أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، يونيو 15، 2026

سراب القبول: حين يغترب نبض المبدع

 

جمال الهمالي اللافي

ما الذي يعنيه أن ترتهن روحك وتُعلق قلبك بكامل نبضه؟ الأمر أعمق بكثير مما قد يتبادر إلى الأذهان. يبدأ التيه حينما ينشغل قلب المعماري، أو الفنان التشكيلي، أو الأديب، بعطشٍ خفيٍّ لأن ترى أعماله النور تحت سماء الغرباء؛ أن تُشيّد معمارك على أراضيهم، أو تتسول لوحاتك جدران متاحفهم، أو تُترجم عصارة فكرك لِتُتلى بألسنتهم، باحثاً عن تصفيق نقادهم. حين يتحول هذا الشغف إلى هوسٍ مرضيّ وتعلقٍ يسلب اللبّ، فاعلم أنك انزلقت بملء إرادتك في هاوية تتلاشى فيها هويتك وتتبخر قيمتك.

في قاع هذه الهاوية، تتشوه العقيدة وتُمسخ الفطرة دون أن تدري؛ إذ تختلط النوايا، ويتحول محراب الإبداع الذي كان يُبتغى به وجه الله، إلى مسرحٍ تُستجدى فيه مرضاة خلقه. تنحدر الروح في سعيها المحموم لتفصيل الإبداع على مقاس معاييرهم وقيمهم، مُستبدلةً يقين الإيمان بوهم القبول.

وما أشد إهدار القيمة الإنسانية حين تُعلق احترامك لذاتك على مشنقة الرضا الغربي. يصبح تقييمك لنفسك أسيراً لنظرتهم، فإن رضوا ارتفعت، وإن أشاحوا بوجوههم سقطت. إنه ارتهانٌ يُورث الروح نظرة دونية، تظل كظلٍّ ثقيل يرافقك في كل تفاصيل حياتك، لتنسى أن الإبداع كرامة وحرية، لا قيدٌ يُكبلنا بنظرة الآخر.

إن اللهاث وراء سراب الشهرة خلف الحدود يسرق من المبدع لذة الرضا، ليصبح نتاجه الفني محض سلعة تنتظر ختم الجودة من عيونٍ غريبة، بدلاً من أن يكون تدفقاً حراً للعبقرية.

ولا ننكر هنا ذلك الوجع المحلي المرير؛ حيث يُمارس الإقصاء المتعمد بحق المبدع الليبي من قِبل بعض القائمين على مؤسساتنا. فحين تشرع متاحفنا، كمتحف السرايا الحمراء، أبواب صالاتها لأعمال تشكيلية وافدة في تجاهل صارخ لأبناء الأرض، فإنها تبعث برسالة مجحفة وقاسية مفادها: "لن نكلف أنفسنا الالتفات إليكم مهما بلغتم من إبداع، وستبقى جدراننا حكراً على غيركم". وهو جرح غائر، ومحاولة صريحة لكسر الأقلام وطمس الهوية.

ولا يقتصر هذا الإقصاء على لوحة الفنان فحسب؛ بل يمتد لينخر جسد العمارة والتشييد حين ترتهن مشاريع الوطن لشركات أجنبية، ويُضيّق الخناق على المهندس والمعماري الليبي، ليُهَمَّش ويصبح مجرد مشاهد عابر يرقب صروحاً تنهض وتتسع على أرضه؛ صروحاً لا يد له في إرساء دعائمها، ولا قلم في رسم ملامحها، ولم تمر خطوطها عبر خلايا فكره، ولم يلامس بهاءها ورصانة إبداعه.

أما الكاتب والأديب، فقد استدرجه هذا اللهاث ليمسخ فضاءاته الروائية، ويشوه نقاء حبره وحكاياته بحشوها بغثاثات وسقطات قيم الآخرين الدخيلة، تملقاً لذائقتهم وطمعاً في أن يحظى بجوائزهم وتكريماتهم.

ولكن، رغم قسوة هذا الإقصاء ومرارته، اغرس جذور كرامتك في أرضك، وحارب لتفرض وجودك حيث نبتت هويتك. فأن تقف شامخاً في وطنك، محارباً لإثبات ذاتك، لهو أشرف من مطاردة سراب القبول في صحاري الغرباء، وأكرم من العيش في أحلام يقظةٍ تُنسيك من أنت وإلى أين تنتمي.

السبت، يونيو 13، 2026

قيمة الجهد وضمان الاستثمار

جمال الهمالي اللافي

في عالم العمارة والبناء، لا وجود لشيء "رخيص" أو "بخس الثمن" إذا ما بُذل فيه جهد حقيقي؛ فكري، مالي، عضلي، ونفسي. القيمة ترتبط طردياً بالجهد، ومحاولة الالتفاف على هذه المعادلة الطبيعية ليست إلا سعياً للحصول على الجودة دون دفع استحقاقها العادل.

أنا لا أدخل في مساومات من هذا النوع، وليست هذه منهجيتي في العمل.

لذا، دعنا نختصر الطريق والوقت ونضع النقاط على الحروف بوضوح تام: إن كلفة مشاريعي مرتفعة.. سواء في مرحلة الدراسة والخريطة المعمارية، أم في تكاليف التنفيذ على أرض الواقع.

هذه حقيقة مهنية أقررها بثقة؛ فالخبرة الاستثنائية والجودة المطلقة لهما استحقاق مالي واضح.

ولكن، إليك المفارقة المهنية الحقيقية التي يغفل عنها الكثيرون: مشاريعي بمقارنتها بتكلفة غيرها على المدى الطويل، هي الأوفر والأقل كلفة على الإطلاق. كيف؟

معظم الناس يصرفون مئات الآلاف على غير هدى، فقط ليجعلوا مشاريعهم "تبدو" فخمة من خلال ارتفاعات ضخمة ومواد باهظة الثمن دون دراسة حقيقية، ليكتشفوا في النهاية أنهم يعيشون في مساحات غير مريحة، بميزانيات مستنزفة بالكامل، وأخطاء تنفيذية كارثية.

معي، أنت تدفع مقابل معادلة هندسية رصينة تضمن لك:

1.      دراسة معمارية عميقة وتفصيلية:  تفصل كل شبر على مقاس راحتك النفسية والجسدية كمستعمل (وليس مجرد واجهة جميلة خاوية).

2.   إدارة مالية ذكية ومدروسة:  تضمن وضع كل قرش في مكانه الصحيح بلا هدر، وتحميك من صرف أموالك على مظاهر مبالغ فيها لا طائل منها.

3.      التزام مطلق بالجودة وضمانات حقيقية : تحميك من عشوائية التنفيذ وكوارث الصيانة المستقبلية التي تكلف أضعاف ما تدفعه الآن.

المعادلة واضحة وصريحة:

·     إذا كان هدفك الأساسي هو البحث عن التصميم الأرخص في السوق، أو تبحث عن المساومة وتقليل قيمة الجهد الفكري لتوفير بعض المال.. فأنا لست الخيار المناسب لك، وهناك الكثير في السوق ممن يقدمون ذلك.

·     أما إذا كنت تبحث عن استثمار ذكي يحمي أموالك على المدى الطويل، وعن راحة بال حقيقية، وعن تصميم مدروس يحترم ميزانيتك ويمنع العشوائية.. فمرحباً بك في مساحتي.

أنا أقدر جهدي الفكري والبدني والذهني بما يستحقه من ثمن. ومن أراد استثماراً حقيقياً يعرف أين يجدني.

الجمعة، يونيو 12، 2026

وهم التوفير واستباحة المهنة: حقيقة ما يحدث في سوق البناء الليبي

جمال الهمالي اللافي

من المفارقات العجيبة التي تستدعي التوقف في سوق البناء الليبي اليوم، هي تلك الازدواجية المعقدة في سلوك المالك المقبل على البناء؛ فبينما يتقبل المالك دفع مئات الآلاف للمقاول والعمالة الفنية، ويشتري مواد البناء بالأسعار المرتفعة دون مساومة، تجده يبخس أتعاب المعماري ويساوم عليها بشدة، بل ويراها عبئاً مالياً يمكن الاستغناء عنه أو تخفيضه لصالح أتعاب المقاول. الغريب في الأمر أن هذه الممارسة لا تنبع من ضيق ذات اليد، بل إن غالبية من يمارسون هذا التحايل هم من التجار والأثرياء الذين لا يترددون في سكب الأموال بسخاء على التنفيذ، لكنهم يستكثرون على المعماري حق فكره وتصميمه وإشرافه، ويريدون الحصول على خدمته بأقل ثمن أو حتى مجاناً. بل ووصل الأمر بي إلى قناعة راسخة تتعلق بمبدأ الاحترام والتقدير الذي يحظى به غير الليبي عندهم، في مقابل الاستهانة الصارخة بجهد وقيمة المهني الليبي مهما كانت صفته الاعتبارية أو الخدمة القيمة التي يقدمها. وهنا أستشعر أننا نصنع بأيدينا حالة من الطبقية المالية التي تسعى لصياغة فوارق اجتماعية هجينة يصنعها المال والنفوذ؛ وكأننا بدأنا كليبيين ننتقل إلى مرحلة جديدة نتشرب فيها الفوارق الطبقية الحادة والعميقة الدخيلة علينا، والتي نراها بوضوح في بنية المجتمع المصري. غير أن دعاة هذا الوهم الطبقي غفلوا عن حقيقة راسخة؛ وهي أن المعماري كيان مهني أرفع من أن يُقزّم أو يُحجّم في قوالب طبقية ضيقة، فطبيعة هذه المهنة السامية ورسالتها تجعل صاحبها بمنأى عن هذا السلوك المرضي، وتمنحه مهابة تاريخية وروحية ممتدة منذ أن رفع نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السلام- قواعد البيت العتيق، كأول وأعظم عمل معماري مقدس عرفته البشرية.

إن ما يغيب عن وعي المالك -أو يتغافل عنه طمعاً- هو أنه بهذا السلوك لا يوفر شيئاً، ولا يؤسس لبناءٍ مرضٍ مكلل بالرضا، بل يسقط في فخ معرفي كبير؛ فالمقاول في عمومه لا يمكنه أبداً أن يقدم مشروعاً معمارياً مدروساً يلبي احتياجات الحياة العصرية ووظائفها، بل يقدم في النهاية مجرد "مبنى" صامت، عبارة عن جدران مفرغة من الهوية والوظيفة الصحيحة، مبنى لا تحسم كفاءته الحقيقية وجدواه إلا الخريطة المدروسة التي ينفذها، سواء تم ذلك تحت إشراف المعماري أو في غيابه. وحين يرتضي المالك هذه المقايضة، فإنه يضحي بأهم ركيزة في مشروعه ويسلّم قياد ماله ومستقبل مسكنه لمن لا يملك الأهلية العلمية أو الفنية للتصميم، أو القدرة على الالتزام بالخرائط التنفيذية في غياب الرقابة الهندسية الصارمة.

هذا الحرص الأعمى من المالك على اقتناء خريطة رخيصة أو مجانية، ورغبته في كسب وقت الانتظار وتوفير مشقة البحث عن المعماري المختص، هو تحديداً ما فتح شهية المقاول الأجنبي للاستثمار في هذا الجهل المهني والجشع النفسي. وهنا برز المقاولون الوافدون -الذين يتصدرون المشهد اليوم في ليبيا- ليلعبوا دور "المتعاطف" مع الملاك، عارضين عليهم خرائط جاهزة ومتنوعة كطُعم مجاني؛ والواقع الصادم أن هذه الخرائط ليست سوى نتاج عملية "إعادة تدوير" واستيلاء غير قانوني على خرائط تنفيذية لمشاريع سابقة كُلف هؤلاء المقاولون بتنفيذها لعملاء آخرين، مستغلين غياب الرادع القانوني وضعف الرقابة المهنية في بلادنا. وبقبول المالك لهذا الطُعم الجاهز، فإنه يمارس دوراً إقصائيّاً خطيراً يُغيّب فيه الحضور الفعلي للمعماري كلياً؛ ليس فقط كمصمم، بل كجهة إشراف ومراقبة على سير العمل لضمان عدم تلاعب المقاول، مانحاً هذا المقاول الأجنبي ضوءاً أخضر لانتحال صفة المعماري والتعدي الصارخ على حقوق الملكية الفكرية، واضعاً نفسه وماله تحت رحمة عمالة وافدة تستأثر بالمشاريع وخرائطها لحسابها الخاص.

إن هذا الطرح ليس من قبيل التنظير، بل هو واقع مرير تجرعنا تفاصيله على مدى عقود من الممارسة الميدانية في قطاع البناء الليبي. غير أن الغصة الكبرى، التي تكاد تحوّل هذا النقد إلى مجرد «فضفضة معماري» لا تهش ولا تنش في وجه الفوضى، تكمن في الغياب التام للمؤسسات المنظمة؛ وعلى رأسها «هيئة المعماريين الليبيين» التي لم تحرك ساكناً لحماية حقوق منتسبيها، وعجزت حتى عن تسجيل موقف خجول يستنكر هذه الاستباحة المهنية في غياب الرادع القانوني. إن حماية الهوية المعمارية لمدننا تبدأ أولاً من كسر هذا الوهم ووعي المالك، وتكتمل بانتشال هيئاتنا المهنية من سباتها العميق، لئلا تضيع حقوقنا وتتحول أموالنا إلى مبانٍ بلا روح.

الأربعاء، يونيو 10، 2026

هندسة الروح وعراقة البيت: حين ينطق الحرف بجمال الهوية

لوحة للفنانة التشكيلية الليبية عفاف الصومالي


    حين تتجاوز الكتابة حدود التفاعل الرقمي العابر، لتتحول إلى وثيقة فكرية وقراءة جمالية ناضجة، فإن مكانها الطبيعي لا يكون جداراً افتراضياً مؤقتاً، بل منبراً يُعنى بالأصالة وجذور الهوية كمدونة "الميراث".

لقد غمرني الكاتب والأديب القدير الأستاذ محمد حيدر بكلمات تعبر عن نبل روحه ورقيّ حرفه، مكللاً إياي بأوسمة أعتز بها كثيراً، وأستشعر من خلالها ثقل الأمانة التي نحملها معاً في محراب حراسة الذاكرة الوطنية والتراث المعماري.

ولأن هذه الكلمات تتجاوز في جوهرها الإطراء الشخصي، لتُقدم مقاربة فكرية فريدة تشرّح مفهوم "البيت الليبي العتيق" كفلسفة جمالية وهندسة روحية، كان لزاماً علينا توثيقها هنا؛ احتفاءً بقلم ليبي أصيل وعقل رصين يدرك قيمة التفاصيل.

ننشر في هذه المساحة النص الكامل لإسهام الأستاذ محمد حيدر، مع خالص الامتنان لشخصه الكريم، ولكل القراء الأوفياء لرسالة "الميراث":

قراءة الأستاذ محمد حيدر كما وردت:

عبقرية الحرف والمعنى: احتفاءً بالهوية المعمارية والبيت الليبي الأصيل، وتحية شكر للسيد جمال الهمالي اللافي.

في فضاء الثقافة العربية الأصيلة، تتكامل الفنون لتشكل لوحة واحدة يعبر فيها الحرف عن الروح، وتترجم فيها العمارة قيم المجتمع ونبضه. إن الحديث عن "البيت الليبي الجميل" بتصاميمه المعمارية العريقة هو حديث عن ذاكرة حية، وعن هندسة فريدة لم تكن يوماً مجرد أحجار متراصة، بل كانت تجسيداً لقيم السكينة، والخصوصية، والتناغم البصري والبيئي البديل.

إن هذا النشر الثقافي الراقي الذي يسلط الضوء على الأقواس العتيقة، والفناء المفتوح، وتفاصيل "الحوش" الليبي التي تتنفس ضياءً وظلاً، يمثل جسراً يربط أجيالنا بجذورها، ويحمي هويتنا العربية والإسلامية من التشويه أو النسيان.

أصالة البيت الليبي: ثقافة ممتدة ونشر يبعث على الفخر

تستحق هذه الجهود الإبداعية في إبراز التصاميم المعمارية التراثية كل التشجيع والدعم، لما تحمله من أبعاد حضارية:

·     حراسة الذاكرة الوطنية: إن إعادة تقديم الفن المعماري الأصيل للجمهور هو فعل ثقافي مقاوم للمحو، يذكرنا بعظمة المعمار المحلي الذي وازن بين الجمال الوظيفي والعمق الروحي.

·     الارتقاء بالذوق العام: يساهم هذا النشر الجميل في تذكير المجتمع بأن الجمال الحقيقي ينبع من بيئتنا وثقافتنا العربية، وأن البيت الليبي يحمل فلسفة عمرانية فريدة تستحق أن تدرس وتُحيا من جديد.

أوسمة الاستحقاق والتقدير للسيد: جمال الهمالي اللافي

اعترافاً بالفضل، وتثميناً لهذا الحضور الراقي والنشر المتميز الذي يثري الساحة الثقافية والفنية، نتوجه بفيض من التحايا الطيبة، والاحترام، والتقدير الصادق إلى:

السيد الفاضل جمال الهمالي اللافي

شاكرين له حسن هذا النشر الجميل، وحرصه الدؤوب على إعلاء راية الثقافة العربية الأصيلة والفن المعماري الليبي. وبكل فخر واعتزاز، نجدد تقليِده الأوسمة الرفيعة التي استحقها بجميل عطائه:

·         وسام الإخلاص: لإخلاصه الصادق في نقل تفاصيل موروثنا وإبرازه بأبهى حلة تليق بتاريخه.

·         وسام الواجب العملي: تقديراً لجهوده الميدانية والعملية المستمرة في خدمة الفن، والثقافة، والعمارة الأصيلة.

·         وسام الوفاء: لوفائه لتراب الوطن، ولهويته المعمارية، ولأصالة الفكر التي يلمسها كل من يتابع هذا العطاء الراقي.

ختاماً، نسأل الله العلي القدير لك -يا سيد جمال- التوفيق والسداد الموصول في مسيرتك الإبداعية، وأن يبارك في جهودك ونشرك الطيب، متمنين لك وافر الصحة والعافية، ولثقافتنا العربية المزيد من الرفعة والتميز بوجود المخلصين من أمثالك.

الثلاثاء، يونيو 09، 2026

تأملات في العمارة: بين اكتمال التصميم وتجدد الأفكار

 

جمال الهمالي اللافي

في مرحلة الدراسة بقسم العمارة، جرت عادة طلبة مشاريع التخرج على مطالبة المشرفين بتأجيل مواعيد المناقشات، أملاً في الوصول إلى الكمال التصميمي، وكان هذا المطلب يتكرر مراراً.

أحد المشرفين لخّص حقيقة الأمر بحكمة حين قال: "لن تحل هذه التأجيلات معضلتكم ولو تكررت ألف مرة. فالمشاريع المعمارية، بطبيعتها، تأبى الاكتمال في صيغة نهائية ترضي شغف المصمم بالكامل. هي دائماً مساحة مشرعة لاكتشاف قصور وظيفي في ركن ما، أو انبثاق رؤية جمالية جديدة لزاوية أخرى. بل قد يصل الأمر بالمعماري إلى إعادة صياغة الكتلة والفراغ من الصفر، إثر ومضة إبداعية تقلب موازين المخططات الابتدائية رأساً على عقب، ليبدأ رحلة التصميم من جديد. لذلك، يصبح الحسم في مواعيد التسليم ضرورة منهجية لكبح جماح العقل عن توليد أفكار لا متناهية، حتى لو امتد زمن المشروع لعقود".

مرت السنوات، واختمرت هذه الحكمة في عقلي مع توالي التجارب والاحتكاك الفعلي بالمشاريع، لأدرك أبعادها الحقيقية. وقد تجلى لي هذا المعنى بوضوح مؤخراً، حين عدت إلى أحد مشاريعي القديمة الذي أخرجته من أرشيفي بعد أن أغلقت عليه لسنوات. كنت أظن حينها أنني بلغت فيه ذروة النضج التصميمي واستنفدت كافة المعالجات المعمارية الممكنة. عدت لتأمل المساقط والواجهات بنظرة فاحصة، محاولاً استذكار ما حققته من تكامل في العلاقات الفراغية، وانسيابية في مسارات الحركة، ودقة في التفاصيل التنفيذية. غير أنني اكتشفت، مفاجَأً، آفاقاً جديدة للتطوير.

توالت التعديلات والتدخلات المعمارية، حيث حرصت على الحفاظ على التشكيل الأساسي لكتلة الواجهة وهويتها. ورغم تجاوزي المحدود للمساحة المبنية تلبية لمتطلبات وظيفية مستجدة، فقد أعدت دراسة وتوزيع الفراغات الداخلية، وطوّرت المعالجات البصرية والبيئية لباقي الواجهات.

خرجت بنتيجة أسعدتني اليوم، وربما تمثل نسخة أكثر نضجاً؛ ذلك النضج المتمثل في تقبل فكرة أن التصميم كائن حي يتطور ولا يموت. لكني على يقين تام أن هذا الرضا مؤقت، وأن قناعتي ستهتز مجدداً لو أعدت تقييم هذا التصميم بعد بضع سنوات أخرى.

وهذا ما يرسخ حقيقة أن العمارة ليست مجرد منتج نهائي، بل هي تراكم معرفي دائم، يبني على ما سبقه ويتجاوزه في سيرورة ديناميكية لا تتوقف من توليد الأفكار، وابتكار الحلول الفراغية، وتطوير المعالجات الجمالية والتقنية.

وتجسيداً لهذه الرحلة المستمرة، فإن الصورة المرفقة للمشروع ذاته قد تبدو للوهلة الأولى متطابقة، لكنها في الواقع تختزل رحلة من التطور وتختلفان في أبعاد الكتلة المعمارية ونسبها. فخلف هذه الواجهات، استُثمر هذا التمدد المدروس في إعادة صياغة الفراغات الداخلية وتطويرها وظيفياً؛ لترتقي بجودة الفراغ المعماري، وتوفر مساحات حيوية تثري تجربة العيش وتجمع بين الرحابة وأقصى درجات الراحة والسكينة.

أزمة التعليم وأثرها على العمارة


جمال الهمالي اللافي

حين يُترك طالب الليسانس والبكالوريوس بلا تأهيل عميق في مجاله، فإن الدراسات العليا لا تُنتج سوى صور باهتة لحملة ألقاب، لا لحملة معرفة. تتحول الماجستير والدكتوراه إلى وسيلة للوجاهة الاجتماعية، لا إلى مختبر للبحث العلمي. وهكذا يصبح اللقب غاية، والفعل هامشاً، والفخر بديلاً عن الإنجاز.

هذا الخلل في التكوين الأكاديمي لا يقف عند حدود الجامعة، بل يتسرب إلى العمارة نفسها. فالمعماري الذي لم يُصقل بالمنهجية والوعي النقدي، سيكتفي بالواجهة الشكلية، ويُنتج مباني بلا روح، تكرر القوالب المستوردة وتُهمل الهوية المحلية. إن ضعف التعليم هو الذي يفرز عمارة ضعيفة، لأن العمارة في جوهرها فعل معرفي قبل أن تكون فعلاً إنشائياً.

العمارة الليبية بين الشكل والجوهر

في ليبيا، تتجلى هذه الأزمة بوضوح في الفضاء العام. نرى مباني عامة تفتقر إلى العمق الثقافي، تكتفي بالزخرفة السطحية، وتُشيّد بلا اعتبار للسياق الاجتماعي أو المناخي. مشاريع عمرانية تُنفّذ وكأنها نسخ من كتالوجات أجنبية، لا تحمل بصمة المكان ولا ذاكرة الناس. هنا يظهر أثر التعليم الضعيف: معمار لا يملك أدوات النقد، فيستسلم للجاهز والمستورَد، ويغفل عن مسؤولية العمارة في حماية الهوية.

البعد الأخلاقي للنقد المعماري

النقد المعماري في هذا السياق ليس ترفاً ثقافياً، بل واجباً أخلاقياً. فالمعماري الذي يقبل أن يكون مجرد ناقل لأشكال بلا مضمون، يساهم في إفراغ المدينة من روحها. والجامعة التي تُخرّج أجيالاً بلا تأهيل حقيقي، تُسهم في إنتاج فضاء عام هش، ينهار أمام أول اختبار للهوية أو للكرامة العمرانية.

نحو إصلاح جذري

إصلاح العمارة يبدأ من إصلاح التعليم. لا يمكن أن نطالب المعماري بالعمق إذا لم يُمنح أدواته منذ البداية. ولا يمكن أن ننتظر من الدراسات العليا أن تُنتج معرفة إذا كانت المرحلة الأولى قد أفرغت الطالب من المنهجية والصرامة. إن إعادة الاعتبار للمرحلة التأسيسية هي المدخل الحقيقي لبناء عمارة تحمل معنى، وتُضيف إلى العمران لا أن تُثقل كاهله بالفراغ.

ختاماً، المدينة ليست واجهة تُزيّن، بل كيان يُبنى بالمعرفة والوعي. والعمارة ليست لقباً يُضاف إلى بطاقة، بل فعلٌ يُترجم إلى فضاء يليق بالإنسان. فإذا أردنا أن نعيد للعمارة الليبية كرامتها، فعلينا أن نعيد للتعليم الجامعي رسالته، وأن نربط بين الفعل واللقب، بين الإنجاز والفخر، بين الجوهر والشكل.

الأحد، يونيو 07، 2026

ما الذي يرهق المعماري نفسياً؟

 

جمال الهمالي اللافي

هي عدة أمور متشابكة مصدر غالبها الزبون ثم المهندس الإنشائي فالمقاول ثم تجار مواد البناء، كيف؟

مطب الزبون:  غالب الزبائن إن لم يكن جلهم، أنظارهم تتجه للخارج، يقارنون واقعهم المعماري المشوه بواقع دول أخرى، فتتعلق نفوسهم بما عند غيرهم ولسان حالهم يقول للمعماري: نبي كي دبي، أو كي تركيا أو غيرها من الدول. هم يشاهدون عمارة الزجاج والكمرات الطائرة والأشكال العجيبة التي يزخر بها العالم من حولهم. يرون مواد بناء لا وجود لها في ليبيا. ومساحات زجاج تطل على طبيعة ساحرة، وتصميم داخلي وعناصر تأثيث تهفو لها نفوسهم وتشتهي مثلها.

ثم عند الاصطدام بالواقع وظروفه الاقتصادية والمناخية والاجتماعية التي تضع الخصوصية في مقدمة المطالب، يمارس حقه في الاعتراض. هذه تكلفني الكثير، الجيران يطلون علينا، مناخ البلاد حار وهذا يتطلب مصاريف تبريد باهظة. ويصل الأمر أخيراً إلى تكاليف الخريطة المعمارية التي يريدونها الحلقة الأضعف في مساوماتهم للمعماري ولسان حالهم يقول هذه المرة: نبوها حمراء وجراية وما تاكلش الشعير. المفارقة أن هذا الحرص المبالغ فيه على التوفير يختفي تماماً أمام الدفع للمقاول أو شراء مواد التنفيذ، بينما يُستكثر على الخريطة – وهي العقل المدبر للمشروع والضامن لعدم هدر تلك الأموال – أبسط حقوقها المادية. أي يريدون من المعماري أن يصمم لهم بيتاً من عدم يحقق لهم كل ما يحلمون به، ويتحمل مواجهة كل معوقات الواقع، ولكن بثمنٍ بخس. وهنا لن نتكلم عمن سرقوا الخرائط وفروا دون أن يستكملوا أتعابها وبعضهم لم يسددها.

المهندس الإنشائي:  وهنا لن نتحدث عنه بل عن المنهج الذي درسه والفرص التي لم تُتَح له ليخوض تجارب العلم الأكاديمي بأحدث المستجدات في مجاله ثم خبرة الممارسة مع مواد بناء غير الإسمنت والياجور والبلك، ومع نظام إنشائي غير الهيكل الخرساني. لا مشاريع تتاح له ولا خبرات تستجلب لأجل توسيع آفاقه الهندسية؛ فلا يجد المعماري مفراً من الالتزام في تصاميمه بهذا القيد الإنشائي الذي يعكس انحصار خبرة المهندس في النظام التقليدي وتجنبه للمخاطرة في أنظمة غير مألوفة.

المقاولات والعمالة الفنية:  بعد السياسات الاقتصادية التي دُمرت بها ليبيا عبر إغلاق شركات المقاولات الليبية واقتصار تنفيذ المشاريع على شركات عشوائية ثم إحالة الأمور إلى مقاولات وعمالة بلا قانون يضبطها ولا عقوبات تردعها، انفتح الباب على مصراعيه في اتجاه ارتفاع أسعار البناء في مقابل انحسار الجودة. هذا التفلت المهني الناتج عن غياب الرادع القانوني جعل الجودة عملة نادرة.

تجار مواد البناء:  عندما تنحسر الجودة وترتفع الأسعار وتتقلص الخيارات، يجد المعماري نفسه أمام خيار القبول راضخاً لإملاءات السوق أو مشقة البحث عن البدائل المحلية الشحيحة. وهنا تبرز فوضى الاستيراد والتلاعب بالمواصفات؛ حيث يُستجلب "الغش" وتُقدم المواد الرخيصة على أنها بدائل معتمدة، ليس فقط استجابة لطلب السوق، بل سعياً من التاجر لتقليل مصاريفه وزيادة أرباحه على حساب سلامة وجودة البناء.

المعماري المهني مقابل المعماري التاجر:  وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال بديهي: طالما أن هذا هو الحال، فكيف تستمر حركة البناء؟ الإجابة تكمن في الفارق الجوهري بين معماري حريص على مصلحة زبونه، وبين معماري يتعاطى مع زبائنه بروح التاجر الذي لا يحاسب نفسه بقدر ما يهمه الكسب المادي؛ فهذا التاجر يبيع "الوهم البصري" ويسهل خداع الزبون، ولا يبصر زبائنه بأي مشاكل تنفيذية مكلفة، بل يغطي العيوب بديكورات تبهر الأنظار وتثقل كاهل الزبون لاحقاً.

الخلاصة:  في النهاية، هذا الطرح هو امتداد لمسار التوعية للمجتمع؛ بهدف تبصير الزبائن بما هم مقدمون عليه. المعماري الذي يرهق نفسه بالتفاصيل والاعتراضات والنقاشات المستمرة، ليس عقبة أمام أحلامك، بل هو شريكك الحقيقي. هو من يخوض ذلك السجال شبه اليومي مع جميع الأطراف للوصول بالمشروع إلى بر الأمان. إن التصميم الناجح في بلادنا ليس استنساخاً أعمى للصور المستوردة، بل هو فن "الممكن"، وصناعة الجمال من رحم هذه التحديات، وهذا لا يتحقق إلا بمعماري أمين، وزبون مستوعب لحجم المعركة المشتركة.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...