أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، مايو 27، 2026

البناء والإستقرار وما بعد الحرب

 


بقلم روجر سكروتن[1]

عندما سافر إدوار لير في الأرض المقدسة راسماً البلدات والقرى على طريقه، ترك أثناءها سجلاً لأجمل المستقرات البشرية التي عرفها العالم. مدنٌ متراصة من الحجر، أسقفٌ تندمج كستائر متموجة، والقباب تستقر في حضن السماء، في حين تمتد المآذن فوقها مصلية. بقيت العديد من تلك المدن دون أن يمسها أي تغيير حتى القرن العشرين؛ بأزقتها الحجرية وبيوتها المنطوية للداخل ناقلةً معانيها، لتحمل الكثير من الإرباك لزائرٍ أوروبي بأن يدرك أن المدينة العربية ليست فراغاً عاماً؛ وإنما تراكبٌ من فراغاتٍ خاصة كل منها مظلمٌ، متحفظ، وحرمٌ بحد ذاته.

بالطبع تطورت المدن الساحلية، والمراكز التجارية الضخمة، والمدن الكبرى على طريقة القرن التاسع عشر المعروفة؛ ذات الواجهة المكسية بالحجارة المحددة للمحلات التجارية والشرفات الكلاسيكية المحددة للأشخاص الأنيقين.

ولكن في الداخل بعيداً عن التأثير الغربي، أبقت المدن على شخصيتها القديمة مبنيةً مثل واحاتٍ، كأماكن للإيواء، حيث يعيش الناس من مختلف الطوائف جنباً إلى جنب في تناغم متقارب.

لم تكن الإمبراطورية العثمانية مؤلفةً من ولايات لأمة واحدة؛ وإنما من مجتمعات طائفية ومذاهب، لم يكن بعضها حتى معترفاً به من قبل السلطان في إسطنبول. ولذلك لم يكن من الممكن تحقيق السلام ما بين الطوائف من خلال الحدود، كما في أوروبا، وإنما فقط من خلال العادات. تحقيق سلامٍ ثابت ومستمر ليس بالأمر السهل، ويتطلب عملاً دؤوباً للحفاظ عليه. وقد كانت العمارة جزءاً من ذلك العمل، بمعنى ذلك الإفتراض غير المحكي بأن البيوت يجب أن تتواجد جنباً إلى جنب على طول الأزقة والشوارع وبأنه لايتوجب على منزلٍ خاص أن يكون متفاخراً وظاهراً لدرجة أن يعلو مثلاً عن الجامع أو الكنيسة. وأن المدينة يجب أن تكون مكاناً متماسكاً وموحداً مبنية من المواد المحلية بحسب مفردات مشتركة من الأشكال. فالجدارن الحجرية السميكة كانت موجهة للداخل من أجل توفير الطاقة والحفاظ على برودةٍ في الصيف والدفء في الشتاء. والسوق كان عبارة عن فراغٍ عام مزين بشكلٍ مناسب ليمثل قلب المدينة؛ المكان الذي كانت تمثل فيه التجارة الحرة للبضائع الإندماج الحر للمجتمعات. فسوق حلب القديم الذي للأسف دمره الصراع الدائر اليوم كان مثالاً يحتذى.

ولكن ليس الصراع الأهلي وحده هو ما أضر بالمدن المستقرة في الشرق الأوسط؛ إذ وصلت قبل هذه الأزمة بكثير طرق بناءٍ جديدة، والتي لم تظهر من الإحترام شيئاً يذكر لفكرة الاستقرار، وتناست أكثر قوانين المدن العربية غير المكتوبة قداسة؛ وهو قانون  وجوب عدم علو أي مبنىً علماني عن الجامع. أتت طرائق البناء الجديدة هذه كما أتى غيرها الكثير من الغرب مع تعاونٍ تام مع التجار المحليين الذين كانوا في الغالب يستغلون الثغرات العديدة لقانون الأراضي المحلي والغياب النسبي للرقابة التخطيطية.

وهكذا لم تسلم أثمن جواهر المنطقة، كمدينة حلب مثلاً، من الخراب بواسطة أبراج البناء المؤذي للعين والشقق الرديئة البناء. في حين تساءل السكان المحلييون وهم يشهدون ذلك الدمار، فيما إذا كان هذا التحول الحاصل على بيئتهم القديمة الغالية هو مجرد ثمن الحداثة، أم هو شيءٌ تتوجب مقابلته بترحابٍ على انه إنعتاقٌ من كف الماضي الميت.

لذلك اليوم وأكثر من أي وقتٍ مضى أصبح سؤال كيف يجب أن نبني في الشرق الأوسط اليوم ملحاً وطارئاً. فقد تعرف العالم اليوم على المدن العربية عن طرق التغطية التلفزيونية لأحداث الأزمات الأهلية الأخيرة في البلدان العربية كليبيا وتونس ومصر وبلاد الشام.

القاهرة التي زرتها عندما كنت صبياً منذ أكثر من نصف قرنٍ مضى والتي كانت حينها مكاناً مهلهلاً جمعت فيه العناصر الإدواردية والعثمانية لتمثل وجه ألقٍ متآكل هي اليوم مدينة حديد وإسمنت لا يتناغم فيها مبنىً مع جوار إلاما ندر. وما يدعى فيها باسم الفراغات العامة، كميدان التحرير مثلاً، ليس عاماً ولا حتى فراغاً، وإنما مجرد خلاءات ضمن كومة من الأشكال غير المتلائمة. فالطرز التي وظفها المعماريون يمكنها أن توظف في أي مكان؛ بما أنها أصلاً لا تنتمي لأي مكان. كما أن جميع المباني المرئية تعتمد على كثيرٍ من مزودات طاقة على شكل مكيفات هواء إذا ما كان بالإماكن السكن فيها. وبالتالي فإن النتيجة كارثة بيئية وجمالية، شيءٌ على عكس الاستقرار، ووضعٌ يمكن للعمارة فيه فقط أن تفاقم الصراعات الأهلية التي تنمو في ظلالها.

تم تجريب فكرة إستبدال المدينة العضوية ذات الطرز التقليدية بفراغات مصفاة مؤلفة من كتل من الزجاج، بادئ ذي بدء في العالم العربي. لوكوربوزيه الذي حاول عبثاً أن يقنع مجلس مدينة باريس بأن تتبنى خطته لتهديم مدينة كاملة في شمال السين، وإستبدالها بتجمع من الأبراج الزجاجية، حول بعدها نظره إلى مدينة الجزائر   بدلاً من ذلك، والتي كانت حينها تحت إدارة الاحتلال الفرنسي. وبذلك وكونه المستشار المعماري لحكومة فيشي الفرنسية خلال الحرب إستطاع لوكوربزيه أن يقنع عمدة الجزائر المنتخب بأن يفرض مخططه على المدينة، مع ذلك فإن جزءاً صغيراً وحسب من ذلك المخطط كان قد بني إلى أن وضعت الحرب أوزارها منهيةً المشروع.

لا يزال هذا المخطط يدرّس ويعامل حتى بوقار وإعتبار في المدارس الحديثة للعمارة. وهو الذي كان يتضمن محو المدينة القديمة عن الخريطة وإستبدالها بمربع أبينة ضخم يقطع دابرالساحل واللاندسكيب، ومن فوقها يجعل طرق السيارات تحلق من فوق رؤوس السكان والقاطنين.

لم يشكل أي جامع أو كنيسة جزءاً من المخطط كما لم يكن هناك لا أزقة ولازوايا مخبأة. كان بأكمله خالياً من التعبير وبارداً؛ إنه عمل إنتقامي يمارسه العالم الجديد ضد القديم.

مع ذلك غذّى جنون العظمة الذي عانى منه لوكوربوزيه الإنئسار بما هو جديد الذي سحر العديد من آخذي القرار في العالم العربي، الذين آمنوا بأن السبيل لإظهار أنفسهم كجزءٍ من العالم الحديث يكون من خلال إعادة تصميم كل شيء بطريقة مستقبلية كما هي الحال في دبي.

وعندما سيحين أوان إعادة الإعمار في مدن بلاد الشام سيكون هناك حتماً من سيسعى إلى أن يحذوحذو إمارات الخليج؛ مما سيخلق كوارث بيئية مكان المستقرات العضوية، مستبدلاً ما كان يوماً مدناً جميلة بتجمعات سكانية مبعثرة.

لذلك يلزمنا اليوم بإلحاح وسرعة نوعٌ جديد من العمارة الحديثة؛ تجب إستعادة المستقرات القديمة كحمص وحلب، ويجب أن تستعاد بطرقٍ حديثة ومواد حديثة؛ ولكن يجب على الطرز أن تُضمّن تلك المواد والطرق ضمن نسيج من المدينة الحقيقة التي سوف تنبثق من ذلك. من بعد التدمير النازي لمدينة وارسو القديمة قام من تبقى من أهلها بإتخاذ قرارٍ جمعي لإعادة بناء مركز مدينتهم كما كان؛ لذلك يمكن أن تتم دعوة أهالي حلب لإتخاذ قرارٍ مشابه اليوم، وهكذا يمكن لنوعٍ جديد من عملية التخطيط أن يظهر، تطرح فيها المخططات للإسستفتاء العام بدلاً من قرار الخبراء الذين سيكسب قسمٌ منهم على أقل تقدير مالاً من الصفقة.

ويمكن أخذ الدليل من سويسرا؛ بأن الناس فيما إذا ما إعطوا الخيار فإنهم لن يصوتوا للأبنية ذات الطرز الحديثة الضخمة، وسيفضلون دوماً أبنيةً تتلاءم على تلك التي تظهر نفسها. وهذا حتماً هو صوت الغريزة والطبيعة البشرية؛ فنحن كمخلوفات إجتماعية نميل بطبعنا للإستقرار من خلال التلاؤم مع جيراننا وتعديل سلوكنا ونمط حياتنا مع سلوكهم ونمط حياتهم. يجب على العمارة أن تتبع ذات القاعدة؛ يجب عليها أن تتعدل لتتلاءم مع جوارها، لا أن تفرض نفسها على نمط حياة الناس وحركتهم ومجتمعهم بشكلٍ غريب عن عاداتهم الموروثة.

هذا لا يعني أن المباني الجديدة يجب أن تكون جميعها ببساطة ذات نفس الطراز، أو أن تستخدم نفس المواد كما القديمة منها. فمدينة حمص القديمة بنيت عبر السنين بعدة طرز، ولكن حاول كل جيل من البنائيين أن يتلاءم مع البيئة التي خلقها سابقوه. كما حدث نمو المدينة العضوية؛ على عكس النموذج الذي قدمه لوكوربوزيه في الجزائر، أي أن يحدث كل شيء على شكل إستبدالٍ تدريجي بدلا من إعادة بناء كامل.

أملي هو أن هذا النوع الجديد من العمارة سوف يظهر على أيدي نوع جديد من المعماريين. لا يمكننا العودة بسهولة إلى المواد الجميلة التي بنيت منها مدن بلاد الشام بالأصل. فضرورات السرعة والمهارات المتوفرة تشير إلى أن الفولاذ والإسمنت هي المواد التي ستنبى منها المدن المرممة اليوم. ولكن السؤال الحقيقي هو كيف يمكن إستخدام تلك المواد بإحساس بحيث تتلاءم مع ما يحيط بها، بحيث لا تقف بقوة ومعزولة من فوقهم، وكأنها زائر من كوكب آخر. للإجابة عن ذلك السؤال سيلزمنا جهدٌ متماسكك بين أناس مخلصين، لنأمل أنهم موجودون.

 

·         يعتبر هذا المقال مرجع علمي للطلاب والممارسين في التخطيط والعمارة.

·         وكلي أمل أن تكثفوا جهودكم بترجمة مثل هذه المقالات الهامة والتي تثري المحتوى العربي.



[1] - روجر سكروتن هو فيلسوف بريطاني محافظ وأحد أهم المفكرين الغربيين المعروفين. عرف بكتاباته عن الجماليات والعمارة والموسيقى. له أكثر من ثلاثين كتاب منها جماليات العمارة، وجماليات الموسيقى، والجمال إلى جانب كتبه ومحاضراته العديدة في الثقافة والفلسفة.

هندسة السراب

 

جمال الهمالي اللافي

تدفع الباب الخشبي الثقيل، محملاً بتلك الصورة التي شيّدتها في خيالك طويلاً. رائحة المخططات الورقية وبرودة الزجاج تملأ المكان. أمامك يجلس رجل هادئ، تحيط به رصانة الزوايا وحكمة الخطوط المستقيمة. تجلس على المقعد المواجه له، وبدلاً من أن تبسط أحلامك عن جدران بيتك المنتظر، تبدأ في البحث عن بطل روايتك بين ملامحه.

تتأمل وقاره، فتتسرب الخيبة ببطء إلى عينيك؛ تكتشف أن الواقع لا يرتدي عباءة أوهامك، وأن الكلمات الموزونة التي تسمعها هنا مبنية على حسابات دقيقة، لا على سحائب الخيال التي كنت تنتظرها. تنعقد الكلمات في حلقك، وتشعر للحظة مرتبكة أنك أخطأت العنوان، وأن هذا الغريب ليس هو.

لكنك في الحقيقة لم تضل الطريق إلى المكتب، بل ضللت في قراءة واجهاتك الداخلية. دعنا نعترف في هذه اللحظة العارية: أنت لم تكن تبحث عن خريطة تؤسس لبيت يشعر بك، بل كنت تنقب عن معماري يشبه أوهامك. لقد ظل عقلك أسيراً لصورة ذهنية مسبقة، يطاردها في ممرات الواقع فلا يجدها، فيرتد غضبك المكتوم نحو إنسان بريء من خيالك الجامح. لم تسأل نفسك قط: ما الذي قاد خطاي إلى هنا حقاً؟ هل هي العمارة التي تأوينا، أم المعماري الذي نُلبسه أدوارنا؟

الخلل لا يكمن في الواجهات التي يخطها، بل في الزوايا المظلمة من توقعاتك. العمارة ليست مسرحاً درامياً لتمثيل أدوارنا الرومانسية أو استعراض كبريائنا الهش، بل هي فضاء للعيش، ملاذ للكرامة، ووعاء يحتضن الذاكرة.

سواء كنتَ تطارد صورة مثالية مستحيلة، أو كنتِ تبحثين عن انعكاس حالم خلف طاولة التصميم، يجب أن ندرك أن الجدران الحقيقية لا تُبنى على الأوهام، بل تنهض على أساس متين من وعينا العميق بحاجاتنا. إذا وجدت نفسك مفتوناً بالبحث عن شخص المعماري أكثر من بحثك عن دفء المكان الذي سيأويك، فربما تحتاج إلى ترميم داخلي، وإلى مراجعة لمخططات روحك قبل أن تطرق باب أي مكتب.

لا تنتظر خريطة تعكس لك سراباً تتخيله، بل ابحث عن المساحة التي تشبه حقيقتك المجردة. وحين تصدق مع نفسك، ستجد أن المشروع الذي يليق بك كان يختبئ هناك، ينتظرك خلف كل تلك الأوهام.

الثلاثاء، مايو 26، 2026

العمارة المحلية المعاصرة وتلبية تطلعات الأسرة الليبية

 

جمال الهمالي اللافي

تواجه الأسرة الليبية المعاصرة تحدياً حقيقياً عند الشروع في بناء مسكنها؛ إذ تأرجحت عمارة السكن لعقود بين مطرقة الأنماط الهجينة والمساقط المستوردة التي تفتقر للحس الثقافي والبيئي، وسندان التكاليف الباهظة والمساحات المهدورة. وفي خضم هذا الاغتراب البصري والوظيفي، برز نمط "العمارة المحلية المعاصرة" كاستجابة واعية تعيد الاعتبار للمسكن بوصفه فراغاً إنسانياً واجتماعياً يلبي الاحتياجات الحقيقية للمجتمع، بعيداً عن صرعات الموضة المعمارية الدخيلة.

وعند إسقاط الركائز الثلاث للعمارة الناجحة على هذا النمط، يتجلى لنا كيف نجح في إثبات تفوقه الجداري من خلال تلبية ثلاثة اهتمامات رئيسية تشغل بال الأسرة الليبية وتحدد جودة حياتها اليومية:

1.      الكفاءة الوظيفية والبيئية المتكاملة

لم تعد العمارة في هذا النمط مجرد جدران مصممة لتقسيم الغرف، بل هي منظومة فراغية وحركية متكاملة ترتكز على معالجات واعية:

·     صياغة الفراغات المعاصرة: نجح النمط المحلي في دمج كافة المتطلبات الحديثة من أنشطة ومعالجات مناخية، موزعة بمرونة وذكاء بين الفراغات الداخلية المعيشية والفراغات المفتوحة والأفنية المستورة.

·     الاستغلال الذكي للمساحات: الاعتماد على مخططات محكمة تقضي تماماً على الهدر المساحي والممرات الطفيلية التي عانت منها المساقط الأفقية التقليدية أو العشوائية.

·     التحكم البيئي الكامن: تحقيق معادلة التوفير في التكلفة الإجمالية لتنفيذ المبنى وتشطيبه، إلى جانب خفض تكاليف التشغيل مستقبلاً عبر التوجيه المناخي الذكي واستغلال الإضاءة الطبيعية والتهوية المتقاطعة، دون أي إخلال بالجودة الإنشائية أو القيمة الجمالية.

2.      تحقيق الخصوصية المطلقة (السمعية والبصرية)

تُعد الخصوصية الركيزة الأساسية التي يقوم عليها استقرار الأسرة ونمط حياتها الاجتماعي، ويمتاز هذا النمط بتقديم حلول معمارية جذرية تنبع من فهم عميق لثقافة المجتمع:

·     الفصل الحركي التام: تضمن هندسة الفراغات تنقّل أهل البيت بحرية تامة وبأريحية داخل الفراغات المعيشية، دون أن تتعارض حركتهم اليومية أو تتصادم بصرياً مع حجرة الاستقبال (المربوعة) المخصصة للضيوف والزوار.

·         الاحتواء البصري للفراغ الخارجي: تمكين العائلة من الاستغلال الأمثل للأفنية والحدائق المنزلية وتحويلها إلى امتداد طبيعي للمعيشة اليومية، عبر محاور بصرية محجوبة تتيح ممارسة الأنشطة المختلفة بأمان كامل بعيداً عن تطفل أعين الجوار أو كشف النوافذ المحيطة.

·     السكينة والهوية البصرية: دمج متطلبات الراحة النفسية والهدوء السمعي مع مفردات العمارة المحلية، مما يفرز مسكناً ينتمي لثقافته المحيطة ويعكس هويته التاريخية دون تكلف أو زيف.

3.      الاعتزاز الاجتماعي والنجاح الواقعي

إن المقياس الحقيقي لنجاح أي أطروحة معمارية هو اختبارها على أرض الواقع ومدى رضا الساكنين عنها وعمق ارتباطهم بها. وقد أثبتت التجارب المتعددة المنفذة لهذا النمط اعتزاز أصحاب هذه البيوت بمساكنهم، وتحولها إلى مصدر فخر اجتماعي لهم في ظل غياب تام لأي شكاوى تنتقص من كفاءتها المعيشية، ولعل أبرز الشواهد الواقعية الملموسة على هذا النجاح:

·     رفض التخلي عن المسكن: رفض أحد السكان التفريط في مسكنه تماماً، ورغب عن بيعه رغم مساومته عليه وعرض مبالغ مالية خيالية تجاوزت القيمة السوقية بكثير، تيقناً منه بأن جودة الحياة والسكينة التي يوفرها هذا الفراغ لا تُعوض بمال.

·     مقاومة المغريات المادية: ساكن آخر، رفض بشكل قاطع تأجير بيته لأحد السفراء الأجانب في الحي المجاور، رغم الإلحاح الشديد والمغريات المادية الكبيرة، تفضيلاً لاستقراره العائلي في فراغ صُمم خصيصاً ليناسب نمط حياة أسرته.

·     البيت المزار والنموذج: فتح أحد الساكنين بيته للفرجة ترحيباً بكل من أبدى رغبة في رؤية التصميم بعد انتهاء مرحلة التشطيبات وقبل الانتقال للسكن فيه؛ بينما تحول مسكن آخر إلى مزار ومقصد يقصده المهتمون ممن سمعوا عنه أو شاهدوا صوره على منصات التواصل الاجتماعي، رغبة في استلهام تفاصيله ومحاكاتها، على الرغم من وقوع المسكن في منطقة هادئة بعيدة عن الشوارع الرئيسية الصاخبة.

ختاماً، يُثبت واقع التجربة أن نجاح العمارة المحلية المعاصرة في البيئة الليبية ليس مجرد انحياز عاطفي أو الحنين للماضي، بل هو ضرورة حتمية فرضتها كفاءة الحلول المعمارية التي تحترم الإنسان والأرض معاً. إن قيمة المسكن الحقيقية لا تقاس بمدى محاكاته لصرعات الموضة الدخيلة، بل بمدى قدرته على صون كرامة الأسرة، وتوفير السكينة، وحماية الميزانية من الهدر. وحين ينجح المعماري في صياغة الفراغ بروح محلية واعية، فإنه لا يبني مجرد جدران وأسقف، بل يؤسس لإرث اجتماعي ومبعث فخر يتوارثه الأجيال، مؤكداً أن عمارة الهوية هي الاستثمار الأضمن للمستقبل.

الاثنين، مايو 25، 2026

خرافة التكلفة العالية: من يدفع ثمن التشويه المعماري؟

 

جمال الهمالي اللافي

نقل لي أحد المتابعين تعليقاً غريباً من مهندس ادعى فيه أن التصاميم التي أقدمها – والمستلهمة من روح العمارة المحلية – تكلف "أربعة أضعاف" تكلفة المنزل العادي، حتى لو كانت مساحته لا تتجاوز 120 متراً مربعاً. ردي المباشر والعفوي على هذا الافتراء كان: "صاحبك كذّاب أشر، تصاميمي أقل كلفة أو متساوية، ولكنها قطعاً لا تزيد".

هذا الادعاء ليس مجرد خطأ في التقدير الهندسي، بل هو جزء من حملة تشويه ممنهجة، يمارسها بعض المحسوبين على المهنة للدفاع عن "العمارة الهلامية" السائدة التي شوهت مدننا. إنهم يروجون لخرافة التكلفة العالية للعمارة الأصيلة كفزاعة لإبعاد المواطن عن جذوره، ولضمان استمرار دوران عجلة الاستهلاك في سوق البناء الذي تحكمه العشوائية والتقليد الأعمى.


تشريح التكلفة: أين تُهدر أموال العمارة الهلامية؟

لكي ندرك حجم التضليل في هذا الادعاء، علينا أن نضع "المنزل العادي" (بمفهومهم المشوه) تحت مجهر التكلفة الفعلية. إن ما يصفونه بالنمط السائد هو في الحقيقة مستنقع من الإسراف المادي والهندسي، ويتجلى ذلك بوضوح في:

·     الاستعراض الإنشائي المفرط: يلجأ الكثير من المصممين اليوم إلى إثقال المبنى بكتل خرسانية ضخمة لا مبرر وظيفي لها. نرى الكتل الطائرة (الكوابيل المبالغ فيها) وأقواس المداخل العملاقة التي تمتد بارتفاعات شاهقة لتصل إلى سطح المبنى، مستهلكة أطناناً من الحديد والأسمنت والخرسانة المسلحة لمجرد محاولة إضفاء "جماليات" مفتعلة، دون أي عائد بيئي أو وظيفي.

·         إخفاء الفشل خلف الديكورات: لأن الفراغات الداخلية في التصاميم الهلامية تولد ميتة وتفتقر للنسب الإنسانية، يتم اللجوء إلى حشوها بكتل ضخمة ومكلفة من ديكورات الجبس في الأسقف والحوائط لترقيع القبح المعماري.

·     استلاب الخامات (هوس المستورد): تعتمد العمارة السائدة على استنزاف جيب المواطن عبر استخدام أغلى أنواع الرخام والجرانيت المستورد في تبليط الأرضيات وتكسية الواجهات الخارجية، واستبدال الغطاء النباتي المحلي بأشجار زينة مستوردة باهظة الثمن والرعاية.


الدليل الميداني: اقتصاديات البساطة في العمارة المحلية

في المقابل، إذا وضعنا أحد تصاميمي المحلية البسيطة تحت التقييم الإنشائي، سينفضح زيف ذلك الادعاء تماماً. إن هذا النهج لا يستدعي شكلاً من الماضي ليلصقه على واجهة حديثة، بل يستدعي "منطق البناء" ذاته، وهو المنطق الأجدى مالياً والأكثر استدامة:

·     العقلانية الإنشائية وتوفير الخرسانة: الكتل في مشاريعي متراكبة بشكل رأسي سليم ومباشر، والمجازات (Spans) واضحة واعتيادية. هذا يعني أن الأحمال تنتقل بسلاسة إلى القواعد دون الحاجة إلى تسليح معقد. غياب الاستعراض الإنشائي يجعل الهيكل حكيماً وغير مسرف، ويقلل بشكل ملموس من كميات الحديد والخرسانة المطلوبة مقارنة بالمباني السائدة.

·     نقاء الواجهات والحلول البيئية: يعتمد التصميم على البساطة والنقاء البصري؛ حوائط مصمتة تكتسب جماليتها من تلاعب الضوء والظل، ومحمية بلمسات محلية بسيطة كالمظلات التقليدية والبرجولات الخشبية الخفيفة التي توفر معالجة مناخية ذكية بأقل التكاليف. هذا يُغني تماماً عن بند التكسية المكلف بالمواد المستوردة.

·     الفراغ الناطق وغياب الحشو الديكوري: العمارة المحلية تستمد قيمتها من جودة الفراغ، ونسبه، ووضوح هويته، والاعتماد على المواد والأحجار المتاحة محلياً بصدق. هذا النقاء يُسقط تلقائياً بنوداً كاملة من ميزانية التشطيبات، ككتل الجبس المفتعلة والديكورات الباهظة.

خلاصة القول:

    إن العودة إلى العمارة المحلية ليست ترفاً برجوازياً ولا حنيناً مكلفاً للماضي؛ بل هي قمة الترشيد الاقتصادي. إن من يبيعك الوهم بأن هويتك وبساطتك تكلفك أربعة أضعاف، هو ذاته من يريدك أن تظل رهينة لسوق الخرسانات المبالغ فيها والديكورات المستوردة التي تستنزف مقدراتك وتشوه ذائقة أجيالنا.

الأحد، مايو 24، 2026

استقلالية المعماري: حينما تفرضُ المهنيةُ قواعدَها

جمال الهمالي اللالافي

المعماري، أينما وُجد، هو كيان مستقل عن أي تبعية؛ لا سيما حين يكرس هذا الاستقلال بامتلاكه مكتباً مهنياً خاصاً. هذا الواقع يستوجب على قادة مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، وشركات الاستثمار العقاري، التعامل معه على أساس الندية التامة، فهو قائدٌ لمؤسسته ومديرها التنفيذي، يضع الحدود للتعاملات والقيمة المادية لخدماته بصفته نظيراً مؤسسياً، لا مرؤوساً وظيفياً.

إن الخطأ الجسيم الذي يقع فيه المسؤول -لاسيما في سياقنا الراهن- هو التعاطي مع المعماري وكأنه أحد مرؤوسيه. وهنا تكمن الكارثة؛ إذ يُعد هذا تطاولاً على كيان مهني مستقل، يتمتع باستقلالية إدارية ومالية كاملة، ولا يخضع للتراتبية الوظيفية التي تحكم علاقات المسؤول بموظفيه.

ولا ينحصر هذا التجاوز في الواقع العملي فحسب، بل يمتد إلى فضاء التواصل الرقمي؛ إذ يبتدئ البعض حواراً مهنياً، ثم يماطلون في الرد تحت ذريعة "الانشغال"، متجاهلين أن وقت المعماري هو أمانة مهنية والتزام تجاه زبائنه الفعليين. إن استنزاف هذا الوقت في نقاشات عقيمة تنتهي –غالباً– بالاعتذار عند الحديث عن التكاليف، ليس مجرد تضييعٍ للجهد، بل هو استخفافٌ بمبدأ الندية؛ فالمعماري ليس متاحاً للاستشارات المجانية أو الترفيه، بل هو صاحب مهنة يحدد قيمة وقته بقدر ما يحدد قيمة تصاميمه.

في هذه الحالة، ستواجه حالة من الإقصاء الممزوج بالازدراء؛ فالمعماري سيرى في هذا التصرف تعجرفاً لا يليق، وسيعاملك بالمثل. لسان حاله يقول لك: "كما تدين تُدان"، وبالعين التي تنظر بها إليه، يراك بها. لا مالك ولا منصبك يعنيان له شيئاً، فهو لا يراك في هذه العلاقة إلا زبوناً ضمن قائمة أعماله، يختار من يرتضي العمل معه، ويقصي من يفتقر إلى أدب التعامل المهني.

القافلة عند هذا المعماري تسير، ولا يعبأ بنفوق جملٍ فيها، أو انسحاب مرافقٍ عنها.

سلسلة بيوت تُروى: حكايات من العمارة الليبية

رهان الأقواس والأفنية: قصة البيت الذي بيع قبل أن يجف طلاؤه 

جمال الهمالي اللافي

في صباحٍ صيفي لاهب من العام 2003، كان المهندس المدني خالد يقود سيارته ببطء، وجسده يئن من تعب الأسابيع الماضية. وإلى جانبه زوجته، يتقاسمان صمتاً محملًا بالخيبة. طوال شهر كامل، طافا بين خمسين بيتاً يعرضها المستثمرون؛ كانت كلها تتشابه في قسوتها، مجرد علب خرسانية صماء، صُنعت بلا روح لتكدس الغرف وتغلق منافذ الهواء، بيوت لا تشبه أحلامهما بالاستقرار والسكينة، ولا تنتمي لأرضنا وعاداتنا.

وفي اللحظة التي كاد يتسلل فيها اليأس إلى قلبيهما، قادتهما الخطى إلى منطقة السبعة. كانت المنطقة حينها تعيش برزخاً جميلاً؛ حيث ملامح العمران تتسلل بهدوء ووقار لتداعب خضرة الأرض الزراعية وتتنفس من هوائها العليل.

من بعيد، وسط زقاق هادئ يتفرع عن صخب الشارع الرئيسي، لمحا بياضاً يلوح كالنور. اقتربا، فانحبست الأنفاس. توقفت السيارة أمام بيت أرضي كان لا يزال في مرحلة التشطيبات النهائية، لكنه كان ينطق بهوية مغايرة. جدار خارجي مكسو بحجر ذي ملمس طبيعي دافئ يذكرك ببيوت طرابلس القديمة، وعوارض خشبية بارزة تتطلع إلى السماء، بانتظار تعريشة ترسم على الأرض ظلالاً وارفة. كانت البوابة مفتوحة كأنها تدعو العابرين، وبداخلها يقف أسامة، المستثمر الذي أرهقه القلق على أمواله في مشروع غريب عن المألوف. طرق خالد الباب، فاستقبله أسامة بترحيب يداري وراءه ترقباً طويلاً.

خطت الزوجة خطوتها الأولى عبر العتبة، فحدث شيء أشبه بالسحر. صمتت تماماً، لكن عينيها اتسعتا بذهول طفولي. استقبلها ممر خارجي تظلله أقواس بيضاء ناصعة، مصممة بهندسة مدهشة تؤطر زرقة السماء وكأنها لوحة حية متغيرة. ومن الأعلى، كانت الفتحات المربعة تتناغم في تتابع دقيق، لتسمح للشمس بأن تغزل خيوطاً متراقصة من الضوء والظل على بلاط الأرضية.

قادهما الممر بنعومة إلى قلب البيت: فناء داخلي مفتوح يحتضن في وسطه حوضاً مربعاً من التربة ينتظر أن تدب فيه الحياة، وتطل عليه النوافذ بذكاء يحقق معادلة بالغة الصعوبة: تهوية كاملة، وإضاءة طبيعية تغمر الأركان، مع "خصوصية مطلقة" تتيح للمرأة أن تتحرك في مملكتها بكامل حريتها دون أن تلمحها عين غريبة.

أدركت الزوجة بحدسها الأنثوي والروحي أن هذا البيت لم يُبْنَ عشوائياً، بل صُمم بدقة ليفهم تفاصيل حياتها اليومية ويحمي خصوصيتها. وبحكم التأدب والوقار الاجتماعي المتأصل أمام الغرباء، لم تنبس بكلمة واحدة، بل وقفت تستمع لحديث خالد مع أسامة بإنصات مهيب. لكنها، في لحظة مفصلية, التفتت نحو زوجها. التقت أعينهما في حوار صامت فائق السرعة والعمق؛ لمعة رضا دافئة، ووميض حسم لا يتردد، وإيماءة خفيفة جداً من رأسها كانت كافية لصناعة القرار.

التقط خالد الإشارة التي ينتظرها بلهفة. التفت فوراً إلى أسامة، وبنبرة قاطعة لا رجعة فيها قال: "أريد أن أشتري هذا البيت حالاً. لقد طفت بين خمسين بيتاً، ولم أجد روحي ولا ضالتي إلا هنا."

فوجئ أسامة بالإصرار، وأجابه متردداً: "ولكن يا مهندس، البيت لم يكتمل بعد، والتشطيبات تحتاج وقتاً." رد خالد بيقين: "سأشتريه الآن، وسأنتظر كل تفصيل حتى يكتمل تحت إشرافكم." وأمام هذا الشغف الصادق، تم البيع وعادت الطمأنينة لقلب المستثمر.

حين حضر المعماري المشرف بابتسامته الواثقة، أخبره أسامة ببيع البيت سريعاً. وخلال شهر واحد، تحول موقع العمل إلى خلية نحل تسودها البهجة؛ رُكبت أطقم الحمامات بعناية، وتوزعت الفوانيس النحاسية العتيقة على الجدران لتنشر دفئاً شاعرياً تحت الأقواس، وتدلت الثريات لتنير الغرف المشرقة. ومع نهاية الشهر، عاد خالد ليجد لوحته شبه مكتملة، باستثناء أخشاب التعريشة التي جُلبت ولم تُركب بعد. فأخبرهم بلهفة المحب أنه سيتكفل بتركيبها بنفسه، رغبة منه في ترك بصمته الخاصة في هذا الملاذ، وللتعجيل بالانتقال.

وحين استلم أسامة باقي ثمن البيت من خالد، غمرته راحة عميقة، وعادت به الذاكرة تلقائياً إلى ذلك اليوم الذي قصد فيه مكتب المعماري لأول مرة ليصمم له هذا المشروع. يتذكر كيف وقف متوجساً أمام لوحات تصميم بيوت الضواحي الأرضية، وكيف قال للمعماري بخوف التاجر وقلقه على رأسماله: "هذه النماذج غير مألوفة، وأخشى ألا يقبلها الزبائن، خصوصاً أن الأرض تقع في منطقة شبه نائية." ويتذكر كيف أجابه المعماري بثقة العارف الهادئة: "ثق بي، صحيح أنها نماذج غير مألوفة، لكنها مميزة في بساطتها وجمالها وحسن توزيع فراغاتها الداخلية، بما يحقق الكفاءة والخصوصية والملاءمة البيئية."

وفي يوم آخر، التقى أسامة بالمعماري مجدداً بعد أن تم كل شيء بنجاح. بادر المعماري أسامة بابتسامة دافئة قائلاً: "لا أريد أن أعرف كم صرفت ولا بكم بعته, فهذا شأنك.. لكني أود مقارنة تكلفة هذا البيت وأرباحه بما سبق من مشاريعك النمطية."

أجابه أسامة مبتسماً بامتنان عميق ورضا كبير يسكن نبرته: "الفارق كبير، سواء في تكلفة التنفيذ أو الأرباح. ويكفي أنني بعت البيت وهو في أواخر التشطيبات، بعدما كنت أخشى ألا يُباع لاختلافه عن المألوف."

نظر المعماري في عيني المستثمر أسامة، ورأى فيهما إشراقة السعادة والارتياح بعد أن ربح الرهان، وقال بهدوء الواثق: "ألم أخبرك من البداية أن تثق بي؟"

مرت السنوات.. وفي يوم مشمس من عام 2013، بعد عقد كامل من ذلك الصيف، التقطت صورة لهذا البيت. لم يعد مجرد جدران؛ لقد كبرت العائلة في حضنه، وتجذرت أحلامها، ونمت شجيرة "البوغانفيليا" الوردية المورقة التي زرعتها يد الزوجة، لتتسلق السور الأبيض بحرية، وتلتف حول العوارض الخشبية صانعة تعريشة طبيعية تفيض بالجمال والبهجة في زقاق السبعة الهادئ. لقد أثبت الزمن أن رؤية المعماري لم تكن مجرد رسم على ورق، بل كانت بذوراً لحياة حقيقية مكتملة تزداد جمالاً مع السنين.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...