أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، مايو 20، 2026

هدمت الجدران وانطلقت

 


جمال الهمالي اللافي

هذه ليست مجرد محطات في سيرة مهنية، بل هي شهادة وجودية ومسيرة إنسانية تشكلت ملامحها من قيم العطاء من أجل غاية سامية، والإيمان بقضية تستوجب التضحية لأجلها، والعمل المخلص المرتكز على ثقة مفرطة في الآخرين، وضمير مهني لم يسجل طوال عقود أي موقف يخل بالتزاماته الأخلاقية.

1.      الجذور والصدام الأول: معركة "حوش العيلة"

عندما التحقت بقسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس، كانت بوصلتي الفكرية متجهة نحو غاية واضحة ومحددة: إعادة الاعتبار لـ «حوش العيلة»؛ ذلك الفراغ الإنساني الحميم الذي يلم شتات العائلة الممتدة من الجدين والوالدين والأبناء والأحفاد، كرمز للأصالة الاجتماعية والعمرانية. بدأت ملامح هذا التوجه تظهر في أول محاولاتي التصميمية عبر حلول المساقط الأفقية والواجهات، لكن هذا المنحى التأصيلي لم يرُق لأساتذة المادة الدراسية الذين استوطنهم المنهج التغريبي.

كانت درجة (10/1) هي التقييم الثابت الذي يلازم كل مشروع أقدمه. ورغم رسوبي وإعادتي للمادة، تكرر الترصد والتقييم ذاته من الأستاذين نفسيهما. وحين ذهبت لأحدهما مستفسراً عن مكمن الخلل في مشاريعي، أجابني بقسوة: "ما تصممه ليس له وجود إلا في المقابر!".

لم يكن الأمر مجرد خلاف عابر، بل كان صداماً حتمياً بين منهج تغريبي جاف وبين طالب يحمل براءة التمسك بالهوية، مدفوعاً بثقة مفرطة في أن صدق الفكرة وقوة نبلها كفيلان بإقناع الآخرين. لم يثنني ذلك الإقصاء الأكاديمي عن مواصلة طريقي؛ فقضيت عشر سنوات كاملة بين أروقة القسم، أجاهد لإتمام مواد المنهج الدراسي، لا طمعاً في درجات عالية بات نيلها مستحيلاً في ظل هذا المناخ، بل رغبةً في بلوغ أعلى مراتب الوعي بكل ما يمس هذا المجال من تفاصيل.

ورغم فصلي من كلية الهندسة لاحقاً بسبب ضعف المعدل العام الناتج عن هذا الترصد الممنهج - بعد أن أتممت مواد المنهج وناقشت المرحلة الأولى من مشروع التخرج- إلا أنني خرجت برؤية لم تزدها الأيام إلا صلابة. أذكر جيداً نبرة السخرية التي تلا بها أحد المناقشين ملاحظاته في تلك الجلسة الأخيرة، وكأنه لا يحاكم مساقطي الأفقية لـ «حوش العيلة»، بل يحاكم انتمائي وتشبثي بالتراب المحلي، متعمداً تقزيم الحلول الفراغية التقليدية أمام زملائه. من ظن أنه بفصلي سيوقف مسيرتي نحو تأصيل العمارة المحلية، لم يدرك أنه كان يدفعني دفعاً إلى ميدانها العملي الحقيقي.

2.      المدينة القديمة بطرابلس: خيار الهوية لا الفخامة

في العام 1982 وخلال فترة دراستي بقسم العمارة، وأثناء زيارة للوالد (رحمه الله وغفر له) بمكتبه في المكتب الوطني الاستشاري بزاوية الدهماني، طلب مني سرعة التخرج للالتحاق بالعمل معه في ذلك الصرح الاستشاري الفخم. لكنني، وبرؤية كانت قد بدأت تتشكل بوضوح في وجداني، أجبته بيقين: "مكاني سيكون في المدينة القديمة، وليس في المكاتب الفخمة".

لم يكن في تلك السنة وجود لأي جهاز مهمته إدارة المدينة القديمة وترميمها وصيانتها، حيث تأسس هذا الجهاز لاحقاً في العام 1983.

وفي عام 1990، تحقق ذلك الهدف والتحقت بالعمل بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس. لم يكن خياراً عشوائياً، بل خطوة مبرمجة ومقصودة لتكون منصة انطلاقي نحو تأصيل عمارة ليبية معاصرة مستمدة من عمق تاريخنا وحضارتنا.

هناك، فتحت لي آفاق جديدة وتحديات مريرة في آن واحد. بدأت باقتراح برامج لتطوير العمل ومتابعة أعمال الترميم والصيانة. ورغم أنني لم أكلف رسمياً بمتابعة ترميم المعالم التاريخية الكبرى كـ «حوش القره مانللي» و«القنصلية الإنجليزية» - حيث كُلّف بها زملاء وزميلات في الإدارة الهندسية- إلا أن عجزهم عن تحريك تلك الأعمال وغياب رؤيتهم الاستراتيجية لما يجب فعله كان يحز في نفسي.

خلال زياراتي الميدانية المستمرة لتلك المواقع، كنت أجد "أسطى" البناء القدير محمد العماري والمهندس الإنشائي عبد الحميد الضاوي يقفون حائرين يتساءلون عما يجب فعله. هنا، كنت أتجاوز التراتبية الإدارية العقيمة وأمنحهم التوجيهات الفنية والحلول الميدانية اللازمة التي مكنتهم من إنجاز أعمال الترميم والصيانة بنجاح. كنت أكتفي برؤية الجدران التاريخية تستعيد عافيتها، دون أن أسجل تلك التدخلات كإنجازات شخصية في تقاريري الرسمية؛ فالعطاء الصادق الذي تربيت عليه كان يملي عليّ دائماً أن مصلحة الأثر تسبق وتتفوق على أي بروتوكول إداري.

ولأنني آمنت بأن نقل الوعي رسالة تستحق التضحية، أسست برنامجاً للتدريب الصيفي لطلبة قسم العمارة والتخطيط العمراني في السنتين الأولين، ثم ألحقت بهم طلبة كلية الفنون الجميلة بأقسامها المتعددة. أشرفت بنفسي على متابعة ست دورات تدريبية متتالية، محاولاً غرس بذور الأصالة والوعي العملي في عقول الأجيال الشابة، قبل أن تمتد البيروقراطية الإدارية وتتحرك الرغبة في المحافظة على ركود المكاتب ورتابتها لتعيق هذا النشاط، فصدرت القرارات المتلاحقة بإيقاف التمويل وتجفيف منابع البرنامج حتى توقف تماماً.

3.      العهد وتأسيس "الميراث": هدمت الجدران وانطلقت

وسط عواصف العمل والضغوط والمحاولات المتكررة لتقييد حركتي داخل مشروع المدينة القديمة، كان لا بد من خلق مساحات جديدة للتعبير عن الرؤية الذاتية كمتنفس حر يوازي قيود البيروقراطية. في العام 1983، أسست مكتب «الميراث للأعمال الهندسية».

وفي ذلك العام، دار بيني وبين زميلة في مكتبنا المشترك حديث طويل عن مسيرتي والعراقيل التي تحيط بي، فختمته بجملة نبعت من أعمق نقطة في روحي، وصارت بمثابة عهد أبدي لا رجعة فيه: "لا أحد يمكنه إيقاف مسيرتي. إن أغلقوا عليّ باباً، خرجت من الشباك. وإن أوصدوا النوافذ بكل إحكام، هدمت الجدران وانطلقت."

كان هذا العهد بمثابة إعلان موقف وجودي وصيحة ميلاد جديدة لعزمي؛ أن لا أتوقف مهما بلغت الصعاب، وأن يتحول كل إقصاء إلى قوة دافعة للانطلاق والمواصلة.

4.      فخ الثقة المفرطة والطعنة الأخيرة

طوال مسيرتي، كنت المحرض الأول والمهندس الفكري لجميع المكاتب الهندسية والاستشارية التي أسستها ووضعت منهجياتها وأهدافها. ولأنني كنت مشبعاً بقيم تضع العطاء وتأصيل الهوية فوق المصالح الضيقة، فقد كنت أتعامل مع الجميع بثقة مفرطة، دون توجس أو سوء ظن.

لكن هذه الثقة كانت تصطدم أحياناً بتباعد الرؤى؛ فبينما كنت أرى المكاتب فضاءات فكرية لخدمة قضية العمارة المحلية، كان الشركاء ينجذبون تدريجياً نحو الحسابات المادية ولغة الأرقام وتصدير الأسماء على اللوحات الهندسية، مما أدى تباعاً إلى تعثر مكتب «الميراث للأعمال الهندسية» ثم مكتب «أبعاد مهندسون استشاريون» الذي أسسته بعد أن غادرت مشروع المدينة القديمة نهائياً عام 2001 بعد أحد عشر عاماً من العمل المضني.

لم ينكسر إيماني بالناس، فأسست بعدها مكتب «المدرسة الليبية للعمارة والفنون» في مقر شيدت أركانه الفكرية والمنهجية قبل جدرانه الأسمنتية في حديقة بيتي. احتضنت هناك الخريجين الجدد من قسم العمارة وكلية الفنون، وباشرنا العمل تحت قيادتي وتوجيهي لمدة أربعة أعوام كاملة.

وفي العام الأخير، وتأكيداً على حسن نيتي ورغبتي في تقديم يد العون للجميع، اقترحت تسجيل المكتب في نقابة المهندسين كمكتب استشاري، وأشركت فيه زميل دراسة قديم وعضو هيئة تدريس بقسم العمارة بعد عودته من دراسة الماجستير. استقبلته في مكتبي، ووفرت له مساحته الخاصة دون أن أحمله أي أعباء مالية أو مهام ثقيلة.

لكن، وبعد إشهار المكتب باسمه واسم زميل آخر، بدأت الهوة تتسع بين رؤيتي ورؤيته في التعامل مع المهندسين الشباب الذين ضاقوا به ذرعاً واشتكوا إليّ. وحين دعوت لعقد اجتماع لتصفية النفوس والتفاهم، فوجئت به يحمل ملفاً ضخماً، معلناً رغبته في "المحاسبة المالية"، ليفاجئني بصفعة كلامية لم أتوقعها ولم أستعد لها يوماً: "وأنت شن درت؟".

لجمتني الصدمة وعقدت لساني؛ فالسؤال لم يكن ينكر جهدي المادي والمعنوي وتأسيسي للمكان في بيتي فحسب، بل كان يضرب في العمق مبدأ الثقة المطلقة التي بنيت عليها كل تعاملاتي الإنسانية والمهنية. وما زاد من ثقل الصدمة هو التزام المهندسين الشباب الصمت؛ ربما ذهولاً من هول اللحظة أو هيبةً من نفوذ صفته الأكاديمية بالجامعة.

في تلك اللحظة الصادمة، كان قراري حاسماً ومباشراً: إغلاق المكتب وتسريح الجميع. ورغم مرارة الموقف، خرجت من تلك التجربة برأس مرفوع؛ فخلال كل تلك الرحلة الطويلة والمليئة بالمنعطفات والتقلبات، لم يسجل أحد ممن تعاملت معهم أي موقف يخل بالتزاماتي الأخلاقية أو أمانتي المهنية. بقيت تلك التجربة شاهدة على أن الفكرة أسمى من الأشخاص، وأن من يبني بالثقة والصدق لا تكسره المواقف العابرة.

5.      الانبعاث: الجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي

اليوم، وبعد عقود من العمل المكتبي والصمت الطويل، أدركت أن المعركة الفكرية من أجل الأصالة يجب أن تخاض في فضاء علمي خالص، بعيداً عن حسابات المصالح المادية والتوقعات الفردية الضيقة.

انطلاقتي الجديدة والنهائية اخترتها أن تكون من «الجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي»؛ هذا الكيان العلمي الأصيل الذي أرسيت منهجه وأشهرته بنفسي في عام 2006.

تمضي الجمعية اليوم في مسارها الجديد، متجاوزة خيبات الماضي، رافعة راية النهضة العمرانية الحقيقية والفنون الحرفية المرتبطة بها، ومؤكدة أن لا مكان فيها إلا للمخلصين الذين يؤمنون -كما آمنت يوم وقفت أمام أساتذتي في الجامعة وفي أزقة المدينة القديمة- بأن العمارة والفنون ليست مجرد وسيلة لتحقيق الكسب، بل هي كرامة هذا الوطن، وهويته، ورفعته بين الأمم.

الأحد، مايو 17، 2026

عمارة "فقاعات الصابون": من اغتراب الأثر إلى استعادة المقياس الإنساني

عمارات حي الأكواخ بطريق المطار

 

جمال الهمالي اللافي

1.      السياق التاريخي: من الضرورة إلى العقيدة

انبثقت الحداثة من الحاجة الملحّة لإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، فاعتمدت على التصنيع الكمي والوظيفية الصارمة. غير أن هذه الضرورة تحولت إلى عقيدة جمالية جامدة، تفرض على الإنسان فضاءات باردة. جاءت ما بعد الحداثة لتعلن التمرد، لكنها وقعت في فخ السطحية، ثم التفكيكية التي جعلت الفراغ ساحة قلق وتشظي.

انهار مشروع برويت-إيغو في سانت لويس عام 1972 ليكون إعلاناً صريحاً عن فشل هذه السردية؛ فالمساكن التي بُنيت لتكون حلاً اجتماعياً تحولت إلى بيئة طاردة، بلا ذاكرة ولا وجدان.

2.      وضوح الصورة الذهنية: كيفن لنش

كيفن لنش في كتابه صورة المدينة يضع معياراً أساسياً: وضوح الصورة الذهنية (Legibility). المدينة الناجحة هي التي يستطيع ساكنها أن يرسم لها خريطة عقلية واضحة، عبر خمسة عناصر:

  • المسارات (Paths): في طرابلس القديمة، الأزقة المتعرجة تقودك بوضوح إلى الساحات والأسواق، وتحمل هوية بصرية وروحية. أما في مشاريع الإسكان النمطي، تتحول المسارات إلى ممرات متشابهة بلا معنى.
  • الحواف (Edges): الأسوار والبوابات التاريخية كانت تمنح شعوراً بالاحتواء والأمان. أما العمارة الحديثة فقد أذابت الحدود، ففقد المكان خصوصيته.
  • الأحياء (Districts): الأسواق مثل سوق الترك وسوق المشير جسدت أحياء ذات طابع جماعي. أما في مشروع حي الأكواخ بطريق المطار، فالكتل الخرسانية المتكررة بلا روح، لا يشعر الساكن أنه "داخل حي" بل داخل فراغ مكرر.
  • العُقَد (Nodes): الساحات التقليدية كانت مركزاً للتفاعل الاجتماعي. أما في حي الأكواخ، تحولت إلى مساحات عبور وظيفية بلا دفء.
  • المعالم (Landmarks): المآذن والقباب كانت علامات راسخة في الذاكرة الجمعية. أما في الإسكان النمطي، فلا معالم تُذكر، فيغيب الاستدلال والذاكرة.

3.      اللامكان: إدوارد ريلف

إدوارد ريلف في كتابه الإحساس بالمكان يضيف بعداً وجودياً: المكان ليس مجرد إطار مادي، بل علاقة وجدانية بين الإنسان والفضاء. حين تفقد العمارة هذه العلاقة، يولد اللامكان؛ فضاءات نمطية متشابهة، بلا ذاكرة ولا جذور، تجعل الإنسان غريباً عن محيطه.

حي الأكواخ بطريق المطار مثال محلي صريح على هذا المفهوم: وحدات سكنية متكررة، بلا هوية، بلا علامات، تجعل الساكن غريباً عن محيطه، كأن المكان فقد لغته.

4.      الكرامة الإنسانية: سينكلير جولدي

أما سينكلير جولدي في كتابه تذوّق فن العمارة فيطرح رؤية مستقلة: العمارة ليست مجرد مأوى أو إطار وظيفي، بل هي شرط أخلاقي لكرامة الإنسان. فالبيئة المبنية التي تفتقر إلى الجمال والوضوح تحط من قيمة الساكن، وتحوّله إلى مواطن فاقد الحماسة والارتباط، يعيش في فضاء يزرع الكآبة واللامبالاة. يرى جولدي أن المجتمع الذي يتجاهل أثر المكان على مشاعر الناس يخاطر باستقراره، لأن العمارة الرديئة لا تنتج فقط فراغاً مادياً، بل تنتج أيضاً فراغاً نفسياً واجتماعياً. بهذا المعنى، تصبح أزمة العمارة النمطية أزمة كرامة إنسانية، لا مجرد خلل في الشكل أو الوظيفة.

5.      البديل: الكلاسيكية الجديدة المعاصرة والجذور الإسلامية-الليبية

في مواجهة هذا التيه، يبرز منهج الكلاسيكية الجديدة المعاصرة، لا كارتداد جامد للماضي، بل كاسترداد للقيم الأصيلة وإعادة بعثها بما يلائم العصر.

العمارة الإسلامية والليبية التقليدية تقدم نموذجاً حيّاً: الحوش العائلي الذي يحتضن، والحديقة المثمرة التي تجمع الزيتون والنخيل والنباتات العطرية، حيث يصبح الفضاء الخارجي جزءاً من حياة الإنسان.
حتى لوكوربوزييه، في كنيسة رونشانب، استلهم بساطة عمارة شمال أفريقيا ووادي ميزاب ليكتشف أن الصفاء يكمن في البساطة. وفي ليبيا، جسّد ألفونسو دي فاوستو هذا المنهج حين تأثر بالعمارة المتوسطية المحلية، فقدم معماراً يجمع بين الكفاءة والوقار البصري.

6.      الرؤية الشمولية: العمارة ككيان عضوي

العمارة الأصيلة لا تُختزل في الجدران، بل تشمل الفراغ الوجداني والمحيط الطبيعي ككتلة واحدة. إنها ترفض الحلول الجزئية أو التجميلية السطحية، وتعيد الاعتبار للحديقة الليبية التقليدية التي تجمع بين الجمال والمنفعة، حيث يلتقي الإنسان بأشجاره ونباتاته في علاقة يومية.

الخاتمة: استعادة المقياس الإنساني

العمارة التي نحتاجها اليوم هي تلك التي تمنح الإنسان وضوحاً إدراكياً كما أراد لنش، وانتماءً وجدانياً كما كشف ريلف، وكرامة إنسانية كما شدّد جولدي. إنها عمارة ترفض منطق القطيعة، وتتبنى الامتداد التاريخي، لتصنع مكاناً يمتلك صورة ذهنية واضحة، ويضمن ديمومة الأثر وكرامة الساكن وذاكرة المجتمع. إنها عمارة لا تشبه فقاعات الصابون، بل تشبه الزيتون الذي يرسخ في الأرض، ويثمر عبر الأجيال.

الخميس، مايو 14، 2026

العمارة المحلية بين "الإيمان بالغاية" و"اتخاذها مطية"

 


جمال الهمالي اللافي

في المشهد المعماري المعاصر، تبرز إشكالية عميقة تتجاوز حدود التصميم والرسم لتمس جوهر الأخلاق المهنية والصدق الحضاري. وهي الفجوة بين من يرى في الطراز المحلي رسالة وغاية، ومن يراه مجرد وسيلة وارتقاء.


القشرة التي تخفي العداء

إن القدرة التقنية على إنتاج مشروع تخرج، أو تجميع مادة علمية لرسالة دكتوراة، أو حتى تنظيم مؤتمرات دولية حول العمارة المحلية، لا تعني بالضرورة ملامسة "روح" هذه العمارة. فالأدوات الأكاديمية والمهنية متاحة للجميع، لكن الروح لا تُستعار. الخطورة تكمن في ذلك النوع من المتصدرين للمشهد الذين يتخذون من الهوية العمرانية ستاراً، بينما هم في حقيقتهم "معادون" لها. هذا التضاد يخلق عمارة بلا نبض، عمارة تُبنى تماشياً مع سياق الشهرة وتحقيق المكاسب الشخصية، لا عن قناعة راسخة بجدارتها.


سُلم الصعود وكسر الدرجات

لا يكتفي هؤلاء باتخاذ العمارة المحلية "مطية" للوصول إلى مآربهم، بل يمارسون نوعاً من التخريب الممنهج أثناء رحلة الصعود. فالمعماري الذي لا يؤمن بهويته يقوم بـ "كسر الدرجات" التي تجاوزها؛ لضمان انفراده بالقمة ومنع الآخرين من ملاحقته. هذا السلوك يتجسد في:

·         تسفيه الجهود: التقليل من شأن أي محاولة صادقة يبذلها الآخرون لخدمة هذا الطراز.

·         الاحتكار الفكري: تصوير الأصالة كعلم معقد لا يملك مفاتيحه سوى "النخبة" التي ينتمون إليها.


استراتيجية "التعجيز الممنهج"

من المفارقات الصارخة أن هؤلاء المتصدرين هم أول من يروجون لـ "عجز" العمارة المحلية عن ملاءمة الواقع المعاصر. يستخدمون عبارات براقة حول "صعوبة التطبيق" أو "قصور الحلول التقليدية" أمام المتطلبات الحديثة. هذا الخطاب ليس نقدياً، بل هو وسيلة دفاعية لتبرير تشويههم للمفاهيم التراثية، ولإقناع الأجيال الصاعدة بأن التمسك بالهوية هو ضرب من المحال، مما يؤدي في النهاية إلى وأد القناعات في مهدها.


الخاتمة: العمارة كخيار أخلاقي

إن العمارة المحلية ليست مجرد تراكم للأحجار أو تكرار للعناصر البصرية، بل هي انعكاس لقيم ومبادئ. وعندما تتحول إلى أداة للانتهازية، فإنها تفقد قدسيتها وتتحول إلى بضاعة في سوق النخاسة المهني. إن كشف هذا "الانفصام" بين الادعاء والحقيقة هو أول خطوة لحماية هويتنا العمرانية من أن تظل مجرد جسر يعبر عليه الباحثون عن الشهرة، تاركين خلفهم حطاماً من القناعات المشوهة.


الصورة المرفقة: مشروع إسكاني يضم 19 وحدة سكنية صغيرة الحجم- من دورين وملحق في السطح، متباينة في ابعادها - على مساحة أرض  42 م.×100م. "يعكس المبدأ في مواجهة المُطية؛ بناءٌ يخدم الناس ويحترم هويتهم".

الاثنين، مايو 11، 2026

نحو بيئة عمرانية أكثر كرامة

 


جمال الهمالي اللافي

    حين نتأمل في أحيائنا التي أنهكتها الفوضى العمرانية، ندرك أن إصلاحها لا يحتاج إلى قرارات قاسية أو مشاريع جذرية، بل إلى رؤية هادئة وخطوات صغيرة تحمل في جوهرها معنى الانطلاق نحو بيئة سكنية أكثر جودة وكرامة. إن الفضاء العام حين يُحاط بالعناية، يفرض احترامه على الجميع، ويُعيد إلى الأحياء شعوراً بالانتماء والفخر بمكانها، ويُسهم في تعديل سلوكيات السكان نحو الانضباط والنظافة والتعاون.

    الهدم ليس هو الحل. إنه قرار مكلف اجتماعياً قبل أن يكون مادياً، ويعفي المخططين من أعباء التفكير في حلول خلاقة. أما الطريق الأسلم فهو ذلك الذي يبدأ بخطوات صغيرة، لكنه يفتح أبواباً واسعة نحو تحسين البيئة العمرانية ورفع مستوى الأحياء من دائرة التخلف إلى فضاء الكرامة والجاذبية.

    لقد أثبتت التجربة أن أبسط الإجراءات قادرة على إحداث تحولات عميقة. حين تُبلى الشوارع الترابية بالحجر أو البلاط، يتحول سلوك السكان تلقائياً: احترام للفضاء العام، انحسار لرمي القمامة، وولادة شعور بالانتماء إلى مكان يستحق العناية. هذه ليست مجرد تفاصيل، بل هي مفاتيح لتحولات كبرى.

الصور كنماذج حيّة للمعالجات البسيطة

    إن الصورة التي نراها من مدن متوسطية تُجسد هذا المعنى في سياق البيئة السكنية ذات الجودة العالية: شوارع ضيقة مرصوفة، أزهار متدلية من الشرفات، مقاهٍ صغيرة تنبض بالحياة، وألوان تُعيد للحي هويته البصرية. إنها مشاهد بسيطة، لكنها قادرة على أن تُحوّل أحياء مثل فشلوم والهضبة الخضراء ورأس حسن وسيدي خليفة وتاجوراء إلى فضاءات نابضة بالحياة، إذا ما أُحسن التفكير وأُحسن التنفيذ.

المقترح الأول: إلى عمداء البلديات والمناطق

    هذه النماذج البصرية تصلح أن تُعرض أمام عمداء البلديات ومخططي المدن لتُظهر لهم أن التحسينات ليست بالضرورة مشاريع ضخمة أو مكلفة، بل خطوات مدروسة تُعيد الثقة بين المواطن وحيّه. تبليط الشوارع، تحسين الإنارة، زراعة الأشجار، وتنظيم الأرصفة ليست تفاصيل ثانوية، بل هي سياسات حضرية مستدامة قادرة على إخراج الأحياء من دائرة التخلف العمراني إلى فضاء الكرامة والجاذبية. والأهم أن هذه المعالجات تُسهم في تعديل سلوكيات السكان، إذ يصبحون أكثر حرصاً على نظافة أحيائهم وأكثر احتراماً للفضاء العام حين يرونه محاطاً بالعناية.

المقترح الثاني: إلى أقسام العمارة وتخطيط المدن

    كما أن هذه الصور تصلح أن تكون مادة تعليمية أمام طلبة العمارة والتخطيط العمراني، لتُدرج ضمن مقررات التصميم الحضري وتنسيق المواقع، بل وحتى في مشاريع التخرج. إدخال موضوع تحسين البيئة العمرانية للمناطق المتخلفة عمرانياً كجزء من المنهج الدراسي سيُكسب الطلبة وعياً عملياً، ويجعلهم يتعاملون مع العمارة لا كفن نظري فحسب، بل كأداة اجتماعية وأخلاقية لإعادة بناء الكرامة في الفضاء العام. إن تدريب الطلبة على صياغة حلول واقعية لهذه الأحياء سيُهيئ جيلاً من المعماريين والمخططين القادرين على تحويل النظرية إلى ممارسة، وعلى ربط الجمال بالمسؤولية الاجتماعية، مع إدراك أن البيئة المحسّنة قادرة على تعديل السلوكيات وخلق مجتمع أكثر انسجاماً.

الخاتمة

    بهذا الدمج بين المقترحين، تصبح الصور مادة إيضاحية مزدوجة الوجهة: فهي من جهة دعوة للبلديات إلى اعتماد خطوات عملية لتحسين أحيائهم، ومن جهة أخرى دعوة للأكاديميين إلى إدراج هذه القضايا ضمن مناهجهم لتنشئة جيل معماري واعٍ بدوره الاجتماعي. إننا حين نرتقي ببيئتنا العمرانية، فإننا نرتقي بكرامة الإنسان الذي يسكنها، ونمنحه شعوراً بالانتماء والفخر بمكانه، ونُسهم في تعديل سلوكياته نحو الأفضل. وهذا هو جوهر التنمية العمرانية: أن تُبنى الكرامة قبل أن يُبنى الحجر.

الأحد، مايو 10، 2026

من رماد الإسمنت إلى فضاء الإنسان


 جمال الهمالي اللافي

كلما وقفت على كرنيش البحر، وأطلقت بصري نحو الأفق البعيد حيث المدن الشامخة على ضفاف اليونان وجنوب إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، تلك المدن التي ما زالت تتشح بعباءة المتوسط العريقة، يتملكني سؤال يلحّ: هل ستستعيد مدننا الليبية الساحلية خيطها السري مع هذا البحر الذي كان يومًا رحمًا للحضارات ومصدرًا للإلهام والحياة؟ وهل ستولد على ضفافه مدن ليبية جديدة، متجذّرة في هويتها المتوسطية، قادرة على أن تحتضن تنوّع مجتمعنا الليبي وتجعله نسيجًا واحدًا؟ وهل سيُكتب للإنسان أن ينتصر في رحلته نحو مدن أكثر إنسانية، تُقدّم وقع الخطوات على ضجيج المركبات، وتُعيد للفضاء العام دفء اللقاء وبهجة السير؟

إنني أؤمن أن الشرط الأول لعودة الروح المتوسطية إلى مدننا هو أن يستعيد المواطن الليبي ذاته الأصيلة، تلك التي غطّاها غبار العقود الماضية، وأن يوقظ حسّه الفطري بالجمال، فيتلمّسه في تفاصيل البيت والشارع والساحة، ويستنشقه في نسيم البحر وظلال النخيل. عندها فقط ستغدو مدننا مرآةً لوجدان الإنسان، ونافذةً مشرعة على جاراتها، وتستعيد مكانتها كفضاء إنساني نابض بالحياة، لا عمرانًا صامتًا يطغى عليه رماد الإسمنت.

الثلاثاء، أبريل 28، 2026

متلازمة المعبد الأكاديمي: بين رهبنة المعرفة وسلطة الطاغوت

 

جمال الهمالي اللافي

إن التأمل في واقع العديد من المؤسسات الأكاديمية يكشف عن تحول خطير في وظيفتها الأساسية؛ فبدلاً من أن تكون منارات للتنوير ومصانع للوعي، تحولت في كثير من الأحيان إلى "معابد" مغلقة. في هذه المعابد، لا يتم البحث عن الحقيقة، بل تتم حراسة "اليقينيات المستقرة" التي تضمن استمرار الامتيازات الرمزية والمادية لمن نصبوا أنفسهم حراساً للهيكل.

كهنة المعبد وعقيدة الجهل المبطن

الكوادر الأكاديمية التي تتبنى عقلية "الكهنة" تعمد إلى خلق لغة معقدة وطقوس تراتبية صارمة، متمثلة في الدرجات العلمية ولجان الترقية والألقاب المتضخمة. هذا التعقيد ليس هدفه الدقة العلمية دائماً، بل غايته "الاستغفال" وصناعة مسافة شاسعة بينهم وبين العامة من خلال ما يمكن تسميته بـ "الجهل المبطن".

والمفارقة الصارخة هنا أن هؤلاء "الرهبان" ليسوا بالضرورة متآمرين بوعي مسبق، بل هم في الغالب ضحايا للمنظومة التي قولبتهم؛ فهم يغرقون في جهلهم لدرجة أنهم يعتقدون يقيناً أنهم يملكون ناصية الحقيقة. هذا "الإيمان بالجهل" هو ما يمنحهم القوة الإقناعية أمام البسطاء، فراهب يظن أنه يحسن صنعاً هو أخطر بكثير من مدعٍ يدرك زيفه. إنهم يملكون أدوات لتعليب الفكر وتزييفه تحت غطاء العلم، بينما هم في جوهرهم حراس للجمود المعرفي.

والطاغوت، بذكائه الفطري في البقاء، يدرك أن "الراهب العارف" يمثل خطراً وجودياً عليه، لأنه قد يتحول في أي لحظة إلى "نبي" يثور من داخل القصر وتحت رعايته. لذا، يفضل الطاغوت "الكاهن الغارق في يقينه الزائف"، الذي يتقن فنون التجهيل بضمير مستريح، محولاً الجامعة من فضاء للبحث عن الحقيقة إلى مؤسسة لإعادة تدوير المعلوم وقتل بذور التساؤل.

صياغة العقول واستبعاد "النبي" المجدد

لا يتوقف الأمر عند احتكار المنصة، بل يمتد إلى هندسة عقول التلاميذ؛ حيث يتم صياغة تفكير الأجيال الجديدة وفق مسارات محددة سلفاً لا يُسمح بالخروج عنها. يتم تدجين الطالب ليصبح نسخة مكررة من "الراهب الأكبر"، ويُستبعد فوراً كل من يجرؤ على التفكير خارج هذا المسار المرسوم أو يمتلك جرأة السؤال المغاير. هذا الاستبعاد ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عملية "تطهير معرفي" تضمن للمعبد بقاء جيل مطيع يحرس التقاليد القديمة بدلاً من أن يطورها.

في تاريخ الأفكار، التغيير الحقيقي لا يأتي غالباً من داخل المعبد المستقر، بل يأتي من خارجه، من شخص يحمل صفات "النبي" بالمعنى المعرفي؛ شخص يمتلك رؤية ثورية تقوض الأساسات التي بُني عليها المعبد. دخول هذا المجدد يمثل تهديداً وجودياً للكهنة، لذا فإن أول رد فعل لهم هو الإقصاء والتهميش، لحماية "قداسة" جهلهم التي يستمدون منها شأنهم ومصالحهم.

التحالف العضوي بين الطاغوت والكهنة

تتجلى هنا علاقة تخادمية عضوية قد لا تحتاج إلى تعاقد مباشر، بل هي توافق مصالح تلقائي وضروري لبقاء الطرفين:

1.   تزكية الطاغوت: يوفر الطاغوت للكهنة الألقاب والمناصب والحماية، مما يضمن بقاءهم في أعلى الهرم الاجتماعي مستعلين على البسطاء، محققين مكاسبهم من خلال تلك الهيبة المصطنعة.

2.   تحقيق رغبة الطاغوت في نشر الجهل: يقوم الكهنة بتعميم الجهل الممنهج عبر تقديم قشور المعرفة وحجب لبها التحرري. وبذلك تنعدم لدى العامة "القدرة على التمييز" بين الحق والباطل، أو الظلم والعدل، مما يقطع الطريق على ولادة وعي حقيقي. الطاغوت لا يخشى الجهل البسيط، بل يطمئن للجهل المؤسسي الذي يرتدي ثياب "الدكتوراه" و"الأستاذية" ليقمع أي إمكانية للثورة على فساد أمره.

الواقع العربي: سردية بلا استثناءات

عند إسقاط هذه الرؤية على الواقع المعاش، وتحديداً في الدول العربية وليبيا على وجه الخصوص، نجد أن المنظومة الأكاديمية قد أصبحت بيئة طاردة بامتياز. المنظومة هناك لا تسمح بنمو "الاستثناءات"؛ بل تقوم بخنقها في مهدها عبر آليات الإقصاء الأكاديمي والاجتماعي. إنها سردية متكررة تجعل من المؤسسة التعليمية أداة لقمع العقل بدلاً من تحريره، حيث يُستبدل "العلماء الحقيقيون" بـ "الخبراء المطيعين" الذين يباركون الجهل باسم العلم، ضماناً لعدم ثورة أحد على الظلم.

الخاتمة

إن أخطر ما يواجه المجتمعات هو "الجهل المؤسسي"؛ ذلك الجهل الذي يتم إنتاجه وحراسته داخل المعابد الأكاديمية بتزكية من الطاغوت. ولن تتحرر العقول إلا عندما ندرك أن هؤلاء الكهنة هم حراس لسجن فكري، وأن المعرفة الحقيقية تبدأ من كسر تلك التراتبية الزائفة وتحطيم مسارات التفكير المحددة سلفاً، ليعود العلم أداة للتمييز والتحرر، لا وسيلة للاستغفال والتدجين.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...