أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، سبتمبر 06، 2026

الاستعمار الفكري وتهديم العمران: التصادم العقدي بين الحداثة والعمائر الإسلامية

جمال الهمالي اللافي 

تُطرح في أروقة النقد والتخطيط العمراني محاولات مستمرة لما يُسمى "التوفيق بين الأصالة والمعاصرة". غير أن هذه المحاولات تنطلق في الغالب من اختزال تسطيحي للمسألة في حدود "التراث المحلي"، وتتغافل عن الجذر الحقيقي للأزمة: إن التصادم الجذري ليس بين الحداثة و"موروث تقليدي"، بل هو تصادم مباشر بين الفلسفة الغربية التي أنتجت الحداثة وما تلاها، وبين العقيدة الإسلامية كمنهج حياة متكامل انعكس تاريخياً على كل مظاهر حياة المسلمين.

1. سياق الحداثة الغربية مقابل المفهوم الإسلامي

حققت عمارة الحداثة في موطنها الغربي استجابة لظروف مجتمعاتها التقنية والفكرية، وعكست تحولاتها نحو المادية والفردانية وإعادة تعريف الإنسان بعيداً عن الوحي. غير أن أزمة هذه النظريات تظهر حين تُفرض كنموذج عالمي يتجاوز سياقه، ليحل محل مرجعية عقدية مختلفة تماماً.

·     المرجعية الإسلامية: تنطلق من عقيدة التوحيد، وتصوغ الفضاء العمراني ليكون امتداداً لقيم السكن، والستر، والتواضع، ومراعاة حرمة الجوار. إنها رؤية تجعل المبنى أداة لتحقيق عبودية الله والانسجام مع الفطرة، لا أداة للاستعراض.

·     النموذج الوافد: ينطلق من مركزية المادة، وتشييئ الفضاء لخدمة حركة الاستهلاك، وتحويل الكتلة المعمارية إلى أداة للتعبير الفردي والاستعراض المادي، وهو ما يتصادم جذرياً مع منظومة القيم والأخلاق التي تشكل الوجدان الإسلامي.

2. تفوق المشروع العمراني الإسلامي وكفاءته الشاملة

إن النقد الموجه لإسقاط الحداثة على مدننا لا ينطلق من موقف عاطفي، بل من واقع أن العمائر الإسلامية قدمت مشروعاً حضارياً شاملاً حقق كفاءة وظيفية وبيئية واجتماعية تعترف الأدبيات المعمارية المعاصرة نفسها بعدم قدرة الحداثة على مضاهاتها:

·     الانسجام البيئي والمادي: اعتمد العمران الإسلامي على مواد البناء المحلية والحلول المعمارية البيئية الموجبة (كالفناء وسمك الخوائط والفتحات الصغرة وملاقف الهوائية) لتوليد مناخ مصغر يستغل حركة الطبيعة، خلافاً للكتل الخرسانية والزجاجية الوافدة التي تستهلك الطاقة بقسوة للتكيف الميكانيكي.

·     التكافل الاجتماعي والخصومية: صُممت الكتل المعمارية متضامنة ومتصلة لتعزيز التكافل ولحمة الحي، مع توجيه الفتحات والفناءات إلى الداخل لتحقيق الخصومية التامة والستر لأهل الدار، في مقابل الكتل المنفردة الحداثية المنفتحة على الخارج والتي تكرس الفردانية وتكشف الحرمات.

3. أدوات الفرض القسري والانبهار الأعمى

لم يدخل النموذج الحداثي الغربي إلى ديار المسلمين نتيجة اقتناع فكري أو مفاضلة معمارية مجردة، بل أُدخل وفرض عبر مسارين:

1.   سطوة الاحتلال والقوة العسكرية: تفكيك النسيج العمراني المتضامن للمدن الإسلامية بالقوة، وشق الشوارع العريضة لاختراق الأزقة المحمية لتسهيل السيطرة الأمنية وتدمير البنية الاجتماعية المترابطة.

2.   الغزو المؤسسي والنخب المغتربة: توظيف مناهج التعليم والإعلام لتغريب العقل المعماري، وتنشئة نخب تبنت الطرح الغربي وصارت تبنيه وتدرّسه دون مراجعة لمرجعيته. وحين اصطدمت هذه النخب بالرفض الفطري للمجتمع، لجأت إلى "التوفيق التلفيقي" بإلصاق مفردات شكلية كالأقواس على كتل خرسانية مسخ سترًا للتصادم الجوهري.

4. المنهجية التطبيقية: استعادة "فقه العمران" لا اختراع البدائل

إن الحديث عن البديل التطبيقي للمعماري الممارس اليوم لا يعني البحث عن "ثورة تصميمية معقدة"، فالأمة لم تكن بلا منهج عمران، بل كانت تمتلك منظومة متكاملة من التشريعات والضوابط أفرزت أرقى الحواضر المعمارية. إن تفعيل هذا البديل يبدأ من خطوتين عمليتين:

·     استعادة ضوابط "فقه العمران" كقوانين تصميمية: تحويل قواعد الفقه العمراني كقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وما استلهمه المُشرع منها (كحريم الدار، ومراعاة حقوق الضوء والهواء للجوار، ومنع الإشراف الكاشف للحرمات)، إلى محددات رئيسية تشكل مسقط المبنى وحجمه قبل البدء في أي عملية رسم.

·     الانطلاق من التراكم التاريخي لا القطيعة: معالجة المتطلبات المعاصرة واستخدام التقنيات الحديثة بوصفها "أدوات تنفيذية" خادمة لجوهر الفضاء الإسلامي (كالبيت ذي الفناء الداخلي والكتل المتضامنة)، وليس بوصفها فلسفة توائم التشكيل. 

إن المفاصلة المعرفية المطلوبة هي الانتقال من موقع "المستورد المنبهر" الذي يلهث خلف نظريات تفكك أصوله، إلى موقع "الوارث الواعي" الذي يستأنف العمل بمنظومته العمرانية التي أثبتت كفاءتها عبر التاريخ.

بين مسايرة الفكر وأصالة العمران: العمارة من تجريد النظرية إلى مادية الممارسة


جمال الهمالي اللافي

تتراجع الحقيقة العمرانية حين تطغى المسايرة المهنية أو الاجتماعية، غير أن التواصل الإنساني والتلطف مع الآخرين يجب أن يتوقفا حتماً عند حدود الالتزام بالحق والبيان الهندسي الصريح. وهذا الانضباط الفكري هو ذاته ما نحتاجه حين نتقاطع مع المنتج المعماري الغربي؛ فالانبهار بعمارتهم يقف حده المقبول عند معايشتها في بيئتها وسياقها الجغرافي، أما نقل أنماطها التشكيلية وفضاءاتها المقطوعة عن البيئة إلى بلادنا فهو انقطاع عن المنطق السوي والعقل السليم. إن الاستفادة الحقيقية من تجارب الغير لا تكون باستنساخ أشكالهم الظاهرة، بل باقتباس مناهج التحليل العلمي وفيزياء المباني، ثم إعادة توظيفها كأدوات خدمة لترسيخ عقيدة المجتمع، وقيمه، وهويته المعمارية، وتكيفه مع المعطيات المناخية والجغرافية.

ومن هذه المسايرة الفكرية تحديداً نَبَع الانحراف البنيوي في حرفة العمارة؛ إذ تجسد الاستلاب في تحويل تعليم العمارة من ميدان الممارسة الطويلة والتلمذة الحرفية المباشرة إلى مقاعد التلقين الأكاديمي المجرّد. هذا التحول لم يطال الجانب التنفيذي فحسب، بل أفسد المسار الفكري برمته؛ فبعد أن كانت العمارة تشتق حلولها استقراءً من سلوك المادة المحلية واحتياجات المجتمع الوظيفية والمناخية، وتتوارث عبر الأجيال وفق هوية حية لا يدور حولها جدل المعاصرة المرتبك، أصبحت تُدرس عبر نماذج غربية أحلّت الرسم الشكلي المفرغ مكان الوعي الإنشائي، مما أدخل المعمار الممارس في حالة من التشتت المعرفي والاغتراب البيئي.

إن تصحيح هذا المسار يستوجب إعادة هيكلة التعليم المعماري، بنقله من قاعات النظرية إلى موقع العمل والتعامل المباشر مع المادة الحية، على أن يُدعم هذا التدريب بمعارف علمية ترخّص للهوية وترتبط باحتياجات المجتمع الاقتصادية. وهذا التوجه يتطلب انضباطاً مهارياً وإنشائياً يحدد مستويات التعامل مع مواد البناء المتاحة:

·         المجال السكني والمنشآت الاعتيادية: التخلي عن الهياكل الخرسانية المسلحة المكلفة حرارياً واقتصادياً، والعودة إلى نظام الحوائط الحاملة بالاعتماد على تعددية المواد البيئية والمحلية لكل منطقة- سواء بالطين المجفف بالشمس، أو الآجر والطين المحروق، أو الحجر الجيري أو الحجر الطبيعي، أو الطوب الرملي- مع اقتصار استخدام الخرسانة المسلحة على الأساسات فقط لضمان سلامة البناء؛ إذ يوفر هذا التنوع مادةً وعطالة حرارية طبيعية تخفض استهلاك الطاقة وتضمن البيئة الصحية للساكنين.

·     المنشآت الرياضية والمباني الضخمة: عدم اللجوء إلى التقنيات الحديثة والخرسانة المسلحة إلا عندما تفرض الوظيفة مجازات إنشائية واسعة وبحوراً فضائية كبيرة تعجز التقنيات التقليدية عن تغطيتها (كالاستادات والمدرجات الرياضية)، على أن تُعالج واجهاتها وكتلتها الخارجية بروح تنتمي للهوية والمواد المحلية، امتداداً للتجارب التاريخية التي طوّعت الحجر والمواد البيئية في إكساء أضخم المدرجات والمنشآت العامة. 

إن تطبيق هذا الفكر يتطلب كسر الفجوة بين المعمار والحرفي، عبر تأهيل الكوادر الشابة ميدانياً تحت إشراف الخبراء الميدانيين "الأسطوات". وما شهدته مدينة غدامس مؤخراً من دورات عملية تعلم فيها الطلاب صنع الطوب الطيني هو بداية جادة؛ غير أن الخطوة الحاسمة القادمة تكمن في التوسع لبناء "بيت نموذجي مكتمل بالطوب الطيني"، ليكون برهاناً مادياً ملموساً يختبر فيه المجتمع والمختصون الكفاءة الحرارية والإنشائية، مما يمهد الطريق لتعميمه كبديل تنفيذي منافس في مختلف البيئات والمناطق المجاورة.

إننا جميعاً لا نتوقف عن الانبهار بما عند الغير، ولكن الفارق الجوهري يكمن بين من يستثمر المناهج والتقنيات ليعيد صياغتها في خدمة هويته وبيئته، وبين من يتماهى مع الأشكال الظاهرة وينسلخ عن جذوره.. وشتان بين الاثنين.

تفكيك المقدس: التراتبية الفكرية للعمارة المعاصرة وتغييب هوية المسجد


جمال الهمالي اللافي

تُعدّ العمارة التجسيد المادي الأكثر ديمومة لثقافة المجتمعات وعقيدتها؛ فهي ليست مجرد حاوية وظيفية للهياكل أو استعراض تشكيلي محايد، بل هي اللغة البصرية التي تترجم المرجعية الفكرية والأخلاقية لأي أمة. ومن هنا، فإن الأزمة البصرية والنمطية التي تشهدها عمارة المساجد في ليبيا اليوم لا يمكن اختزالها في مجرد "ضعف ذوقي" أو "تجديد شكلي عفوي"، بل هي انعكاس صريح للصدام البنيوي بين هوية المجتمع والذاكرة الجمعية وبين النظريات المعمارية الدخيلة.

لقد أدى الجري غير الواعي خلف صرعات المعمار المعاصر إلى تحول متدرج في صياغة "المقدس العمراني"؛ فبدلاً من أن يظل المسجد صرحاً ينبع تشكيله الفضائي والجمالي من الموروث النمطي والبيئي الأصيل، أصبحت العمارة الدينية ساحةً لتطبيق طروحات تفصل المبنى عن جذوره العقائدية والثقافية، بل وتهمش موقعه وتلغي وجوده البصري في النسيج الحضري. 

ولكي ندرك العمق الحقيقي لخطورة ما يحدث على أرض الواقع من إبهام لهوية المسجد وتفكيك لصورته الذهنية، وجب أولاً تفكيك المظلة الفلسفية التي تغذي هذه التوجهات، وتتبع المسار التاريخي للنظريات الغربية التي صاغت هذا التحول عبر متتالية فكرية متماسكة.

1. التراتبية الفكرية: من القطيعة الحداثية إلى التفكيك الشامل

لم تكن الأزمة العمرانية المعاصرة وليدة المصادفة، بل جاءت تتويجاً لتراتبية أيديولوجية مرت عبر ثلاث مراحل أساسية صاغت الفكر المعماري الغربي الحديث:

·     المرحلة الحداثية: قامت على مبدأ القطيعة المعرفية والتاريخية الشاملة، وإلغاء الموروث العمراني الأصيل، والبدء من "الصفر" عبر تقديس المادة والوظيفية الصماء التي تُجرّد الفضاء من روحه ورمزيته.

·     مرحلة ما بعد الحداثة: كرّست النسبية المطلقة، ونزعت المركزية عن الثوابت الأخلاقية والدينية، مشككة في قدرة السرديات الكبرى والمفاهيم الكلية على توجيه المجتمعات وتنظيم عمرانها.

·     المرحلة التفكيكية: أخذت هذه المسيرة إلى مداها الأقصى؛ فلم تكتفِ برفض الماضي أو نسبية القيم، بل بَنَت فلسفتها على تفكيك النص، وهدم المركز، وإلغاء البنى الاجتماعية والدينية والمفاهيم الاستقرارية،  التي تستهدف تدمير الأسرة، وصولاً إلى التشكيك في الغايات العقائدية والأخلاقية برمتها. وصولاً إلى التشكيك في الغايات العقائدية والأخلاقية برمتها. 

إن هذه المتتالية لم تكن مجرد تطور في أدوات التشكيل الهندسي، بل كانت وسيلة لإعادة تشكيل أسلوب الحياة ونزع المرجعية الفكرية والعقائدية عن الإنسان المعاصر.

2. تفكيك المركزية العمرانية والتهميش التخطيطي

إن أولى مظاهر هذا التفكيك لم تبدأ في كتلة المبنى ذاتها، بل في سلب المسجد موقعه ومركزيته العمرانية داخل المخطط الحضري للمدينة والحي:

فقدان مركزية "المسجد الجامع": في العمران الأصيل، كان المسجد الجامع يمثل القلب النابض والنواة التخطيطية التي تتجمع حولها الفضاءات العامة والأسواق والمحاور الرئيسية. أما في التخطيط المعاصر، فقد جرى تهميشه وإزاحته عن المركز، ليتعامل معه التخطيط كعنصر هامشي أو مساحة زائدة تُفرض فرضاً في أطراف المخططات.

غياب المساجد المحلية كعلامات دالة: كانت المساجد المحلية داخل الأحياء السكنية تشكل معالم ونقاطاً دالة توجّه حركة الساكنيم والمارة وتمنح الحي طابعه الروحي والبصري. ومع التخطيط الحديث، اختفت هذه المرجعية المكانية، وأُفقد المسجد دوره كمرتكز ينظم الروابط الاجتماعية والفضائية للمجاورين.

3. التدرج في سلب الهوية: من الانقطاع التراثي إلى طمس العلامات

يظهر التجريف المعماري للمسجد عبر مسار متدرج يُجسد أثر هذا التحول الفكري على الصورة الذهنية للمبنى:

·     المرحلة الأولى (الانقطاع عن التراث المحلي): طُرحت مساجد معاصرة احتفظت بالمعالم الدالة الشائعة (كوجود المئذنة والقبة)، لكنها قطعت صلتها بالكلية عن الموروث المعماري المحلي للبلد؛ فبدت غريبة عن بئيتها وإن ظلت تُعرف كمسجد.

المرحلة الثانية (الطمس التفكيكي الكامل - الواقع الراهن): تراجعت حتى تلك العلامات الدالة، وصولاً إلى تصاميم تُطمس فيها أي إشارة بصرية تُعرب عن طبيعة المبنى. أصبحت المساجد تُشيّد على هيئة كتل مكعبة خرسانية صماء لا تمتلك من خصائص المسجد شيئاً، قد يبدو في ظاهره استعارة بصرية من تبسيطية الحداثة، لكنه يمارس في زمننا الراهن دوراً تفكيكياً صريحاً. حتى غدا المارّ عاجزاً عن تبين كُنْهِ المبنى، ولا يدرك أنه مسجد إلا من خلال اللافتة المعلقة على بابه!

إن تفكيك المعنى يتم بقطع الصلة بين الرمز ودلالته:

·         تجريد المسجد من محدداته النمطية التاريخية (الصحن، التناسب الفضائي، النسبة والتناسب، المواد المحلية، والتناغم البيئي).

·         استبدال الهوية المحلية المكتملة بأشكال محايدة تغيّب الخصوصية الثقافية والدينية.

·         إلغاء السكينة الروحية التي تأسست عبر عقود من التراكم العمراني الأصيل لصالح كتل خرسانية طارئة.

4. أزمة المقروئية العمرانية ونزع القداسة

إن النتائج الميدانية لهذا التهميش المزدوج (التخطيطي والبصري) تظهر في أزمة المقروئية العمرانية. عندما يُعزل المسجد عن مركز الحي، ثم تُسلب منه معالمه البصرية ليتحول إلى كتلة مبهمة مبهمة تفقد معالمها الدالة، لا تختلف عن المقرات التجارية أو الإدارية المجاورة، يقع الفضاء المعماري في حالة من "الاغتراب البصري" ونزع القداسة عن المسجد؛ إذ يتم التعامل مع عمائر العبادة كفضاءات وظيفية صماء تفقد قدرتها على توجيه السلوك الروحي والتأثير في الوجدان الجمعي. 

5. خطورة التراث بالتقادم الزمني

تزداد هذه الأزمة خطورة عندما تُترك هذه المباني الهامشية والدخيلة لعدة عقود، فيبدأ النسيان العمراني بالتشكل، وتُصوَّر هذه المكعبات والكتل الصماء للأجيال القادمة على أنها "جزء من الموروث المعماري المحلي" لمجرد مضي الزمان عليها.

إن التقادم الزمني لا يمنح المبنى صفة الأصالة والتراث ما لم يكن متجذراً في البيئة العمرانية والموروث النمطي والبيئي للمجتمع. والتسليم بهذه الأشكال الطارئة يمثل تسليماً متدرجاً بطمس الهوية المعمارية الليبية وإحلال المفاهيم التفكيكية محلها. 

خاتمة ومسؤولية

إن العمارة ليست ترفاً تشكيلياً ولا ممارسة هندسية معزولة عن القيم، بل هي التعبير المادي الأكثر ديمومة عن عقيدة المجتمع وثقافته. وإن التصدّي للتجريف العمراني والفكري يتطلب وعياً معمارياً يحمي عمارة المساجد من التفكيك والتغريب، ويستعيد للمسجد دوره كمركز روحي وبصري يعبر بصدق عن الهوية والأصالة المحلية.

الأربعاء، سبتمبر 02، 2026

روح المدينة أم روح المكان؟

في البحث عن عمران يشبهنا 

نموذج معاصر لمخطط مركز المدينة قدمه المحتل الإيطالي لمستوطنيه، يمكن الاسترشاد به.

جمال الهمالي اللافي 

نشرت في التسعينيات قصة بعنوان "روح المدينة" ثم أتيحت لي فرصة لتحويلها إلى شريط سينمائي بطرح مختلف وأقرب للواقعية، بالتعاون بين مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة والشركة العامة للخيالة. ولكن في هذه الأعوام الأخيرة بدأت تظهر بعض المقالات العربية تحت عنوان "روح المكان". مما جرني إلى التفكير في أي النظرتين أعمق في الطرح، أن نركز على المكان أم المدينة بكل ما تشمله من أماكن متباينة في أنشطتها الوظيفية وانسجامها البيئي والتخطيطي والمعماري. 

المكان بالنسبة للمدينة يمثل جزئية صغيرة في محيطها الكبير. والمدينة بلا شك هي مجموعة من الأماكن، قد تنسجم كما في المدن التقليدية وقد تتنافر كما في مدننا المعاصرة. لا يمكننا أن ننكر أن الاهتمام بالمكان هو اهتمام ضمني بالمدينة. وهنا يأتي السؤال: هل المدينة تخطط وفق رؤية تصيغ في النهاية صورة الأماكن؟ أم أن المكان يصمم فيشكل مع مجموعة الأماكن صورة المدينة؟ 

هل النظرة الشمولية تصنع الهوية أم أن النظرة الجزئية هي التي تشكل لنا نسيج المدن؟ وهل الرؤية التخطيطية هي التي يجب أن تسبق الرؤية المعمارية وتقودها إلى تحقيق الانسجام العام؟ أم أن الرؤية المعمارية هي التي تقود الرؤية التخطيطية والحضرية لتصنع لنا مدينة تعاش بكل تفاصيلها؟ 

حين نبحث عن إجابات في التخطيط المعاصر للمشاريع الإسكانية وتأسيس المدن الجديدة- كالتي تنتشر اليوم في العديد من الدول العربية- نجد أنفسنا أمام معضلة حقيقية تفتقر للرؤية وتترك الأمر على عواهنه. فالدولة غالباً ما تكلف شركات بوضع تصاميم يغلب على السكني منها تكرار نموذج واحد بشكل آلي، سواء على شكل فيلات أو عمارات. أو على النقيض من ذلك، تعمد إلى تقسيم الأراضي إلى قطع وتترك للمواطن والمستثمر حق التصرف فيها دون توجيه أو رؤية تضع القواعد والحدود وترسم المسارات لما ستؤول إليه هذه المدن. 

هذا التخبط الذي أفرزته الحداثة، قطع صلة الإنسان بمدنه ليفرض عليه أنماطاً لا تشبهه؛ فالمخططات المعاصرة إما أن تسلب الإنسان حقه في تشكيل مكانه لصالح تنميط استهلاكي، أو تتركه لعشوائية تفتقر لأي انسجام حضري. وفي المقابل، نجد أن المخططات التقليدية بكافة مرافقها الخدمية والسكنية ما زالت تثبت كفاءتها المطلقة لمواكبة عصرنا، وتتفوق على كل المخططات المعاصرة دون استثناء بكل مقوماتها. 

ولنا في تأسيس مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما وصل إلى يثرب واستقر فيها، أسوة بالغة الدلالة. فقد أعاد تخطيطها وفق رؤية إسلامية شاملة، قام الخلفاء من بعده باعتمادها كمنهج تخطيطي للمدن التي أسسوها في الأمصار. في هذا النموذج، تقدم الدولة في إطار تخطيطي محدد الخدمات الجامعة في مركز المدينة وتتحمل تكاليف تنفيذه؛ كالمسجد الجامع مع ساحته العامة، مقر الحاكم، والأسواق. ثم يأتي تقسيم الأرض إلى "قطائع" لإسكان كل قبيلة فيها، ويُترك الأمر لحكمائها وللمنتفعين بها ليخططوها وفق مصالحهم واحتياجاتهم الإنسانية والخدمية ويتحملوا تكاليف التنفيذ. 

هنا، تتجسد الرؤية الشاملة لما يجب أن تكون عليه المدينة - بما عُرف فيما بعد بـ "أحكام البنيان"- حيث تترافق الضوابط الكلية التي تحفظ الهوية والفضاء العام، مع حرية التصميم التي تحترم إنسانية السكن وخصوصية الساكن. إن استعادة هذه الفلسفة- حيث تقود الرؤية التخطيطية الشمولية مسار المدينة، وتُترك للإنسان مساحتها الواعية ليصيغ روح مكانه- هو السبيل الوحيد لبناء مدن متجانسة تنبض بالحياة، وتشبه ساكنيها.

الجمعة، أغسطس 28، 2026

العمارة ومقصلة الزمن: بين الانبهار البصري والكفاءة المكانية

  

جمال الهمالي اللافي 

العمارة، بخلاف اللوحات الفنية أو المقطوعات الموسيقية، هي الفن الوحيد الذي لا يمكننا الهروب منه؛ نحن نعيش فيه، ونعمل داخله، ونتأثر به شئنا أم أبينا. ولذلك، فإن تقييم أي مشروع معماري يقع دائماً في منطقة رمادية تتجاذبها العاطفة البصرية من جهة، والوظيفة العملية من جهة أخرى. ومن هنا تنبثق أزمة التقييم المعماري المتمثلة في الخلط المستمر بين الانبهار البصري المؤقت، والكفاءة المكانية الممتدة. 

عندما ننظر إلى تقييم المشاريع من طرف عامة الناس، بل ومن طرف المعماريين والأكاديميين، تتداعى تساؤلات ملحة حول حقيقة هذا الإعجاب والمعايير التي يحتكم إليها. في الغالب، الإعجاب الأولي لا يعكس الحقيقة الكاملة للمشروع، فنحن نعيش في عصر الاستهلاك البصري، حيث تُقيّم العمارة غالباً من خلال عدسة الكاميرا، أو ما يُعرف بالعمارة الفوتوغرافية. هذا الإعجاب قد يكون مبنياً على الصدمة البصرية والانبهار بالكتلة غير المألوفة، وهو ما يعكس نجاح المهندس في لفت الانتباه، لكنه لا يعكس بالضرورة نجاح المبنى في أداء دوره. 

تتشكل الأحكام غير المنصفة تحت تأثير ظواهر منهجية متكررة، لعل أبرزها:

·     تغليب الانطباع الشكلي على الأداء: وتقييم المنشأ بناءً على غلافه الخارجي فقط مع إغفال مدى توفيره للراحة الحرارية، والتهوية الطبيعية، وسلاسة الحركة الداخلية.

·     الافتتان بالتبجح التقني: والخلط بين الغرابة والإبداع، واعتماد قدرة البرمجيات على تشكيل الكتل المعقدة كمعيار للجودة، بصرف النظر عن جدواها الاقتصادية أو الوظيفية.

·         عزل المبنى عن سياقه: والتعامل معه كمنحوتة مستقلة هبطت في الفضاء، وتجاهل الهوية الثقافية للمكان ليصبح النقد أسيراً للموضة الدارجة بدلاً من أن يكون بحثاً عن القيمة الإنسانية.

·     الانحياز للاسم والتاريخ: حيث تعاني التقييمات الرائجة مما يعرف بتأثير الهالة، فعندما يُصمم معماري ذائع الصيت مبنى جديداً، تنحاز لجان التحكيم للاسم قبل تقييم المبنى نفسه. 

إن التقييم الموضوعي يتسامى عن الأشكال العابرة ليحتكم إلى ركائز بنيوية ثابتة، تدور حول المعايير التالية:

·         المتانة والمنفعة والجمال: فالمبنى يجب أن يكون سليماً إنشائياً، ويخدم غرضه بكفاءة، ويرتقي بروح ناظريه.

·         الاستجابة المناخية والبيئية: كفاءة المبنى في معالجة توجيه الشمس وحركة الرياح عبر حلول أصيلة ومواد محلية.

·         احترام السياق: لمعرفة كيف يتحدث المبنى مع جيرانه، وما إذا كان يحترم النسيج العمراني أم يفرض نفسه ككائن غريب. 

حقيقة المشروع المعماري تكمن في التجربة المعاشة بمرور الزمن، وليس في اللقطة الافتتاحية. المبنى الحقيقي هو الذي:

·         يحتوي حركة مستخدميه بسلاسة، ويوفر لهم الراحة النفسية والجسدية.

·         يصمد بوقار وتكتسب مواده جمالاً مع تقلب الفصول دون أن تتشوه.

·         يستطيع استيعاب التغيرات وإعادة التوظيف بمرور الزمن.

·         يُشعر الساكن بالانتماء، وليس بالاغتراب والضآلة أمام استعراض المهندس لمهاراته. 

في ميزان النقد المعماري، يستحق المشروع الفشل وسوء التقييم عندما يتعامل مع الموقع كصفحة بيضاء متجاهلاً تاريخ المكان ومناخه، وعندما يضع المصمم ذاته فوق احتياجات المستخدم البسيط. وفي المقابل يكتسب المشروع حصانته عندما يكون أصيلاً وصادقاً؛ يُبنى بمواد تعبر عن وظيفتها بلا زيف، يحترم مقياس الإنسان، ويحل المشكلات المكانية والاجتماعية بدلاً من افتعالها. 

في النهاية، حقيقة أي مشروع معماري لا تتحدد عبر التغطيات الإعلامية، بل تتكشف تدريجياً بمعزل عن الانحيازات الشائعة وتقلبات الآراء. الزمن هو الناقد الأشرس، والمشاريع التي تنجو من مقصلة الزمن هي تلك التي وازنت بصدق بين احتياجات الجسد وأشواق الروح.

الخميس، أغسطس 27، 2026

عقلية الإزميل في عصر النمذجة

 

جمال الهمالي اللافي 

    صادفتُ مؤخراً منشوراً لأكاديمي يحذّر فيه من سماح الكليات لطلاب العمارة في مرحلتهم الأولى باستخدام برامج الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، مطالباً بإلزامهم بالأسلوب التقليدي المعتمد على أقلام التحبير ومساطر (T) والمثلثات. 

    لو كانت عقلية البنّائين الأوائل تدار بهذه السذاجة في تقديس الأدوات، لفرضوا النقش بالإزميل على الحجر شرطاً لممارسة العمارة، ولما وصلت إلينا صروحهم المعمارية التي لا تزال شاهدة على عمق فكرهم وتطويرهم المستمر لأساليب البناء، ولكان كل ما ورثناه عنهم مجرد شواهد حجرية مدوّن عليها حجم المأزق الفكري الذي حبسوا فيه عقولهم. فالعمارة لم تكن يوماً رهينة أداة الرسم، بل رهينة الفكرة والحل الإنشائي. 

    إن انشغال المؤسسة الأكاديمية بنوع الأداة بدلاً من التركيز على جوهر التصميم هو سبب مباشر لما نراه من "تفريخ" لمخرجات تعليمية تكتفي بالجانب التقني. هذا التفكير ينتج مصممين متأثرين بأفكار فردية تغلب عليها الـ "أنا"، وتغفل عن أهمية العمل الجماعي الذي يدمج المعطيات الاجتماعية، والبيئية، والاقتصادية في مشروع واحد متكامل. 

    من واقع التجربة المباشرة، كان العمل على أي طرح معماري يستغرق منا شهوراً، لننتهي في الأخير إلى تسليم مساقط أفقية وواجهات وقطاعات أو كتلة منظورية لا غير، وكان ذلك يُعد وقتها قمة الإتقان. أما اليوم، فقد تجاوزت برامج النمذجة الحديثة هذه المحدودية؛ إذ أصبحت تسمح للمعماري بتصميم الكتلة بكل أبعادها وتفاصيلها، وحساب كميات المواد، والربط المبكر بين الحلول الإنشائية والشبكات الخدمية في فترة لا تتجاوز بضعة أسابيع. 

    هذا التحول ليس حكراً على العمارة، بل يمتد إلى مختلف مجالات الفكر والكتابة. أذكر أنني كتبتُ قصة قصيرة أخذت مني صياغتها وتعديلها سبع سنوات على الورق، لكن حين انتقلتُ لاستخدام برامج معالجة النصوص، لم تستغرق التعديلات أكثر من أسبوع. واليوم، مع أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت مراجعة النصوص والتأكد من سلامتها مسألة ساعات، دون الحاجة لانتظار قارئ أو مراجع لتحديد مواطن القوة والضعف في النص. 

    البرمجيات والتقنيات الحديثة لا تبتكر الفكرة، لكنها تختصر الزمن والمجهود الروتيني لصالح التفكير والتحليل. أما إصرار البعض على حصر التعليم في شكل الأدوات القديمة، فهو تفكير لا يختلف كثيراً عن عقلية الإزميل والحجر.

بيت يُعاش: هل ما يزال تحدياً أم أضحى آخر اهتمامات المعماري المعاصر؟

 

جمال الهمالي اللافي 

عندما نتحدث عن ضرورات التجديد وأهمية المعاصرة، والبعد عن تقليد الموروث المعماري، فإننا نود القول بوضوح: نحن نبحث عن الصورة المتكاملة لبيت يُعاش ويُسكن، لا بيت يُفاخر به للفرجة. 

لقد كانت بيوتنا التقليدية وليدة ظروف ومرحلة اقتصادية قاسية؛ تعايش معها سكانها لا لأنها بلغت أوج الكفاءة الفراغية والوظيفية، بل لأن معطيات الحياة فرضت عليهم التأقلم. وسعيهم لجعلها أكثر ملاءمة مناخياً واجتماعياً كان محاولة لرفع الكفاءة إلى حدها الأقصى الممكن، لكنها في الحقيقة لم تكن بيوتاً تُعاش بمفهوم الراحة الإنسانية الكاملة. فالاكتظاظ العائلي في بيت واحد، وعيش كل أسرة في غرفة واحدة تختزل كل متطلبات الحياة ضمن أضيق مساحة، لهو أمر مرهق لمجرد التفكير فيه، فما بالك بمن عايشه طيلة حياته؟ 

هذا القصور البنيوي كان يصرخ في وجهنا طالباً جراحة فكرية تستهدف استئصال العيوب لا وأدها. وكان المفترض بالعقل المعماري - في ظل توفر الحلول الإنشائية الحديثة، وآليات التنفيذ السريعة، ومواد البناء والعزل الحراري، وتعدد مصادر الطاقة، والأفكار التي تعيد صياغة المسكن ليستوعب العائلة بكرامة وإنسانية- أن يقف موقف الفاحص المقتدر؛ فيفكك مكامن القوة والضعف، ويعالج أوجه القصور التي عجز عنها الأجداد تحت حكم المعوقات المادية. 

لكن ما حدث كان تعطيلًا متعمداً لهذا العقل واستسهالاً لتقليد من نوع آخر. قفز المعماري المعاصر نحو النماذج الغربية والمغتربة، ليغدو حاله أشبه بحال الغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة: فلا هو استطاع مجاراتها بلغة بيئية وإنسانية تناسبنا، ولا هو حافظ على أصل موروثه بعد أن يعالجه من إشكالياته التاريخية. والنتيجة أننا لم نصل إلى البيت الذي يُعاش، بل عدنا لنبني كتلًا مفرغة تٌعرض للفرجة، وتغترب عن الساكن وعن بيئتها.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...