في نقض التغريب الأجوف واستعادة روح المكان واللسان
جمال الهمالي اللافي
حين تنضم صديقة جديدة إلى منصات التواصل الاجتماعي، ويطالعك اسمها
مكتوباً بحروف لاتينية غريبة مثل (Atedal)، تجد نفسك للوهلة الأولى أمام لغز صغير
يتطلب جهداً في التهجئة وتفكيك الشفرات، قبل أن تكتشف بعد إعمال الفكر أنك أمام
مفردة عربية أصيلة وعريقة: "اعتدال".
وهنا حريٌّ بنا أن نقف عند هذا الاسم بالذات، تكريماً وتأملاً في صياغته
المعجمية، فالاعتدال في لسان العرب ليس مجرد اسم عابر، بل هو مفهوم سامٍ يستغرق
أسمى معاني الاستقامة والتوازن؛ يُقال "اعتدل الشأن" أي استقام وتوازَنَ
بلا ميل ولا ميلان، و"اعتدل الجو" أي طاب وتوسَّطَ بين أطرافه. هو اسم يحمل في طياته
العدل والاتزان والوسطية الجمالية والنفسية، وهو المعنى الذي يضيع تماماً ويغدو
باهتاً بلا روح حين يُسجن في حروف لاتينية مثل (Atedal)
تفقد اللفظ نغمته المنسابة ودلالته الرصينة. وهذا المشهد المألوف اليوم ليس سوى رأس جبل الجليد لظاهرة أعمق وأكثر
إيلاماً تمس صميم هويتنا اللغوية والبصرية، وتكشف عن شرخ واسع في علاقة الإنسان
ببيئته وثقافته.
جذور الأزمة: أربعة عقود من
التجريف وانكسار الوعي
ما نشهده اليوم من تمدد عشوائي للأسماء والمسميات الأجنبية ليس وليد
الصدفة، ولا هو انفتاح حضاري واعٍ كما يحلو للبعض توصيفه؛ بل إنها المحصلة المرة
لأربعة عقود من التجريف الممنهج والتجويع الثقافي الذي تعرضت له الشخصية الليبية،
حيث مُسخت الهوية وغُيب الوعي التاريخي والجمالي.
وعندما حدثت نقطة التحول التاريخية، وجد مجتمعنا نفسه محكوماً بردة فعل
عمياء؛ فبدلاً من العودة إلى الجذور وإعادة بناء مؤسسات الوعي الثقافي والوطني،
ساد مناخ من التمرد العشوائي الموجه نحو تقليد كل ما هو غربي أو غريب. والأسوأ من ذلك أن من
تصدروا المشهد الإداري والسياسي بعد تلك الأحداث تركوا الحبل على الغارب، متخبطين
بين جهل مدقع واستحلاء شكلي للقشور، فغاب المشروع الوطني الجامع الذي يحمي الهوية.
الامتداد السرطاني: من الشاشات إلى
الواجهات التجارية والعمران
لم تقف هذه الظاهرة عند حدود الحسابات الشخصية والأسماء المستعارة على
الإنترنت، بل امتدت بصورة "سرطانية" لتجتاح الفضاء العام بأسره. فقد انتقلت العدوى لتصيب:
- الواجهات التجارية والشركات: لافتات
لمحال ومكاتب ومؤسسات تحمل أسماء لاتينية مبهمة لا تمت للواقع بصلة ولا تعبر
عن أي مضامين حقيقية.
- المكاتب الهندسية والمعمارية: التي لم
تكتفِ باستعارة المسميات واللافتات اللاتينية، بل تمادت أيضاً في نوعية
توجهاتها المعمارية والتصميمية، لتمارس حالة صريحة من الاغتراب الثقافي
والعمراني؛ عبر اللهث خلف قوالب وأشكال مستوردة تفصل المبنى عن بيئته ومناخه
وطبيعته المحلية المتجذرة.
- تسميات المواليد الجدد: حيث يُحرم الطفل أحياناً من جماليات اللفظ العربي الواضح لصالح صيغ هجينة تفتقر للمعنى والانتماء.
والمفارقة المؤلمة هنا أن هذا التغريب المستشري
لا يقابله أي منجز حضاري أو إبداعي حقيقي يبرره؛ فهو مجرد استهلاك أجوف لشعارات
ومظاهر مستعارة، واغتراب تام يجعل المواطن يشعر وكأنه غريب في مدينته، يتجول بين
لافتات ومبانٍ لا تشبه روحه ولا تنتمي لتاريخه.
نحو استعادة الوعي: مقترحات لحماية
الفضاء العام والهوية
إن الوقوف في وجه هذه الموجة الهوجاء يتطلب وعياً جمعياً ومسؤولية
أخلاقية وثقافية لا يمكن تأجيلها. ولعل أبرز مسارات المواجهة تتمثل في:
- إعادة الاعتبار للغة الأم في الفضاء العام: سن ضوابط
تنظيمية ومجتمعية واضحة تُلزم المؤسسات والأنشطة التجارية والمهنية باعتماد
اللغة العربية لغة رئيسية للتعريف واللافتات، مع توثيق ذلك بقوانين بلدية
واضحة تحمي المشهد البصري للمدن.
- تفعيل دور المؤسسات الثقافية المستقلة: بعث
المبادرات الفردية والمنابر الثقافية الجادة (كالمدونات، والندوات، وورش
العمل الفكرية والعمرانية) التي تسلط الضوء على قيمة الهوية المحلية وتربط
الأجيال الجديدة بتراثهم الحقيقي.
- مواجهة التسطيح التعليمي والإعلامي: إدراج
برامج توعوية في المناهج والمنابر الإعلامية تبين أن المعاصرة والحداثة لا
تعنيان أبداً انسلاخ الإنسان عن لغته وجذوره، بل تُبنى الحضارات الحقيقية من
الداخل بالإنتاج والابتكار لا بالاستعارة الشكلية المستلبة.
- تأصيل الوعي المعماري والعمراني: الاعتماد
على الروح المحلية في البناء والتصميم، وإثبات أن العمارة الأصيلة والمستمدة
من بيئتنا ومناخنا وثقافتنا هي وحدها الكفيلة بخلق فضاءات عمرانية إنسانية
تنبض بالحياة، بدلاً من استيراد قوالب هجينة مشوهة.
خاتمة واستطراد: حراسة الميراث في
زمن الضياع
إن قضية اللسان والاسم والعمران ليست مجرد مفاضلة بين أشكال أو ذائقات
جمالية عابرة، بل هي القضية الوجودية الأساسية لكل أمة تسعى للاستمرار والكرامة؛
فالأمم لا تنهزم حين تُسلب مقدراتها، بل حين تُسلب لسانها وذاكرتها ورؤيتها لذاتها. إن التغريب الشكلي الذي
يعربد اليوم في فضاءاتنا وافتراضاتنا وحوائط مدننا ليس إلا دليلاً على أزمة عميقة
في الثقة بالنفس، واستسهالاً خطيراً لارتداء أقنعة مستعارة ظناً أنها تمنح صاحبها
زينةً أو حداثة.
إن التمسك بكتابة اسمك بلغتك، واختيار اسمٍ عربي صريح لمتجرك، وتصميم
مسكنك بروح أرضك ومناخك، هي أفعال مقاومة ثقافية يومية ومظاهر اعتزاز حقيقية. المعاصرة الحقيقية هي أن
نتحدث للعالم من موقع أصالتنا، وأن ننتج وعينا وعمارتنا ولغتنا من صلب تجربتنا
وتاريخنا، لا أن نكون صداً باهتاً لغيرنا. وحين نترك الحبل على الغارب لهذا التداعي، فإننا نوقع وثيقة تنازل صامتة
عن روحنا ومكاننا، ونسلّم الأجيال القادمة مدينة بلا ذاكرة، ولساناً بلا نبرة،
وهوية بلا ملامح. إن حراسة هذا "الميراث" ليست ترفاً فكرياً، بل هي الواجب
الأسمى الذي نبدأه بشرارة الوعي، ونرسخه في كل حرفٍ نكتبه، وكل جدارٍ نبنيه.



