جمال الهمالي اللافي
أولاً:
التحرر من الأرقام والشغف بالجوهر
لم أكن يوماً
خياراً؛ لا أولاً، ولا ثانياً، ولا أبعد من ذلك ولا أقرب. هذا التصنيف الرقمي لا
يمس حقيقتي في شيء، ولا يغير من طبيعة علاقتي بالآخرين مهما بلغت أوهام أهميتهم في
مقابلي. مرّت مسيرة العمر دون أن ألتفت لمن لفتت انتباهه أو لفت انتباهي، ودون أن
أعرف في حياتي تعلقاً أو شغفاً بشيء أو أحد مثلما شغفت بالعمارة؛ ليس فقط كمجال
دراسي أو ممارسة مهنية، بل كمنظور شامل للحياة، أسير في دروبه، وأتلمس ملامح
الوجود من خلاله.
فالعمارة في
حقيقتها ليست معنية بالتشييد الشكلي للبناء المادي، بل تتجاوزه لتعتني بالمعنى
الكامن وراء رفع أركان الجدران وبناء الأسقف. قد تكون في ظاهرها تلبية لمتطلبات
الإنسان الحياتية والمادية ورعاية لاحتياجاته النفسية والعاطفية، لكنها في باطنها
معنية بمسألة أعظم: صياغة آلية اهتمام هذا الإنسان؛ فهي
إما أن تنحرف به في دركات البحث عما يشبع نهمه الاستهلاكي من متاع الدنيا، أو
ترتقي به ليسمو عن الرغائب المادية الخالصة ويصل إلى المراتب العليا من إنسانيته
كما فطره خالقه عليها.
ثانياً:
العمارة كامتداد لمسار الأنبياء
العمارة
الحقيقية هي مسيرة في مسار الأنبياء والمصلحين؛ هي الدليل المادي المنطوق بالحجر
والطين وتراب الأرض لتعاليمهم التي تنادي بحفظ كرامة الإنسان، وصون سكينته، وتزكية
روحه، وتحقيق استخلافه العادل في الأرض. هي الأثر الباقي من حكمة أولئك المصلحين
حتى بعد أن رحلوا، لأنها تُشكل الفراغ الذي يحتضن حياة الإنسان اليومية ووجهته
الفكرية والأخلاقية.
ثالثاً:
التلبيس وآلياته المادية في المشهد العمراني
عندما ننظر إلى
واقع التمدن المعاصر اليوم، فنحن في الحقيقة لا نرى عمارة، بل نرى نقيضها المباشر:
الهدم المنظم، وإن تزين بزي العمارة وشعارات الحداثة.
إن ما نشهده ليس
مجرد خطأ تصميمي أو عجز هندسي، بل هو تجسيد مادي لمخطط التلبيس؛ والتلبيس في أصله
وحقيقته فعل شيطاني يبتدئه إبليس بالوسوسة
وتزيين الباطل، ثم يتولى تنفيذه وتثبيته في الواقع شياطين الإنس من
المنظرين، والفلاسفة، والمفكرين، والمعماريين الذين تحولوا- بجهلهم أو بانتهازيتهم-
إلى أدوات لتنفيذ هذه الخديعة.
ولكي نفهم كيفية
استغفال الناس في المشهد العمراني، يكفي أن نتأمل كيف تم التلبيس عليهم في
المحرمات الصريحة؛ فالخمر التي هي أصل الخبائث أُعيد تقديمها وتسويقها تحت مسمى
"المشروب الروحي"، وقس على ذلك باقي المحرمات التي جرى تجميلها بتغيير
المسميات.
على ذات النهج
الشيطاني، أُعيد تسمية انسلاخ الإنسان عن بيئته وفطرته، وعزله داخل صندوق إسمنتي
صم، ومسح هويته وتراثه العمراني باسم "التطور، والحداثة، والتنمية".
إجرائياً، يتجسد هذا التلبيس الشيطاني في تحويل المسكن من "سكن للروح ووعاء
للاستقرار" إلى "سلعة استثمارية مؤقتة"، واستبدال المواد الطبيعية
المتنفسة بخامات صناعية كتيمة تُحاصر الساكن حرارياً وبيئياً، وتفرضه تحت التبعية
الدائمة لأجهزة التكييف واستهلاك الطاقة.
إن نقد هذا
الواقع لا يمكن اختزاله في "لغات تكنوقراطية مجردة"، بل يجب تسمية
الأشياء بأسمائها ومرجعياتها؛ فمصادرة حق الكاتب في استخدام اللغة الإيمانية
المباشرة أو محاكمة المفردات بدلاً من محاكمة زيف الواقع هو شكل من الوصاية
الفكرية. فنحن اليوم لا نعيش ضمن عمارة تبني الإنسان، بل بين ركام من الهدم الممنهج عميت البصائر عن رؤيته، وصرنا ننظر
إليه بأعين عليها غشاوة لا تميز طبيعة السجن الذي تطوقنا جدرانه. إنه وحش مفترس
يهضم إنسانيتنا في معدته المادية كل يوم، ويسحق أرواحنا ببطء حتى الموت.
رابعاً:
المنظومة الأكاديمية وتجهيل المعماري
إن استمرار هذا
التلبيس وتغوّله يعود إلى خلل بنيوي حاد يكمن في الفارق بين اكتساب الوعي وامتلاك المعرفة التنفيذية.
فالوعي يمنح الإنسان القدرة على إدراك الزيف وتفكيك الخديعة، لكنه لا يكفي وحده
لبناء جدار أصيل أو صياغة حلٍّ معماريٍّ يخدم الفطرة ما لم يقترن بالمعرفة
التطبيقية العلمية وأدواتها.
وهنا يظهر الدور
التنفيذي لشياطين الإنس في مؤسسات التعليم المعماري؛ إذ لم تكن مناهج تدريس
العمارة الحديثة تسير وفق رؤية تُعمق الوعي أو تُسلح الطالب بأدوات التنفيذ
الحقيقية، بل عَمِلَت على:
- تعزيز الجهل بأصول العمارة وموادها: تجريد
المعماري من العلم بخواص مواد البناء الطبيعية، وإلغاء فهم سيكولوجيتها
وفيزيائيتها وعلاقتها بالبيئة والمناخ استبدالاً بمنتجات المصانع والمواد
الجاهزة المستوردة.
- انتزاع أدوات التنفيذ وفقه البناء: مصادرة المعرفة
التطبيقية بقواعد الإنشاء ومراحل البناء الميداني، والاكتفاء بمناهج نظرية
شكلية ومستوردة تُخرّج طالباً عاجزاً عن التعامل مع المادة والحرفي في
الموقع.
- تحويل المعماري إلى منفذ للغرب: مسخ دور المعماري من
"بَنّاء وصانع" يخدم مجتمعه وفطرته، إلى مجرد مقلد يلهث خلف صرعات
التشكيل الغربي، ويُعيد إنتاج بيئات استهلاكية تكرس العزلة والضياع.
خامساً:
فيزياء الفطرة المعمارية والبديل الهندسي المادي
إن البديل الذي
تطرحه عمارة الفطرة ليس نكوصاً إلى الماضي أو مجرد حنين عاطفي، بل هو علم متكامل يسبق العمارة الحديثة في النجاعة والاتزان:
- ديناميكية المواد المتنفسة مقابل الكتامة الهيكلية: أثبتت الفيزياء
البنائية أن الحجر، والطين، والجير، والآجر ليست مجرد مواد تاريخية، بل هي
وسائط مناخية تمتلك سعة حرارية عالية وتسمح بالتنفس الهيكلي، مما يحقق
التبادل الحراري والمائي الطبيعي بين الداخلي والخارجي، خلافاً للخرسانة
المسلحة والدهانات البتروكيميائية التي تحبس الرطوبة وتزيد من الشحن الحراري
داخل المبنى.
- ديناميكية الفناء الداخلي والتهوية الذاتية: الحوش
الداخلي أو الفناء ليس خياراً شكلياً أو تقليداً اجتماعياً فحسب، بل هو منظم
حراري هيدروديناميكي يولد فارقاً في الضغط بين الظل والشمس، مما يضمن حركة
هواء مستمرة وتبريداً طبيعياً يغني عن الحلول الميكانيكية المكلفة.
- اقتصاد كلفة دورة الحياة: إن ادعاء "رخص
وسرعة" البناء الخرساني التجاري هو جزء من التلبيس التسويقي؛ إذ تُظهر
الحسابات الهندسية الشاملة أن تكاليف التشغيل، والعزل، والصيانة المستمرة
للمباني الحديثة تتجاوز بمراحل كلفة البناء بالخامات الطبيعية المحلية
المحسنة، ناهيك عن الأثر البيئي والصحي المباشر على الساكنين.
سادساً:
التخطيط، والمال العام، وإعادة الاعتبار للحرفة
الحديث عن تهمة
"عجز العمارة الأصيلة أمام الكثافة والتكلفة" هو حجة داحضة تلتف حول
الجذور الحقيقية للأزمة:
- وهم الشح المكاني والكثافة المفتعلة: الأراضي
الشاسعة متوفرة، وتكثيف البشر داخل زنزانات خرسانية متراكمة ليس قدرًا
جغرافيًا، بل هو نتاج احتكار الأراضي والمضاربات العقارية وفساد سوء التوزيع
التخطيطي. العمارة الاصيلة تبدأ من تنمية أفقية تعيد توزيع التجمعات السكانية
على امتداد أراضي البيئة المحلية.
- استرداد المال العام النهيب: إن التذرع بقلة
الإمكانيات يغفَل عن الأموال الهائلة التي تُهدر في مشاريع النهب، والسرقات
التنفيذية للمال العام، والتخطيط العشوائي المبطن بأسماء شركات تطوير المدن.
إن توجيه هذه الميزانيات نحو مشاريع عمرانية أصيلة- تعتمد خامات البيئة
وتُستثمر في بنيتها التحتية- يوفر على المجتمعات أضعاف ما يُنفق على صيانة
وتكييف المباني الخرسانية الهشة.
- تأسيس مدارس الحرفة وعدالة الأجر: إن غياب الحرفيين المهرة
يُعالج بالتأسيس المسبق لمدارس ومراكز تدريب مهني للنشء تُعلمهم أصول ومبادئ
البناء والبياض والقطع الحجري قبل بدء المشاريع. أجر الحرفي هو حق أصيل مقابل
جهد ميداني يبني ويصنع كرامة الفراغ، ومقارنته بما يُهدر على الفئات الطفيلية
وناهبي الأموال يوضح أين ينبغي أن تُوضع القيمة والميزانيات.
سابعاً:
خاتمة واستشراف: غرس البذرة والنماذج الاسترشادية
إن التأسيس
لمنظومة معمارية حقيقية يقتضي الربط الصارم بين تأصيل الوعي بغايات العمارة
وبين تفعيل المعرفة التنفيذية الميدانية لدى صانعي الفراغ
المعماري، لننتقل من تعليم أدوات الهدم المبرمج إلى تعليم أصول وقيم العمارة
الأصيلة.
إن هذا التغيير
المرجو لا ينتظر صحوة المؤسسات الأكاديمية أو الشركات السائدة، بل يبدأ بـ نماذج وتجارب استرشادية ميدانية مصغرة- سواء في مسكن
فردي، أو مركز خدمي، أو وحدة تعليمية- تُترجم فيها فيزياء المادة وقواعد الفناء
والحل المالي الميداني حقيقة قائمة يُشار إليها بالبنان.
ورغم أن
المنظومة السائدة تقف اليوم كجدار صلب يرفض تغيير هذا المسار، إلا أن صياغة هذا
الوعي في وثيقة محكمة، معززة بالدليل الهندسي والاقتصادي، لا تذهب سدى. إن كشف
آلية "التلبيس الإبليسي" وتسمية الفاعلين من شياطين الإنس بأسمائهم
الصريحة هو الخطوة الأولى لإسقاط الغشاوة عن الأبصار.
وأخيراً: ستبقى هذه
الرؤية حجة قائمة وبذرة حية؛ حتى إذا ما تتلقفها عقلية قادرة على هضمها وتطبيقها
ولو في بقعة واحدة من هذا العالم، أو في مسكن صغير يعيد للإنسان سكينته وفطرته،
فإنها تكسر هيمنة الركام، وتثبت أن نور البناء الحق قادرٌ دوماً على تبديد ظلمات
الهدم المُزيّن بأوهام العمران.