لم نرها نعمة... حتى رأيناها عند غيرنا
جمال الهمالي اللافي
ليست كل الصدمات الحضارية ناتجة عن رؤية ما لم نعرفه من قبل.
أحياناً تأتي الصدمة من رؤية الآخرين يحتفون بما كان جزءاً من حياتنا، ثم تخلينا
عنه طواعية، مقتنعين أننا نستبدله بما هو أفضل.
عجبت حين
شاهدت هذا الفيديو، الذي وضعت رابطه في الأسفل.
لا لأنني
رأيت فيه فكرة جديدة أو حلاً معمارياً مبتكراً لم نعرفه من قبل، بل لأنني رأيت
امرأة غربية تستعرض بيتها بفخر، بينما يتوسطه فناء مفتوح على السماء، وتفتح حجراته
مباشرة عليه دون أروقة موزعة بل مظلة واحدة احتلت إحدى أركان الفناء للحماية من المطر أو أشعة الشمس.
وعجبت
أكثر لهذا الإنسان، الذي ينظر إلى ما عند غيره فلا يرى النعمة التي كان يعيش فيها،
فيلفظها جرياً وراء تقليد ما عند الآخرين، متغافلاً عن حكمة الله في توزيع الأرزاق
والخصائص والميزات بين البيئات والشعوب. فالله عز وجل لا يبخل على عباده بما فيه
الخير لهم، وإنما يعطي كل أمة من أسباب العيش ما يلائم ظروفها وبيئتها وأحوالها.
لقد كان
الفناء الداخلي قلب البيت في عمارتنا التقليدية. منه يدخل الضوء، وعبره يتجدد
الهواء، وحوله تنتظم حياة الأسرة في خصوصية وطمأنينة واتصال دائم بالسماء
والطبيعة. ولم يكن مجرد مساحة فارغة داخل المنزل، بل كان عنصراً أساسياً في تحقيق
الراحة المعيشية والتوازن المناخي والنفسي لسكانه.
لكن رحلة
الإنسان الليبي مع مسكنه أخذت مساراً آخر.
فمن نعمة
الفناء المفتوح على السماء والهواء الطلق وأشعة الشمس الدافئة، إلى صناديق
الخرسانة المغلقة والخانقة، انتقل وهو يظن أن الله قد خص غيره بما لم يخصه به، وأن
الجمال والرقي والراحة كلها تكمن فيما يراه عند الآخرين.
أُعجب
بالتقنيات، وانبهر بالتفاصيل، وافتتن بالمواد الحديثة وأعمال التشطيب، حتى انتهى
به الأمر إلى التخلي عن كثير من الحلول العمرانية التي أثبتت صلاحيتها عبر أجيال
طويلة من التجربة والتكيف مع المناخ ونمط الحياة المحلي.
ولم يكن
الخطأ في التعلم من الآخرين، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، وإنما
الخطأ في احتقار ما عندنا قبل فهمه، وفي الظن أن كل جديد أفضل من القديم لمجرد أنه
جديد، وأن كل ما ورثناه أقل قيمة لمجرد أنه مألوف.
والمفارقة
التي يثيرها هذا الفيديو أن كثيراً من المجتمعات الغربية بدأت اليوم تعيد اكتشاف
مزايا الفناء الداخلي، والارتباط بالطبيعة، والاستفادة من الضوء الطبيعي والتهوية
الطبيعية، باعتبارها عناصر تسهم في جودة الحياة والراحة النفسية والاستدامة
البيئية. بينما لا يزال كثير منا ينظر إلى هذه العناصر بوصفها بقايا من الماضي لا
مكان لها في المسكن المعاصر.
إن بعض
النعم لا تفقد قيمتها لأنها فقدت مزاياها، بل لأنها أصبحت مألوفة إلى درجة لم نعد
نراها. وحين نعتاد النعمة تتراجع قدرتنا على إدراك فضلها، حتى نفاجأ يوماً بمن
يأتي ليذكرنا بقيمتها من حيث لا نتوقع.
لهذا لم
تكن دهشتي من البيت الذي ظهر في الفيديو، بل من المفارقة التي كشفها.
فها هو
الآخر يحتفي بما فرطنا فيه، ويتباهى بما كنا نملكه، ويعيد اكتشاف ما هجرناه، بينما
لا يزال كثير منا يعتقد أن طريق التقدم يمر دائماً عبر التخلي عن كل ما ورثناه، لا
عبر فهمه وتمييز ما يستحق البقاء منه مما يستحق التطوير أو الاستبدال.
فهل يكفي
مثل هذا الفيديو ليقول لنا: أفيقوا؟
أم أن
الفأس قد وقعت بالفعل على الرأس، حتى لم نعد نرى النعمة إلا حين نراها معروضة
علينا في تجربة الآخرين؟
إن ما
فقدناه لم يكن مجرد فناء يتوسط البيت، بل جزءاً من فهم متراكم لمعنى السكن، ومعنى
الراحة، ومعنى أن تكون العمارة استجابةً حقيقية لحاجات الإنسان وبيئته، لا مجرد
تقليد لصور تتبدل من زمن إلى آخر.
رابط الفيديو الذي ألهم هذه المقالة: Facebook.




