أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، أكتوبر 07، 2026

عمارة "الأشباه" والمخاض الغائب: نحو تأسيس مدرسة معمارية ليبية تتجاوز شتات الفردية

جمال الهمالي اللافي

يشهد المشهد الفكري والمهني المعاصر مفارقة نفسية واجتماعية لافتة؛ إذ يجنح الكثيرون نحو مجالسة نقيضهم الجذري، متجشمين عناءً نفسياً بالغاً في قبول التنذر والانتقاد، سعيًا وراء صكوك انفتاح زائفة أو إثبات للذات. وفي المقابل، يعزفون عن التواصل مع "أشباههم" في الرؤى والتوجهات، هرباً من مرآة المصارحة التي قد تكشف الزلات وتدفع نحو الإصلاح، أو خشية فقدان التفرّد. هذه الثنائية المأزومة بين الهروب نحو الآخر المختلف والنفور من الشبيه، تنعكس بوضوح أشد قسوة في قطاع العمارة والعمران، حيث تتحول الفردية المطلقة إلى معول هدم للهوية والروح الجماعية.

أولاً: الدروس التاريخية.. حين يصنع "الأشباه" المنعطفات الكبرى

تاريخياً، لم تولد المدارس الفنية والمعمارية الكبرى من عبقريات منعزلة تعيش في أبراج عاجية، بل انبثقت من رحم التجمع والتلاقح الفكري بين أنداد يتقاسمون الهاجس والرؤية.

ففي الفن التشكيلي، تجمعت أسماء مثل كلود مونيه وبيير أوجوست رينوار لتأسيس الانطباعية، وتشارك بابلو بيكاسو وجورج براك في تأسيس التكعيبية؛ لم يكونوا نُسخاً كربونية، بل أوجدوا "كتلة حرجة" من الوعي حمتهم من السائد وفرضت لغتهم الجديدة.

أما في العمارة، فتتجلى الورشة الجماعية بأبهى صورها في مدرسة الباوهاوس التي أسسها والتر غروبيوس عام 1919 في ألمانيا؛ حيث تضافرت جهود معماريين ورسامين ومصممين يجمعهم هدف مشترك- وهو نبذ الزخرفة ودمج الفن بالصناعة- لينتقلوا بالمدرسة من محليتها الألمانية إلى العالمية. إن اجتماع الأشباه لا يلغي الخصوصية، بل ينضجها، وهو ما افتقده المشهد المعماري حين أدار ظهره لثقافة الورشة والعمل الجماعي.

ثانياً: جذور التشظي في المشهد المعماري الليبي

حين نسقط هذا الواقع على المشهد المعماري في ليبيا، نكتشف أن الأزمة ذات أبعاد بنيوية مزدوجة، تشترك فيها المنظومة الأكاديمية والواقع المهني على حد سواء:

  1. الردة الأكاديمية (منتصف الثمانينيات): شهدت الأكاديمية الليبية تحولاً موجعاً بالانتقال من نموذج "المشاريع الجماعية للطلاب"- الذي واكب تأسيس قسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس بدعم من اليونسكو وكان يعلم الطالب قبول النقد وإدارة الخلاف الفكري- إلى نموذج "المشروع الفردي المطلق"، مما خرّج أجيالاً تعتقد أن المعماري نبي معصوم لا يقبل الشراكة ولا يحتمل مرآة النقد.
  2. التخبط المنهجي: يعاني الواقع الأكاديمي ذاته من تشظي أعضاء هيئة التدريس، وافتقار المناهج لبوصلة واضحة؛ إذ تُعرض المدارس المعمارية الغربية ككتالوجات مستوردة بلا تمحيص، ودون الإجابة عن السؤال الجوهري: لماذا ندرسها وإلى أين نريد لها أن تصل بنا؟
  3. عقم الممارسة المهنيّة: انعكس هذا الخلل على السوق المحلي ليفرز مكاتب معمارية تقوم على براغماتية جوفاء؛ فإما مكاتب "مشاركة مصاريف الإيجار والكهرباء" حيث يجتمع زملاء بلا رؤية مشتركة، أو نموذج "المعماري المهيمن" الذي يحيط نفسه برسامات ورسامين لتنفيذ أوامره بصورة آلية، غياباً تاماً لمفهوم الورشة أو البيان المعماري المشترك.

ثالثاً: نحو المخرج.. نزع الغرور وإحياء الرؤية المشتركة

إن الخروج من هذه الدوامة العبثية يتطلب وعياً نقدياً شجاعاً؛ فالاستفادة الحقيقية من تجارب الأمم الأخرى لا تكون بالاستهلاك الأعمى لصورها المعمارية وقيمها المتضاربة مع بيئتنا، بل باستلهام منهجياتها في التأسيس والعمل الجماعي.

إن طوق النجاة يبدأ حين يخلع المعماريون الليبيون أردية الغرور الزائف، ويكسروا حاجز الحساسيات المفتعلة وسوء النوايا، ليتواصلوا ويتظافروا. تأسيس صالونات معمارية مستقلة، والعودة إلى روح العمل الجماعي أكاديمياً ومهنياً، هما الشرطان الأساسيان لإرساء مدرسة معمارية ليبية أصيلة؛ مدرسة تعيد الاعتبار للهوية المحلية، وتحمي النسيج العمراني من عشوائية التغريب، وتنتقل بالعمارة من شتات الجهود الفردية المشتتة إلى رحاب الإبداع الجماعي الرصين.

الثلاثاء، أكتوبر 06، 2026

عمارة الفطرة وركام الهدم: كشف التلبيس واستعادة مسار البناء


جمال الهمالي اللافي

أولاً: التحرر من الأرقام والشغف بالجوهر

لم أكن يوماً خياراً؛ لا أولاً، ولا ثانياً، ولا أبعد من ذلك ولا أقرب. هذا التصنيف الرقمي لا يمس حقيقتي في شيء، ولا يغير من طبيعة علاقتي بالآخرين مهما بلغت أوهام أهميتهم في مقابلي. مرّت مسيرة العمر دون أن ألتفت لمن لفتت انتباهه أو لفت انتباهي، ودون أن أعرف في حياتي تعلقاً أو شغفاً بشيء أو أحد مثلما شغفت بالعمارة؛ ليس فقط كمجال دراسي أو ممارسة مهنية، بل كمنظور شامل للحياة، أسير في دروبه، وأتلمس ملامح الوجود من خلاله. 

فالعمارة في حقيقتها ليست معنية بالتشييد الشكلي للبناء المادي، بل تتجاوزه لتعتني بالمعنى الكامن وراء رفع أركان الجدران وبناء الأسقف. قد تكون في ظاهرها تلبية لمتطلبات الإنسان الحياتية والمادية ورعاية لاحتياجاته النفسية والعاطفية، لكنها في باطنها معنية بمسألة أعظم: صياغة آلية اهتمام هذا الإنسان؛ فهي إما أن تنحرف به في دركات البحث عما يشبع نهمه الاستهلاكي من متاع الدنيا، أو ترتقي به ليسمو عن الرغائب المادية الخالصة ويصل إلى المراتب العليا من إنسانيته كما فطره خالقه عليها.

ثانياً: العمارة كامتداد لمسار الأنبياء

العمارة الحقيقية هي مسيرة في مسار الأنبياء والمصلحين؛ هي الدليل المادي المنطوق بالحجر والطين وتراب الأرض لتعاليمهم التي تنادي بحفظ كرامة الإنسان، وصون سكينته، وتزكية روحه، وتحقيق استخلافه العادل في الأرض. هي الأثر الباقي من حكمة أولئك المصلحين حتى بعد أن رحلوا، لأنها تُشكل الفراغ الذي يحتضن حياة الإنسان اليومية ووجهته الفكرية والأخلاقية.

ثالثاً: التلبيس وآلياته المادية في المشهد العمراني

عندما ننظر إلى واقع التمدن المعاصر اليوم، فنحن في الحقيقة لا نرى عمارة، بل نرى نقيضها المباشر: الهدم المنظم، وإن تزين بزي العمارة وشعارات الحداثة. 

إن ما نشهده ليس مجرد خطأ تصميمي أو عجز هندسي، بل هو تجسيد مادي لمخطط التلبيس؛ والتلبيس في أصله وحقيقته فعل شيطاني يبتدئه إبليس بالوسوسة وتزيين الباطل، ثم يتولى تنفيذه وتثبيته في الواقع شياطين الإنس من المنظرين، والفلاسفة، والمفكرين، والمعماريين الذين تحولوا- بجهلهم أو بانتهازيتهم- إلى أدوات لتنفيذ هذه الخديعة. 

ولكي نفهم كيفية استغفال الناس في المشهد العمراني، يكفي أن نتأمل كيف تم التلبيس عليهم في المحرمات الصريحة؛ فالخمر التي هي أصل الخبائث أُعيد تقديمها وتسويقها تحت مسمى "المشروب الروحي"، وقس على ذلك باقي المحرمات التي جرى تجميلها بتغيير المسميات. 

على ذات النهج الشيطاني، أُعيد تسمية انسلاخ الإنسان عن بيئته وفطرته، وعزله داخل صندوق إسمنتي صم، ومسح هويته وتراثه العمراني باسم "التطور، والحداثة، والتنمية". إجرائياً، يتجسد هذا التلبيس الشيطاني في تحويل المسكن من "سكن للروح ووعاء للاستقرار" إلى "سلعة استثمارية مؤقتة"، واستبدال المواد الطبيعية المتنفسة بخامات صناعية كتيمة تُحاصر الساكن حرارياً وبيئياً، وتفرضه تحت التبعية الدائمة لأجهزة التكييف واستهلاك الطاقة. 

إن نقد هذا الواقع لا يمكن اختزاله في "لغات تكنوقراطية مجردة"، بل يجب تسمية الأشياء بأسمائها ومرجعياتها؛ فمصادرة حق الكاتب في استخدام اللغة الإيمانية المباشرة أو محاكمة المفردات بدلاً من محاكمة زيف الواقع هو شكل من الوصاية الفكرية. فنحن اليوم لا نعيش ضمن عمارة تبني الإنسان، بل بين ركام من الهدم الممنهج عميت البصائر عن رؤيته، وصرنا ننظر إليه بأعين عليها غشاوة لا تميز طبيعة السجن الذي تطوقنا جدرانه. إنه وحش مفترس يهضم إنسانيتنا في معدته المادية كل يوم، ويسحق أرواحنا ببطء حتى الموت.

رابعاً: المنظومة الأكاديمية وتجهيل المعماري

إن استمرار هذا التلبيس وتغوّله يعود إلى خلل بنيوي حاد يكمن في الفارق بين اكتساب الوعي وامتلاك المعرفة التنفيذية. فالوعي يمنح الإنسان القدرة على إدراك الزيف وتفكيك الخديعة، لكنه لا يكفي وحده لبناء جدار أصيل أو صياغة حلٍّ معماريٍّ يخدم الفطرة ما لم يقترن بالمعرفة التطبيقية العلمية وأدواتها. 

وهنا يظهر الدور التنفيذي لشياطين الإنس في مؤسسات التعليم المعماري؛ إذ لم تكن مناهج تدريس العمارة الحديثة تسير وفق رؤية تُعمق الوعي أو تُسلح الطالب بأدوات التنفيذ الحقيقية، بل عَمِلَت على:

  1. تعزيز الجهل بأصول العمارة وموادها: تجريد المعماري من العلم بخواص مواد البناء الطبيعية، وإلغاء فهم سيكولوجيتها وفيزيائيتها وعلاقتها بالبيئة والمناخ استبدالاً بمنتجات المصانع والمواد الجاهزة المستوردة.
  2. انتزاع أدوات التنفيذ وفقه البناء: مصادرة المعرفة التطبيقية بقواعد الإنشاء ومراحل البناء الميداني، والاكتفاء بمناهج نظرية شكلية ومستوردة تُخرّج طالباً عاجزاً عن التعامل مع المادة والحرفي في الموقع.
  3. تحويل المعماري إلى منفذ للغرب: مسخ دور المعماري من "بَنّاء وصانع" يخدم مجتمعه وفطرته، إلى مجرد مقلد يلهث خلف صرعات التشكيل الغربي، ويُعيد إنتاج بيئات استهلاكية تكرس العزلة والضياع.

خامساً: فيزياء الفطرة المعمارية والبديل الهندسي المادي

إن البديل الذي تطرحه عمارة الفطرة ليس نكوصاً إلى الماضي أو مجرد حنين عاطفي، بل هو علم متكامل يسبق العمارة الحديثة في النجاعة والاتزان:

  1. ديناميكية المواد المتنفسة مقابل الكتامة الهيكلية: أثبتت الفيزياء البنائية أن الحجر، والطين، والجير، والآجر ليست مجرد مواد تاريخية، بل هي وسائط مناخية تمتلك سعة حرارية عالية وتسمح بالتنفس الهيكلي، مما يحقق التبادل الحراري والمائي الطبيعي بين الداخلي والخارجي، خلافاً للخرسانة المسلحة والدهانات البتروكيميائية التي تحبس الرطوبة وتزيد من الشحن الحراري داخل المبنى.
  2. ديناميكية الفناء الداخلي والتهوية الذاتية: الحوش الداخلي أو الفناء ليس خياراً شكلياً أو تقليداً اجتماعياً فحسب، بل هو منظم حراري هيدروديناميكي يولد فارقاً في الضغط بين الظل والشمس، مما يضمن حركة هواء مستمرة وتبريداً طبيعياً يغني عن الحلول الميكانيكية المكلفة.
  3. اقتصاد كلفة دورة الحياة: إن ادعاء "رخص وسرعة" البناء الخرساني التجاري هو جزء من التلبيس التسويقي؛ إذ تُظهر الحسابات الهندسية الشاملة أن تكاليف التشغيل، والعزل، والصيانة المستمرة للمباني الحديثة تتجاوز بمراحل كلفة البناء بالخامات الطبيعية المحلية المحسنة، ناهيك عن الأثر البيئي والصحي المباشر على الساكنين.

سادساً: التخطيط، والمال العام، وإعادة الاعتبار للحرفة

الحديث عن تهمة "عجز العمارة الأصيلة أمام الكثافة والتكلفة" هو حجة داحضة تلتف حول الجذور الحقيقية للأزمة:

  1. وهم الشح المكاني والكثافة المفتعلة: الأراضي الشاسعة متوفرة، وتكثيف البشر داخل زنزانات خرسانية متراكمة ليس قدرًا جغرافيًا، بل هو نتاج احتكار الأراضي والمضاربات العقارية وفساد سوء التوزيع التخطيطي. العمارة الاصيلة تبدأ من تنمية أفقية تعيد توزيع التجمعات السكانية على امتداد أراضي البيئة المحلية.
  2. استرداد المال العام النهيب: إن التذرع بقلة الإمكانيات يغفَل عن الأموال الهائلة التي تُهدر في مشاريع النهب، والسرقات التنفيذية للمال العام، والتخطيط العشوائي المبطن بأسماء شركات تطوير المدن. إن توجيه هذه الميزانيات نحو مشاريع عمرانية أصيلة- تعتمد خامات البيئة وتُستثمر في بنيتها التحتية- يوفر على المجتمعات أضعاف ما يُنفق على صيانة وتكييف المباني الخرسانية الهشة.
  3. تأسيس مدارس الحرفة وعدالة الأجر: إن غياب الحرفيين المهرة يُعالج بالتأسيس المسبق لمدارس ومراكز تدريب مهني للنشء تُعلمهم أصول ومبادئ البناء والبياض والقطع الحجري قبل بدء المشاريع. أجر الحرفي هو حق أصيل مقابل جهد ميداني يبني ويصنع كرامة الفراغ، ومقارنته بما يُهدر على الفئات الطفيلية وناهبي الأموال يوضح أين ينبغي أن تُوضع القيمة والميزانيات.

سابعاً: خاتمة واستشراف: غرس البذرة والنماذج الاسترشادية

إن التأسيس لمنظومة معمارية حقيقية يقتضي الربط الصارم بين تأصيل الوعي بغايات العمارة وبين تفعيل المعرفة التنفيذية الميدانية لدى صانعي الفراغ المعماري، لننتقل من تعليم أدوات الهدم المبرمج إلى تعليم أصول وقيم العمارة الأصيلة. 

إن هذا التغيير المرجو لا ينتظر صحوة المؤسسات الأكاديمية أو الشركات السائدة، بل يبدأ بـ نماذج وتجارب استرشادية ميدانية مصغرة- سواء في مسكن فردي، أو مركز خدمي، أو وحدة تعليمية- تُترجم فيها فيزياء المادة وقواعد الفناء والحل المالي الميداني حقيقة قائمة يُشار إليها بالبنان. 

ورغم أن المنظومة السائدة تقف اليوم كجدار صلب يرفض تغيير هذا المسار، إلا أن صياغة هذا الوعي في وثيقة محكمة، معززة بالدليل الهندسي والاقتصادي، لا تذهب سدى. إن كشف آلية "التلبيس الإبليسي" وتسمية الفاعلين من شياطين الإنس بأسمائهم الصريحة هو الخطوة الأولى لإسقاط الغشاوة عن الأبصار. 

وأخيراً: ستبقى هذه الرؤية حجة قائمة وبذرة حية؛ حتى إذا ما تتلقفها عقلية قادرة على هضمها وتطبيقها ولو في بقعة واحدة من هذا العالم، أو في مسكن صغير يعيد للإنسان سكينته وفطرته، فإنها تكسر هيمنة الركام، وتثبت أن نور البناء الحق قادرٌ دوماً على تبديد ظلمات الهدم المُزيّن بأوهام العمران.

الاثنين، أكتوبر 05، 2026

الحضارة لا تُستورد: بين أصالة الانتماء ومزالق التبعية


جمال الهمالي اللافي

إن التوجه الذي يختاره المعماري، سواء نحو تأصيل العمارة المحلية أو الجري خلف الصيحات العالمية، هو في جوهره قناعة شخصية راسخة. هذه القناعة ترتبط بالخلفية الثقافية والقيمية المترسخة في وجدانه، ولا يمكن تغييرها بالضغط الخارجي أو بفرض آراء مخالفة. التغيير الحقيقي يتولد فقط من داخل المعماري نفسه، عندما تتسع مداركه ويصل عبر الحوار والمشاهدة العميقة إلى لحظة يدرك فيها مكمن الخلل في الطريق الذي كان يسلكه.

وهذه القناعة الذاتية ليست انفصالاً عن واقع السوق ولا إنكاراً لمتطلبات الممولين والعملاء؛ بل إن اختبارها الحقيقي يظهر في كيفية التعامل مع هذه الضغوط. فهناك من يستسلم بسهولة للنزعة التجاربة ويعتمدها كمنهج يبرر التبعية والتكرار، بينما يتخذ المعماري الأصيل من هذه التحديات فرصة لإيجاد حلول محلية ذكية. هو لا يتجاهل رغبة العميل ولا واقع الإمكانيات، بل يتسلح بالفكر والصبر لتطويع الظروف والوصول بالبيئة العمرانية إلى بر الأمان.

العمارة، قبل أن تكون حجراً وخرسانة، هي بناء فكري متكامل له قواعده وأساساته الشبيهة بأي بنيان مادي. وكما يستغرق هذا البناء وقتاً طويلاً لتكتمل أركانه، فإن هدمه يحتاج إلى قرار واعٍ ينبع من قناعة صاحبه. ولا يمكن فرض التغيير بالقوة أو الإكراه، لأن القهر لا ينتج سوى صمت مؤقت، حتى تتغير الظروف ويستعيد الصوت الأصيل قدرته على التعبير عن نفسه في ساحات البناء والإعمار.

إن التنوع العمراني الحقيقي هو الذي ينشأ من احترام قيم المجتمع، واحتياجاته، وظروفه البيئية والاقتصادية. وهناك فارق شاسع بين "التلاقح الحضاري" الواعي الذي يستفيد من الخبرات العالمية ويصهرها في قالب محلي، وبين "الاستيراد الكلي" لعمارة غريبة عن المكان بجميع تفاصيلها. إن جلب نماذج معمارية جاهزة صُممت لمجتمعات أخرى، وتنفيذها بشركات وعمالة أجنبية كما هي، ليس حداثة ولا انفتاحاً، بل هو انقياد يقطع الصلة بين المبنى والبيئة التي يقوم عليها.

مهما بلغت القدرة المالية لأي أمة، فإنها تستطيع استيراد كل ما تشاء من المنتجات والبنايات، لكن المال وحده لن يصنع حضارة. الحضارة تنبع من المكان ومعطياته الطبيعية، ومن إبداع أبنائه في ابتكار حلول صادقة لمعضلاتهم، لينتجوا شواهد معمارية تعبر عن هويتهم وتفاعلهم الحي مع البيئة بأسلوب تلقائي وأصيل.

ولكي لا نجد أنفسنا يوماً أمام شواهد معمارية مشوهة تضر بالمحيط وتفسد حياة الناس، يتوجب علينا العودة إلى الأصل: مراجعة "البناء الفكري" لطلبة العمارة. يجب التأكد من سلامة هذا التكوين في المؤسسات التعليمية، بدءاً من الأساتذة ووصولاً إلى المناهج والمرافق، مع تفعيل رقابة المجتمع الذي يُعد المتضرر الأكبر من أي خلل عمراني. وهنا يأتي دور الإعلام في نشر التوعية، والابتعاد عن السطحية، والتركيز على القضايا الجوهرية التي تمس نهضة الوطن.

إن أي حديث عن ثورة معمارية سيبقى مجرد كلام إن لم تصاحبه ثورة محلية في تقنيات البناء ومواده. بقاؤنا حبيسي الخرسانة المسلحة والبلوك الإسمنتي ليس قضاءً وقرراً. الواقع العمراني لا يحتاج إلى تعقيدات إنشائية مكلفة، بل إلى حلول عقلانية تلبي احتياجات السكن والمباني الخدمية والتعليمية.

البديل الحقيقي لا يكمن في نقل تقنيات معقدة من الخارج، بل في الاعتماد على ما يُعرف اليوم بـ "العمارة الخضراء والمستدامة"؛ وذلك بتطوير موادنا المحلية مثل الطوب الرملي، والقوالب الطينية والجيرية، والتوسع في نظام الحوائط الحاملة للمباني متوسطة الارتفاع. وحتى في المشاريع الكبرى ذات البحور الواسعة كالمطارات، يمكن توظيف التقنيات الحديثة في معالجة الأسقف بذكاء، مع الحفاظ على روح المكان وهويته في باقي عناصر البناء. إن تطوير المادة المحلية هو التطور الفعلي الذي يحقق الاستدامة والاقتصاد.

هذا التغيير المطلوب يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل المعماري، والمصنع، والمستثمر العقاري، والجهات المسؤولة عن حماية هوية المجتمع. والتحدي الأكبر اليوم هو التصدي لروح الانتهازية والتبعية التي تسعى للوجاهة الشكلية والمصالح الضيقة على حساب المبادئ الوطنية والمهنية.

أمام هذا الواقع، يبقى الوعي المكتوب والكلمة الصريحة هما خط الدفاع الأول لبناء هذا الجدار الفكري. فالأمل يظل قائماً في يقظة الأجيال القادمة، وفي صحوة معمارية يقودها شباب واعٍ يدرك أن العمارة رسالة وانتماء قبل أن تكون مجرد مبانٍ تُشيد وتُباع.

الجمعة، أكتوبر 02، 2026

خديعة الحداثة: حين تحول العجز المعماري إلى مرجعية

انسحاب المعمار: قصة القطيعة بين الإنسان والمكان

 جمال الهمالي اللافي

      في لحظة فارقة أواخر القرن التاسع عشر، انزلقت العمارة من كونها "فعل انتماء" إلى "فعل اغتراب". لم يكن التحول نحو ما يُسمى بالحداثة ثورة إبداعية، بل كان في جوهره انسحاباً أمام تعقيد العلاقة العضوية بين الإنسان، والبيئة، والمجتمع. لقد استُبدلت الحكمة الحرفية المتراكمة بكسلٍ معرفي تقنّع بشعارات براقة، لتبرير العجز عن فهم تفاصيل المكان وروح المادة. 

    وهكذا وُلدت الحيلة الكبرى، وصيغت قوانين الاختزال:

  • حين عجزوا عن بلوغ النسبة الجمالية ونحت التفاصيل، أعلنوا أن "الزخرفة جريمة".
  • وحين استثقلوا دراسة المناخ واحترام الطبيعة، صادروا الروح وقالوا إن "المبنى آلة".
  • وحين جهلوا ثقافة المجتمعات وتعقيدها، ادعوا أن العمارة "عالمية" لا تعترف بسياق. 

    لم تكن الشبكة الإنشائية والمخطط الحر والواجهات الزجاجية إنجازاً أو تحريراً، بل كانت طرقاً مختصرة للهروب من الحلول المعمارية العميقة التي كان المعمار الأصيل ينسجها بصبر وتأمل. لقد عاشت هذه المرحلة على تسويق الوهم:

  • تحدثوا عن "الصدق الإنشائي"، بينما أخفوا المكيفات خلف الواجهات لتصحيح خطيئتهم المناخية.
  • تغنوا بـ "الوظيفة"، فأنتجوا علباً لا تتسع لإنسانية الإنسان ولا توفر له السكينة.
  • بشروا بـ "الحرية"، ففرضوا لغة استبدادية صماء وحّدت المدن من ناطحات نيويورك إلى أبراج طرابلس، ومن مدن الساحل إلى مدن الصحراء متجاهلين أن لكل أرض شمسها، ولكل مجتمع ظله. 

    كانت النتيجة هذا الخراب الحضاري الممتد: مدن فاقدة للهوية، وفراغات متصحرة. لقد صببنا الأرض بالخرسانة فتمردت الطبيعة بالفيضانات. واستبدلنا "الحوش" وفناءه الرؤوف بصناديق زجاجية تستهلك طاقة الأرض لتبرد. ومارسنا تجويعاً بصرياً واجتماعياً بهدم الأنساق العمرانية التي كانت تُعلّم الناس كيف يجتمعون، وكيف يستظلون، وكيف يحترمون الجوار. 

    وتعمق السقوط حين انتقل هذا العجز إلى قاعات الدرس وتكرس كمرجعية أكاديمية. لم يعد الأستاذ "شيخ حرفة" ينقل حكمة البناء، بل أصبح مروجاً لصور استعراضية. وانقطع الطالب عن ورش العمل وعن تأمل نسب وأبعاد المدينة القديمة، ليغوص في شاشات تولّد آلاف الأشكال العبثية، مختزلاً الإبداع في مدى غرابة الشكل. 

    في النهاية، لم يؤسس هؤلاء لحضارة، بل قنّنوا الجهل. فكانوا شهوداً وفاعلين في سقوطٍ مدوي لم يأتِ كقدر محتوم، بل كان ثمرة مباشرة لعجزٍ أُلبس ببراعة ثوب الإبداع، وجهلٍ تحول إلى قانون، وتسويقٍ حوّل الوهم إلى مرجع.

الثلاثاء، سبتمبر 29، 2026

عودة الروح إلى البيت الإسلامي

 

جمال الهمالي اللافي

حين يُبنى البيت على قيم الألفة والكرامة، يصبح فضاءً يعيد تشكيل الجماعة ويمنحها القوة.

    لم يعد البيت في كثير من مجتمعاتنا فضاءً للألفة كما كان، بل تحوّل إلى قاعة عرض للأثاث والديكور، تُغلق أبوابه أمام حرارة اللقاء، وتُراقب فيه خطوات الأطفال بقلق، وكأنهم غرباء في بيت أهلهم. هذا التحوّل يكشف عن أزمة أعمق من مجرد تغيّر في الذوق؛ إنها أزمة في فلسفة العمارة ذاتها، حين انفصلت عن قيمها الأصلية التي كانت تجعل البيت وعاءً للجماعة، لا مجرد مأوى فردي.

    البيوت التي صُممت وفق قيم المسكن الإسلامي حملت بين جدرانها روح الضيافة والتواضع، فكانت جاذبة، مفتوحة، تُعيد إنتاج روابط المحبة والتواصل. أما البيوت التي استوردت روحها من الحداثة الغربية، فقد صُممت لتُعرض لا لتُعاش، لتُغلق لا لتُفتح، فصارت طاردة، باردة، تُكرّس الفردية والانعزال.

    ولعل ما قاله ونستون تشرشل في أكتوبر 1943، وهو يناقش إعادة بناء قاعة مجلس العموم البريطاني بعد أن دمّرتها الغارات، يضيء هذه القضية : "نحن نصنع مبانينا، ثم هي تصنعنا."  لم يكن يقصد التنظير المعماري، بل أراد أن يُعاد بناء القاعة كما كانت، حفاظاً على طبيعة النقاش السياسي وروح المواجهة المباشرة بين الحكومة والمعارضة. لكن عبارته، وإن جاءت في سياق محدد، تحمل دلالة أوسع: أن كل مبنى يُشيد يعيد تشكيل قيم ساكنيه ويؤثر في أخلاقياتهم وعلاقاتهم.  

    اليوم، حين ننظر إلى مشاريع الإسكان المستوردة أو الأحياء العشوائية، ندرك أن العمارة ليست محايدة؛ فهي إما أن تُعيد الحياة إلى مفهوم الجماعة، أو تُنتج عزلة وقسوة. ومن هنا فإن مستقبل عمارتنا لن يُقاس بمدى فخامة الواجهات أو حداثة المفروشات، بل بقدرتها على إحياء فضاءات الألفة والكرامة التي كانت أساس البيت الإسلامي، وإعادة بناء المجتمع على قيم الترابط والتلاحم.

الجمعة، سبتمبر 25، 2026

مستنقع المقارنة: من فلاتر الذات إلى مسوخ العمران واللسان

مدينة الخنيفرة بالمملكة المغربية- تظهر نمطاً من العمارة السوية التي تحترم مقومات بيئتها

جمال الهمالي اللافي 

تناولت السيدة الفاضلة لميس شعبان- في منشور على صفحتها- تشخيصاً دقيقاً لأزمة مراهقين وشبان يقعون يومياً في فخ مقارنة أجسادهم وحياتهم بالصور المثالية على منصات التواصل. غير أن هذا التشخيص النفسي الفردي يتيح لنا مدخلاً لإسقاط المعنى ذاته على مستوى حضاري أشمل؛ فالإنسان لا يتوقف عند مقارنة ملامحه أو وضعه المادي بالآخرين، بل يتجاوز ذلك إلى مقارنة أُمته ومجتمعه بمنجزات الأمم الأخرى؛ وهي مقارنة غالباً ما تُبنى على صور برّاقة ومقتطعة تُظهر المظاهر وتُخفي العيوب والقصور. 

ومثلما لا نشبه الآخرين في أجسادنا ولون عيوننا وشعرنا، فكذلك لا نشبههم بالضرورة في ثقافتنا ولا في فنوننا ولا في عمارتنا. غير أن العجز عن الارتقاء بالوعي لاستيعاب سنّة الاختلاف يجعل الإنسان ينزلق من مساحة "التمايز الصحي" والتنوع الطبيعي إلى مستنقع "المقارنة المرضية". وهنا تبرز حقيقة التربية الأسرية والمجتمعية، وتتضافر مع سياسات الحكم غير الرشيد لتعزيز روح الهزيمة النفسية لدى الأجيال المتلاحقة. 

واليوم، كما بالأمس ومنذ قرن من الزمان، يتجلى هذا الواقع المنهزم في شتى مظاهر حياتنا وفي مقدمتها العمارة والفنون؛ حيث يسعى المجتمع لاستنساخ نماذج بصرية وعمرانية غريبة عن بيئته وثقافته، في سلوك يطابق تماماً لجوء الفرد لعمليات التجميل الجراحية لتغيير شكله تلبيةً لصورة مستوردة. وكما تُسفر تلك الجراحات الهوجاء غالباً عن أضرار صحية وتشوهات خَلقية تنتهي أحياناً بوفاة صاحبها، فإن هذا "التجميل العمراني الزائف" أورث المجتمع تشوهاً أخلاقياً واجتماعياً طال قيمه وعاداته وسلوكه اليومي؛ فيُهمّش الطابع المعماري الأصيل الذي كان يصون خصوصية الجار ويعزز التكافل والسكينة، وتُستبدل به كتل خرسانية وهجين بصرية غريبة تُعزز العزلة، وتقتل روح التواصل، وكأننا نُلبس مدننا وجوهاً مستعارة تقتل فيها الحياة وتسلخ المجتمع من ذاته. 

ولا يقف هذا الاستلاب عند حدود العمران والفنون الملموسة، بل تعمّق بفعل المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والسياسية التي مارست دور «الفاعل الأصلي» في تجريف الهوية؛ فهي التي أوردت المجتمعات هذا الواقع المنهزم وصنعت الغيبوبة حتى قبل أن تظهر منصات التواصل الاجتماعي لتزيد الأمر احتقاناً وتفاقماً. فلقد فرّغت هذه المؤسسات مجتمعاتها من كل محتوى أصيل يصون كرامة الذات، وتركت الأجيال بلا حصانة فكرية، لتتلقفها شاشات التواصل بعروضها البراقة التي تستنفر عقدة المقارنة السلبية بدلاً من ترسيخ مبدأ التمايز الحضاري. ونتيجة لهذا التجريف المؤسسي، نشأت أجيال ترطن بغير لغتها ولا لهجتها، وانتقل الاستلاب من كتابة المسميات العربية بلغات أجنبية إلى تسمية كل شيء بتلك اللغات والتنكر للسان المحلي. 

إنها الغيبوبة الحضارية التي تضرب أطنابها في المجتمعات متى ما تولت مؤسساتها تفريغها من محتواها الذاتي، لتسقط في احتقار النفس ومقارنتها بالغير من موضع الدونية. ومادام هذا هو واقع الحال المكرّس بفعليات الرسم والسياسة، فلا ندري حقاً إلى أي جرف هارٍ ستنحدر شعوب أدمنت النظر إلى ذاتها بعيون الآخرين.

الخميس، سبتمبر 24، 2026

فلسفة البيت الأصيل: من العافية إلى البلاغ


جمال الهمالي اللافي

"البيتُ الذي يصمّمه معماريٌّ أصيل، يزنُ مشاريعه باقتدارٍ بيئيٍّ واجتماعيٍّ واقتصاديّ، لا يدخله الطبيب ولا تقربه مكائد الشيطان".. من هذه القاعدة ننطلق، وعلى الله وحده الهداية.

أولاً: الاعتبار البيئي والصحي.. العمارة كطبّ وقائي وجسدي ونفسي (لا يدخله الطبيب)

تتعدى العمارة كونها مجرد عملية مادية لرصف الأحجار وإقامة السقوف، لتصبح منظومة طبية وقائية متكاملة- جسدياً ونفسياً- تُصاغ بها جودة الحياة اليومية. إن المثل الشعبي القائل "البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله الطبيب" يمثل جزءاً يسيراً من حقيقة أعمق؛ فالتصميم البيئي الواعي يعالج الفراغ باعتباره كائناً حياً يتنفس، ويقيم حواراً متوازناً بين الساكن والطبيعة.

عندما يستوعب المعماري الأصيل حركة الشمس وسرعة الرياح السائدة، ويتقن توجيه الفتحات ودراسة العلاقة بين الكتلة والشارع، فإنه يصنع مناخاً داخلياً متوازناً؛ حركة الهواء المجددة، والضوء المنسكب بحساب يمنع التوهج. وتكتمل هذه المنظومة بالانحياز الواعي لـ مواد البناء البيئية الشافية بدلاً من الكتل الخرسانية الصماء؛ كاعتماد الطوب الرملي أو الجيري بسُمكٍ ناضج (40 سم)، لما يتمتع به من قدرة فائقة على العزل الحراري والسعة الحرارية الطبيعية. هذا الاختيار المادي المتقن يُبقي البيت معتدلاً في حرّه وبرده، ويُقلل الاستعانة بالتكييف الاصطناعي وأجهزته إلى الحد الأدنى، مما يقي الجسد من اعتلالات الجملة التنفسية والعصبية الناجمة عن الهواء المحبوس والمناخ القسري.

غير أن الوقاية الصحية لا تتوقف عند حدود الجسد؛ فالنفس تُطبَّب بالجمال وتعتلّ بالقبح. من هنا تبرز أهمية التناسق الفراغي والدمج المباشر للعناصر النباتية والطبيعية في نسيج البيت. إن إتاحة المساحة للغرس والخضرة، واستحضار ظلال الأشجار ونسماتها، وإتقان النسب البصرية داخل البيت وخارجه، يُعدّ بلسمًا علاجياً يُهدئ الجهاز العصبي، ويقلل من مستويات التوتر، ويمنح الروح طمأنينة واستقراراً.

وفي المقابل، فإن طغيان الكتل الخرسانية الجافة وشيوع القبح البصري على حساب العناصر الطبيعية والمواد البيئية، لا يقتصر أثره على التلوث الجمالي للمكان، بل يتحول إلى مصدر استنزاف نفسي وجسدي مكتوم؛ يغرس الضيق في نفوس القاطنين، ويُغذّي القلق والتوتر الدائمين. العمارة الأصيلة تدرك أن القبح الخرساني جائحة صحية، وأن البيئة الخضراء والمواد الطبيعية والتناسق البصري هما خط الدفاع الأول الذي يحمي جسد الساكن ونفسه، فيغدو البيت صحةً للبدن وسكينةً للروح.

ثانياً: الاعتبار الاجتماعي والقيمي.. الفراغ كحصن للسكينة (ولا تقربه مكائد الشيطان)

إن التشكيل الفراغي داخل البيت ليس ترتيباً محايداً للجدران، بل هو الهندسة الاجتماعية والفكرية التي تُدار بها العلاقة الإنسانية داخل الأسرة. فالضيق النفسي والمشاحنات الأسرية ليست دائماً وليدة خلافات فكرية أو مصلحية طارئة، بل كثيراً ما تكون نتاجاً لبيئة سكنية خانقة بنيت على الهوى، فتفتقر إلى السكينة وتفتك بالخصوصية.

تتجسد أصالة المسكن عندما يُصاغ وفق مرجعية إيمانية واضحة، ينبذ فيها المعماري والمالك دوافع المفاخرة والمباهاة، وتتجاوز الرؤية الاقتصادية البحتة التي تختزل البيت في كتل خرسانية صماء، وتتحرر كلياً من التقليد الأعمى للصرعات الغربية المستوردة؛ وهي صرعات نُسخت عن مجتمعات تتأسس على فلسفة مكشوفة لا تقيم وزناً للحرمة أو السكينة.

تتلخص القيم الإسلامية التي حث الشرع على توفرها في المسكن في أصول جليّة:

  • قيمة الستر والحرمة (الخصوصية المطلقة): صياغة التدرج الفراغي من العام إلى الخاص، وعزل حركة الزوار عن حريم البيت، وحجب الرؤية والتجسس البصري، إعمالاً لنسب الستر الشريفة التي تصون كرامة الأسرة وتمنح الطمأنينات لأهل الدار.
  • قيمة السكينة والتراحم: توفير فضاءات تجمع الأسرة على المودة، وتتيح في الوقت نفسه لكل فرد حقه في العزلة والهدوء الاستشفائي دون مزاحمة أو ضوضاء.
  • قيمة التواضع والقصد: نفي الخيلاء والتكاثر، والابتعاد عن المساحات الاستعراضية الميتة التي تُبنى للتباهي وتستنزف المال والروح بلا وظيفة. 

حين تغيب هذه المرجعية العقائدية، ويُبنى البيت على التفاخر أو المحاكاة الغربية، يتولد فضاء هجين يولد التوتر النفسي، ويكشف الحرمات، ويشيع الكآبة وضيق الصدر. في هذه البيئة المضطربة، تجد "مكائد الشيطان" ثغرتها الخسيسة؛ فيستغل التوتر الناجم عن سوء التوزيع الفراغي والانكشاف البصري ليزرع الفتن، ويشعل المشاحنات اليومية والتصادم بين أفراد الأسرة—وهي تصادمات ما كان لها أن توجد في بيت بُني على التقوى والسكينة.

ثالثاً: الاعتبار الاقتصادي.. التدبير والرشد العمراني (الاقتدار في إدارة الموارد)

من السهل على أي منفّذ عابر أن يمدد المساحات المسقوفة ويرصّ الخرسانات ليوهم الزبون بالقيمة والحجم، لكن المعماري الأصيل يتميز بـ "الاقتدار الاقتصادي" الذي يكمن في الرشد، والتدبير، وحسن الاستثمار عبر نظرة متكاملة لدورة حياة المسكن. إن الاقتصاد الحقيقي في العمارة لا يعني الشحّ أو الاكتفاء بالبدائل الخرسانية التلفية الرخيصة، بل يعني "كفّ الهدر" وتأمين أقصى كفاءة حياتية بأعدل كلفة ممتدة.

يتجلى هذا الرشد عند الوقوف أمام التساؤل التقليدي حول فوارق أسعار مواد البناء؛ حين يتردد المالك أمام الارتفاع المبدئي لكلفة مواد بيئية عالية الكفاءة- كالطوب الجيري أو الرملي بسُمك 40 سم- مقارنة بالطوب الخرساني التجاري. هنا يبرز دور المعماري الأصيل في بيان "الحقيقة الاقتصادية الغائبة"؛ فالفارق المالي المدفوع في مادة البناء العازلة ليس إنفاقاً ضائعاً، بل هو استثمار وقائي يُسترد سريعاً من خلال خفض الاستهلاك الكهربائي للتكييف الاصطناعي إلى أدنى مستوياته، وتقليل تكاليف الصيانة الدورية، ناهيك عن الوفر في الإنفاق العلاجي والصحي.

يبدأ هذا الاعتبار الاقتصادي من رسم الخط الأول؛ حيث يرفض المعماري الواعي تضخيم المساحات العشوائية التي تُحشر لمجرد الاستعراض الفراغي وتتسبب في كتم البيت بيئياً، ليمنح المالك بدلاً عنها حلاً وظيفياً مقتدراً بكتلة موزونة. العمارة الأصيلة تحمي الاستقرار المادي لصاحب البيت، وتضمن استدامة السكن وديمومة رفاهيته دون أن تتحول فاتورة تشغيله إلى عبء يورث الهمّ والضيق.

رابعاً: البُعد الرسالي والعقدي.. البناء كشهادة وبلاغ (من هذه القاعدة ننطلق)

إن المسار الذي يسلكه المعماري الأصيل وسط واقع عمراني مشوه ليس مجرد منافسة مهنية في السوق، بل هو جهاد فكري وموقف عقدي يتصل بصلب مفهوم "استخلاف الإنسان وعمارة الأرض". فحين تنفصل العمارة عن التكسب المادي الصرف ولهاث الأرباح السريعة، ترتقي لتصبح رسالة إصلاحية وأثراً ممتداً.

المعماري المسلم، حين يصطدم بثقافة عمران تجارية تُسلّع السكن وتفرغه من القيمة، لا يملك إلا أن يتسلح بـ "صبر الأنبياء"؛ مدركاً أن وظيفته الأساسية هي البلاغ المبين عبر مقالاته التوعوية، والأهم من ذلك عبر شواهده المعمارية القائمة. المبنى الأصيل المنفذ هو البيان العملي الصلب الذي يكشف عيوب السائد ويقيم الحجة على أرض الواقع.

        لا يفزع المعماري صاحب الرسالة من ضياع الفرص التجارية، ولا يستنزفه القلّة أو البطء في استجابة مجتمعه؛ فهو يعلم أن هداية العقول والقلوب بيد الله وحده، وأن مسؤوليته تقف عند حدود إتقان العمل، وإبراز البديل، والصمود على المبدأ، ليأتي يوم القيامة بأثره وشواهده، خالصاً لوجه الله، ومؤدياً لأمانة المعرفة والعمران.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...