جمال الهمالي اللافي
في هذه المقالة أعالج في طرحي واحدة من أكثر القضايا إشكالية في الفكر والثقافة المعاصرة، وهي علاقة الأمة بتراثها بين "ضرورة التقليد للوصل" و"دعاوى التجديد للقطع". فعندما تتعالى الأصوات الداعية للنهل من التراث، تقابلها تحذيرات متزاحمة من الوقوع في فخ "التقليد"، مما يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري: ما الذي تعنيه هذه التخوفات حقيقةً؟ وما المعنى الأصيل للتقليد؟
لكي نفهم "ماذا تعني التخوفات من تقليد التراث عندما تتعالى الأصوات الداعية للنهل منه؟"، يمكن تفكيك المشهد إلى النقاط التالية:
أولاً:
إعادة تعريف "التقليد"
·
الجوهر:
التقليد ليس مجرد نقل آلي أو نسخ ولصق بلغة العصر، بل هو مجاراة في الأسلوب،
والطريقة، والنمط.
· الهدف: المقلّد الواعي يجاري المبدع في محاولة جادة للاقتراب من فلسفته، ونمط تفكيره، وزوايا رؤيته للأمور وطريقة تعاطيه معها في نتاجه الإبداعي.
ثانياً:
التقليد كـ "مرحلة جسرية" لا بد منها
التقليد هنا ليس عيباً ولا جموداً ذهنياً، بل هو أداة تعليمية
واستكشافية؛ فبعد قطيعة طويلة أدت إلى واد الجذور وفقدان تراكم خبرة آلاف السنين
تحت خديعة "البدء من الصفر"، تتجلى ضرورة المجاراة أو التقليد لتحقيق
غايتين:
·
إعادة ربط ما انقطع: بعد
فترة من القطيعة والتغريب والبدء من الصفر، يصبح التقليد هو الوسيلة الوحيدة
لإحياء "الذاكرة المفقودة" ووصل السلسلة التاريخية والتراثية.
· فهم أدوات التراث: المقلد هنا لا يقلد بعمى، بل يجاري التراث ليفهم فلسفته، أسلوبه، ونمط تفكيره. تماماً كما يقلد الرسام المبتدئ لوحات كبار الفنانين ليتقن ضربات الفرشاة قبل أن يبتكر أسلوبه الخاص.
ثالثاً:
التخوفات والتهم (تفكيك الخطاب المضاد)
1.
التخوف الظاهري (المعلن):
يروج أصحاب هذا الطرح بأن
تقليد التراث يؤدي إلى:
·
التكرار والجمود والعيش في الماضي.
·
إنتاج نسخ باهتة لا تناسب العصر (النسخ واللصق).
· الخوف من سلب العقل القدرة على التفكير الحر والابتكار المعاصر.
2.
المعنى الحقيقي والأعمق للتخوفات:
تكشف المقالة أن هذه "التخوفات" المحاطة بشعارات التجديد
ليست سوى دوافع مغرضة تهدف إلى:
·
استمرار القطيعة: الحيلولة
دون وصول الأجيال الحالية إلى الجذور والخبرة المتراكمة عبر آلاف السنين.
·
الاستمرار في "التيه": إبقاء المجتمع في حالة من الانبتات الحضاري، حيث لا ماضٍ يستند
إليه ولا حاضر متماسك يبنيه.
·
تفريغ المنتَج المعاصر من قيمته: القفز المباشر إلى "التجديد" دون استيعاب التراث ينتج
نتاجات سطحية، هشة، وخالية من المعنى والعمق الحضاري.
· تدمير الهوية: دعوات التجديد الشكلي والهروب من التراث تؤدي في النهاية إلى فوضى عارمة، حيث يُفقد المعنى وتُستأصل الهوية الوطنية والثقافية.
رابعاً:
تفكيك التخوفات ووهم "متطلبات العصر"
إن الوقوف في وجه هذه المرحلة الجسرية بدافع الخوف من التقليد،
والاعتصام بشعارات التجديد المتسرعة، يرتكز على مغالطات شائعة:
·
تجاوز مفهوم "التراث الميت": الموروث المقصود هنا ليس الشواهد الأثرية القديمة، بل العمارة
المحلية الإسلامية الحية بتنوعها البيئي والاجتماعي في الجبل والصحراء والمدن
القديمة.
·
تفكيك شماعة "روح العصر": التخوف من عدم ملاءمة الموروث لمتطلبات الحياة الحديثة هو وهم
ملتبس؛ فالمدن القديمة المأهولة اليوم تثبت كفاءتها وتمنح ساكنيها تميزاً في
الجودة وعمقاً تعجز عنه المخططات المعاصرة.
·
حقيقة المنطق الإنشائي: النظام البنائي أداة تابعة للرؤية المعمارية وليست قيداً؛ وتوظيف
المواد التقليدية أو تطويرها لم يعد مجرد خيار محلي، بل اتجاه عالمي لمواجهة
التحديات المناخية والبيئية.
· المآل الخاطئ للاستعجال: القفز المباشر لنفي التقليد دون هضم أدوات الموروث لا ينتج تجديداً، بل يكرس القطيعة، ويولد معاصرة هشة تُفرغ العمران من معناه وتستأصل الهوية من جذورها.
خامساً:
الخاتمة
التقليد الاستكشافي ليس جموداً ولا خياراً نهائياً، بل هو الشرط
المعرفي والمدخل الفعلي الوحيد لاستيعاب الأدوات الأصلية وتملّكها. التجديد
الحقيقي لا يبدأ من نقطة العدم، بل ينبت من قلب الاستيعاب الكامل للموروث؛ وبدون
هذا المدخل، يتحول التجديد إلى مجرد قفز في الفراغ، يكرس الانقطاع، ويستبدل الحلول
الأصيلة المجربة بمهاترات شكلية وفوضى عارمة. السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل
نُقلد التراث أم نجدده؟ بل: كيف نفهم أدواته أولاً لنملك حق التجديد فيه؟





