أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، سبتمبر 25، 2026

مستنقع المقارنة: من فلاتر الذات إلى مسوخ العمران واللسان

مدينة الخنيفرة بالمملكة المغربية- تظهر نمطاً من العمارة السوية التي تحترم مقومات بيئتها

جمال الهمالي اللافي 

تناولت السيدة الفاضلة لميس شعبان- في منشور على صفحتها- تشخيصاً دقيقاً لأزمة مراهقين وشبان يقعون يومياً في فخ مقارنة أجسادهم وحياتهم بالصور المثالية على منصات التواصل. غير أن هذا التشخيص النفسي الفردي يتيح لنا مدخلاً لإسقاط المعنى ذاته على مستوى حضاري أشمل؛ فالإنسان لا يتوقف عند مقارنة ملامحه أو وضعه المادي بالآخرين، بل يتجاوز ذلك إلى مقارنة أُمته ومجتمعه بمنجزات الأمم الأخرى؛ وهي مقارنة غالباً ما تُبنى على صور برّاقة ومقتطعة تُظهر المظاهر وتُخفي العيوب والقصور. 

ومثلما لا نشبه الآخرين في أجسادنا ولون عيوننا وشعرنا، فكذلك لا نشبههم بالضرورة في ثقافتنا ولا في فنوننا ولا في عمارتنا. غير أن العجز عن الارتقاء بالوعي لاستيعاب سنّة الاختلاف يجعل الإنسان ينزلق من مساحة "التمايز الصحي" والتنوع الطبيعي إلى مستنقع "المقارنة المرضية". وهنا تبرز حقيقة التربية الأسرية والمجتمعية، وتتضافر مع سياسات الحكم غير الرشيد لتعزيز روح الهزيمة النفسية لدى الأجيال المتلاحقة. 

واليوم، كما بالأمس ومنذ قرن من الزمان، يتجلى هذا الواقع المنهزم في شتى مظاهر حياتنا وفي مقدمتها العمارة والفنون؛ حيث يسعى المجتمع لاستنساخ نماذج بصرية وعمرانية غريبة عن بيئته وثقافته، في سلوك يطابق تماماً لجوء الفرد لعمليات التجميل الجراحية لتغيير شكله تلبيةً لصورة مستوردة. وكما تُسفر تلك الجراحات الهوجاء غالباً عن أضرار صحية وتشوهات خَلقية تنتهي أحياناً بوفاة صاحبها، فإن هذا "التجميل العمراني الزائف" أورث المجتمع تشوهاً أخلاقياً واجتماعياً طال قيمه وعاداته وسلوكه اليومي؛ فيُهمّش الطابع المعماري الأصيل الذي كان يصون خصوصية الجار ويعزز التكافل والسكينة، وتُستبدل به كتل خرسانية وهجين بصرية غريبة تُعزز العزلة، وتقتل روح التواصل، وكأننا نُلبس مدننا وجوهاً مستعارة تقتل فيها الحياة وتسلخ المجتمع من ذاته. 

ولا يقف هذا الاستلاب عند حدود العمران والفنون الملموسة، بل تعمّق بفعل المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والسياسية التي مارست دور «الفاعل الأصلي» في تجريف الهوية؛ فهي التي أوردت المجتمعات هذا الواقع المنهزم وصنعت الغيبوبة حتى قبل أن تظهر منصات التواصل الاجتماعي لتزيد الأمر احتقاناً وتفاقماً. فلقد فرّغت هذه المؤسسات مجتمعاتها من كل محتوى أصيل يصون كرامة الذات، وتركت الأجيال بلا حصانة فكرية، لتتلقفها شاشات التواصل بعروضها البراقة التي تستنفر عقدة المقارنة السلبية بدلاً من ترسيخ مبدأ التمايز الحضاري. ونتيجة لهذا التجريف المؤسسي، نشأت أجيال ترطن بغير لغتها ولا لهجتها، وانتقل الاستلاب من كتابة المسميات العربية بلغات أجنبية إلى تسمية كل شيء بتلك اللغات والتنكر للسان المحلي. 

إنها الغيبوبة الحضارية التي تضرب أطنابها في المجتمعات متى ما تولت مؤسساتها تفريغها من محتواها الذاتي، لتسقط في احتقار النفس ومقارنتها بالغير من موضع الدونية. ومادام هذا هو واقع الحال المكرّس بفعليات الرسم والسياسة، فلا ندري حقاً إلى أي جرف هارٍ ستنحدر شعوب أدمنت النظر إلى ذاتها بعيون الآخرين.

الخميس، سبتمبر 24، 2026

فلسفة البيت الأصيل: من العافية إلى البلاغ


جمال الهمالي اللافي

"البيتُ الذي يصمّمه معماريٌّ أصيل، يزنُ مشاريعه باقتدارٍ بيئيٍّ واجتماعيٍّ واقتصاديّ، لا يدخله الطبيب ولا تقربه مكائد الشيطان".. من هذه القاعدة ننطلق، وعلى الله وحده الهداية.

أولاً: الاعتبار البيئي والصحي.. العمارة كطبّ وقائي وجسدي ونفسي (لا يدخله الطبيب)

تتعدى العمارة كونها مجرد عملية مادية لرصف الأحجار وإقامة السقوف، لتصبح منظومة طبية وقائية متكاملة- جسدياً ونفسياً- تُصاغ بها جودة الحياة اليومية. إن المثل الشعبي القائل "البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله الطبيب" يمثل جزءاً يسيراً من حقيقة أعمق؛ فالتصميم البيئي الواعي يعالج الفراغ باعتباره كائناً حياً يتنفس، ويقيم حواراً متوازناً بين الساكن والطبيعة.

عندما يستوعب المعماري الأصيل حركة الشمس وسرعة الرياح السائدة، ويتقن توجيه الفتحات ودراسة العلاقة بين الكتلة والشارع، فإنه يصنع مناخاً داخلياً متوازناً؛ حركة الهواء المجددة، والضوء المنسكب بحساب يمنع التوهج. وتكتمل هذه المنظومة بالانحياز الواعي لـ مواد البناء البيئية الشافية بدلاً من الكتل الخرسانية الصماء؛ كاعتماد الطوب الرملي أو الجيري بسُمكٍ ناضج (40 سم)، لما يتمتع به من قدرة فائقة على العزل الحراري والسعة الحرارية الطبيعية. هذا الاختيار المادي المتقن يُبقي البيت معتدلاً في حرّه وبرده، ويُقلل الاستعانة بالتكييف الاصطناعي وأجهزته إلى الحد الأدنى، مما يقي الجسد من اعتلالات الجملة التنفسية والعصبية الناجمة عن الهواء المحبوس والمناخ القسري.

غير أن الوقاية الصحية لا تتوقف عند حدود الجسد؛ فالنفس تُطبَّب بالجمال وتعتلّ بالقبح. من هنا تبرز أهمية التناسق الفراغي والدمج المباشر للعناصر النباتية والطبيعية في نسيج البيت. إن إتاحة المساحة للغرس والخضرة، واستحضار ظلال الأشجار ونسماتها، وإتقان النسب البصرية داخل البيت وخارجه، يُعدّ بلسمًا علاجياً يُهدئ الجهاز العصبي، ويقلل من مستويات التوتر، ويمنح الروح طمأنينة واستقراراً.

وفي المقابل، فإن طغيان الكتل الخرسانية الجافة وشيوع القبح البصري على حساب العناصر الطبيعية والمواد البيئية، لا يقتصر أثره على التلوث الجمالي للمكان، بل يتحول إلى مصدر استنزاف نفسي وجسدي مكتوم؛ يغرس الضيق في نفوس القاطنين، ويُغذّي القلق والتوتر الدائمين. العمارة الأصيلة تدرك أن القبح الخرساني جائحة صحية، وأن البيئة الخضراء والمواد الطبيعية والتناسق البصري هما خط الدفاع الأول الذي يحمي جسد الساكن ونفسه، فيغدو البيت صحةً للبدن وسكينةً للروح.

ثانياً: الاعتبار الاجتماعي والقيمي.. الفراغ كحصن للسكينة (ولا تقربه مكائد الشيطان)

إن التشكيل الفراغي داخل البيت ليس ترتيباً محايداً للجدران، بل هو الهندسة الاجتماعية والفكرية التي تُدار بها العلاقة الإنسانية داخل الأسرة. فالضيق النفسي والمشاحنات الأسرية ليست دائماً وليدة خلافات فكرية أو مصلحية طارئة، بل كثيراً ما تكون نتاجاً لبيئة سكنية خانقة بنيت على الهوى، فتفتقر إلى السكينة وتفتك بالخصوصية.

تتجسد أصالة المسكن عندما يُصاغ وفق مرجعية إيمانية واضحة، ينبذ فيها المعماري والمالك دوافع المفاخرة والمباهاة، وتتجاوز الرؤية الاقتصادية البحتة التي تختزل البيت في كتل خرسانية صماء، وتتحرر كلياً من التقليد الأعمى للصرعات الغربية المستوردة؛ وهي صرعات نُسخت عن مجتمعات تتأسس على فلسفة مكشوفة لا تقيم وزناً للحرمة أو السكينة.

تتلخص القيم الإسلامية التي حث الشرع على توفرها في المسكن في أصول جليّة:

  • قيمة الستر والحرمة (الخصوصية المطلقة): صياغة التدرج الفراغي من العام إلى الخاص، وعزل حركة الزوار عن حريم البيت، وحجب الرؤية والتجسس البصري، إعمالاً لنسب الستر الشريفة التي تصون كرامة الأسرة وتمنح الطمأنينات لأهل الدار.
  • قيمة السكينة والتراحم: توفير فضاءات تجمع الأسرة على المودة، وتتيح في الوقت نفسه لكل فرد حقه في العزلة والهدوء الاستشفائي دون مزاحمة أو ضوضاء.
  • قيمة التواضع والقصد: نفي الخيلاء والتكاثر، والابتعاد عن المساحات الاستعراضية الميتة التي تُبنى للتباهي وتستنزف المال والروح بلا وظيفة. 

حين تغيب هذه المرجعية العقائدية، ويُبنى البيت على التفاخر أو المحاكاة الغربية، يتولد فضاء هجين يولد التوتر النفسي، ويكشف الحرمات، ويشيع الكآبة وضيق الصدر. في هذه البيئة المضطربة، تجد "مكائد الشيطان" ثغرتها الخسيسة؛ فيستغل التوتر الناجم عن سوء التوزيع الفراغي والانكشاف البصري ليزرع الفتن، ويشعل المشاحنات اليومية والتصادم بين أفراد الأسرة—وهي تصادمات ما كان لها أن توجد في بيت بُني على التقوى والسكينة.

ثالثاً: الاعتبار الاقتصادي.. التدبير والرشد العمراني (الاقتدار في إدارة الموارد)

من السهل على أي منفّذ عابر أن يمدد المساحات المسقوفة ويرصّ الخرسانات ليوهم الزبون بالقيمة والحجم، لكن المعماري الأصيل يتميز بـ "الاقتدار الاقتصادي" الذي يكمن في الرشد، والتدبير، وحسن الاستثمار عبر نظرة متكاملة لدورة حياة المسكن. إن الاقتصاد الحقيقي في العمارة لا يعني الشحّ أو الاكتفاء بالبدائل الخرسانية التلفية الرخيصة، بل يعني "كفّ الهدر" وتأمين أقصى كفاءة حياتية بأعدل كلفة ممتدة.

يتجلى هذا الرشد عند الوقوف أمام التساؤل التقليدي حول فوارق أسعار مواد البناء؛ حين يتردد المالك أمام الارتفاع المبدئي لكلفة مواد بيئية عالية الكفاءة- كالطوب الجيري أو الرملي بسُمك 40 سم- مقارنة بالطوب الخرساني التجاري. هنا يبرز دور المعماري الأصيل في بيان "الحقيقة الاقتصادية الغائبة"؛ فالفارق المالي المدفوع في مادة البناء العازلة ليس إنفاقاً ضائعاً، بل هو استثمار وقائي يُسترد سريعاً من خلال خفض الاستهلاك الكهربائي للتكييف الاصطناعي إلى أدنى مستوياته، وتقليل تكاليف الصيانة الدورية، ناهيك عن الوفر في الإنفاق العلاجي والصحي.

يبدأ هذا الاعتبار الاقتصادي من رسم الخط الأول؛ حيث يرفض المعماري الواعي تضخيم المساحات العشوائية التي تُحشر لمجرد الاستعراض الفراغي وتتسبب في كتم البيت بيئياً، ليمنح المالك بدلاً عنها حلاً وظيفياً مقتدراً بكتلة موزونة. العمارة الأصيلة تحمي الاستقرار المادي لصاحب البيت، وتضمن استدامة السكن وديمومة رفاهيته دون أن تتحول فاتورة تشغيله إلى عبء يورث الهمّ والضيق.

رابعاً: البُعد الرسالي والعقدي.. البناء كشهادة وبلاغ (من هذه القاعدة ننطلق)

إن المسار الذي يسلكه المعماري الأصيل وسط واقع عمراني مشوه ليس مجرد منافسة مهنية في السوق، بل هو جهاد فكري وموقف عقدي يتصل بصلب مفهوم "استخلاف الإنسان وعمارة الأرض". فحين تنفصل العمارة عن التكسب المادي الصرف ولهاث الأرباح السريعة، ترتقي لتصبح رسالة إصلاحية وأثراً ممتداً.

المعماري المسلم، حين يصطدم بثقافة عمران تجارية تُسلّع السكن وتفرغه من القيمة، لا يملك إلا أن يتسلح بـ "صبر الأنبياء"؛ مدركاً أن وظيفته الأساسية هي البلاغ المبين عبر مقالاته التوعوية، والأهم من ذلك عبر شواهده المعمارية القائمة. المبنى الأصيل المنفذ هو البيان العملي الصلب الذي يكشف عيوب السائد ويقيم الحجة على أرض الواقع.

        لا يفزع المعماري صاحب الرسالة من ضياع الفرص التجارية، ولا يستنزفه القلّة أو البطء في استجابة مجتمعه؛ فهو يعلم أن هداية العقول والقلوب بيد الله وحده، وأن مسؤوليته تقف عند حدود إتقان العمل، وإبراز البديل، والصمود على المبدأ، ليأتي يوم القيامة بأثره وشواهده، خالصاً لوجه الله، ومؤدياً لأمانة المعرفة والعمران.

الاثنين، سبتمبر 21، 2026

عُقدة الذنب العُمرانية: لماذا نعتذر عن هويتنا، وكيف نعود إلى نقطة الانحراف؟

جمال الهمالي اللافي 

من المفارقات العجيبة والمحزنة في الخطاب العمراني المعاصر، تلك الحالة من التحرج المقيت والانهزامية النفسية التي تتلبس الكثيرين عند الحديث عن الموروث. فما إن تُطرح رؤية تستلهم النسيج التقليدي، حتى تُستنفر التبريرات الساذجة والديباجات الدفاعية لتأكيد أننا "لا ندعو للتقليد!"، وكأن الاستقاء من المعين الصافي الذي يمثله موروثنا الثقافي بات "تهمة" نخشى التصاقها بنا، أو سُبةً وجب إبطالها قبل الشروع في الحديث. 

يجب أن نتجاوز هذه العقدة بشجاعة؛ فما المشكلة حين نتوه وسط فوضى المدارس المعمارية المستوردة التي شوهت مدننا ومسخت هويتنا، أن نقف عند تفرع الطريق، ونعود إلى النقطة التي انحرفنا فيها عن جادة الصواب؟ إن العودة إلى تلك النقطة ليست نكوصاً، بل هي انطلاقة جديدة لتصحيح المسار والمسير حتى نصل إلى الغاية المنشودة. وكلنا ثقة وتصالح مع ذواتنا بأننا نفعل ما هو صواب؛ وهو موقف لا يتطلب التبرير المرتجف، بل يستوجب التمسك به كحق أصيل في صياغة بيئة تشبهنا. 

عندما ندعو للعودة إلى "البيت الإسلامي"، الذي تمثله بيئتنا بكل معطياتها الاجتماعية والمناخية والاقتصادية وخصوصيتها الثقافية، فإننا نؤسس لعودة واعية. نحن نعود إليه محملين بآلامنا من القصور الفادح للنماذج المستوردة وشقق العمارات الشاهقة؛ تلك القوالب الإسمنتية التي عجزت عن تحقيق أدنى أسباب الراحة والسكينة، وفشلت في توفير الحماية من قسوة متغيرات الظروف البيئية. نعود بعد أن أدركنا عقم هذه النماذج الدخيلة عن خلق بيئة حاضنة للتواصل الاجتماعي، فكانت النتيجة أن كدّرت النفوس، وحطمت الأجساد، واستهلكت الأموال، دون أن تلبي حاجة نفسية واجتماعية، أو تحقق مطلب العيش الكريم. نعود إلى موروثنا المعماري الذي أثبت– في كافة مدننا التاريخية– قدرته الفذة ومرونته العالية في استيعاب أحدث التقنيات المعاصرة، ليتعايش معها إنساننا طبيعياً دون أي عائق يُذكر. 

إن العودة إلى فلسفة المخطط العُمراني للمدينة الإسلامية هي ضرورة حتمية لإنقاذ إنسانيتنا المهدورة في شوارع الإسفلت. نعود إلى المخطط حيث البيوت متراصة، وحيث الشوارع مصممة على المقياس الإنساني لا تسع غير المشاة وآليات التخديم الضرورية لبيوتها ومرافقها، بحجم لا يضطرنا لتمزيق النسيج الحضري وتوسعة الطرق من أجلها. في هذا المخطط، كل خطة وتفصيلة غايتها القصوى هي "راحة الإنسان" وليس "السيارة والآلة". 

في هذا النسيج، يتعمق التواصل بين الجيران، وينشر الظل عباءته ليحمي العابرين والمقيمين من حر الصيف وبرد الشتاء. نحن نعود إلى هذا المخطط محملين بخبرات وتجارب ما بين المؤلمة والطموحة، لنصيغ تجمعاً عمرانياً يعيد "المسجد الجامع" ليحتل مركزه كقلب نابض للمدينة، بدلاً من ركنه في الزوايا المهملة من كل تخطيط لمنطقة. تخطيطٌ تعود فيه المصليات لتكون علامات دالة يهتدي بها الناس إلى حيث غايتهم ومقصودهم. 

إننا لا نستدعي الماضي لنعيش فيه، بل نستدعي حكمته لنبني بها مستقبلاً يليق بنا. ومَن يرى في ذلك تهمة، فليراجع هو بوصلته؛ فالمستلبون وحدهم مَن يخشون الانتماء.

الأحد، سبتمبر 20، 2026

بين الأصالة والاستلاب: الهوية الإسلامية الليبية وحدة المبدأ وشمولية التأصيل

  

جمال الهمالي اللافي

فقط للعلم لمن فاته العلم، 

    حين اخترتُ مسار "التأصيل للهوية الإسلامية" في ليبيا منذ التحاقي بقسم العمارة والتخطيط العمراني، لم يكن ذلك خيارًا عابرًا ولا رد فعل على أحداث يومية، بل كان مشروعًا فكريًا وإنسانيًا وشخصيًا امتد لعقود. كان هذا المسار انحيازًا واعيًا لشخصيتنا الحضارية في زمن سادت فيه مناهج تعزل الإنسان عن جذوره، وتدفع به نحو التغريب والمحاكاة لنموذج يقطع مع العقيدة والتاريخ، وهو موقف دفعتُ ثمنه في مسيرتي الأكاديمية والمهنية دون أن يثنيني ذلك عن المضي فيه. 

    لقد قامت رؤيتي للتأصيل على أن الهوية كلٌّ متكامل لا يتجزأ؛ فالمسكن والمدينة والزي واللسان وسائر المظاهر الحياتية ليست أدوات مجردة، بل هي التعبير المادي والسلوكي عن عقيدة المجتمع وثقافته. ومن هذا المنطلق، لم يكن تنظيري معزولاً عن الواقع الميداني؛ بل نهلت ثقافة التأصيل من عمق المرجعية الحية في مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، ومن رحلات استكشافية وتوثيقية شملت الجبل الغربي (يفرن، جادو، غريان، نالوت، الجوش، كاباو)، والشرق الليبي (درنة ومحيطها)، والجنوب (الجفرة: ودان، هون، سوكنة) وغدامس. كان الهدف دائمًا استلهام عمراننا الأصيل وتحويله إلى واقع معماري، سواء ما نُفّذ منه أو ما بقي حبيس الأدراج. 

    ولأن الرسالة شاملة، لم تتوقف عند العمارة؛ بل امتصّت المقالات والبحوث - من الجرائد الحائطية في قسم العمارة إلى مجلات "آثار العرب" و"مربعات"، ومنتدى المهندسين العرب، وصولاً إلى مدونتي "الميراث" وحساباتي الرقمية - نقدًا صريحًا لكل نظريات التغريب والصرعات الدخيلة التي مسّت السلوك واللسان والملبس. 

    ولم يكن نقدي للملابس الغربية والدخيلة مجرد تنظير على ورق، بل كان موقفًا ميدانيًا مباشرًا؛ فقد تصديتُ مبكرًا لانتشار صرعات الأزياء الغربية الشاذة والمنافية للفطرة وللأخلاق الإسلامية - كعادة (السراويل الطايحة) التي يعلم الجميع جذورها المنحرفة - ووصل بي الأمر إلى مواجهة ونصح أحد كبار موردي هذه الملابس في ليبيا، ونبهته صراحة إلى خطورة استيراد ونشر هذه الأزياء الهادمة لهوية شبابنا وقيمه، فلم أجد منه سوى الاستخفاف والسخرية، في تناقض صارخ بين الركض وراء الربح التجاري وبين واجب الرعاية للهوية العامة! وفي المقابل، طالبنا مرارًا بتعميم الزي الوطني الليبي في مؤسسات الدولة والتمسك باللغة العربية في الفضاء العام والأنشطة المهنية.

وهنا تكمن نقطة الجوهر التي يجب أن تتضح للجميع بغير لبس: 

    إن انحيازي للزي الوطني الليبي، ونقدي لاستبداله بـ "الزي الإقليمي الوافد- أيً كان" وتكريسه كمظهر حصري للالتزام، ينطلق من ذات المبدأ الذي انتقدتُ به الأزياء والتصاميم الغربية الدخيلة. إنها قضية رفض الاستلاب الثقافي والتبعية المظهرية كائناً ما كان مصدرها شرقيًا أم غربيًا. 

    فمن الناحية الشرعية والأصولية، جاءت الشريعة الإسلامية المطهرة بقواعد كليّة عامة وضوابط للحشمة والستر، ولم تفرض على الشعوب زياً جغرافياً محصوداً لمنطقة بعينها، بل أعملت "العُرف" الصالح وأقرت التنوع الثقافي وجعلته باباً للتعارف لا للذوبان (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). إن القضية ليست في مجرد أصل جواز ارتداء زيٍّ لبلد أخر، بل في إسباغ صبغة القداسة أو الأفضلية التعبدية على تقاليد إقليمية بعينها، واختزال المظهر الشرعي فيها، وتهميش الزي الوطني الذي ارتداه أجدادنا وعلماؤنا على مر التاريخ، وهو خلط بيّن بين "جوهر الدين الجامع" وبين "الأعراف الثقافية المحلية" لتلك البيئات. 

    إننا نكنُّ لكافة علماء المسلمين في كل أرجاء العالم الإسلامي - بما فيهم علماء المملكة العربية السعودية - كل الاحترام والتقدير، وننهل من علمهم وفتاواهم بغير تحيز أو تبديع، فلسنا في مقام تقييمهم ولا تصنيفهم. غير أن تقدير العلماء والاستفادة من علمهم الشرعي لا يعني بالضرورة نسخ تقاليد بلدانهم ومظاهرها البيئية على حساب تراثنا وشخصيتنا الوطنية. فالتبعية المظهرية ليست تدينًا، بل هي شكل آخر من أشكال التخلي عن الذات. 

    إن مشروعي المدون على صفحات مدونة "الميراث" وفي أرشيف منشوراتي على صفحتي هذه متاح للجميع، يقرأه من يبتغي الحقيقة والموضوعية. وهو موقف ثابت يتصدى لكل ما يهدد عقيدة وهوية المجتمع الليبي، من الهندسة والعمران إلى اللسان والملبس، بغير محاباة لأحد وبغير خشية من موقف أو مصادرة. 

    رحلة التأصيل مستمرة، والهوية الليبية الإسلامية ستظل أعمق وأجلّ من أن تُختزل في تبعية شكليّة أو صرعة مستوردة.

الخميس، سبتمبر 17، 2026

عمارة الاستلاب: نقد التخطيط المستورد ومأزق الهوية العمرانية في ليبيا

مبنى سكني في مدينة السرير- ليبيا صممه المعماري الياباني كيشو كوروكاوا. 

جمال الهمالي اللافي 

تخوض الحواضر الليبية منذ استقلال ليبيا مواجهة حاسمة مع أزمة تشكيل هويتها العمرانية، حيث يتجلى الفارق شاسعاً بين عمران ينبثق من روح المكان وتاريخه، وعمران يُسقط عليه قسراً باسم الحداثة وما بعدها. إن ظاهرة الاستعانة بالمعماريين النجوم (Starchitects) والشركات العابرة للحدود لوضع "لطخاتهم" الهندسيّة لا يمكن تصنيفها ضمن خانة التحديث الحضري، بل تصب في مسارين: تكريس عقدة الدونية والاستلاب الثقافي من جهة، وإقصاء المعماري والمخطط المحلي من حقه التاريخي في صياغة مشهده الوطني من جهة أخرى.

الاستشراق المعماري وفخ الحلول الجاهزة

تعتمد الأطروحات المعمارية الأجنبية- مهما بلغت أدواتها النقدية- على اختزال الإنسان المحلي في نموذج افتراضي مجرد. إن غالبية الدراسات التخطيطية الوافدة تعيد إنتاج ما يمكن تسميته بـ "الاستشراق المعماري"؛ حيث يُعامل التراث كزخرفة سطحيّة تُجرد من عمقها الثقافي والاجتماعي وتُلصق على كتل خرسانية غربية التكوين لا علاقة لها بطبيعة الحياة الاجتماعية. 

ولا يتوقف الخلل عند الشركات الغربية؛ إذ يقدم البديل الإقليمي أو العربي نموذجاً لا يقل رداءة. فهذه الشركات، المسكونة بقوالب الاستنساخ التجاري السريع، لا تقدم ما تحتاجه المدينة حقيقة، بل تقدم "ما ألِفته هي". النتيجة في الحالتين هي منتج عمراني مغترب يتجاهل الديناميكيات الاجتماعية للأسرة الليبية، ومفهوم التدرج الفراغي والخصوصية، والتوافق البيئي مع المناخ المحلي.

مفارقة الخبرة وأسطورة "المهندس النجم"

تتذرع الإدارات المتعاقبة بـ "غياب الخبرة الكافية" لدى الكادر الوطني لتبرير استيراد الحلول الجاهزة، غير أن تفكيك هذه الذريعة يكشف عن مفارقة منطقية فادحة: الخبرة المعمارية ليست هبة جينية، بل هي حصيلة تراكمية للفرص، والممارسة، والتجربة، وتصحيح الخطأ. 

إن الشهرة والصفة الاستشارية التي يحظى بها المعماري الأجنبي لم تأتِ من فراغ، بل وُلدت لأن دولته أتاحت له المجال أولاً ليتعلم ويسهم في تشكيل مدنه الخاصة. وحين تتخلى الدولة عن كوادرها وخريجي جامعاتها تحت ذريعة نقص الخبرة، فإنها لا تحرمهم من النمو فحسب، بل تحول ميزانياتها القومية إلى حقول تجارب مدفوعة الأجر لتمويل خبرات الشركات الأجنبية وصقل مهاراتها على حساب النسيج العمراني المحلي.

"بيت العنكبوت": التواطؤ المؤسسي والاستخفاف بالداخل

تتضاعف الأزمة حين ندرك أن الهياكل والأجسام المهنية والنقابية قد تحولت في مجملها إلى واجهات شكلية تشبه "بيت العنكبوت"؛ كونها تظل أذرعاً لمنظومة أعمق ترسخت منذ الاستقلال وتقتات على الاستخفاف بالداخل وتمجيد الوافد. 

إن استمرار هذا النهج يُفقد المجتمع "مواطنته العمرانية"؛ فالمدينة التي لا يخططها ولا يبنيها أبناؤها تظل بالنسبة لهم مجرد مساحات طارئة للعيش، بدلاً من أن تكون وعاءً حضارياً حياً يتطور بتطور إنسانه ويحفظ ذاكرته الوطنية. 


مرجع الصورة والمعلومات حول المصمم: صفحة المعمارية إيناس القلالي، على فيسبوك.



السبت، سبتمبر 12، 2026

بيتٌ يُعاش.. لا بيتٌ يُسكن فقط

جمال الهمالي اللافي

حين يفقد المعماري بوصلته، يغرق في ظلمات التبعية واللهاث وراء قشور الصرعات الغربية، ليحشر الإنسان في قوالب شكليّة غريبة عنه. لكن المعماري الحق- الثابت على أرض هويته، والمدرك لاحتياجات إنسانه وبيئته- لا يكتفي بأن يرسم خطوطاً على ورق، بل يتقمّص همّك ويحتضن حلمك حتى يغدو شريكاً في معاناتك؛ روحاً ثانية تعيش قلقك وتطلّعك إلى بيتٍ يُعاش لا بيتٍ يُسكن فقط.

إنّه يترجم توقك إلى مأوى يليق بكرامتك، ويحوّل رغبتك في فضاءٍ حميم إلى فكرة حية تتجسّد حجراً وضوءاً وظلالاً. وفي قاموسه الإبداعي، لا مكان للعجز ولا تقف القيود حائلاً بين الحلم والواقع؛ إذ يروّض العقبات المادية بالحلول المعمارية ليلغي المسافة بين ما تصبو إليه وما تلمسه بيديك.

إنه، باختصار، مَن يضع نفسه في موضعك، يرى بعينيك، ويصوغ بيتك كما لو كان يكتب سيرتك الذاتية؛ بيتاً يروي قصتك ويحتضن ذاكرتك، ويفتح أبوابه على الحياة لا على صمم الجدران.

 

هامش:

جاءت هذه الخاطرة من وحي حوارٍ مع زبونة كانت تخشى ألا تتسع المساحة أو الإمكانيات لرغبتها في الانتقال من الشقة إلى بيتٍ أرضي بحديقة وفناء. العمارة الأصيلة لا تُصمم الأبنية فحسب، بل تُصغي للمخاوف أولاً لتصنع منها حلولاً تليق بأحلام ساكنيها.

الثلاثاء، سبتمبر 08، 2026

العمارة بين حمولة المعتقد وفخ الحداثة: قراءة نقدية في الفكر والتقنية

جمال الهمالي اللافي 

لا تولد العمارة من فراغ، ولا تتشكل بمجرد رصّ مواد البناء لرفع جدران وأسقف، سواء تجسدت في مبنى سكني أو مرفق تعليمي أو مخطط عمراني شامل. إنها في صميمها وعاء يحمل مضموناً ورسالة، وتوجهاً وعقيدة. فالمعماري، أكان مدركاً لغاياته أم مجرد ناقل منبهر بطرز وافدة، يطرح على أرض الواقع مشروعاً ثقافياً يفيض بالخلفيات الفكرية لذلك الطراز الذي يتبناه. 

وهنا تبرز الإشكالية الكبرى في مناهج التعليم المعماري التي تحشو عقول الطلاب بأشتات من الطرز المعمارية المتباينة، وتدفع بهم نحو استيعاب توجهات مستوردة يغلب عليها النزعة المادية المجردة. يحدث هذا دون تبصير الطالب بمدى تعارض هذه التوجهات مع قيم المجتمع وأخلاقياته المستمدة من عقيدته الإسلامية. والنتيجة الحتمية هي تخريج أجيال تتبنى قناعات متصادمة، مما يؤدي إلى انحراف مسار المجتمع وتمزيق هويته عبر ضخ مشاريع تفتقر إلى المضمون والانتماء، وذلك تحت دعاوى براقة مثل مواكبة العصر ورفض التقوقع في الماضي. 

إن خطورة الفضاء المعماري تتجاوز غيره من الوسائل، لأنه البوتقة التي تحتضن المجتمع وتُعيد تشكيله وفق تفاصيل البيئة المبنية. وحين تتضارب المشاريع المنفذة في منطلقاتها، يغدو الفرد رهيناً لبيئة يومية تسلخه عن ثوابته، مما يجعل من المستحيل تكوين رؤية مجتمعية موحدة تجاه أي قضية. 

ولعل المدخل الأهم لتصحيح هذا المسار العبثي يكمن في الفهم الدقيق للفارق الجوهري بين "الحداثة" كمنظومة فكرية، وبين "التحديث" كأدوات وتقنيات ابُتكرت لتسهيل سبل العيش. إن رفض فكر الحداثة لا يعني البتة معاداة التطور التقني، بل هو رفض لقطيعة متعمدة مع الموروث، ورفض لقيم لا أخلاقية تُفرغ المسكن من معانيه الإنسانية. 

أما التحديث التقني، فقد أثبتت التجربة خضوعه التام لمعايير السوق والمكاسب المادية الرأسمالية بعيداً عن الغايات الإنسانية. فالجهات المصنعة تتعمد تقليص العمر الافتراضي لمواد البناء والأدوات الحديثة إلى الحد الأدنى لضمان استمرار الاستهلاك ورفع هوامش الربح، متجاهلة مبدأ الجودة والديمومة الذي كان أساساً في البناء. 

في المقابل، تقف التقنيات المعمارية التقليدية شاهداً على كفاءة لا تُضاهى. فمواد البناء المحلية وطرق الإنشاء الأصيلة والمعالجات المناخية الطبيعية أثبتت تفوقها العملي والوظيفي على منتجات السوق الاستهلاكية الحديثة التي سجلت فشلاً ذريعاً في توفير بيئة ملائمة دون تكاليف باهظة. لقد حققت العمارة التقليدية استدامة حقيقية وعمراً ممتداً، وقدمت حلولاً تحترم المناخ وتصون الأسرة. 

ختاماً، إن الموقف الحازم برفض منظومة الحداثة الفكرية وإفرازاتها الاستهلاكية ليس تراجعاً عن ركب التطور، بل هو انحياز للعقل والمنطق، وتفريق واعٍ بين تقنية يجب أن تخدم المجتمع، وبين استلاب فكري وتجاري يسوّق للربح المادي على حساب استقرار المجتمع وكفاءة عمرانه.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...