من "أسطى" البناء التقليدي إلى المعماري المعاصر
جمال الهمالي اللافي
بناءً على ما ورد في
المقال السابق، حول الحدود الفاصلة بين التخصصات الهندسية، ومن يملك
حق القيادة الميدانية للمشروع. فإن هذا الجدل القائم في حقيقته ليس
صراعاً على السلطة، بل هو عَرَض لمرض أعمق؛ لذا تستدعي الضرورة اليوم مراجعة جادة
لواقع التعليم المعماري في ليبيا.
فالعمارة في أرقى المؤسسات العالمية لم تعد مجرد
فرع هندسي، بل كيان مستقل تتقاطع فيه الفنون، الفلسفة، العلوم، والإدارة. هذا
الاستقلال ليس شكلياً، بل هو انعكاس لهوية تخصص يرفض التنميط داخل القوالب الضيقة
التي تحاول حصر المعماري في "الخيال" والإنشائي في "الواقع".
عودة "الأسطى": حين يتعانق
العقل باليد
ما نحتاجه هو "ثورة" في الأدوار؛
إعادة دمج الاختصاصات التي فُصلت قسراً عن المعماري، ليعود إلى موقعه الطبيعي
قادراً على الإشراف والتنفيذ الميداني دون ارتهان مطلق للمقاول. إننا ننشد استعادة
روح "أسطى البناء" برؤية معاصرة تدمج العقل باليد، فلا ينفصل الإبداع عن
واقع الممارسة، ولا يغيب المعماري عن تفاصيل الهيكل الخرساني أو مسارات التمديدات
التقنية.
فلسفة المكان: العمارة التي تحاور الجبل
وتهادن الصحراء
الأهم من مواكبة الآخرين هو امتلاك شجاعة
الاستقلال الواعي. إن المناهج المستوردة -غير المكيفة- أضعفت عقلية المعماري
وأفقدتنا الهوية. و"الأصالة" التي ننشدها ليست "قالبًا"
جامدًا، بل هي منهج يحترم التنوع البيئي المعماري لليبيا؛ فالمعماري الحقيقي
يستلهم حلوله من موقع المشروع، فيحاور الجبل، ويهادن الصحراء، ويستنطق الساحل، دون
فرض نمط "صندوقي" واحد على بيئات متباينة.
إصلاح التعليم: البناء التراكمي لا
"الوجبات السريعة"
التسطيح الحالي هو نتاج مناهج "الوجبات
السريعة" التي تركز على الامتحان لا على رسوخ الفكرة. الحل يكمن في مسار
تعليمي يبدأ مبكراً؛ عبر معاهد تخصصية من المرحلة الإعدادية تؤهل النشء لمراحل
التنفيذ (من الأساسات إلى التسليم)، تليها مرحلة ثانوية تعزز التأهيل المهني،
وصولاً إلى الجامعة التي تتفرغ للصقل الفكري والفلسفي. هذا التدرج هو الضمانة
الوحيدة لصناعة "المعماري الشامل".
الرؤية الشمولية: التكامل لا التصادم
إن إعادة دمج التخصصات ضمن إطار واحد سيغلق باب
الجدل وتضارب القناعات. وجود التخصصات الدقيقة ليس لمنافسة المعماري، بل لتكاملها
مع رؤيته الكلية؛ فهو "المايسترو" الذي يضع الصورة الكاملة، والآخرون
يثرون التفاصيل داخل هذا السياق.
ختاماً.. إن تقسيم التخصص الواحد أربك المشهد العمراني في ليبيا ولم
يحقق غاياته. الاندماج المعرفي هو السبيل الوحيد لصناعة معماري قادر على قيادة
المهام بروح واحدة، لتعيد للبناء أصالته وللعمارة هويتها الحقيقية.





