أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، فبراير 09، 2026

البيت.. المربي الصامت: كيف تصيغ جدراننا ملامح أرواحنا؟

دراسة نقدية في أثر الفراغ السكني على السلوك البشري

 

جمال الهمالي اللافي

البيت ليس مساحة للتفاخر بالرخام، ولا صندوقاً ضيقاً للاقتصاد في التكاليف. البيت هو "المربي الصامت" الذي يشكل علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين. هل بيوتنا اليوم تبني فينا التواضع والسكينة، أم تورثنا الدونية والكِبر؟

تُعد العمارة السكنية المرآة الأصدق لجوهر الحضارة، فهي ليست مجرد تشكيل فراغي يحمي الإنسان من تقلبات المناخ، بل هي "وعاء تربوي" يصيغ السلوك ويشكل الوجدان. ومع ذلك، نجد أن العمارة المعاصرة سقطت في فخّين: النفعية المفرطة التي تجرد المسكن من روحه، والمادية الاستعراضية التي تجرد الساكن من إنسانيته.

الفراغ المسلوب: سيكولوجية "القهر الفراغي"

عندما تتحول العمارة إلى مجرد أرقام في معادلة الربح، يظهر "السكن الهامشي". الشقق التي تُبنى على مبدأ الاقتصاد الصرف، متجاهلةً متطلبات السكينة، تمارس نوعاً من "القهر الفراغي" على قاطنيها.

وهنا تبرز نظريات علم النفس الاجتماعي، وتحديداً "نظرية الكثافة والازدحام". فالازدحام لا يعني مجرد عدد الأشخاص في المتر المربع، بل هو الشعور النفسي بفقدان السيطرة على "المجال الحيوي". عندما يُسلب الإنسان هذا المجال داخل بيته، يرتفع لديه هرمون التوتر، مما يولد استجابات عدوانية لاإرادية.

هذا الضيق يدفع بالبشر إلى "انفلات" نحو الفضاءات العامة، لا طلباً للنزهة، بل هرباً من جدران تحولت إلى "أقفاص" تذكي في النفس شعوراً بالدونية، وتدفع الفرد للتخلي عن وقاره السلوكي بحثاً عن "براح" مفقود، مما يفسر صخب الشوارع وضجيج المقاهي كظواهر ناتجة عن "يتم معماري".

صنم المادة: القصور كأبراج عاجية

على الطرف النقيض، تبرز "العمارة التفاخرية" حيث يتحول البيت إلى أداة للتراتب الاجتماعي. إن الإسراف في الرخام والذهب لا يضيف قيمة جمالية، بل يعكس "فقراً باطناً". في هذه القصور، تغيب "ألفة المكان" لصالح "هيبة المادة". يتحول الساكن إلى حارس لممتلكاته، ويعيش حالة من التكلف التي تقتل عفوية العلاقات. هذه العمارة تبني "أسواراً نفسية" تعزل أصحابها في أبراج عاجية، حيث يحل الكِبر والتعالي محل الاندماج، مما يجعل هذه الحصون "حيطاناً من الجحيم" تفتقر لدفء المشاعر.

نحو عمارة "السكينة والوقار": حلول تطبيقية

إن المخرج يكمن في استعادة مفهوم "السكن" كقيمة أخلاقية، وذلك عبر أدوات معمارية ملموسة تحقق التوازن الصعب:

·     الاستدامة النفسية عبر "الانفتاح الداخلي": اعتماد "الأفنية" والشرفات الغائرة التي توفر اتصالاً بالسماء والنبات دون جرح الخصوصية، مما يعيد للإنسان مجاله الحيوي.

·     السمو الجمالي بالتواضع: استخدام مواد طبيعية تمنح شعوراً بالانتماء، حيث الجمال ينبع من تناسب الكتلة وتلاعب الضوء لا من القيمة السعرية للمواد.

·     التوجيه السلوكي للفراغات: تصميم مسارات تحفظ حرمة السكن، مع خلق "بؤر اجتماعية" داخلية تشجع على التفاعل العائلي العفوي وتذيب برودة العلاقات.

·         التناغم مع المحيط: واجهات لا تستفز الآخرين بالاستعلاء، بل تتكامل مع نسيج المجتمع لتقليل الفجوة الطبقية والنفسية.

الخلاصة

إن البيت هو المؤثر الصامت في صياغة أخلاق المجتمع. فإما أن يكون فضاءً يربي النفس على الرفعة، أو معولاً يهدم القيمة الإنسانية بفقره الفراغي أو ترفه الباذخ. إننا بحاجة إلى عمارة "تُسكن" الأرواح قبل الأجساد، عمارة تعيد صياغة مسؤولية (المصمم، المطور، والمالك) ليكون البناء فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون مشروعاً استثمارياً.

ختاماً.. إن البيت الذي لا يمنحك السكينة هو مجرد استثمار عقاري، والبيت الذي لا يحفظ وقارك هو سجن مغلف بالخرسانة؛ فالعمارة الحقيقية ليست في فخامة الطلاء، بل في تلك المساحة التي تسمح للإنسان أن ينمو داخلها سوياً، متصالحاً مع نفسه، ومتواضعاً مع محيطه.

الأحد، فبراير 08، 2026

العمارة بين التطور الطبيعي والتطوير القسري: قراءة في الهوية والذاكرة

 بين ذاكرة المكان واستلاب الهوية: نحو عمارة واعية


جمال الهمالي اللافي

المقدمة

العمارة ليست مجرد أشكال أو طرز تُستعرض في الفضاء العمراني، بل هي ذاكرة جمعية ورافد حضاري يترجم علاقة الإنسان ببيئته وقيمه. عبر التاريخ، لم يكن التطور المعماري فعل إلغاء، بل فعل استجابة وتراكم، حيث جاءت الحلول المعمارية لتجيب عن مشكلات إنشائية أو لتلبي مطالب اجتماعية وثقافية مستجدة. إن إدراك هذا الفارق بين التطور الطبيعي والتطوير القسري هو ما يحدد اليوم مصير هويتنا المعمارية.

التطور الطبيعي: رافد يخدم الإنسان

التطور الطبيعي ينبع من احترام البيئة والتضاريس، سواء كانت حضرية أو ريفية أو جبلية أو صحراوية. وهو لا يتعدى على هذه المعطيات، بل يتفاعل معها جمالياً ووظيفياً وبيئياً:

  • يستجيب لمتطلبات جديدة في الأنشطة والوظائف.
  • يبتكر حلولاً إنشائية تضمن المتانة وتحقق التوسع في المساحات والارتفاعات.
  • يستوعب مواد بناء وتشطيبات حديثة، شرط ألا تتعارض مع الهوية المحلية.

هكذا يصبح التطور رافداً يرفع العمارة إلى الأعلى، هدفه الإصلاح وخدمة الإنسان في سياق بيئته وثقافته وعقيدته.

البعد الشرعي في العمارة المحلية

من أبرز ما يميز العمارة المحلية أنها استجابت بوعي للمطلب الشرعي المرتبط بالخصوصية والحشمة، فجاءت حلولها المعمارية متجذرة في القيم الدينية والاجتماعية:

  • الفصل بين الذكور والإناث في المضاجع.
  • الفصل بين الرجال والنساء في المجالس.
  • مراعاة الخصوصية في توزيع الفضاءات الداخلية والخارجية.

هذه الاستجابة لم تكن مجرد تفصيل وظيفي، بل جزء من هوية معمارية متكاملة، وهو ما أهملته العمارة المعاصرة حين انشغلت بالاستعراض الشكلي على حساب القيم الجوهرية.

التطوير القسري: هدم الهوية وتشويه البيئة

في المقابل، هناك ما يُسمى "التطوير" الذي يُفرض من الخارج أو من سلطة جاهلة، معمارية كانت أو سيادية. هذا المسار يسير إلى الأسفل، لأنه:

  • يستجلب طرزاً مفتعلة ومستوردة لا علاقة لها بالبيئة المحلية.
  • يفرض مواد بناء دخيلة تُزرع في الموقع فرضاً ممجوجاً.
  • يشوه الهوية الثقافية ويعطل الانسجام البيئي والاجتماعي.

إنه تطوير لا يخدم الإنسان، بل يطمس ذاكرته ويشوّه محيطه.

تجربة المدينة القديمة: الاستعادة الواعية

خلال البحث الأكاديمي والعمل الميداني في المدينة القديمة، تكشّف لي أن كل فكرة جديدة يُظن أنها ابتكار، كانت موجودة منذ قرون. العمارة المحلية سبقتنا في حل مشكلاتنا، وأثبتت أنها ديناميكية ومرنة:

  • كل إضافة حديثة وُجدت لها سابقة عمرها 500 عام.
  • الحاجة إلى الاستيراد تنحصر في مواد البناء والتشطيبات، بعد أن توقف إنتاجها محلياً.
  • الاستعارة هنا ليست استلاباً، بل تطعيم تقني يعيد للعمارة المحلية قدرتها على الاستمرار.

مهمة المعماري اليوم: بين الابتكار والاستعادة

السؤال النقدي الذي يفرض نفسه: هل دور المعماري أن يخترع أم أن يستعيد؟
الإجابة تأتي من شقين:

  1. قراءة الواقع المعاصر ومتطلباته الوظيفية والمواد والأنشطة المستجدة.
  2. الاستعادة الواعية للموروث المعماري والحرفي، لأنه يحمل في داخله حلولاً مكتملة لا تحتاج إلى تعديل.

المعماري إذن ليس "مبتكرًا" بالمعنى الاستعراضي، بل قارئ ذاكرة ومجدّد سياق. الابتكار الحقيقي يكمن في إعادة وصل الماضي بالحاضر، وصياغة هذا الوصل في لغة معاصرة تحفظ الهوية وتخدم الإنسان.

نحو مدرسة منهجية جديدة

من هذا المنهج تتشكل مدرسة معمارية جديدة، لا تُعرّف نفسها بالطرز أو الأشكال، بل بالوعي النقدي الذي يحكم علاقتها بالذاكرة والواقع. مدرسة تجعل من التراث مادة حيّة، ومن المعاصرة سياقًا لا قطيعة فيه. إنها مدرسة العمارة الواعية، التي ترى أن كل جديد موجود أصلاً في ماضينا، وأن دورنا هو أن نعيده إلى الضوء لا أن نستبدله بما يُفرض علينا من الخارج.

الخاتمة

إن العمارة التي تهمل بيئتها وقيمها لا تُنتج سوى فراغ مشوّه، بينما العمارة التي تستعيد ذاكرتها وتستجيب بوعي لمتطلبات العصر تُنتج هوية متجددة تحفظ الإنسان وتكرم بيئته. إن مسؤولية المعماري اليوم ليست في استعراض أشكال دخيلة، بل في حماية ذاكرة المكان وصياغتها في لغة معاصرة. بهذا المعنى، العمارة الواعية ليست خيارًا، بل واجبًا حضاريًا وأخلاقيًا.

السبت، فبراير 07، 2026

من الثمر إلى البلاستيك: كيف تم تزييف علاقتنا بالأرض؟

 


جمال الهمالي اللافي

مقدمة: ضياع الفطرة في أتون المادية

يُساق الإنسان اليوم، فرداً وجماعة، نحو غايات ضبابية ترسمها فئات مجهولة المقاصد؛ فلا ندري أهو الجهل والطيش الذي يغذي نوازعها، أم هو الجشع المادي الذي لا يقيم وزناً لما يترتب عليه من أضرار، أم هي نزعة تدميرية تسعى لتقويض النظم البيئية وترك الإنسان تائهاً في أتون تبعاتها.

تتجلى هذه الأزمة في تحول وجودي خطير؛ فبينما كان الإنسان قديماً ينساق بفطرته السوية نحو غرس الأشجار المثمرة التي تُغني حياته وتُطعم عياله، تاركاً ما سواها لنواميس الطبيعة وقدر الله لها بالنمو، صرنا اليوم نشهد طفرة مريبة للمشاتل التي تروج لـ "نباتات الزينة" العقيمة. لقد تهافت الناس عليها تحت وطأة التضليل، واستبد بهم النفور من الأشجار المثمرة بحجج واهية أُشربوا إياها، حتى باتت العمارة المعاصرة تتناغم مع النباتات الهامشية، بينما ترفض بحدة جينات العطاء في الأشجار المثمرة.

عمارة "التعقيم": الحجج الواهية كسلاح للتغييب

لقد تم إقناع المجتمع بمنظومة من الذرائع الهشة التي تهدف في حقيقتها إلى "تعقيم الطبيعة" وجعلها كائناً طيعاً تماماً كالأثاث. ومن أبرز هذه الافتراءات:

·         فرية "اتساخ المكان": الادعاء بأن الأوراق المتساقطة "توسخ" الفناء وتفسد مظهر الأرضيات الحديثة.

·         هاجس "تخريب الأساسات": الزعم بأن الجذور تتغول لتخرب بنية البيوت وتصدع الجدران.

·         فوبيا "الحشرات": إثارة الذعر من أن الثمر يجذب الحشرات والمخلوقات المزعجة.

دحض الافتراءات: استعادة منطق الحياة

إن هذه الحجج ليست سوى جهل مغلف بالحداثة، ويمكن تفنيدها بيقين الفطرة والعلم:

1.   الأوراق ذهبٌ عضوي: إن تسمية أوراق الشجر "أوساخاً" هو استعلاء على الطبيعة؛ فهذه الأوراق هي "سماد مجاني" يغذي التربة. والجهد الضئيل في تنظيفها هو ضريبة مستحقة مقابل الأكسجين والظل والثمر الذي تمنحه الشجرة بلا مقابل.

2.   الجذور ركائز وليست معاول: التذرع بتخريب الأساسات هو اعتراف بالفشل المعماري وليس ذنباً للشجرة. الاختيار الصحيح للنوع والمكان يجعل من الجذر مرساةً للأرض؛ فالمشكلة تكمن في "عشوائية الغرس" لا في "فعل النمو".

3.   الحشرات نبض الوجود: الهروب من الحشرات هو محاولة لإنشاء بيئة "ميتة بيولوجياً". الحشرات كالنحل هي محركات الحياة، والحديقة التي لا تزورها حشرة هي حديقة بلا روح.

البديل المسخ والسرطان العمراني

ولم يتوقف التزييف هنا، بل برزت "نباتات الزينة الاصطناعية" كبديل مسخ يُسوق له بذريعة الراحة. إنها "جثث خضراء" بلا روح، تنتشر كالنار في الهشيم لتنتزع مكان الطبيعة الحية.

وهكذا، يهرول العالم نحو حتفه تحت وطأة "سرطان عمراني" يلتهم الغابات، وتحت ضربات فؤوس تحول الأشجار إلى مجرد بضاعة بائسة في ورش النجارة ومواقد الفحم. إنها رحلة انتحارية تقودها عقلية استهلاكية لا ترى في الشجرة إلا قيمتها المادية أو شكلها الجمالي الزائف، متجاهلة أنها رئة الحياة وضمانة البقاء.

الخلاصة: إن الشجرة المثمرة ليست عبئاً، بل هي مدرسة في العطاء؛ أما البلاستيك والزينة العقيمة فهي "وهم الخضرة" الذي يسلبنا الجوهر مقابل قشرة زائفة. آن الأوان لنستبدل "الخضرة الميتة" بحياةٍ تثمر.

الجمعة، فبراير 06، 2026

دور المرأة الليبية في ترسيخ الأصالة المعمارية

 

جمال الهمالي اللافي

المقدمة

العمارة ليست جدراناً تُشيَّد أو زخارف تُعلَّق، بل هي انعكاس مباشر لخيارات الإنسان في العيش والهوية. وإذا كانت بصماتها في الماضي قد ظهرت في الزخارف والألوان، فقد امتد حضورها أيضاً إلى صناعات يدوية كثيرة ارتبطت بالبيت الليبي المحلي، مثل صناعة المفروشات والحصائر والسجاد والأواني الفخارية، وهي أعمال لم تكن مجرد أدوات للعيش، بل تجسيداً للهوية المحلية وذاكرة المكان. أما اليوم، فقد تجاوز دور المرأة هذه المساهمات ليصبح دوراً محورياً في اتخاذ القرارات التي تمس أسرتها، وفي تحديد ملامح البيت الذي يعكس هوية المجتمع وذاكرته. يصبح قرارها في اختيار النمط المعماري أكثر من مجرد ذوق شخصي؛ إنه قرار ثقافي واجتماعي يحدد ملامح الحاضر ويرسم صورة المستقبل. وحين تنحاز المرأة إلى الأصالة، فهي لا تختار بيتاً فحسب، بل تختار أن تمنح أسرتها ذاكرة متجذرة، وأن تضع المجتمع على طريق الاستقرار والتميز، وأن تُعيد للعمارة الليبية مكانتها التي تستحقها.

العمارة بين الأصالة والاغتراب

المشاريع التي تُشيَّد بلا هوية، فاقدة الملامح، تعتمد على الإسراف في مواد البناء والتشطيب والتكييف والتدفئة، سرعان ما تفقد بريقها بعد سنوات قليلة، وتتحول إلى مبانٍ عادية بلا قيمة. في المقابل، العمارة المحلية تحتفظ بجمالياتها وتأثيرها، وتزداد بهاءً كلما تقادم بها الزمن، لأنها تنسجم مع المناخ، وتتكيف مع العادات، وتستمد قوتها من ذاكرة المكان.

المرأة كحارسة للهوية

إن المرأة، حين تختار البيت المحلي، تختار في الحقيقة أن تكون حارسة للهوية وراعية للخصوصية. الأصالة في البيت، كما في اللباس والعادات، تمنحها شعوراً بالرضا والرفاهية الاجتماعية، لأنها تعكس هوية الأسرة وتؤكد مكانتها. أما التقليد الأعمى للشعوب الأخرى فلا يورث سوى نسخة باهتة، تفقد قيمتها سريعاً وتذوب في زحام النسخ المتشابهة.

الخاتمة

إن مستقبل العمارة الليبية لا يُحسم في مكاتب المهندسين وحدهم، بل في اختيارات النساء داخل بيوتهن، وفي رؤيتهن لما يليق بالأسرة والمجتمع. وحين تختار المرأة البيت الذي يستلهم عناصره من المحلية، فهي تختار أن تمنح أبناءها ذاكرة أصيلة، وأن تضع أسرتها في موقع الاستقرار والتميز، وأن تُعيد للعمارة الليبية مكانتها التي تستحقها.

وعليه، فإن مسؤولية المرأة اليوم ليست مجرد اختيار شكل بيت أو تفاصيل تشطيب، بل هي مسؤولية ثقافية واجتماعية، تُعيد للعمارة الليبية هويتها، وتضمن لها الديمومة والانتشار. إن المرأة الليبية، حين تختار بيتاً يستلهم ذاكرة المكان، لا تبني جدراناً فحسب، بل تبني استقراراً ومعنىً لأجيال قادمة. إنها تختار أن تكون صوتاً للأصالة في زمن يغري بالمسخ، وأن تمنح العمارة الليبية فرصة لتستعيد مكانتها كذاكرة حيّة وهوية متجددة. فاختيارها ليس قراراً فردياً، بل فعل مقاومة ثقافية، تنتصر به العمارة المحلية وتستعيد به ليبيا وجهها الأصيل.

الثلاثاء، فبراير 03، 2026

من البناء إلى التشطيب… السوق الليبي تحت رحمة المقاولين

لماذا أرفض التصريح بتكاليف البناء؟


جمال الهمالي اللافي

    منذ العام 2006 بدأتُ مبادرات في إدخال الحجر الطبيعي إلى بعض أعمالي، سواء في بناء الأسوار أو تلبيس الحوائط، رغبةً في إعادة الاعتبار لهذه المادة الأصيلة في عمارتنا الليبية. استعنت في تلك الفترة بعمالة غير ليبية، واستمر ذلك حتى العام 2021. وخلال هذه التجارب تعرفت على أحد "الأسطوات" الليبيين، زرته في بيته ورأيت حجرة مبنية بالحجر فأعجبت بها، وظننت أنني وجدت الحرفي الذي يمكن أن يعيد الثقة في العمل المحلي. منحتُه فرصتين: الأولى في استراحة لابن عمي بجبال الخمس، والثانية في مزرعة بالخمس.

    لكن سرعان ما تكشفت الحقيقة: لم يكن أسطى بالمعنى الحقيقي، بل مجرد مقاول يمارس الجشع واللؤم. يساوم على العمل بأسعار خيالية، ثم يستجلب عمالة تونسية لتنفيذ العمل بثلث السعر الذي يطلبه، ويتواجد في الموقع ليوم أو يومين قبل أن يختفي تاركاً كل التزاماته للعمالة التي جلبها. هذه الممارسات ليست مجرد خطأ فردي، بل هي صورة عن واقع السوق الليبي كله، حيث لا يتعامل صاحب العمل مع الأسطى مباشرة، بل مع مقاول وسيط لا يعرف النزاهة ولا يتحمل المسؤولية.

    ولم يتوقف الأمر عند مرحلة البناء وحدها، بل تجاوزها ليطال جميع مراحل التشطيب. فبدلاً من التعامل المباشر مع الأسطى الفني كما كان في السابق، أصبح التعامل اليوم مع مقاول يتفق على سعر يحسب فيه أرباحه الخيالية قبل أتعاب العمالة الفنية، ثم يستجلبهم وينسحب تاركاً الأمر لعلاقتهم المباشرة بصاحب البناء. وهكذا تتكرر الحلقة نفسها: وسيط جشع، أسعار متضخمة، وغياب كامل للالتزام.

    إن ما يجري في سوق البناء الليبي اليوم هو فوضى كاملة: تفاوت يومي في الأسعار، غياب أي مرجعية أو تسعيرة رسمية، وسيطرة طبقة من المقاولين الجشعين والمستهترين، سواء كانوا ليبيين أو مصريين أو سوريين. النتيجة أن الأسعار ترتفع بلا ضابط، وأن سمعة السوق تتدهور، وأن صاحب العمل يجد نفسه أمام حلقة من الاستغلال لا تنتهي.

    لهذا السبب، حين يسألني البعض عن تكلفة البناء أو التشطيب، أرفض التصريح بأي رقم. ليس عجزاً عن التقدير، بل حفاظاً على المصداقية. فما هو صحيح اليوم يصبح خاطئاً غداً، وأي تصريح بسعر قد يتحول في اليوم التالي إلى إساءة لسمعتي.

    إن مسؤولية إصلاح هذا الواقع تقع على الدولة، لا من باب السياسة، بل من باب حماية المهنة والاقتصاد الوطني. فهي وحدها القادرة على حماية الأسطى الحقيقي، ووضع تسعيرة عادلة، وكبح جشع المقاولين الذين شوهوا سمعة البناء والتشطيب في ليبيا.

الأحد، فبراير 01، 2026

حين بدأت من الكتلة: عزلة ما بعد الربيع العربي

  

جمال الهمالي اللافي

في فترة انطلاقة أحداث الربيع العربي، انسحبت إلى مكتبي، أغلقت النوافذ على العالم، وفتحتها على الداخل. كانت تلك أول مرة أبدأ سلسلة مشاريع مقترحة من طرفي لدراسة فكرة الانطلاق من الكتلة لا من المسقط الأفقي، كما اعتدت في تصميم مشاريعي. خطوة كنت أرفضها حتى أيام الدراسة، رغم إلحاح بعض الأساتذة، لكنها بدت لي آنذاك ضرورة وجودية أكثر منها خيارًا منهجيًا.

أنجزت بعض المشاريع حتى اكتمل توزيعها الفراغي بكفاءة عالية، وتوقفت عن بعضها عند حدود الكتلة، حين استدعاني الواقع إلى مشاريع حقيقية تتطلب التفرغ الكامل. هذه الكتلة واحدة من تلك المشاريع؛ لم تكن مشروعًا منفذًا، بل أثرًا من تلك العزلة، حين كان التأمل هو الفعل الوحيد الممكن.

فلسفة التجربة

هذه التجربة لم تكن مجرد تمرين تقني، بل انعكاس لحظة وجودية في مساري المعماري، يمكن تلخيصها في أربع مستويات:

1.      الكتلة كبداية لا كخاتمة

الانطلاق من الكتلة بدلًا من المسقط الأفقي قلب المنهج التقليدي رأسًا على عقب. الكتلة هنا ليست نتيجة للتوزيع الفراغي، بل الشرارة الأولى التي تفرض على المعماري أن يتأمل في حضور الشكل قبل أن يتأمل في تفاصيل الوظيفة.

2.      العزلة كمعمل داخلي

ولدت التجربة في عزلة، حيث كان الخارج مضطربًا والداخل هو المساحة الوحيدة الممكنة للعمل. هذه العزلة لم تكن انسحابًا سلبيًا، بل مختبرًا لإعادة التفكير في أدوات التصميم، حيث يصبح الانقطاع عن الواقع مدخلًا لفهم أعمق له.

3.      المشروع كأثر لا كمبنى

لم تُنفذ هذه الكتلة، لكنها بقيت أثرًا من تلك المرحلة. قيمتها لا تُقاس بمدى تنفيذها، بل بقدرتها على أن تكون شاهدًا على لحظة فكرية، حيث يصبح المبنى وسيطًا للتأمل أكثر من كونه غاية مادية.

4.      التحول من الرفض إلى القبول

بعد أن كنت أرفض الانطلاق من الكتلة حتى في أيام الدراسة، قبلتها في هذه المرحلة كضرورة. هذا التحول يعكس أن الموقف المعماري ليس ثابتًا، بل يتشكل تحت ضغط الزمن والظروف، وأن المرونة الفكرية لا تعني التنازل، بل اكتشاف طرق جديدة لحماية جوهر الرؤية. 

خلاصة

الكتلة كأثر وجودي، ولدت من عزلة، لتذكّر أن المعمار ليس دائمًا بناءً، بل أحيانًا تأملٌ في إمكانية البناء.

السبت، يناير 31، 2026

عمارةُ الاستغناء: "حوش الحفر" حين يكون الثراءُ اكتفاءً لا ادعاءً


جمال الهمالي اللافي

أولاً: فلسفة الاستغناء في المعمار الجبلي

تتجاوز بعض الأنماط المعمارية حدود الوفرة المادية لتصل إلى مرتبة من "الاستغناء الروحي" تُعفيها من كلفة الادعاء؛ إذ يبلغ الاكتفاء بها مبلغاً يحول دون التفات الوعي إلى المنجزات العمرانية للآخرين بمنطق النقص الذي يستوجب المحاكاة، أو رغبة التمايز التي تستدعي الاستعلاء.

هذه الحالة النفسية من الاستغناء ليست مجرد سلوك إنساني عابر، بل هي العقيدة التصميمية التي نحت بها "أسطى البناء الغرياني" جبال غريان. فإذا كانت العمارة في جوهرها هي "لغة المادة"، فإن "حوش الحفر" يمثل أبلغ نصٍ معماري يتحدث عن "غنى النفس" وتجاوز عقدة "الظهور" التي تطبع الكثير من الأنماط العمرانية المعاصرة.

إن بلوغ ذروة النضج في الفكر المعماري هو التحول من صخب "الظهور البصري" إلى سكون "الاستغناء الوظيفي والجمالي"؛ حيث يغدو الاكتفاء الذاتي حصناً فكرياً يمنع المنتج المعماري من الانزلاق نحو التبعية لمقتنيات أو نماذج الغير. في هذه المرتبة، لا يُنظر للتفاوت العمراني كفجوةٍ تستوجب الركض لردمها عبر الاستزادة المادية، بل كحالة وجودية مكتملة لا تخدش كمال الذات، مما يحرر المعمار من عبودية المقارنة وشهوة التمايز الاستعراضي.

وفي "حوش الحفر" بغريان، يتجلى هذا الثراء في أقصى صور "التواري المعماري"؛ حيث يُشيد المسكن لا بارتفاعٍ يطاول الأفق ادعاءً وطلباً للوجاهة، بل بعمقٍ يغوص في باطن الأرض استجارةً واحتماءً. هو معمار يتسم بـ "الصمت الخارجي"؛ فلا تبصر العين سوى امتداد أديم الأرض، بينما يستبطن هذا العمق عالماً متكاملاً من السكينة والخصوصية.

هذا التكوين الفراغي ليس مجرد وصف أدبي، بل هو "بيان معماري" يستمد كينونته من احتضان الأرض له، معلناً استقلالاً هوياتياً تاماً عن صخب المظاهر الفانية، وتجسيداً مادياً للنفس التي اكتفت بداخلها وترفعت عن طلب الاعتراف عبر القشور الخارجية.

ثانياً: التجسيد المعماري والتمايز البيئي

بينما يتجلى الثراء في البيت الطرابلسي من خلال غنى المفردات الزخرفية، واستخدام الرخام، واتساع فناء الاستقبال الذي يعكس طبيعة الحياة الاجتماعية الساحلية، وفي البيت الغدامسي عبر عبقرية تنظيم الفراغات العمودية وتطويع الضوء لإدارة المناخ الصحراوي؛ يأتي "حوش الحفر" ليعلن عن فلسفة معمارية مغايرة تماماً، تقوم على ركنين أساسيين:

·     الثراء المتواري: وهو نمط من القيمة المعمارية التي لا تُبذل لعابر السبيل أو الغريب، بل تُدخر حصراً لساكني الدار. إنه المعمار الذي يترفع عن مزاحمة الأفق، ويختار "التواضع المكاني" في باطن الأرض، محولاً المسكن من أداة للاستعراض الاجتماعي إلى حيزٍ للصيانة النفسية والخصوصية المطلقة.

·     الاكتفاء بالمادة المحلية: في الوقت الذي تعتمد فيه الحواضر والمدن الساحلية على استيراد مواد البناء لتعزيز قيم التمايز العمراني، اكتفى الإنسان الجبلي ببيئته المباشرة؛ فمن التراب والصخر نحت كيانه، محولاً ما قد يُظن أنه "محدودية في الموارد" إلى "كمال في الصنعة الداخلية" وطاقة استيعابية تتناغم مع الطبيعة دون إقحام عناصر غريبة عنها.

ثالثاً: المرتكزات الأخلاقية والبعد الروحي

يبرز الدور الأخلاقي والقيمي كضابطٍ أصيل لحركة المعمار في الجبل؛ إذ يمثل "حوش الحفر" الامتثال الأسمى لقيم "الستر" والخصوصية، والالتزام بمبدأ "عدم التطاول في البنيان" الذي يوجه البوصلة نحو العمق بدلاً من الارتفاع.

·     البوصلة الأخلاقية والجمالية: يفرض هذا التصميم انضباطاً بصرياً صارماً؛ حيث يغيب الابتذال المعماري والواجهات التي تفتقر للمعنى، وتتلاشى الزخارف المدعية التي لا تخدم الوظيفة. الجمال هنا يتمركز في "الفناء الوسطي"، حيث تنكفئ العمارة على ذاتها، وتصبح نقطة ارتكاز البيت هي ذلك الفراغ الذي يربط الأرض بالسماء في علاقة مباشرة، تمنح الساكن شعوراً بالانفصال عن المشتتات الخارجية.

·     الاتصال الكوني: تمثل الفتحة السماوية للحوش فضاءً للتأمل الوجداني؛ إذ يطل الساكن من خلالها على شواهد الكون وحركة النجوم، مما يعزز لديه الإدراك بأن "الاكتفاء" في الحيز الأرضي والزهد في مظاهره الفانية، هو السبيل الأقوم لبناء استقرارٍ روحي يتجاوز حدود المادة، ويربط المسكن الأرضي بأبعاده الكونية الواسعة.

رابعاً: غنى "الجوهر" لا "القشرة".. فلسفة الثراء الصامت

بينما تنشغل أغلب الأنماط المعمارية بتوظيف الواجهات كأداة لجذب الأنظار، ينكفئ "حوش الحفر" نحو الداخل محققاً ما يمكن تسميته بـ "الثراء الصامت"، والذي يستند إلى ركائز جوهرية:

·     ثراء الاستغناء: هو نمط معماري اكتفى بالعناصر الأولية للأرض (التراب والصخر)، ولم يرَ في غياب المواد المستوردة أو النقوش الخارجية عجزاً إنشائياً، بل اعتبره تحرراً من كلفة المباهاة وتركيزاً على الوظيفة السكنية في أصفى صورها.

·     التمايز عبر العمق: لا يدخل هذا المعمار في سباق الارتفاعات مع الجوار، بل يحقق تميزه عبر "السكينة والاحتواء". إنه لا يحاكي النماذج الخارجية، بل يستمد قيمته من خصوصية الفراغ الداخلي الذي يوفر عزلة تامة عن ضجيج العالم الخارجي.

·     الصدق المعماري: يجسد هذا النمط مبدأ "الوضوح مع الذات"؛ فباطن المسكن هو حقيقته الجوهرية، حيث لا وجود للزيف أو التجميل الذي يداري عيوباً إنشائية، بل هو انعكاس مباشر لحاجة الإنسان الفطرية للاستقرار والستر.

·     الانضباط القيمي للفناء: يوجه هذا المعمار نظر الساكن عمودياً نحو الأعلى؛ فبدلاً من الالتفات للأفق المزدحم بتنافس البشر، ينفتح البيت على الفضاء الكوني الواسع، مما يعزز الشعور بالسكينة الروحية والارتباط بعظمة الخالق.


·     التجربة الحسية للساكن لا تقتصر خصوصية "حوش الحفر" على فلسفته المعمارية، بل تمتد إلى تجربة الساكن الحسية اليومية. فشعاع الشمس يتسلل عمودياً عبر الفتحة السماوية، مرسلاً خطاً ذهبياً يربط الأرض بالسماء، بينما تنبعث رائحة التراب الرطب بعد المطر، فتغدو جزءاً من ذاكرة الجسد. ملمس الجدران الطينية، بخشونتها الطبيعية، يمنح الساكن شعوراً بالانتماء، وكأن البيت نفسه يردّ التحية لمن يلمسه. أما صوت المطر في الفناء الوسطي، فيعزف موسيقى طبيعية منسجمة مع سكينة المكان، لتكتمل بذلك تجربة معمارية تتجاوز حدود المادة، وتغدو طقساً يومياً من التأمل والسكينة.

خامساً: "الأسطى الغرياني".. وفلسفة إزاحة المادة

يعد "حوش الحفر" نتاج فكر هندسي متقدم لـ "أسطى البناء الغرياني"، الذي لم يمارس فعل البناء بمعناه التقليدي القائم على مراكمة المواد فوق الأرض، بل مارس ما يمكن وصفه بـ "النحت الفراغي".

·     إدارة الفراغ والكتلة: من خلال "إزاحة المادة" لخلق الحيز السكني، استطاع الأسطى، وبتعاون فني احترافي مع العمالة القادمة من منطقة فزان، تحويل باطن الأرض إلى عالم سكني متكامل ومستقر حرارياً وإنشائياً.

·     عمارة الصمت (الواجهة الصفرية): تعمد الأسطى الغرياني تغييب الواجهة الخارجية كلياً، ترفعاً عن مزاحمة الأفق الحضري، وتأكيداً على أن "الثراء الجواني" للبيت لا يُبذل للغريب، بل يُصان لأهل الدار، تماماً كالإنسان المكتفي بذاته الذي لا يبحث عن تقديره في عيون الآخرين.

سادساً: السيادة الذاتية والاستقلال الهوياتي

يمثل حوش الحفر حالة من "السيادة الذاتية" في التصميم، حيث تشكل الأرض الوعاء المادي الذي تُبنى فيه المصائر وتُصان فيه الكرامة الإنسانية:

·     الاستقلال عن النسق المقارن: يصبح البيت مرجعاً لذاته، متحرراً من ضرورة المقارنة مع الأنماط العمرانية الوافدة أو الحديثة، مما يمنح الساكن شعوراً بالاستقلالية الثقافية والهوياتية.

·     الوضوح القيمي المطلق: يبتعد هذا المعمار عن المشتتات البصرية الزائفة، محققاً حالة من الوضوح بين الإنسان وبيئته، حيث يغيب القبح الذي يفرضه التكلف، ويحل محله الجمال النابع من البساطة والصدق مع المادة.

·         يمثل حوش الحفر حالة من "السيادة الذاتية": في التصميم، حيث تشكل الأرض الوعاء المادي الذي تُبنى فيه المصائر وتُصان فيه الكرامة الإنسانية:

§     الاستقلال عن النسق المقارن: يصبح البيت مرجعاً لذاته، متحرراً من ضرورة المقارنة مع الأنماط العمرانية الوافدة أو الحديثة، مما يمنح الساكن شعوراً بالاستقلالية الثقافية والهوياتية.

§     الوضوح القيمي المطلق: يبتعد هذا المعمار عن المشتتات البصرية الزائفة، محققاً حالة من الوضوح بين الإنسان وبيئته، حيث يغيب القبح الذي يفرضه التكلف، ويحل محله الجمال النابع من البساطة والصدق مع المادة.

·     الذاكرة الجمعية والهوية المتجذرة لم يكن "حوش الحفر" مجرد مأوى فردي، بل هو سجلٌ حيّ لذاكرة جماعية متجذرة في وجدان أهل الجبل. فيه تكررت طقوس الحياة: ميلاد الأطفال، سهرات الشتاء، أعراس الصيف، ومجالس الحكماء. كل زاوية فيه تحمل أثراً من حكاية، وكل جدار يختزن صوتاً من الماضي. بهذا المعنى، يغدو البيت الجبلي ليس فقط تعبيراً عن استقلالية عمرانية، بل عن هوية جمعية لا تنفصل عن الأرض التي احتضنته، ولا عن الناس الذين سكنوه. إنه بيتٌ لا يُقرأ فقط كفراغ معماري، بل كوثيقة وجدانية تحفظ ملامح مجتمعٍ بأكمله.


سابعاً: عبقرية الحلول البيئية (الهندسة الحيوية الطبيعية)

لم تكن حلول الأسطى الغرياني جمالية فحسب، بل شملت ابتكارات تقنية تضمن استدامة السكن وصيانته من العوارض الطبيعية:

·     نظام الصرف البيئي المبتكر: لمعالجة تحدي مياه الأمطار في فصل الشتاء، ابتكر الأسطى نظاماً فريداً يعتمد على حفر حفرة عميقة في قلب الحوش، يوضع فيها "عظام الدجاج" ثم تُردم تماماً. هذا الإجراء يحفز الكائنات الدقيقة والنشاط الحيوي (كالنمل) لخلق مسارات تهوية ومسامات تحتية، مما يحول التربة إلى "وسط مسامي" يتولى تصريف المياه بفعالية عالية دون أثر مرئي يخدش الفناء.

·     المعالجة الطبيعية بالملح: وفي بعض الحالات، استُخدم الملح كحل كيميائي محلي لضمان نفاذية الأرض ومنع انسداد مسام التصريف، في تناغم تام مع الطبيعة المحلية وبأدوات بسيطة تضمن "الاكتفاء التقني" للبيت.

الخاتمة – إنصاف عبقرية الجبل

إن إنصاف العمارة الجبلية يبدأ بالضرورة من تقدير فكر "الأسطى" الذي أبدعها؛ فقد أثبت هذا المعماري الفذ أن الثراء الحقيقي لا يكمن في "الاستزادة" أو مراكمة العناصر الإنشائية، بل في "الاستغناء الصادق" والترفع عن المباهاة. سيظل "حوش الحفر" في غريان شاهداً على مدرسة فكرية فريدة، ترى في الأرض مستقراً آمناً وفي السماء مرجعاً روحياً، وتجد في "الاكتفاء" ذروة الكمال المعماري والأخلاقي.

الاستمرارية الزمنية ومقاومة التغير على امتداد العقود، قاوم "حوش الحفر" موجات التحديث العمراني التي اجتاحت المدن الليبية، وظلّ قائماً كخيار سكني أصيل، لا بوصفه حلاً ظرفياً، بل باعتباره نموذجاً متكاملاً للاستدامة البيئية والروحية. لم يذبل أمام الإسمنت المسلح، ولم يُغوَ بزخارف الواجهات الحديثة، بل بقي شاهداً على أن العمارة التي تنبع من الأرض وتخاطب حاجات الإنسان الفطرية، قادرة على الصمود أمام تقلبات الذوق والزمن. إن استمرارية هذا النمط عبر الأجيال تثبت أن "الصدق المعماري" ليس مجرد مبدأ، بل هو ضمانة للبقاء.

إن العودة لإنصاف هذا الإرث هي في جوهرها اعترافٌ بأن "الوضوح مع الذات" هو أثمن أنواع الثراء الإنساني والعمراني؛ إذ يعلمنا "حوش الحفر" أننا لا نحتاج للادعاء فوق سطح الأرض لنيل مكانة أو رفعة، بل يكفي أن نكون "مكتملين" من الداخل، صادقين في انتمائنا لبيئتنا، ومستغنين بيقيننا عن مراقبة ما في أيدي الآخرين من مظاهر زائلة.

وإذا كانت العمارة الطرابلسية والغدامسية قد نالت حظها المستحق من التقدير كأيقونات للحضارة الليبية، فإن "حوش الحفر" يمثل بامتياز "نبل الزهد المعماري". إنه النمط الذي يبرهن على أن القيمة الجوهرية ليست فيما نُضيفه للبناء من زوائد وزخارف، بل فيما نتركه من فراغات ممتلئة بالمعنى والسكينة. هو معمارٌ ارتقى إلى مرتبة من الثراء الروحي جعلته يترفع عن "الادعاء"، ليكتفي بكونه حضناً دافئاً في قلب الجبل، ونافذةً مخلصةً تطل على السماء، وتمنح الساكن صفاء الرؤية واليقين.

إن "حوش الحفر" ليس بيتاً محفوراً في الأرض فحسب، بل هو بيت محفور في الوعي؛ يعلّمنا أن العمارة الحقيقية لا تُقاس بعلو الجدران، بل بعمق المعنى، ولا تُبنى بالزخارف، بل بالسكينة التي تحتضن الإنسان في صمت الأرض وانفتاح السماء.


أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...