جمال الهمالي اللافي
في
العديد من دول العالم العربي، تبرز مفارقة بصرية ونفسية حادة تُلخص علاقة الدولة
بمواطنيها من جهة، وبنظرتها للخارج من جهة أخرى. هذه المفارقة تتجلى بوضوح في
التناقض الصارخ بين الفوضى العشوائية التي تخنق المدن والأحياء التي يقطنها
المواطنون، وبين "الجنة الموعودة" التي تتجسد في القرى والمرافق
السياحية المغلقة.
الفكرة
هنا لا تتعلق فقط بالإسفلت والأشجار والمباني، بل تتجاوز ذلك إلى حقيقة أعمق: العمارة
والبيئة المحيطة هما جزء لا يتجزأ من إحساس الإنسان بكرامته.
العمارة
كمرآة لقيمة الإنسان
في مدننا
اليومية، يغيب التخطيط السليم، وتتوارى الهوية المعمارية المحلية خلف غابات من
الأسمنت الأصم. تنعدم المساحات الخضراء، وتتهالك البنية التحتية، وتصبح الشوارع
ساحات للفوضى البصرية والبيئية. في هذا المحيط، ينمو شعور خفي ومستمر لدى المواطن
بالتهميش؛ فالمدينة بتركيبتها الحالية لا تكترث لراحته، ولا تحترم حقه في بيئة
جمالية وخدمية لائقة. العشوائية في الخارج تنعكس كفوضى واغتراب في الداخل.
على
النقيض تماماً، تقف المرافق السياحية كـ "مدينة
فاضلة" مصغرة.
هناك، وفجأة، تتذكر الجهات المسؤولة والمستثمرون أهمية "الهوية المعمارية
المحلية" فيتم استنساخها وتجميلها. هناك تُرصف الطرق بعناية، وتُنسق الحدائق
بشغف، وتعمل البنية التحتية بكفاءة عالية، وتُقدم الخدمات بابتسامة ورقي. في تلك
البقعة المعزولة فقط، يجد المواطن – إن استطاع إليها سبيلاً، وأنّ له ذلك ما لم
يكن قادراً على تحمل نفقاتها الباهظة – أن يجد الحياة التي يحلم بها، ويسترد جزءاً
من كرامته الإنسانية التي تُهدر يومياً في زحام مدينته المنسية.
سياحة
الإقصاء: المواطن في ذيل الاهتمامات
الواقع
المرير أن هذه "القرى
الحصينة" لم تُبنَ
في الأساس من أجل المواطن. لقد صُممت لتكون واجهة تُرضي "عين السائح
الأجنبي" وتستنزف عملته الصعبة. إنها عملية تسليع للهوية والجمال، تُعرض
للغريب وتُحجب عن القريب.
المواطن
في هذه المعادلة يأتي في ذيل الاهتمامات. الدليل الأكبر على ذلك هو طبيعة المعاملة
ونظرة الاستعلاء التي كان يواجهها المواطن في هذه المرافق في أوقات الذروة
السياحية، حيث كانت تُفصل الخدمات وتُحدد الأسعار وتُوضع شروط الدخول بطريقة تُقصي
الأغلبية الساحقة من أبناء البلد.
زبون
الضرورة القصوى
لولا
الظروف الاستثنائية والأزمات (سواء كانت أمنية، سياسية، أو اقتصادية عالمية) التي
أدت إلى عزوف السائح الأجنبي عن زيارة بلادنا في فترات معينة، لما فُتحت أبواب هذه
المرافق للمواطن المحلي بهذا الشكل. لقد أصبح المواطن اليوم هو "زبون
الضرورة" الذي يُلجأ إليه لإنقاذ هذه الاستثمارات من الإفلاس.
هذا
الترحيب المؤقت والمشروط لا يعكس تغييراً في العقلية التي تُدير التنمية، بل هو
مجرد تكيّف اقتصادي مؤقت. ولو عادت تدفقات السياحة الأجنبية لسابق عهدها، لعادت
الحواجز الخفية والمعلنة لترفع في وجه المواطن، ولعادت المعاملة لتفرّق بين من
يحمل جواز سفر أجنبي ومن يحمل هوية وطنية.
خاتمة
إن
التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المنتجعات السياحية الفاخرة المعزولة بأسوار
عالية، بل تُقاس بمدى جودة الحياة في شوارع العاصمة، وفي الأزقة الشعبية، وفي
القرى النائية. عندما تصبح نظافة الشارع، وجمال العمارة، واحترام الإنسان حقوقاً
بديهية يتمتع بها المواطن في كل شبر من وطنه، حينها فقط يمكننا الحديث عن نهضة
حقيقية. أما إبقاء الجمال والكرامة حكراً على "المناطق السياحية"، فهو
تكريس لغربتنا داخل أوطاننا.
.jpg)


