جمال الهالي اللافي
المقدمة
البيت
ليس مجرد جدران وأسقف، بل هو انعكاس لرؤية المجتمع لنفسه ولحياته. حين قال الله عز
وجل: "هو الذي
جعل لكم من بيوتكم سكنًا"،
اختصر القيمة الكامنة خلف العمارة في مقصد واحد: تحقيق السكن والسكينة. غير أن
البيت الليبي المعاصر فقد هذه الوظيفة، فتحوّل إلى مجال للتفاخر والمباهاة، بينما
المرأة – وهي القلب النابض للأسرة – لم تعد تجد فيه مستراحها، فخرجت إلى المقاهي
بحثًا عن لحظة اختلاء أو لقاء مع صويحباتها.
الأزمة المعمارية
ليست
المشكلة في فقدان بعض الفراغات التقليدية، بل في فقدان منظومة
عيش متكاملة:
- لم
يحتفظ الليبيون بقديمهم، ولم ينجحوا في صياغة جديدهم.
- البيت
لم يعد يُبنى لتلبية حاجة الساكن للعيش الكريم، بل صار مجالًا للتقليد
والمنافسة.
- الخرسانة
والرخام والأثاث الفاخر لم تستطع أن تزرع الألفة في قلب المرأة أو العائلة.
مقاصد الشريعة في البيت
لكي
يتحقق فعل السكن والسكينة، لا بد أن يُبنى البيت وفق مقاصد واضحة:
- البساطة: البناء على قدر الحاجة، دون تكلف أو إسراف.
- الخصوصية: انفتاح على الداخل، انغلاق على الخارج، حماية من تطفل الجيران
والمارة سمعيًا وبصريًا.
- الفصل الاجتماعي: مجالس تفصل بين الرجال والنساء الغرباء، ومضاجع تفصل بين الذكور
والإناث.
- الارتباط بالسماء والطبيعة: فناء داخلي أو شرفة مفتوحة، للإضاءة والتهوية الطبيعية، ولتكون
متنفسًا ومستراحًا.
- البيت الجامع: استيعاب العائلة الممتدة ذات القيادة والنظام، بدل الأسرة الصغيرة
المنعزلة المثقلة بالتكاليف.
البيت كمحضن تربوي
السكينة
ليست مجرد راحة نفسية، بل هي أساس لاستقرار الأسرة وتربية الأبناء. البيت الذي
يوفّر الألفة والطمأنينة يصبح محضنًا تربويًا، يزرع في الأطفال الثقة والاتزان،
ويمنح الأسرة القدرة على مواجهة أعباء الحياة. أما البيت الذي يفتقد السكينة، فإنه
يزرع القلق ويُضعف الروابط، ويجعل ساكنيه يبحثون عن بدائل خارجية لا تعوض دور
البيت الطبيعي.
العمارة الأصيلة ليست رجعية
من الخطأ
النظر إلى العمارة الأصيلة باعتبارها رجوعًا إلى الماضي. هي في حقيقتها ذكية
مناخيًا واجتماعيًا وغير
مكلفة اقتصادياً:
- الفناء
الداخلي يوفّر تهوية طبيعية ويقلل من استهلاك الطاقة.
- المواد
المحلية البسيطة أقل تكلفة وأكثر انسجامًا مع البيئة.
- الخصوصية
المعمارية تعكس ذكاء اجتماعيًا يحمي العلاقات ويعزز الألفة.
بهذا المعنى، العمارة الأصيلة ليست مجرد تراث، بل هي استثمار طويل الأمد في المال والطاقة والسكينة.
النماذج المعمارية
النماذج
التي عرضناها في أكثر من منشور- من البيت البسيط إلى البيت الأكبر، وصولًا إلى
مسكن العائلة الممتدة- تُظهر أن العمارة يمكن أن تكون جسرًا بين الأصالة والمعاصرة:
- تستوعب
حاجات اليوم (مكتب عمل، جراج، مخازن).
- لكنها
لا تفقد مقاصد الشريعة في السكن والسكينة.
- الفناء
الداخلي يعود كقلب البيت، والخصوصية تُستعاد، والجماعة تجد مكانها في فراغات
مشتركة.
مقارنة بين البيت الليبي الأصيل والبيت المعاصر
|
العنصر |
النماذج الأصيلة |
البيوت المعاصرة الشائعة |
|
الواجهة |
واجهة مغلقة، بسيطة، تحافظ
على الخصوصية |
واجهات زجاجية مفتوحة،
تُظهر الداخل للشارع |
|
الفناء
الداخلي |
عنصر أساسي، مفتوح على
السماء، مصدر للسكينة والتهوية |
غالبًا غائب، يُستبدل
بحديقة أمامية للعرض |
|
المجالس |
فصل واضح بين الرجال والنساء،
مع ارتباط بالفناء |
مجلس واحد كبير للعرض
الاجتماعي |
|
البيت
الجامع |
يستوعب العائلة الممتدة،
يوفّر الدعم والتكافل |
يقتصر على أسرة صغيرة
منعزلة مثقلة بالتكاليف |
|
المواد |
محلية وبسيطة، تخدم الوظيفة
والراحة |
مستوردة وفاخرة، تخدم
المباهاة |
|
المقصد |
تحقيق السكن والسكينة |
تحقيق التفاخر والمنافسة |
الخاتمة
هذه
المقارنة تكشف أن الأزمة ليست في القدرة التقنية أو وفرة المواد، بل في العقلية
الممسوخة التي فقدت البوصلة. حين يُعاد الاعتبار للفناء،
للخصوصية، وللبيت الجامع، نستعيد معنى السكن والسكينة. أما حين يُستبدل ذلك
بالتفاخر والمباهاة، فإن البيت يفقد وظيفته الأساسية.
إن إصلاح
العمارة الليبية يبدأ من إعادة صياغة عقلية العيش، لا من زخرفة الواجهات. البيت هو
نقطة الانطلاق لإعادة بناء منظومة عيش متكاملة، تحقق للمرأة والعائلة معًا معنى
السكن والسكينة، وتعيد للبيت دوره كمحضن تربوي، وذخيرة اجتماعية، واستثمار اقتصادي
طويل الأمد.


