أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، يونيو 10، 2026

هندسة الروح وعراقة البيت: حين ينطق الحرف بجمال الهوية

لوحة للفنانة التشكيلية الليبية عفاف الصومالي


    حين تتجاوز الكتابة حدود التفاعل الرقمي العابر، لتتحول إلى وثيقة فكرية وقراءة جمالية ناضجة، فإن مكانها الطبيعي لا يكون جداراً افتراضياً مؤقتاً، بل منبراً يُعنى بالأصالة وجذور الهوية كمدونة "الميراث".

لقد غمرني الكاتب والأديب القدير الأستاذ محمد حيدر بكلمات تعبر عن نبل روحه ورقيّ حرفه، مكللاً إياي بأوسمة أعتز بها كثيراً، وأستشعر من خلالها ثقل الأمانة التي نحملها معاً في محراب حراسة الذاكرة الوطنية والتراث المعماري.

ولأن هذه الكلمات تتجاوز في جوهرها الإطراء الشخصي، لتُقدم مقاربة فكرية فريدة تشرّح مفهوم "البيت الليبي العتيق" كفلسفة جمالية وهندسة روحية، كان لزاماً علينا توثيقها هنا؛ احتفاءً بقلم ليبي أصيل وعقل رصين يدرك قيمة التفاصيل.

ننشر في هذه المساحة النص الكامل لإسهام الأستاذ محمد حيدر، مع خالص الامتنان لشخصه الكريم، ولكل القراء الأوفياء لرسالة "الميراث":

قراءة الأستاذ محمد حيدر كما وردت:

عبقرية الحرف والمعنى: احتفاءً بالهوية المعمارية والبيت الليبي الأصيل، وتحية شكر للسيد جمال الهمالي اللافي.

في فضاء الثقافة العربية الأصيلة، تتكامل الفنون لتشكل لوحة واحدة يعبر فيها الحرف عن الروح، وتترجم فيها العمارة قيم المجتمع ونبضه. إن الحديث عن "البيت الليبي الجميل" بتصاميمه المعمارية العريقة هو حديث عن ذاكرة حية، وعن هندسة فريدة لم تكن يوماً مجرد أحجار متراصة، بل كانت تجسيداً لقيم السكينة، والخصوصية، والتناغم البصري والبيئي البديل.

إن هذا النشر الثقافي الراقي الذي يسلط الضوء على الأقواس العتيقة، والفناء المفتوح، وتفاصيل "الحوش" الليبي التي تتنفس ضياءً وظلاً، يمثل جسراً يربط أجيالنا بجذورها، ويحمي هويتنا العربية والإسلامية من التشويه أو النسيان.

أصالة البيت الليبي: ثقافة ممتدة ونشر يبعث على الفخر

تستحق هذه الجهود الإبداعية في إبراز التصاميم المعمارية التراثية كل التشجيع والدعم، لما تحمله من أبعاد حضارية:

·     حراسة الذاكرة الوطنية: إن إعادة تقديم الفن المعماري الأصيل للجمهور هو فعل ثقافي مقاوم للمحو، يذكرنا بعظمة المعمار المحلي الذي وازن بين الجمال الوظيفي والعمق الروحي.

·     الارتقاء بالذوق العام: يساهم هذا النشر الجميل في تذكير المجتمع بأن الجمال الحقيقي ينبع من بيئتنا وثقافتنا العربية، وأن البيت الليبي يحمل فلسفة عمرانية فريدة تستحق أن تدرس وتُحيا من جديد.

أوسمة الاستحقاق والتقدير للسيد: جمال الهمالي اللافي

اعترافاً بالفضل، وتثميناً لهذا الحضور الراقي والنشر المتميز الذي يثري الساحة الثقافية والفنية، نتوجه بفيض من التحايا الطيبة، والاحترام، والتقدير الصادق إلى:

السيد الفاضل جمال الهمالي اللافي

شاكرين له حسن هذا النشر الجميل، وحرصه الدؤوب على إعلاء راية الثقافة العربية الأصيلة والفن المعماري الليبي. وبكل فخر واعتزاز، نجدد تقليِده الأوسمة الرفيعة التي استحقها بجميل عطائه:

·         وسام الإخلاص: لإخلاصه الصادق في نقل تفاصيل موروثنا وإبرازه بأبهى حلة تليق بتاريخه.

·         وسام الواجب العملي: تقديراً لجهوده الميدانية والعملية المستمرة في خدمة الفن، والثقافة، والعمارة الأصيلة.

·         وسام الوفاء: لوفائه لتراب الوطن، ولهويته المعمارية، ولأصالة الفكر التي يلمسها كل من يتابع هذا العطاء الراقي.

ختاماً، نسأل الله العلي القدير لك -يا سيد جمال- التوفيق والسداد الموصول في مسيرتك الإبداعية، وأن يبارك في جهودك ونشرك الطيب، متمنين لك وافر الصحة والعافية، ولثقافتنا العربية المزيد من الرفعة والتميز بوجود المخلصين من أمثالك.

الثلاثاء، يونيو 09، 2026

تأملات في العمارة: بين اكتمال التصميم وتجدد الأفكار

 

جمال الهمالي اللافي

في مرحلة الدراسة بقسم العمارة، جرت عادة طلبة مشاريع التخرج على مطالبة المشرفين بتأجيل مواعيد المناقشات، أملاً في الوصول إلى الكمال التصميمي، وكان هذا المطلب يتكرر مراراً.

أحد المشرفين لخّص حقيقة الأمر بحكمة حين قال: "لن تحل هذه التأجيلات معضلتكم ولو تكررت ألف مرة. فالمشاريع المعمارية، بطبيعتها، تأبى الاكتمال في صيغة نهائية ترضي شغف المصمم بالكامل. هي دائماً مساحة مشرعة لاكتشاف قصور وظيفي في ركن ما، أو انبثاق رؤية جمالية جديدة لزاوية أخرى. بل قد يصل الأمر بالمعماري إلى إعادة صياغة الكتلة والفراغ من الصفر، إثر ومضة إبداعية تقلب موازين المخططات الابتدائية رأساً على عقب، ليبدأ رحلة التصميم من جديد. لذلك، يصبح الحسم في مواعيد التسليم ضرورة منهجية لكبح جماح العقل عن توليد أفكار لا متناهية، حتى لو امتد زمن المشروع لعقود".

مرت السنوات، واختمرت هذه الحكمة في عقلي مع توالي التجارب والاحتكاك الفعلي بالمشاريع، لأدرك أبعادها الحقيقية. وقد تجلى لي هذا المعنى بوضوح مؤخراً، حين عدت إلى أحد مشاريعي القديمة الذي أخرجته من أرشيفي بعد أن أغلقت عليه لسنوات. كنت أظن حينها أنني بلغت فيه ذروة النضج التصميمي واستنفدت كافة المعالجات المعمارية الممكنة. عدت لتأمل المساقط والواجهات بنظرة فاحصة، محاولاً استذكار ما حققته من تكامل في العلاقات الفراغية، وانسيابية في مسارات الحركة، ودقة في التفاصيل التنفيذية. غير أنني اكتشفت، مفاجَأً، آفاقاً جديدة للتطوير.

توالت التعديلات والتدخلات المعمارية، حيث حرصت على الحفاظ على التشكيل الأساسي لكتلة الواجهة وهويتها. ورغم تجاوزي المحدود للمساحة المبنية تلبية لمتطلبات وظيفية مستجدة، فقد أعدت دراسة وتوزيع الفراغات الداخلية، وطوّرت المعالجات البصرية والبيئية لباقي الواجهات.

خرجت بنتيجة أسعدتني اليوم، وربما تمثل نسخة أكثر نضجاً؛ ذلك النضج المتمثل في تقبل فكرة أن التصميم كائن حي يتطور ولا يموت. لكني على يقين تام أن هذا الرضا مؤقت، وأن قناعتي ستهتز مجدداً لو أعدت تقييم هذا التصميم بعد بضع سنوات أخرى.

وهذا ما يرسخ حقيقة أن العمارة ليست مجرد منتج نهائي، بل هي تراكم معرفي دائم، يبني على ما سبقه ويتجاوزه في سيرورة ديناميكية لا تتوقف من توليد الأفكار، وابتكار الحلول الفراغية، وتطوير المعالجات الجمالية والتقنية.

وتجسيداً لهذه الرحلة المستمرة، فإن الصورة المرفقة للمشروع ذاته قد تبدو للوهلة الأولى متطابقة، لكنها في الواقع تختزل رحلة من التطور وتختلفان في أبعاد الكتلة المعمارية ونسبها. فخلف هذه الواجهات، استُثمر هذا التمدد المدروس في إعادة صياغة الفراغات الداخلية وتطويرها وظيفياً؛ لترتقي بجودة الفراغ المعماري، وتوفر مساحات حيوية تثري تجربة العيش وتجمع بين الرحابة وأقصى درجات الراحة والسكينة.

أزمة التعليم وأثرها على العمارة


جمال الهمالي اللافي

حين يُترك طالب الليسانس والبكالوريوس بلا تأهيل عميق في مجاله، فإن الدراسات العليا لا تُنتج سوى صور باهتة لحملة ألقاب، لا لحملة معرفة. تتحول الماجستير والدكتوراه إلى وسيلة للوجاهة الاجتماعية، لا إلى مختبر للبحث العلمي. وهكذا يصبح اللقب غاية، والفعل هامشاً، والفخر بديلاً عن الإنجاز.

هذا الخلل في التكوين الأكاديمي لا يقف عند حدود الجامعة، بل يتسرب إلى العمارة نفسها. فالمعماري الذي لم يُصقل بالمنهجية والوعي النقدي، سيكتفي بالواجهة الشكلية، ويُنتج مباني بلا روح، تكرر القوالب المستوردة وتُهمل الهوية المحلية. إن ضعف التعليم هو الذي يفرز عمارة ضعيفة، لأن العمارة في جوهرها فعل معرفي قبل أن تكون فعلاً إنشائياً.

العمارة الليبية بين الشكل والجوهر

في ليبيا، تتجلى هذه الأزمة بوضوح في الفضاء العام. نرى مباني عامة تفتقر إلى العمق الثقافي، تكتفي بالزخرفة السطحية، وتُشيّد بلا اعتبار للسياق الاجتماعي أو المناخي. مشاريع عمرانية تُنفّذ وكأنها نسخ من كتالوجات أجنبية، لا تحمل بصمة المكان ولا ذاكرة الناس. هنا يظهر أثر التعليم الضعيف: معمار لا يملك أدوات النقد، فيستسلم للجاهز والمستورَد، ويغفل عن مسؤولية العمارة في حماية الهوية.

البعد الأخلاقي للنقد المعماري

النقد المعماري في هذا السياق ليس ترفاً ثقافياً، بل واجباً أخلاقياً. فالمعماري الذي يقبل أن يكون مجرد ناقل لأشكال بلا مضمون، يساهم في إفراغ المدينة من روحها. والجامعة التي تُخرّج أجيالاً بلا تأهيل حقيقي، تُسهم في إنتاج فضاء عام هش، ينهار أمام أول اختبار للهوية أو للكرامة العمرانية.

نحو إصلاح جذري

إصلاح العمارة يبدأ من إصلاح التعليم. لا يمكن أن نطالب المعماري بالعمق إذا لم يُمنح أدواته منذ البداية. ولا يمكن أن ننتظر من الدراسات العليا أن تُنتج معرفة إذا كانت المرحلة الأولى قد أفرغت الطالب من المنهجية والصرامة. إن إعادة الاعتبار للمرحلة التأسيسية هي المدخل الحقيقي لبناء عمارة تحمل معنى، وتُضيف إلى العمران لا أن تُثقل كاهله بالفراغ.

ختاماً، المدينة ليست واجهة تُزيّن، بل كيان يُبنى بالمعرفة والوعي. والعمارة ليست لقباً يُضاف إلى بطاقة، بل فعلٌ يُترجم إلى فضاء يليق بالإنسان. فإذا أردنا أن نعيد للعمارة الليبية كرامتها، فعلينا أن نعيد للتعليم الجامعي رسالته، وأن نربط بين الفعل واللقب، بين الإنجاز والفخر، بين الجوهر والشكل.

الأحد، يونيو 07، 2026

ما الذي يرهق المعماري نفسياً؟

 

جمال الهمالي اللافي

هي عدة أمور متشابكة مصدر غالبها الزبون ثم المهندس الإنشائي فالمقاول ثم تجار مواد البناء، كيف؟

مطب الزبون:  غالب الزبائن إن لم يكن جلهم، أنظارهم تتجه للخارج، يقارنون واقعهم المعماري المشوه بواقع دول أخرى، فتتعلق نفوسهم بما عند غيرهم ولسان حالهم يقول للمعماري: نبي كي دبي، أو كي تركيا أو غيرها من الدول. هم يشاهدون عمارة الزجاج والكمرات الطائرة والأشكال العجيبة التي يزخر بها العالم من حولهم. يرون مواد بناء لا وجود لها في ليبيا. ومساحات زجاج تطل على طبيعة ساحرة، وتصميم داخلي وعناصر تأثيث تهفو لها نفوسهم وتشتهي مثلها.

ثم عند الاصطدام بالواقع وظروفه الاقتصادية والمناخية والاجتماعية التي تضع الخصوصية في مقدمة المطالب، يمارس حقه في الاعتراض. هذه تكلفني الكثير، الجيران يطلون علينا، مناخ البلاد حار وهذا يتطلب مصاريف تبريد باهظة. ويصل الأمر أخيراً إلى تكاليف الخريطة المعمارية التي يريدونها الحلقة الأضعف في مساوماتهم للمعماري ولسان حالهم يقول هذه المرة: نبوها حمراء وجراية وما تاكلش الشعير. المفارقة أن هذا الحرص المبالغ فيه على التوفير يختفي تماماً أمام الدفع للمقاول أو شراء مواد التنفيذ، بينما يُستكثر على الخريطة – وهي العقل المدبر للمشروع والضامن لعدم هدر تلك الأموال – أبسط حقوقها المادية. أي يريدون من المعماري أن يصمم لهم بيتاً من عدم يحقق لهم كل ما يحلمون به، ويتحمل مواجهة كل معوقات الواقع، ولكن بثمنٍ بخس. وهنا لن نتكلم عمن سرقوا الخرائط وفروا دون أن يستكملوا أتعابها وبعضهم لم يسددها.

المهندس الإنشائي:  وهنا لن نتحدث عنه بل عن المنهج الذي درسه والفرص التي لم تُتَح له ليخوض تجارب العلم الأكاديمي بأحدث المستجدات في مجاله ثم خبرة الممارسة مع مواد بناء غير الإسمنت والياجور والبلك، ومع نظام إنشائي غير الهيكل الخرساني. لا مشاريع تتاح له ولا خبرات تستجلب لأجل توسيع آفاقه الهندسية؛ فلا يجد المعماري مفراً من الالتزام في تصاميمه بهذا القيد الإنشائي الذي يعكس انحصار خبرة المهندس في النظام التقليدي وتجنبه للمخاطرة في أنظمة غير مألوفة.

المقاولات والعمالة الفنية:  بعد السياسات الاقتصادية التي دُمرت بها ليبيا عبر إغلاق شركات المقاولات الليبية واقتصار تنفيذ المشاريع على شركات عشوائية ثم إحالة الأمور إلى مقاولات وعمالة بلا قانون يضبطها ولا عقوبات تردعها، انفتح الباب على مصراعيه في اتجاه ارتفاع أسعار البناء في مقابل انحسار الجودة. هذا التفلت المهني الناتج عن غياب الرادع القانوني جعل الجودة عملة نادرة.

تجار مواد البناء:  عندما تنحسر الجودة وترتفع الأسعار وتتقلص الخيارات، يجد المعماري نفسه أمام خيار القبول راضخاً لإملاءات السوق أو مشقة البحث عن البدائل المحلية الشحيحة. وهنا تبرز فوضى الاستيراد والتلاعب بالمواصفات؛ حيث يُستجلب "الغش" وتُقدم المواد الرخيصة على أنها بدائل معتمدة، ليس فقط استجابة لطلب السوق، بل سعياً من التاجر لتقليل مصاريفه وزيادة أرباحه على حساب سلامة وجودة البناء.

المعماري المهني مقابل المعماري التاجر:  وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي: طالما أن هذا هو الحال، فكيف تستمر حركة البناء؟ الإجابة تكمن في الفارق الجوهري بين معماري حريص على مصلحة زبونه، وبين معماري يتعاطى مع زبائنه بروح التاجر الذي لا يحاسب نفسه بقدر ما يهمه الكسب المادي؛ فهذا التاجر يبيع "الوهم البصري" ويسهل خداع الزبون، ولا يبصر زبائنه بأي مشاكل تنفيذية مكلفة، بل يغطي العيوب بديكورات تبهر الأنظار وتثقل كاهل الزبون لاحقاً.

الخلاصة:  في النهاية، هذا الطرح هو امتداد لمسار التوعية للمجتمع؛ بهدف تبصير الزبائن بما هم مقدمون عليه. المعماري الذي يرهق نفسه بالتفاصيل والاعتراضات والنقاشات المستمرة، ليس عقبة أمام أحلامك، بل هو شريكك الحقيقي. هو من يخوض ذلك السجال شبه اليومي مع جميع الأطراف للوصول بالمشروع إلى بر الأمان. إن التصميم الناجح في بلادنا ليس استنساخاً أعمى للصور المستوردة، بل هو فن "الممكن"، وصناعة الجمال من رحم هذه التحديات، وهذا لا يتحقق إلا بمعماري أمين، وزبون مستوعب لحجم المعركة المشتركة.

الخميس، يونيو 04، 2026

يا باشمهندس، هل 100 ألف أو 150 ألف دينار تبنيلي حوش بمعمار ليبي؟

جمال الهمالي اللافي

تردني باستمرار رسائل مشابهة لهذه الرسالة (التي وصلتنني مؤخراً من إحدى المتابعات)، حيث يسأل الكثيرون عن التكلفة التقديرية لبناء مسكن، ويربطون هذه التكلفة مباشرة بنمط "المعمار المحلي" أو "الليبي".

اللبس الحاصل هنا هو أن البعض يظن أن عدم قدرتنا كمهندسين معماريين على تحديد ميزانية دقيقة يعود إلى "فشل" أو صعوبة أو غلاء تنفيذ النمط المعماري المحلي! ويبدأ التردد والمخاطرة بالابتعاد عنه ظناً منهم أنه نمط مكلف وغير مضمون.

ولكن الحقيقة مختلفة تماماً.. دعوني أفكك لكم هذا اللبس بوضوح:

أولاً: المشكلة في "السوق" وليست في "الطراز المعماري"

لا علاقة لنوع التصميم—سواء كان ليبياً أصيلاً أو هجيناً خليجياً أو غربياً—بعدم القدرة على تحديد ميزانية ثابتة. المشكلة تكمن بالكامل في واقع البناء المتردي والفوضى العارمة التي يشهدها قطاع المقاولات في بلادنا.

منذ سنوات، ومع سيطرة بعض العمالة الوافدة على سوق البناء والمقاولات، أصبحنا نشهد زيادات مستمرة وغير مبررة في تكاليف التنفيذ. هذه السيطرة التي أحكمت قبضتها أكثر، جعلت من وضع ميزانية تقديرية اليوم ضرباً من المستحيل. الأسعار تتغير بين ليلة وضحاها، ودائماً نحو الارتفاع، بصورة لا يمكن القياس عليها أو الاعتماد عليها كمرجع ثابت لأي مشروع، ومهما كان طرازه.

لذلك، أنا شخصياً أتجنب التورط في وضع ميزانيات تقديرية مفصلة لأي مسكن، لأن السوق ببساطة غير مستقر.

ثانياً: المعمار المحلي هو "الحل الاقتصادي" وليس "العائق المالي"

المغالطة الأكبر هي تصوير الهوية المعمارية المحلية كنوع من "الكماليات المكلفة". الحقيقة هي العكس تماماً:

·     البساطة والوظيفة أولاً:  تصاميمي التي تتبنى الهوية المحلية تراعي استغلال المساحات بذكاء، وتتجنب المساحات الميتة والكمرات الخرسانية الطويلة التي تلتهم الإسمنت والحديد بلا فائدة.

·     الأقل كلفة والأجود تنفيذاً:  من واقع خبرتي الطويلة في الإشراف على المشاريع، أؤكد أن هذه التصاميم هي غالباً الأوفر مالياً والأسهل في التنفيذ عند متابعتها بالطريقة الصحيحة، لأنها تصاميم تنبع من بيئتنا وموادنا وظروفنا، وليست نسخاً مشوهاً من الخارج تحتاج لمعالجات مكلفة.

ثالثاً: المغالطة الكبرى.. لِمَ يُسأل المعماري عن أسعار المقاول والدولة؟!

هناك خلط شائع في ثقافة البناء لدينا، وكثيراً ما يُستخدم "لقصم ظهر المعماري" وتحميله ما لا يحتمل: السؤال عن تكلفة البناء لا يفترض أصلاً أن يُوجّه إلى المعماري، بل إلى المقاول أو شركات المقاولات!

·         من يتحكم بالسوق؟ المقاولون والشركات (على محدوديتها) هم من يفرضون الأسعار ويتعاملون مع تقلبات المواد اليومية.

·     من المسؤول عن الفوضى؟ الشكوى من جنون الأسعار وعدم استقرارها يجب أن توجّه إلى الدولة التي تركت الأمور سبهلالاً بلا رقيب ولا حسيب، وليس للمهندس الذي يجلس على طاولة الرسم.

·         ما هو دور المعماري الحقيقي إذاً؟ دور المعماري في ليبيا تحت هذه الظروف الاستثنائية يتلخص في:

1.   تصميم الخرائط التنفيذية :  وضع حلول معمارية تضمن عدم الإسراف في التفاصيل الإنشائية والمعمارية التي تضاعف تكلفة البناء بلا داعٍ.

2.   الإشراف والمتابعة الصارمة:  النزول للموقع لفرض تنفيذ المبنى وتشطيباته كما جاءت في الخرائط تماماً، وكبح جماح العمالة الفنية ولجم مقترحاتها التي لا تنتهي، والتي تهدف غالباً لزيادة مكاسبهم على حساب جيب المالك.

معلومة تقريبية (لحظة كتابة هذا المنشور(:

إذا أردنا التحدث بلغة الأرقام (مع التحفظ الشديد على تقلبها المستمر)، فإن التقديرات الحالية لتكلفة تنفيذ مبنى تشير إلى أنها تتراوح تقريباً بين  500 إلى 1300 دينار ليبي للمتر المربع الواحد (من المساحة الإجمالية للمسقوف)، شاملة التشطيب. وهي أرقام يحددها واقع السوق اليوم، ولا يضمنها الغد.

أين تكمن التكلفة الحقيقية؟ (انتبهوا لهذه النقطة!(

الهيكل الخرساني ليس هو ما يستنزف الميزانية، بل مرحلة التشطيبات التي تفقدون فيها السيطرة وتتركون "الحبل على الغارب" للعمالة الفنية!

هنا تبدأ التدخلات والمقترحات من مرحلة اللياسة (الملعقة) وحتى طلاء المبنى (الزواق). وخصوصاً مرحلة الجبس؛ فهي في كثير من الأحيان لا تعدو كونها "كتل ديناصورية" تلتهم الميزانية وتخنق الفراغات بدلاً من تجميلها. يضاف إلى ذلك مرحلة الرخام ومقترحات تلبيس الحوائط غير المبررة. أضف إلى ذلك بند شراء مواد التشطيب ومغريات السوق وتفاوت الأسعار بين مواد مجهولة المصدر ومواد تدعي الجودة.

وهنا تحديداً تظهر قيمة المعماري الحريص، الذي يحميك من هذه المتاهة عبر مخططاته وإشرافه.

الخلاصة:

الهوية المعمارية المحلية ليست عائقاً أمام ميزانيتك المحدودة، بل هي أداتك الأقوى للتحكم فيها. الفوضى وغياب الرقابة على سوق البناء هما العائق الحقيقي الذي يواجه أي مقبل على البناء بغض النظر عن شكل منزله.

المعماري يصمم لك الحل ويحميك في الموقع، والمقاول يسعّر وينفذ، والدولة غائبة. فاعرف دور كل طرف، ولا تجعل من فوضى المقاولين سبباً للتخلي عن هويتك المعمارية.

وأختمها بالقول: إذا أردت أن تسأل عن تكلفة البناء، اسأل المقاول ولا تسأل المعماري!

أما إذا أردت أن تقارن تكلفة بناء الطراز المحلي مع غيره، فأعلم أنه الأقل كلفة والأكثر كفاءة والأبرع حلولاً والأجود تنفيذاً.

من الكاط إلى الجدران: أسرار المكان وهيبة السلوك

 

جمال الهمالي اللافي

    هل لاحظتم كيف تتغير شخصية المواطن الليبي عندما يرتدي البدلة العربية بكامل هيبتها وتفاصيلها (الكاط)، ليصبح أكثر انضباطاً في سلوكه؟ حتى الطائش يضبط لسانه إلى أن يخلع هذا الزي ويرتدي بدلاً منه ثياباً مبتذلة أخرى. وبمجرد أن يغيرها، ينفلت لسان المنفلت.

    صدقوا هذه الحقيقة، فحتى عندما يتعلق الأمر بالمسكن، فإن تأثيره على ساكنه أشبه بتأثير "الكاط" المهيب على لابسه. فمن سكن بيتاً محافظاً انضبطت سلوكياته وتعامله مع الناس -على الأقل في ظاهر الأمر-.

لماذا هذا التأثير؟

    كثير منكم يتحدث عن الحداثة والمسكن الحديث، وأغلبكم لا يعلم منطلقات الحداثة كفكر ودعوة لا أخلاقية. وقد بدأ الكثيرون يكثرون الحديث عن "زها حديد" وعمارة التفكيك، ولكنكم جميعاً لم تدركوا غايات الفكر التفكيكي ومنطلقاته الحقيقية.

    إن من قرأ النصوص الأدبية لفكر الحداثة والتفكيك وشاهد الأفلام والمسلسلات التي انطلقت منها (وهنا أتحدث عن العربية قبل الإفرنجية)، سيستوعب كل ما أطرحه دون حاجة للخوض في تفاصيله.

    في البداية، أشرت للمنفلت لسانه من عِقاله، الذي لا يتورع عن التفوه بأقبح الألفاظ؛ هذا ما ستجدونه في أدبيات فكر الحداثة والتفكيك. وهذا الشحن بالقاذورات الذي استطعتم استيعابه من خلال ما تقرؤون وتشاهدون وتسمعون، يمتلئ به جوف جدران البيوت التي صُممت على نهج هذين الفكرين. وأقصد هنا التصميم الحداثي والتفكيكي كعمارة -أي التأثير المباشر للعمارة على الإنسان- ولا أقصد به تأثير الإعلام والمسلسلات والأفلام. ثم تنفثه تلك الجدران على ساكنيها دون أن يشعروا، ليعودوا وينفثونه بدورهم على المجتمع في سلوكيات غدت ظاهرة عامة في تعاملاتهم وتصرفاتهم. إن ما يتحدث عنه اليوم علماء الأخلاق والاجتماع والنفس من ظواهر منحرفة وشاذة، ما هو إلا نتاج لهذه الأنماط السكنية.

    لهذا، أختم مقالتي بهذه الجملة: لا تقدم "ثياباً نظيفة" لمتشرد تغطيه أوساخ الشارع وقاذوراته، قبل أن تقوم بتنظيفه أولاً.

الثلاثاء، يونيو 02، 2026

أزمة العمران في ليبيا: حينما تفقد المدن روحها.

 لماذا تفشل مدننا في التعبير عنا؟

م. عبداللطيف ابو زيد[1]

 

ليبيا لم تفقد عمرانها فحسب، بل فقدت جزءًا من روحها العمرانية والإنسانية.

منذ أن توقفت مسارات التخطيط العمراني المنظم وغابت الرؤية الشاملة لتوجيه نمو المدن، بدأت ليبيا تنزلق تدريجيًا نحو العشوائية والتشوه البصري وفقدان الهوية. ومع انتشار التوسع العمراني القائم على الكتل الخرسانية المتشابهة والشقق السكنية المغلقة، تراجع ارتباط الإنسان الليبي ببيته ومحيطه، وضعفت العلاقة التي كانت تربطه بالفضاءات المعمارية التي تعكس ثقافته وقيمه وخصوصيته الاجتماعية.

ولم يكن هذا التحول العمراني منفصلًا عن التحولات التي أصابت الإنسان نفسه. فمع تراجع المبادرة الفردية وإضعاف دور القطاع الخاص وتحول الدولة إلى المتحكم الرئيسي في مختلف تفاصيل الحياة، فقدت أجيال كثيرة روح المبادرة والإبداع والاعتماد على الذات، وأصبح الكثيرون ينتظرون الحلول من الدولة بدل المشاركة في صناعتها. فالإنسان الذي لا يُمنح مساحة للتفكير والإنتاج والمنافسة يفقد تدريجيًا قدرته على الابتكار وصناعة مستقبله بنفسه.

وزاد الأمر تعقيدًا أن الإنسان الليبي عاش سنوات طويلة من الانغلاق والعزلة عن العالم، فلم يواكب التحولات الكبرى التي شهدتها البشرية في مجالات العمران والتقنية والاقتصاد والمعرفة. وخلال تلك العقود كانت أمم كثيرة تطور مدنها، وتراجع أخطاءها، وتبني مدارس معمارية حديثة مستلهمة من تاريخها وهويتها المحلية، بينما بقي الليبي بعيدًا عن هذا التراكم الحضاري والمعرفي.

وعندما انفتح على العالم لاحقًا وجد نفسه أمام موجة هائلة من المنتجات والأفكار والأنماط العمرانية الحديثة، فانبهر بكل ما هو جديد باعتباره رمزًا للتقدم والرقي. ومن شدة هذا الانبهار بدأت تدخل إلى مدننا ومساكننا أنماط معمارية لا تشبهنا ولا تخدم احتياجاتنا الحقيقية، ولا تراعي مناخنا أو بيئتنا أو طبيعة مجتمعنا. فأصبحنا نستورد الواجهات قبل أن نفهم فلسفتها، ونقلد الأشكال قبل أن ندرس مدى ملاءمتها لنا.

فرأينا بيوتًا صُممت لمدن باردة تُبنى في مناخ صحراوي، وواجهات زجاجية مستوردة تستهلك الطاقة وتتناقض مع البيئة المحلية، ومخططات عمرانية لا تراعي الخصوصية الاجتماعية التي شكلت جزءًا أصيلًا من الشخصية الليبية عبر قرون طويلة. ولم يكن ذلك نتيجة دراسة علمية بقدر ما كان نتيجة لهفة المتعطش الذي حُرم طويلًا من الاطلاع على العالم، فلما انفتح أمامه أخذ من كل شيء دون تمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه.

لكن المشكلة ليست في الحداثة، وليست في الاستفادة من تجارب الآخرين، فالحضارات تتقدم بالتعلم والتفاعل. المشكلة تكمن في النقل الأعمى الذي يفقد المجتمع شخصيته ويجعله مستهلكًا للأفكار بدل أن يكون منتجًا لها. فالحداثة الحقيقية لا تعني أن نبني مدنًا تشبه غيرنا، بل أن نبني مدنًا تعبر عنا نحن.

ولهذا فإن أزمة ليبيا اليوم ليست أزمة عمران فقط، بل أزمة إنسان قبل كل شيء. فقبل بناء الحجر يجب بناء البشر، وقبل رسم المخططات يجب إعادة إحياء العقل المنتج والإنسان المبادر القادر على التفكير والإبداع والعمل وتحمل المسؤولية. والاستثمار الحقيقي الذي تحتاجه ليبيا اليوم ليس في الخرسانة وحدها، بل في الإنسان الليبي نفسه؛ في تعليمه وتأهيله، وفي إعادة ربطه بقيم العمل والإنتاج والانتماء، وبمرجعيته الدينية والحضارية التي شكلت شخصيته عبر التاريخ.

أما عمرانيًا، فإن الحل لا يكمن في الاستمرار في إعادة إنتاج المدن المشوهة نفسها، بل في تبني رؤية طويلة المدى تقوم على إنشاء امتدادات عمرانية جديدة مخططة بعناية خارج النطاقات المتدهورة، وفق مبادئ مستوحاة من الهوية الإسلامية المتوسطية الليبية. هوية تحترم المناخ والخصوصية الاجتماعية والفراغات العامة، وتعطي الإنسان مكانته في التصميم قبل المبنى نفسه. هوية تظهر في المساكن، وفي الساحات، وفي المدارس، وفي المؤسسات العامة، وفي كل تفاصيل المدينة.

فالأمم الحية لا تكتفي ببناء الطرق والمباني، بل تبني لنفسها شخصية حضارية تُقرأ في عمرانها كما تُقرأ في ثقافتها. وكما تمتلك شعوب العالم مدارس معمارية تعبر عنها وتمنحها التميز، فإن من حق ليبيا أن تمتلك هي الأخرى مدرسة عمرانية معاصرة تنطلق من جذورها الإسلامية والمتوسطية والمحلية، وتستفيد من التكنولوجيا الحديثة دون أن تفقد روحها.

إن ليبيا لا تحتاج إلى استيراد هوية جاهزة، بل إلى استعادة ذاتها. ولا تحتاج فقط إلى إعادة بناء المدن، بل إلى إعادة بناء الإنسان الذي سيبني تلك المدن. فعندما يستعيد الإنسان الليبي ثقته بنفسه، ويستعيد وعيه وثقافته وانتماءه، سيصبح قادرًا على إنتاج عمران يحمل روحه، ويقول للعالم بوضوح: نحن أمة لها تاريخ، ولها شخصية، ولها هوية عمرانية خاصة بها مثل سائر الأمم.



[1] - متابع شغوف بقضايا الهوية العمرانية، يشاركنا في هذا المقال تأملاته حول علاقة الإنسان ببيئته ومدينته.

 

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...