العاطفة البصرية من جهة، والوظيفة العملية من جهة أخرى. ومن هنا تنبثق أزمة التقييم المعماري المتمثلة في الخلط المستمر بين الانبهار البصري المؤقت، والكفاءة المكانية الممتدة.
عندما ننظر إلى تقييم المشاريع من طرف عامة الناس، بل ومن طرف المعماريين والأكاديميين، تتداعى تساؤلات ملحة حول حقيقة هذا الإعجاب والمعايير التي يحتكم إليها. في الغالب، الإعجاب الأولي لا يعكس الحقيقة الكاملة للمشروع، فنحن نعيش في عصر الاستهلاك البصري، حيث تُقيّم العمارة غالباً من خلال عدسة الكاميرا، أو ما يُعرف بالعمارة الفوتوغرافية. هذا الإعجاب قد يكون مبنياً على الصدمة البصرية والانبهار بالكتلة غير المألوفة، وهو ما يعكس نجاح المهندس في لفت الانتباه، لكنه لا يعكس بالضرورة نجاح المبنى في أداء دوره.
تتشكل الأحكام
غير المنصفة تحت تأثير ظواهر منهجية متكررة، لعل أبرزها:
·
تغليب الانطباع
الشكلي على الأداء: وتقييم المنشأ بناءً على غلافه الخارجي فقط مع إغفال مدى
توفيره للراحة الحرارية، والتهوية الطبيعية، وسلاسة الحركة الداخلية.
·
الافتتان
بالتبجح التقني: والخلط بين الغرابة والإبداع، واعتماد قدرة البرمجيات على تشكيل
الكتل المعقدة كمعيار للجودة، بصرف النظر عن جدواها الاقتصادية أو الوظيفية.
·
عزل المبنى عن
سياقه: والتعامل معه كمنحوتة مستقلة هبطت في الفضاء، وتجاهل الهوية الثقافية
للمكان ليصبح النقد أسيراً للموضة الدارجة بدلاً من أن يكون بحثاً عن القيمة
الإنسانية.
· الانحياز للاسم والتاريخ: حيث تعاني التقييمات الرائجة مما يعرف بتأثير الهالة، فعندما يُصمم معماري ذائع الصيت مبنى جديداً، تنحاز لجان التحكيم للاسم قبل تقييم المبنى نفسه.
إن التقييم
الموضوعي يتسامى عن الأشكال العابرة ليحتكم إلى ركائز بنيوية ثابتة، تدور حول
المعايير التالية:
·
المتانة
والمنفعة والجمال: فالمبنى يجب أن يكون سليماً إنشائياً، ويخدم غرضه بكفاءة،
ويرتقي بروح ناظريه.
·
الاستجابة
المناخية والبيئية: كفاءة المبنى في معالجة توجيه الشمس وحركة الرياح عبر حلول
أصيلة ومواد محلية.
· احترام السياق: لمعرفة كيف يتحدث المبنى مع جيرانه، وما إذا كان يحترم النسيج العمراني أم يفرض نفسه ككائن غريب.
حقيقة المشروع
المعماري تكمن في التجربة المعاشة بمرور الزمن، وليس في اللقطة الافتتاحية. المبنى
الحقيقي هو الذي:
·
يحتوي حركة
مستخدميه بسلاسة، ويوفر لهم الراحة النفسية والجسدية.
·
يصمد بوقار
وتكتسب مواده جمالاً مع تقلب الفصول دون أن تتشوه.
·
يستطيع استيعاب
التغيرات وإعادة التوظيف بمرور الزمن.
· يُشعر الساكن بالانتماء، وليس بالاغتراب والضآلة أمام استعراض المهندس لمهاراته.
في ميزان النقد المعماري، يستحق المشروع الفشل وسوء التقييم عندما يتعامل مع الموقع كصفحة بيضاء متجاهلاً تاريخ المكان ومناخه، وعندما يضع المصمم ذاته فوق احتياجات المستخدم البسيط. وفي المقابل يكتسب المشروع حصانته عندما يكون أصيلاً وصادقاً؛ يُبنى بمواد تعبر عن وظيفتها بلا زيف، يحترم مقياس الإنسان، ويحل المشكلات المكانية والاجتماعية بدلاً من افتعالها.
في النهاية،
حقيقة أي مشروع معماري لا تتحدد عبر التغطيات الإعلامية، بل تتكشف تدريجياً بمعزل
عن الانحيازات الشائعة وتقلبات الآراء. الزمن هو الناقد الأشرس، والمشاريع التي
تنجو من مقصلة الزمن هي تلك التي وازنت بصدق بين احتياجات الجسد وأشواق الروح.



