جمال الهمالي اللافي
لقد اتسعت مجالات التقليد
الأعمى في عصرنا هذا، حتى تفرقت بالناس السبل، وضلت بهم المذاهب. انحدرت بعض
العادات إلى مستويات من الإسراف والعبث، بدءاً من أعراس البذخ المفرط، مروراً
بإطلاق الألعاب النارية، في مشاهد تهدر فيها الأموال بلا حساب وتغيب فيها الحكمة،
وصولاً إلى أبشع مظاهر الاحتفال كتلطيخ الناجحين والعرسان بزيوت السيارات
والأوساخ، التي نتج عن بعضها حالات أزهقت فيها أرواح وعميت أبصار بلا رقيب أو حسيب.
ولم يقف الأمر عند هذا
الحد، بل تجاوزه إلى الانسلاخ من الهوية - العقائدية قبل الوطنية-؛ فمن تقليد
ملابس لا تليق بقيمنا، إلى الارتداء الاستعراضي للباس شعوب أخرى تزيناً وتفاخراً،
وصولاً إلى تقليد تصاميم "مساكن الذين ظلموا". مصداقاً لقوله تعالى:
﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ
كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: 45].
والمقصود هنا ليس سكن ديارهم بعينها، بل استنساخ طراز حياتهم ومبانيهم التي شيدت
على ثقافة تختلف جذرياً عن ثقافتنا التي تستمد أصولها من العقيدة السمحاء، وتراعي
المستدعيات الشرعية والبيئية التي توجب التميز والاستقلال عن مناهج المغضوب عليهم
والظالمين.
إن كل مسلسل يُعرض في
الفضاء المفتوح، وكل رحلة إلى بلاد الله الواسعة، باتت تعود على بعضنا بأثقالٍ من
العادات المستوردة؛ مأكلاً وملبساً ومسكناً. الكارثة أن الكثيرين يغضون الطرف عما
يدسّ في هذا التقليد من شركيات خفية وبدعيات خطيرة. إن هذا الميل العجيب لمحاكاة
الآخرين حتى في انحرافاتهم العقدية يعيد للأذهان مشهد بني إسرائيل حين تأثروا بما
رأوه، كما يقص علينا القرآن الكريم: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ
فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى
اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ﴾ [ الأعراف: 138].
تماماً كما نجد اليوم من
يقلّد طقوساً لجلب الحظ، أو يتبنى ممارسات "روحية" مستوردة لا تمت
للإسلام بصلة، أو يحتفل بمناسبات ذات جذور وثنية، وكلها أمور قد تخدش عقيدة
التوحيد وتخرج صاحبها عن ملة الإسلام الحنيفية، ناهيك عما تسببه من انسلاخ تام
للشخصية المسلمة وذوبانها في هويات الآخرين.
إن حماية أجيالنا الناشئة
من هذا اليمّ المتلاطم من التبعية الفكرية والعقدية تفرض علينا وعياً راشداً ويقظة
دائمة؛ فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تذوب في غيرها، والعقيدة أغلى من أن تباع بثمن
الهوان ومحاكاة المقلدين. وإن العزة الحقيقية ليست في استيراد قوالب الآخرين ومسخ
الذات، بل في استنبات الهوية من جذور الوحي الخالد، لتبقى الأمة شامخة بأصالتها،
منيعة بحصن توحيدها.





