أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، يونيو 27، 2026

ميثاق الممارسة المعمارية: تجارب ودروس

جمال الهمالي اللافي

تفرض غياب الضوابط والقوانين المنظمة للعلاقة بين المعماري والزبون واقعاً مليئاً بالتحديات، واقعاً أصبحت فيه المهنة أشبه بساحة معركة مفتوحة. وفي ظل شيوع الفوضى، وتخلي المؤسسات المهنية – التي كان ينبغي أن تكون الحصن الحصين– عن دورها في حماية منتسبيها، يجد المعماري الممارس نفسه وحيداً. هو اليوم مدفوع بنقص الخبرة في بداية مسيرته، أو بحكم الواقع الذي يفتقر لوضوح الرؤية، في موقف يضطره رغماً عنه إلى رسم ملامح "شروطه الخاصة" لتقنين هذه العلاقة وضبط إيقاعها.

لقد أصبح لزاماً عليّ، بعد عقود من الممارسة التي صقلتها التجارب المرة قبل الحلوة، أن أبادر برسم هذه الملامح. ليس ترفاً، ولا تكبراً، بل هي ضرورة فرضتها الممارسة لحماية خصوصية المهنة وصون كرامة المهندس. لقد وجدت نفسي ينطبق عليّ المثل العربي: "مكرهٌ أخاك لا بطل"؛ فلا أحد من المهنيين يجد متعة في العمل الجماعي لأجل حصانة المهنة، ولا النقابة أو الهيئة تُبدي أدنى استعداد لخوض معترك الدفاع عن المهنة وأصحابها.

لذا، كان الواجب يحدوني أن أبصر كل خريج جديد، وكل ممارس يعايش معاناة هذه العلاقة المأزومة، من خلال طرح تجارب واقعية لا يحبذ أي معماري أن يتعرض لها. وهي تجارب بدأت مع بشائر ممارستي للمهنة وتجاوزتُ تكرارها بعد أن وضعت القواعد. ورغم قسوة هذه التجارب، إلا أنها لا تمثل إلا استثناءً أمام علاقات مهنية أخرى كانت قمة في الأخلاق والتقدير، مما يؤكد أن وضع الضوابط هو صمام أمان لا ينتقص من قدر الزبون السوي، بل يحمي المهنة من العابثين.

التجارب المهنية

التجربة (1): إشكالية تقدير الأتعاب والجيرة

تعاملت مع جار قديم، صديق مرحلة الطفولة لأخي. وأخوه ناشط في مجال البيئة تربطني به صحبة، حضر إلى مكتبي لتصميم خريطة معمارية لبيته، فبعد الحديث عن متطلباته حدد المساحة التي يريدها في قطعته الكبيرة، وبناءً عليه قمت - تكريماً للجيرة- بخصم نصف أتعاب التصميم المتفق عليها. خلال مراحل العمل، بدأ هذا الزبون يتوسع في متطلباته ويتجاوز المساحة المسقوفة المتفق عليها. وبعد اكتمال التصميم وحساب المساحة، تطلب الأمر زيادة بسيطة في الأتعاب لا تقارن بحجم الخصم مطلقاً، وهو ما أزعجه كثيراً واعتبر المبلغ الأصلي ملزماً لي، متناسياً الخصم الكبير الذي منحته إياه. لقد كانت درساً قاسياً في أن "العاطفة" في العمل المهني غالباً ما تُقابل بـ "الجحود"، حيث دفع الأتعاب لكنه قطع الصلة، ولا يزال ينظر إليّ بحدة كلما التقينا في الشارع.

التجربة (2): اختراق الحدود المهنية

تعاملت مع زبون، زميل عمل لقريب في جهة أمنية، اشترط مساحة معينة ثم تمادى في الزيادة. عندما أعلمته بالنتيجة النهائية، بدأ في ممارسة طبيعته الأمنية معي وكأنه محقق يستجوب سجينه؛ فأوقفته عند حده. وعندما طالبني بالإشراف على التنفيذ، لاحظت خلال الزيارات أن المقاول بدأ يقترح عليه زيادة مظلات خرسانية يتحمس هو لتنفيذها دون الرجوع إليّ، ودون أي اعتبار لمحدودية الميزانية التي وضعها هو بنفسه للمشروع. لقد كان الزبون يلتزم بمحدودية الميزانية حين يتعلق الأمر بأتعاب التصميم، ولكنه لا يتورع عن قبول مقترحات المقاول بزيادة مساحة المسقوف الخرساني (مظلات) لزيادة أرباحه، متجاوزاً بذلك كل حدود التعامل. تركته وشأنه فريسة للمقاول.

التجربة (3): استغلال المرونة المهنية

كان من عادتي إخبار زبائني بأن التصميم لا ينتهي حتى ينال رضاهم. استغل أحد الزبائن هذه الميزة، بعد استلامه للخرئط المعمارية النهائية، فكان يغيب لأشهر بحجة إشرافه على عمله في دولة إفريقية، ثم يعود ليطالب بتعديلات جوهرية في توزيع الفراغات. كنت أعدل الخرائط وأسلمها له دون مقابل، تكرر الأمر مرة أخرى. وبعد أشهر طويلة، جاء ليطالب باسترداد أتعاب الخريطة بحجة "عدم التنفيذ"، فنهرته وأغلظت عليه في القول. تبين لي لاحقاً أنه كان يستخدم الخرائط المعتمدة لتنفيذ مشاريع متعددة على قطع أراضٍ مختلفة، محاولاً تنفيذ مبانٍ كثيرة بسعر خريطة واحدة، متجاوزاً بذلك كل حدود التعامل الأخلاقي. لقد علمتني هذه التجربة أن المرونة المفرطة تُفسر من قبل البعض على أنها سذاجة، وليست كرماً مهنياً.

التجربة (4): التعتيم على المعطيات

أخبرني أحد الزبائن عند زيارة قطعة أرضه بأنها منخفضة عن الشارع، مما يسبب تجمع مياه الأمطار. نصحته برفع منسوب التصميم والاستفادة من الفارق لإنشاء دور تحت الأرض، لكنه رفض غضافة هذا الدور. عند التنفيذ، وجد أن تكلفة الردم كافية لاستكمال الدور الأرضي، فطالبني بتصميم القبو فجأة! ثم تفاجأت بوجود مخرج على شارع خلفي منخفض لم يخبرني به، كان سيجعل تصميم الدور تحت الأرض مشروعاً متكاملاً يضيف لبيته مزايا كثيرة. وبعد انتهاء تسقيف الدور الأول طالب بإضافة ليس ملحقاً صغيراً- كان مقترحاً رفضه أثناء مرحلة التصميم- بل نصف دور كامل. هذا نمط من التحايل عبر التعتيم على المعلومات لتجنب دفع أتعاب التصميم الحقيقية، ثم فرض تعديلات جوهرية أثناء التنفيذ. إن غياب الشفافية من الزبون ليس مجرد نقص في المعلومة، بل هو تدمير لكفاءة التصميم.

التجربة (5): اختلاط التجارة بالمهنة

تعاملت مع قريب يمتهن التجارة، صممت له ولعائلته مشاريع سابقة دون مقابل. وعندما عاد ليطلب مني تصميم استراحة، حددت له أتعاباً عادلة، فبدأ يفاصلني فيها حتى وصلنا لمبلغ ما. استلمت نصفه، وظل النصف الآخر معلقاً. خلال الإشراف، كان دائم التذمر من قلة المال، حتى اضطررت لقبول باقي أتعابي بضاعة من متجره. حاسبني كتاجر استوفى حقه، وهضم حقي المادي والمهني كمعماري ومصمم ومشرف. الدرس هنا واضح: لا تخلط "الدم" بالمال، ولا "القرابة" بالممارسة المهنية؛ فالمتاجرون لا يرون في التصميم إلا سلعة قابلة للمقايضة، وفي تسويق بضائعهم مكاسب للربح لا للمجاملة.

التجربة (6): ضرورة المركزية والعقد المكتوب

أنصح كل معماري أن يضع هذه النصيحة "حلقة في أذنه": لا تذهب إلى مكتب الزبون مهما تعذر بالظروف، ولا تثق في الوسيط بينكما. يجب أن تكون كافة اللقاءات داخل المكتب المعماري حصراً. التعامل خارج هذا الإطار يفتح الباب للمخاطر وضياع الحقوق المهنية مهما كانت المغريات أو كبر حجم المشروع.

في بيئة تفتقر لسيادة القانون، يصبح "الميثاق المكتوب" هو سلطتك القضائية الخاصة. لا تبدأ عملاً دون عقد يحدد بوضوح النطاق والميزانية والتعويض عن التعديلات. إن هذا الميثاق ليس مجرد ورقة؛ إنه سدٌ منيع يواجه ثقافة "الغابة" التي ترفض الضوابط. فالمكتب هو الحصن الذي تُصان فيه هيبة المهنة، والعقد هو أداتك لفرض "قواعد اللعبة" وإلزام الزبون بالالتزام قبل أن يبدأ العمل.

خلاصة التجارب: القواعد الذهبية للممارسة

بعد هذه المسيرة المليئة بالمنعطفات، أضع بين أيديكم هذه القواعد لتكون دليلاً وقائياً لكل معماري يطمح لصون كرامة مهنته في بيئة لا ترحم:

1.   استقلال المهنة عن العواطف: الخصم المادي أو صلة القرابة لا يمنح الزبون حقاً في التجاوز؛ فالاحترام المهني والالتزام بالعقد قيمتان غير قابلتين للتفاوض، والخلط بين "الدم" و"المال" هو أول مسمار في نعش استحقاقك المهني.

2.   المرونة ليست حقاً مشاعاً: المرونة المهنية تُمنح للزبون الملتزم تقديراً لا استحقاقاً. التعديلات الجوهرية المتكررة هي عمل إضافي صريح، والمطالبة بأجر مقابل الجهد الإضافي هي حق أصيل وليست ترفاً.

3.   المعلومة هي أساس الجودة: الشفافية في معطيات الموقع هي حجر الزاوية لأي تصميم ناجح. إخفاء المعلومات أو التعتيم عليها من قبل الزبون هو تدمير متعمد لكفاءة التصميم وتحايل للهروب من التزاماته.

4.   المكتب حصنٌ والقانون ميثاق: لا تعمل خارج "المركز". المكتب المعماري هو بيئة عملك الوحيدة، والعقد المكتوب هو "سلطتك القضائية" في غياب القوانين. لا تبدأ عملاً دون عقد يحدد النطاق والتعويضات، فالمخاطرة خارج إطار العقد هي خسارة مُسبقة للحقوق.

خاتمة: مواجهة إرث الفوضى

إن وضعي لهذه الشروط ليس تعجيزياً لزبون يحترم نفسه ومن يتعامل معهم، بل هو سياج وقاية لكل معماري في بيئة تفتقر إلى التنظيم. لقد واجهت من يجادلني في شروطي المهنية بمقارنتها بـ "شروط لم يضعها حتى القائد"، في دلالة واضحة على عقليات لا تزال أسيرة ثقافة ما بعد 69؛ ثقافة "الغابة" التي ترفض الضوابط وتعتبر النظام تعسفاً، والالتزام بالحقوق تطاولاً.

لذا، فالعقود التي أكتبها ليست مجرد أوراق، بل هي حائط صد ضد إرث الفوضى والنهب الذي حاول البعض تطبيعه في ممارساتنا. المعماري اليوم في ليبيا ليس مجرد مصمم، بل هو حارسٌ لكرامة المهنة، يخوض معركته ضد ثقافة الاستباحة. اجعلوا من مكاتبكم قلاعاً، ومن عقودكم ميثاقاً لا يقبل التأويل، ومن أخلاقكم درعاً يحميكم؛ فالمعماري الذي لا يحترم مهنته في ظل هذه الفوضى، لن يجد من يحترم إبداعه.

الخميس، يونيو 25، 2026

التربية في قلب الدوامة: نحو فهم شمولي لمنظومة التأثير

 

محاولة قيد الدراسة والتطوير لنموذج المسكن العائلي

جمال الهمالي اللافي

التربية ليست جهداً فردياً منعزلاً، ولا تقتصر على حدود العلاقة داخل الأسرة النواتية (سواء بجهد منفرد من المرأة أو بشراكة مع الزوج). إنها منظومة متكاملة وشديدة التعقيد من العوامل المتشابكة المؤثرة، والتي تتطلب حواضن أوسع وأكثر تماسكاً للسيطرة عليها.

إذا وضعنا "التربية" في المركز، وسلطنا عليها الضوء، سنجد أنفسنا أمام شبكة واسعة من القوى الجاذبة والدافعة، والتي يجب إعادة هيكلتها وفق التالي:

·     النظام العائلي (المحيط الأول وحجر الأساس : (الخطوة الأولى للتصحيح هي تجاوز "الأسرة النواتية" الهشة والعودة إلى "النظام العائلي" الممتد. في ظل الأسرة النواتية المعاصرة، غالباً ما يتزوج شابان في مقتبل العمر بقليل من الخبرة بأصول التربية، وبلا دراية كافية بتقلبات الحياة الشديدة. ومع انشغال الزوج وسعيه المستمر لتأمين لقمة العيش الذي يضطره للبقاء خارج المنزل، تصبح الرقابة الواعية غائبة أو منقوصة. هنا يبرز الدور الحيوي والجوهري للجدين والوالدين الكبار؛ فهم الصمام والبوصلة لتبصير الأبناء وتوجيههم، وفي ذات الوقت، لمراقبة الأحفاد ورعايتهم وسد الفجوة المعرفية والسلوكية التي يتركها غياب الآباء المنشغلين بالعمل.

·     البيئة العمرانية (المحيط المكاني وتأطير السلوك) : إن هذا النظام العائلي الممتد ليس فكرة غابرة أو أثراً من الماضي، بل هو واقع حي نابض ما زال معاصراً وموجوداً في مجتمعاتنا حتى اليوم. غير أن المانع الحقيقي لتفعيل دوره التربوي والاجتماعي يكمن في غياب التصميم المعماري الملائم الذي يستوعب هذه البنية العائلية المتميزة. إن البناء المعاصر الذي يعتمد على مجرد رص الشقق السكنية فوق بعضها البعض بشكل عمودي مكرر، يقتل روح العائلة الممتدة؛ إذ يفرض إما عزلة فردية تامة أو تداخلاً خانقاً يلغي الخصوصية.

ولنا في التاريخ المعماري العالمي شاهد صارخ على خطورة هذه "الهندسة الاجتماعية" القسرية؛ فمشروع "برويت-آيغو" (Pruitt-Igoe) السكني الشهير في مدينة سانت لويس الأمريكية، والذي صُمم في منتصف الخمسينيات على نسق الأبراج العمودية الخرسانية الضيقة كأحدث صيحة لحل أزمة السكن، سرعان ما تحول إلى بؤرة للجريمة، والتفكك الأسري، والانحراف القيمي السريع، مما اضطر السلطات الأمريكية في النهاية إلى اتخاذ قرار تاريخي بتفجيره وهدمه بالكامل في سبعينيات القرن الماضي بعد أن ثبت فشله الأخلاقي والاجتماعي. والمفارقة التاريخية المريرة هي أن هذا النموذج العمراني الفاشل والمطرود عالمياً، تحول فجأة في ليبيا والعديد من الدول العربية - عبر المشاريع الإسكانية الحكومية الاحتكارية - إلى النمط المعماري الوحيد المعتمد والمهيمن! وهذا يؤكد بشكل قاطع خطورة توظيف العمارة وتخطيط المدن كأداة ممنهجة لتفتيت الكتل الاجتماعية والتمهيد للإفساد، بدلاً من إعمار المجتمعات وإصلاحها. لذا، تتطلب مسيرة التصحيح نمطاً سكنياً ذكياً ومدروساً لـ "البيت الكبير"؛ تصميماً هندسياً يحفظ للعائلة الممتدة لُحمتها وتواصلها، ويوفر في الوقت ذاته الاستقلالية والخصوصية التامة لكل أسرة صغيرة داخلها، مع تهيئة الفراغات والمساحات المشتركة التي تُمارس فيها الأنشطة التربوية والاجتماعية بأمان وراحة.

·     التعليم الحديث ومناهجه (المحيط المعرفي) : المدرسة يجب ألا تُترك كمنطقة فراغ قيمي. يتطلب الأمر السيطرة التامة على المناهج الدراسية لمعرفة ما يُبث في عقول النشء، والتدقيق الصارم فيمن يقوم بتدريسها. والأهم من ذلك، التحكم في بيئة "الأقران". ولنا في الواقع شواهد حية على خطورة التراخي في هذا الجانب؛ ففي إحدى المشاهدات من الساحة المدرسية في بداية المرحلة الثانوية، تحلق تجمع طلابي حول طالب واحد أخذ يسرد مغامراته وعلاقاته النسائية مع دور البغاء في الخارج. كان هذا الطالب، بحديثه العلني، يقوم بمهمة خطيرة تتمثل في 'كسر الحياء' بين الطلاب، وتطبيع الحديث عن أمور غير مسموح اجتماعياً وأخلاقياً تداولها. من هنا ندرك أنه لا مجال للتراخي، بل يجب معاقبة الشذوذ الأخلاقي والانحراف السلوكي بقسوة قاطعة ومبكرة، لضمان عدم تلوث البيئة المدرسية.

·     الإعلام (المحيط الثقافي المهيمن : (وهو القوة الأكثر اختراقاً للأسوار، خاصة بعد أن تسلل جهاز التلفاز إلى بيوت الأسر الليبية كافة، ليفتح الباب على مصراعيه لثقافة وافدة وموجهة نحو الإفساد القيمي. لقد شكلت هذه الآلة الإعلامية والأدبية المصدرة - ولا سيما المصرية منها - معاول هدم ممنهجة للقيم على مستوى مناهج التعليم والإعلام العربي. فمن الروايات المليئة بالمشاهد المنحرفة لكبار الكتاب كنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس (والتي قرأناها قديماً وعايشنا أثرها التخريبي)، إلى الأفلام والمسلسلات التي تطبع مشاهد 'الحب والغرام' والقبلات والعري بين الأبطال وبنات الجيران أو الزميلات في الكليات، تشكَّل وعي مشوه يزين الرذيلة ويطبع السلوكيات المدمرة؛ كصورة البطل الذي يلجأ لشرب الخمر ليعبر عن فرحه أو حزنه الشديدين. ولم يقتصر التخريب عند حدود العلاقات التقليدية المحرمة، بل تعداه ليكون هذا الإعلام والإنتاج السينمائي هو المبادر الأول عربياً في الترويج للمثلية والشذوذ الجنسي وعرضه على الشاشات، كاسراً بذلك أعتى حصون الحياء والفطرة البشرية السوية.

ولم يقتصر الهدم على الأخلاق الفردية، بل استهدف أركان المجتمع الأساسية: هيبة التعليم وتماسك الأسرة. فحين انتشرت مسرحية 'مدرسة المشاغبين' (مسموعة ومصورة في فترة مبكرة) ومعها فيلم 'خلف أسوار الجامعة'، تحولت هيبة المعلم والتعليم إلى 'مسخرة' وتجرأ الطالب على معلمه وأستاذه، وهو تنبؤ أسود تحقق واقعاً اليوم. ولم يتوقف الأمر عند جدار المدرسة والجامعة، بل امتد لتقويض الأسرة من الداخل عبر مسرحية 'العيال كبرت' التي لا زالت تُبث للأسف في كل عيد فطر وأضحى، مروجةً لهدم الأسرة وتحطيم التقدير للوالدين وجعلهما مادة للسخرية والتهكم.

لكن المشهد الإعلامي اليوم لم يعد كما كان؛ فبينما كان التلقي قديماً قسرياً ومفروضاً بما تبثه الشاشات العامة، أتاحت التكنولوجيا الرقمية الحديثة للأسرة فضاءً مغايراً تماماً. لقد وفرت التقنية اليوم للعائلة كل أسباب التحكم والسيطرة على مصادر الترفيه والمعرفة. فوسائط الإنترنت تفتح باباً واسعاً من الخيارات والتفضيلات، تتيح فرز واختيار ما يُسمح بمشاهدته من أفلام ومسلسلات ترفيهية نقية، وتمييزه عما يمكن تلقيه من معرفة حقيقية وعلم نافع. إنها أدوات حاسمة؛ حيث بضغطة زر واحدة يُفتح باب واسع للخير والمعرفة، وبضغطة أخرى يُغلق ويُقفل كل مدخل من مداخل الشر والإفساد.

الجذر التاريخي والسياسي للتفكيك: زلزال 1969 وإعادة هندسة الإنسان

لكي نفهم كيف وصلنا إلى هذه "الدوامة"، وكاف ضعفت مقاومة الكيان الليبي أمام معاول الهدم الإعلامي والثقافي المستورد، لا بد من العودة إلى العلّة السياسية الأولى والمنعطف التاريخي الأكبر: انقلاب الأول من سبتمبر عام 1969.

لم يكن هذا الحدث مجرد انقلاب عسكري يستهدف السيطرة على مقاليد الحكم والسطة السياسية فحسب، بل كان مشروعاً تدميرياً شاملاً استهدف بنية المجتمع الليبي في مقتلها وعمل بوعي على إعادة هندسته قيمياً واجتماعياً. لقد ضرب هذا الانقلاب عمداً كافة مؤسسات الحماية والوساطة المجتمعية:

1.      الدولة: تم تفتيت مؤسساتها الدستورية والقانونية والتعليمية التي كانت تسير ببطء وتؤدة نحو ملامح الدولة المدنية السوية.

2.   القبيلة: تم تفكيك سلطتها الأخلاقية والاجتماعية كحاضنة لفض النزاعات وتأطير السلوك، واستبدالها بروابط هشة تذكي الصراع وتحركها رغبات السلطة.

3.   العائلة: جرى تقويض سلطة الأبوين عبر منظومات أدلجة وتعبئة عسكرية وسياسية قسرية (كالمعسكرات العامة ولجان الزحف)، التي شجعت الأبناء على التمرد والتجسس على الآباء، مما ضرب هيبة رأس الهرم العائلي في مقتلها.

4.   الفرد: جُرّد الإنسان الليبي من كيانه الأخلاقي والروحي وقدرته الإنتاجية، حتى أفرغ في كثير من الحالات من إنسانيته ولم يبقَ منه - لولا بقية من فطرة - سوى "جسد يتحرك على وجه الأرض تملأه ضغائن الحسد والتنافس المادي البغيض"، كنتيجة مباشرة للسياسات الاشتراكية الشعبوية المشوهة التي رفعت شعار "الشركاء لا الأجراء" و"البيت لساكنه"، مبيحةً النهب ومحطمةً قيم العمل والأمانة والملكية الخاصة.

إن هذا مشروع التفكيكي لم يكن فعلاً محلياً معزولاً؛ بل تقف خلفه وتدعمه الجارة مصر من خلال قيادة جمال عبد الناصر، الذي قاد ورعى موجة الانقلابات العسكرية في عموم المنطقة العربية. لقد شكلت هذه المنظومة السياسية العربية الناصرية الراعية للانقلابات التدميرية المدخل الأساسي الذي مهد الأرضية للسيطرة اللاحقة. فبعد أن سُلبت العائلة هيبتها، وُجّهت إليها تلك المنتجات الإعلامية الهدامة (من مسرحيات وروايات وأفلام) لتكمل ما بدأته الدبابات والسياسات الشعبوية القمعية؛ وبذلك تكاملت أدوات "الهدم الصعب" العسكري والسياسي مع أدوات "الهدم الناعم" الثقافي والإعلامي لتقويض الكيان المجتمعي الليبي والعربي برمته.

تحليل موازين القوى: أين يكمن التأثير الأقوى؟

عند النظر إلى هذه العوامل، نجد أن تأثير الإعلام الرقمي والانفتاح غير المنضبط قد طغى بشكل غير مسبوق في عصرنا الحالي، متجاوزاً تأثير الأسرة والمدرسة. وقد حدث هذا التغول تحديداً بسبب تفتت "العائلة الممتدة" وتخليها عن "البيت الكبير"، وهي النتيجة الاجتماعية الكارثية المباشرة لسياسات التفكيك البنيوي الممنهج التي دشنتها هندسة سبتمبر 1969، واستيراد نموذج الإسمنت العمودي الضيق المستنسخ من مشروع "برويت-آيغو" الفاشل. هذا واقع ترك الفرد (وخاصة المراهق) أعزلاً في غرفته المغلقة أمام شاشات المؤدلجين وصناع التفاهة.

غير أن هذا الطغيان الإعلامي والتفكيكي لم يعد حتمياً اليوم؛ إذ أن امتلاك العائلة لوسائل التحكم الرقمي وتوجيه الخيارات، إلى جانب الوعي المتزايد بالخراب البنيوي الذي أحدثه الماضي القريب، قد نقل ميزان القوى مجدداً لصالح الجهة القادرة على الفلترة والتحصين الذاتي واستعادة المبادرة.

نقطة الانطلاق: مشروع استعادة السيطرة

أمام هذا التشابك والانهيار القيمي، من أين نبدأ مسيرة إعادة التصحيح؟

إن إحكام السيطرة على التعليم (مناهج ومعلمين وأقراناً) وتقييد وحش الإعلام، هي معارك حتمية، لكنها كلها تحتاج وتعتمد بالأساس على تضامن "العائلة الممتدة" داخل "البيت الكبير" الذي يحتويها، وهو الأمر الذي يتطلب نقض كل إرث سبتمبر 1969 التفكيكي ومصالحته مع الفطرة والتقاليد.

·     البيت الكبير كحصن وغرفة عمليات رقمية: نقطة الانطلاق الحقيقية هي إعادة إحياء النظام العائلي مكانيّاً واجتماعيّاً. عندما تجتمع العائلة في نمط سكني ذكي ومدروس هندسياً يستوعب تمددها مع صيانة خصوصية أسرها، تتشكل جبهة داخلية قوية واعية. في هذا الحصن، لا يُترك قرار الاستهلاك الإعلامي للفرد المعزول، بل تتولى العائلة الممتدة -بخبرة شيوخها وحماس شبابها- استخدام أدوات الفلترة والتحكم الرقمية، وتفعيل تلك "النقرة" الذكية التي تفتح أبواب المعرفة وتوصد منافذ الإفساد.

·     الحزم التربوي: استعادة التربية تتطلب التخلي عن رخاوة التنشئة الحديثة، والعودة إلى الحزم الأخلاقي والرقابة الواعية التي يوفرها تكاتف الأجداد والآباء والأعمام في بيئة متماسكة، تستفيد من التقنية ولا تقع ضحية لها.

خلاصة الأمر

إن التربية الأسرية الصحيحة والآمنة لا تنطلق من الفراغ، بل تبدأ حتماً وبشكل قطعي من عودة لُحمة العائلة الممتدة والالتفاف حولها كواقع حي ومستمر يحتاج فقط للتأطير المكاني المناسب. في هذا الترابط المتين، والبيت الكبير المصمم خصيصاً ليجمع شتات العائلة مع صون خصوصيتها، تكمن القوة الحقيقية لإعادة هيكلة القيم وتصحيح المسار التربوي للأجيال القادمة وحمايتها من دوامات الاختراق الخارجي التي تضافرت عليها معاول التفكيك السياسي والنعومة الدرامية المفسدة طوال العقود الماضية.

الأربعاء، يونيو 24، 2026

بيان نقدي: في هجاء التعليم المعماري وتزييف الممارسة في ليبيا

جمال الهمالي اللافي

إن الموازنة بين منجز العمارة الليبية المعاصرة وإرث فضاءاتها التقليدية الأصيلة لا تفضي فقط إلى رصد تراجع جمالي، بل تكشف عن فجوة معرفية وجودية وقطيعة مهنية حادة. إن هذه الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمي لبيئة تعليمية وأكاديمية مفرغة من شروط التأهيل الحقيقي، وممارسة ميدانية مختطفة لصالح شبكات من المصالح البيروقراطية والطفيلية.

أولاً: البنية المعرفية المأزومة (تزييف التكوين الأكاديمي)

تكمن أولى حلقات التجهيل الممنهج داخل أسوار الأكاديميا المعمارية؛ حيث يقود العملية التعليمية جيل من الأكاديميين المفرغين من التجربة الميدانية الفعلية والوعي بأصول الصنعة وفلسفة المواد وطرق الإنشاء. لقد استُبدلت المعرفة الحية المتصلة بموقع البناء برصيد من النظريات المستوردة والمناهج التغريبية الهجينة التي عجزت عن التوطن في التربة المحلية أو الاستجابة لمتطلبات البيئة والمجتمع المعاش.

وتتجلى معالم هذا المأزق الأكاديمي في الآتي:

1.   الانفصال عن الواقع المادي: تحول التعليم المعماري من ممارسة حية ترتكز على فهم سلوك المواد وفيزياء البناء إلى تمرين شكلي ومرئي مجرد .

2.   عقم أدوات القياس والتقييم: عجز المنظومة عن التمييز بين الطالب الذي يمتلك وعياً نقدياً ورؤية أصيلة، وذلك الذي يبحر في التلقين ويستجيب آلياً لمتطلبات المنهج الجوفاء للحصول على درجات شكلية.

3.   أكذوبة الأقدمية الأكاديمية: تكريس "الأقدمية الزمنية" كمعيار وحيد للترقي والتوجيه، في غياب تام لأي منجز مهني ملموس أو إضافة معرفية حقيقية للمجال، مما جعل القيادة الفكرية للمؤسسات التعليمية تقع في أيدي النخب الأكثر جهلاً بأصول الممارسة العملية.

ثانياً: تفكيك الداء (التشظي المعرفي وسرقة السيادة الميدانية)

إن التشوه الذي يصيب الطالب على مقاعد الدراسة يتغذى على تقسيم جائر وهندسة معرفية مشوهة تفصل بين "التصميم المعماري" و"الحساب الإنشائي والمدني". هذا التشظي يتصادم جذرياً مع جوهر التعليم المعماري تاريخياً، والذي قام دوماً على تلاحم الفكرة التصميمية مع إمكانية تحققها المادي والإنشائي في عقل المصمم.

وامتد هذا الانفصام ليعيد تشكيل المشهد الميداني على النحو التالي:

·         تسيّد المقاول البيروقراطي: تحول مفهوم "المقاول" في الواقع المحلي من مهندس ممارس يمتلك أصول الصنعة إلى "وسيط إداري ومالي عابر" يقتصر دوره على التوجيه السطحي وإدارة العمالة الوافدة دون أي عمق فني أو معرفي.

·     الخصاء المهني للمعماري: بدلاً من تأهيل المعماري ليكون القائد الفعلي للموقع (على غرار المعلم البنّاء تاريخياً)، تم تهميشه وتحويله إلى مصمم ورقي أو متفرج معزول عن الميدان، لتنتقل السيادة والقرار الفني لـ "سماسرة التنفيذ" الذين يستمدون نفوذهم من غياب التمكين الأكاديمي والميداني للمعماري الجديد.

ثالثاً: التشوّه السوسيولوجي والبيروقراطي (من الفضاء الخلاق إلى دكاكين التعطيل)

إن غياب التأهيل الميداني أنتج ظاهرة اجتماعية معقدة؛ إذ تعج أقسام العمارة بآلاف الخريجين (وبالأخص من العناصر النسائية) وسط غياب كلي لآليات التدريب والتأهيل العملي المتناسب مع قسوة المواقع وظروفها اللوجستية والاجتماعية في ليبيا. والنتيجة الطبيعية هي اختفاء الغالبية العظمى من هذه الكفاءات خلف جدران المنازل أو في ركود الوظائف المكتبية الحكومية، مع استثناءات نادرة جداً كسرن هذا الطوق الميداني.

هذا التضخم العددي غير المؤهل ميدانياً أنتج ما يمكن تسميته بـ "المعماري البيروقراطي"؛ حيث يتحول لقب "المهندس المعماري" من رخصة للممارسة والابتكار إلى مجرد وجاهة اجتماعية ونياشين فارغة تُعلق على الصدور. وتكمن الفاجعة في الآتي:

1.   التعويض السلبي عن العجز الفني: يتحول هؤلاء الخريجون في أروقة المؤسسات والوزارات الحكومية إلى قوى معطلة؛ فيمارسون وصاية إدارية جاهلة تعرقل معاملات المعماري الممارس الحقيقي وتصادر جهده.

2.   مأسسة الفساد والجهل المهني: يغدو هؤلاء البيروقراطيون حراساً لبوابة المصالح الشخصية، يبتزون الممارسين الفعليين، ويطالبون بالرشاوى لتمرير المعاملات الواجبة قانوناً، ويتلاعبون بالعقود والمناقصات بجهل مهني صريح وفساد أخلاقي مستشرٍ، للتعويض النفسي والوظيفي عن عجزهم وفشلهم الميداني الحقيقي.

رابعاً: ستون عاماً من التيه وحقيقة "اللاحل"

إن الحقيقة الصادمة والوحيدة التي تقتضيها النزاهة النقدية هي الجهر بأننا اليوم -وبعد مرور قرابة ستين عاماً على تأسيس أول قسم للعمارة في ليبيا عام 1969- نقف أمام مهنة لا وجود حقيقي لها على أرض الواقع.

إن العقود الستة الماضية لم تؤسس لمدرسة معمارية وطنية متلاحمة مع تربتها وسياقها الاقتصادي والاجتماعي، بل أنتجت "بنية موازية" من الجهل الأكاديمي والبيروقراطي المحمي بقوة القانون والسلطة الإدارية والوجاهة الاجتماعية المزيفة.

وبناءً عليه، فإن الحديث عن "مواثيق إصلاحية"، أو "تعديلات مناهج طفيفة"، أو "حلول رقعية تجميلية" في ظل هذه المنظومة هو ضرب من الوهم والتواطؤ غير المباشر مع مسببي الفاجعة؛ إذ لا يمكن ترميم بنية نخر فيها الفساد الأكاديمي والإداري حتى النخاع.

إن التشخيص الصادق يفرض علينا إعلان الصدمة الكبرى: لا حلول ممكنة ما دامت هذه البنية الطفيلية والبيروقراطية هي المهيمنة على المشهد. إن الإقرار بموت المهنة الفعلي وتحللها تحت وطأة القيادات العبثية هو نقطة الصفر الحقيقية لأي وعي نقدي شريف؛ فالغاية هنا ليست تقديم مسكنات واهية لوضع مستعصٍ، بل إعلان النعي الصريح، لعل هذا الغضب الواعي يدفع جيلاً جديداً لإدراك أن انبعاث المعمار الليبي لن يبدأ برتق الأنقاض، بل بسقوطها التام والبدء مجدداً من الأرض الصلبة للميدان الحقيقي.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...