![]() |
| بيوت الحفر في مدينة غريان بالجبل الغربي |
جمال الهمالي اللافي
الهوية هي
القيمة الجوهرية التي تمنح الأمم والمجتمعات شخصيتها المستقلة؛ تماماً كما يمثل
الاعتزاز بالذات معيار الاحترام للأفراد، فإن الأمم التي تفرط في هويتها الحضارية
تُصنف في العرف الدولي ككيانات تابعة تفتقر لسيادة القرار الثقافي والجمالي.
وفي سياق
مشهدنا الحضري، يبرز خطابٌ يحاول تزييف الوعي الجمعي عبر تصوير محاولات تأصيل
العمارة المحلية كنوع من "الرجعية" أو الاستنساخ الجامد للماضي، وكأن
التمسك بالجذور تهمة تستوجب التنصل منها.
المفارقة
تكمن في أن أصحاب هذا الخطاب، بينما يرفضون "استدعاء الماضي"، يدعون
بحماس لاستنساخ نماذج الغرب واستيراد قوالب زجاجية وخرسانية غريبة عن بيئتنا
وثقافتنا، مروجين لهذا التغريب تحت ستار "الحداثة". إنها ازدواجية
معايير تفضح عقدة النقص، حيث يُعتبر الانتماء للذات تخلفاً، بينما تُعد التبعية
المطلقة للآخر إبداعاً!
وإلى
هؤلاء نوجه تحدياً: قدموا أعمالاً تنبع من عبقرية المكان وتلبي مقتضيات العصر دون
أن تكون صدى مشوهاً للشرق أو الغرب. إن العجز عن تأصيل العمارة المحلية وتطوير
أدواتها لا يبرر الدعوة للانسلاخ عنها وتشويه مدننا بمسوخ لا هوية لها.
وهنا نتساءل: هل سأل
دعاة "الحداثة المستوردة" أنفسهم كيف وصل الغرب إلى سيادته المعمارية؟
وهل كان ذلك مجرد استنساخ بصري أم بناءً فكرياً رصيناً؟
كيف صاغ الغرب ميثاقه المعماري؟
الحداثة
الغربية لم تكن قوالب جاهزة، بل استجابة فلسفية لمتغيرات الثورة الصناعية، حيث
التزم المعماريون بميثاق مبني على "القيم" لا "الأشكال". لقد
اتفقوا على مبادئ كالصدق في التعبير عن المواد، ورفض الزخرفة غير الوظيفية،
والارتباط بالاحتياجات الاجتماعية الجديدة. هذا التأسيس الفلسفي المتين هو ما منح
الغرب سيادته؛ ولذا، فمن باب أولى أن نسلك نهجهم في "تأصيل الذات" لا في
"تقليد النتائج".
نحو ميثاق فلسفي للعمارة
الليبية المعاصرة
الميثاق
المنشود هو حالة من الوعي الجمعي والقيم الراسخة التي تسكن وجدان المعماري، تُلزمه
بالجوهر وتمنحه الحرية في تشكيل المظهر وفق الركائز التالية:
أولاً: الأبعاد الثقافية
والاجتماعية
1. الامتداد الثقافي الشامل: العمارة ليست كتلة معزولة، بل
هي استمرار لموروث يشمل الحرف، والأزياء، والتقاليد، مما يمنح المبنى روحاً تنتمي
لمكانها.
2. المرجعية الروحية والقيمية: صياغة فراغات تحترم عقيدة وقيم
المجتمع، وتحقق التوازن الدقيق بين الخصوصية والانفتاح، وتلبي احتياجات الأسرة
الليبية.
ثانياً: المضامين التقنية
والمعالجات البيئية
3. استدامة النظم والمواد المحلية: إحياء وتطوير تقنيات البناء
كالحوائط الحاملة والتراب والطين والحجر؛ وهي تقنيات أثبتت كفاءتها (كما في تجارب
الجزائر الرائدة) كحلول مستقبلية للعزل الحراري والتكلفة المنخفضة.
4. الذكاء البيئي المعاصر: التناغم مع المناخ (ساحل، ريف،
جبل، صحراء) عبر الأفنية، وملاقف الهواء، والكاسرات الشمسية، والاعتماد على الكتلة
الحرارية للمبنى لترشيد الطاقة.
5. الصدق المادي والتقني: نبذ الواجهات المستعارة
والمواد الدخيلة، والتوجه نحو الخامات المحلية ومعالجتها بتقنيات تضمن الديمومة
والجمال الفطري.
ثالثاً: التوجهات الاستراتيجية
والاقتصادية
6.
الانفتاح
النقدي الواعي: التفاعل
مع المنجز العالمي باقتباس التقنيات وتطويرها بما يخدم واقعنا، دون ذوبان أو تبعية.
7. الجدوى والكفاءة الاقتصادية : الأصالة ليست ترفاً، بل هي حلول ذكية تستغل
الموارد المحلية لتقليل الكلفة التشغيلية، مما يجعل العمارة الوطنية خياراً متاحاً
لكل فئات المجتمع.
من التنظير إلى المختبر
التطبيقي
هذا
الميثاق هو الأرضية الفكرية التي انطلقت منها دعوتي التي نشرتها بالأمس عبر صفحتي
بالفيسبوك بخصوص مسابقة "البيت الليبي المعاصر". لقد آن الأوان لننتقل من "نقد
الاستلاب" إلى "إثبات الوجود"؛ فالمسابقة هي المختبر الذي ننتظر
فيه من المعماري الليبي أن يثبت قدرته على الإبداع داخل سياقه الثقافي والتقني،
ليصوغ بيتاً يملك مفاتيح المستقبل لأنه ببساطة.. يفهم قيمة أصالته.




