أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، أبريل 28، 2026

متلازمة المعبد الأكاديمي: بين رهبنة المعرفة وسلطة الطاغوت

 

جمال الهمالي اللافي

إن التأمل في واقع العديد من المؤسسات الأكاديمية يكشف عن تحول خطير في وظيفتها الأساسية؛ فبدلاً من أن تكون منارات للتنوير ومصانع للوعي، تحولت في كثير من الأحيان إلى "معابد" مغلقة. في هذه المعابد، لا يتم البحث عن الحقيقة، بل تتم حراسة "اليقينيات المستقرة" التي تضمن استمرار الامتيازات الرمزية والمادية لمن نصبوا أنفسهم حراساً للهيكل.

كهنة المعبد وعقيدة الجهل المبطن

الكوادر الأكاديمية التي تتبنى عقلية "الكهنة" تعمد إلى خلق لغة معقدة وطقوس تراتبية صارمة، متمثلة في الدرجات العلمية ولجان الترقية والألقاب المتضخمة. هذا التعقيد ليس هدفه الدقة العلمية دائماً، بل غايته "الاستغفال" وصناعة مسافة شاسعة بينهم وبين العامة من خلال ما يمكن تسميته بـ "الجهل المبطن".

والمفارقة الصارخة هنا أن هؤلاء "الرهبان" ليسوا بالضرورة متآمرين بوعي مسبق، بل هم في الغالب ضحايا للمنظومة التي قولبتهم؛ فهم يغرقون في جهلهم لدرجة أنهم يعتقدون يقيناً أنهم يملكون ناصية الحقيقة. هذا "الإيمان بالجهل" هو ما يمنحهم القوة الإقناعية أمام البسطاء، فراهب يظن أنه يحسن صنعاً هو أخطر بكثير من مدعٍ يدرك زيفه. إنهم يملكون أدوات لتعليب الفكر وتزييفه تحت غطاء العلم، بينما هم في جوهرهم حراس للجمود المعرفي.

والطاغوت، بذكائه الفطري في البقاء، يدرك أن "الراهب العارف" يمثل خطراً وجودياً عليه، لأنه قد يتحول في أي لحظة إلى "نبي" يثور من داخل القصر وتحت رعايته. لذا، يفضل الطاغوت "الكاهن الغارق في يقينه الزائف"، الذي يتقن فنون التجهيل بضمير مستريح، محولاً الجامعة من فضاء للبحث عن الحقيقة إلى مؤسسة لإعادة تدوير المعلوم وقتل بذور التساؤل.

صياغة العقول واستبعاد "النبي" المجدد

لا يتوقف الأمر عند احتكار المنصة، بل يمتد إلى هندسة عقول التلاميذ؛ حيث يتم صياغة تفكير الأجيال الجديدة وفق مسارات محددة سلفاً لا يُسمح بالخروج عنها. يتم تدجين الطالب ليصبح نسخة مكررة من "الراهب الأكبر"، ويُستبعد فوراً كل من يجرؤ على التفكير خارج هذا المسار المرسوم أو يمتلك جرأة السؤال المغاير. هذا الاستبعاد ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عملية "تطهير معرفي" تضمن للمعبد بقاء جيل مطيع يحرس التقاليد القديمة بدلاً من أن يطورها.

في تاريخ الأفكار، التغيير الحقيقي لا يأتي غالباً من داخل المعبد المستقر، بل يأتي من خارجه، من شخص يحمل صفات "النبي" بالمعنى المعرفي؛ شخص يمتلك رؤية ثورية تقوض الأساسات التي بُني عليها المعبد. دخول هذا المجدد يمثل تهديداً وجودياً للكهنة، لذا فإن أول رد فعل لهم هو الإقصاء والتهميش، لحماية "قداسة" جهلهم التي يستمدون منها شأنهم ومصالحهم.

التحالف العضوي بين الطاغوت والكهنة

تتجلى هنا علاقة تخادمية عضوية قد لا تحتاج إلى تعاقد مباشر، بل هي توافق مصالح تلقائي وضروري لبقاء الطرفين:

1.   تزكية الطاغوت: يوفر الطاغوت للكهنة الألقاب والمناصب والحماية، مما يضمن بقاءهم في أعلى الهرم الاجتماعي مستعلين على البسطاء، محققين مكاسبهم من خلال تلك الهيبة المصطنعة.

2.   تحقيق رغبة الطاغوت في نشر الجهل: يقوم الكهنة بتعميم الجهل الممنهج عبر تقديم قشور المعرفة وحجب لبها التحرري. وبذلك تنعدم لدى العامة "القدرة على التمييز" بين الحق والباطل، أو الظلم والعدل، مما يقطع الطريق على ولادة وعي حقيقي. الطاغوت لا يخشى الجهل البسيط، بل يطمئن للجهل المؤسسي الذي يرتدي ثياب "الدكتوراه" و"الأستاذية" ليقمع أي إمكانية للثورة على فساد أمره.

الواقع العربي: سردية بلا استثناءات

عند إسقاط هذه الرؤية على الواقع المعاش، وتحديداً في الدول العربية وليبيا على وجه الخصوص، نجد أن المنظومة الأكاديمية قد أصبحت بيئة طاردة بامتياز. المنظومة هناك لا تسمح بنمو "الاستثناءات"؛ بل تقوم بخنقها في مهدها عبر آليات الإقصاء الأكاديمي والاجتماعي. إنها سردية متكررة تجعل من المؤسسة التعليمية أداة لقمع العقل بدلاً من تحريره، حيث يُستبدل "العلماء الحقيقيون" بـ "الخبراء المطيعين" الذين يباركون الجهل باسم العلم، ضماناً لعدم ثورة أحد على الظلم.

الخاتمة

إن أخطر ما يواجه المجتمعات هو "الجهل المؤسسي"؛ ذلك الجهل الذي يتم إنتاجه وحراسته داخل المعابد الأكاديمية بتزكية من الطاغوت. ولن تتحرر العقول إلا عندما ندرك أن هؤلاء الكهنة هم حراس لسجن فكري، وأن المعرفة الحقيقية تبدأ من كسر تلك التراتبية الزائفة وتحطيم مسارات التفكير المحددة سلفاً، ليعود العلم أداة للتمييز والتحرر، لا وسيلة للاستغفال والتدجين.

الاثنين، أبريل 27، 2026

نبراس العمارة الليبية: تأملات في التأصيل والممارسة

جمال الهمالي اللافي

    في الممارسة المعمارية، لا ينفصل الموقف المهني عن المسؤولية الأخلاقية؛ فالعمارة في جوهرها هي التجسيد المادي لمنظومة قيمية مشتركة. من هذا المنطلق، كان حرصي دائماً على مد جسور التواصل مع كافة الأطياف المهنية، انطلاقاً من إيمانٍ بضرورة التوافق في الرؤية والنزاهة في التعامل. ورغم ما قد يكتنف المحيط المهني أحياناً من تباين في وجهات النظر، إلا أنني آليتُ على نفسي أن يظل قلبي وبابي مشرعين لكل طالب علم أو شريك تعاون، طالما استند هذا التواصل إلى الكفاءة والموهبة والحرص على رفعة المهنة، بعيداً عن أنصاف المواهب والممارسات العابرة.

    إن تجربتي المعمارية لم تكتفِ يوماً بحدود الدور التقليدي للمكتب الهندسي؛ بل كانت سعياً دؤوباً لتحويل العمارة إلى "فعل ثقافي" شامل. لقد تجسد هذا السعي بوضوح في أغسطس 2004، حين تأسست "المدرسة الليبية للعمارة والفنون" كاستجابةٍ لضرورة تطوير مفاهيم الممارسة المعمارية في ليبيا. بفضل هذه المبادرة، انطلقت الحركة المعمارية نحو آفاق الحراك المجتمعي الواسع؛ من تنظيم دورات تخصصية، وإقامة معارض فنية، وزيارة المدن التاريخية وتوثيق معالمها، ونشر المعرفة عبر الملتقيات والمجلات الفكرية. لقد ساهم هذا الحراك في تنشيط الوعي المعماري في أزقة المدينة القديمة وخارجها، مكرساً لمفهوم "المعمار المثقف" الذي يتجاوز دوره البناء المادي ليصبح شريكاً فاعلاً في صياغة الوعي الحضري والجمعي.

    لقد صمدت هذه التجربة أمام اختبار الزمن والتحولات، ولم تفقد بوصلتها رغم قصر عمرها الزمني (2004-2008)، بل امتد أثرها المعرفي من مغرب الوطن إلى مشرقه وجنوبه، وتجاوز الحدود عبر منصات التواصل ومدونتي "الميراث"، لتكون صوتاً معمارياً ليبياً يشارك بفعالية في الفضاء العربي. واليوم، وبعد عقدين من تلك الانطلاقة، أجدني مدفوعاً بمسؤولية مهنية لمواصلة العمل على مشروع "التأصيل للعمارة الليبية المعاصرة"؛ ممارسةً وتنظيراً، للمساهمة في سد الثغرات المعرفية التي تحول دون استيعاب حتمية الهوية في عمارة اليوم.

    إن التأصيل الذي ننشده ليس مجرد عودة عاطفية للماضي، بل هو "استلهام واعي" للمرجعيات المحلية بتنوعها البيئي والثقافي، وإعادة تقديمها بلغة معاصرة تلبي تطلعات الإنسان المعنوية والمادية. وفي ظل التحولات التقنية المتسارعة، وما يوفره الذكاء الاصطناعي من أدوات إبهار بصري متطورة، يظل من المهم التأكيد على أن التقنية تظل وسيلة لخدمة المعنى وليست غاية في حد ذاتها. إن هدفنا هو تقديم مشاريع توازن بذكاء بين الإبهار التقني كأداة وبين العمق الفكري كجوهر أصيل.

    وتظل المفارقة الأهم في مسيرة "المدرسة الليبية"، أنها زاولت نشاطها المعماري والميداني طيلة سنواتها الأربع دون اعتمادٍ رسمي من نقابة المهندسين، محققةً أثراً تجاوز الكيانات القائمة. وفي العام 2006، وتتويجاً لهذا الجهد الجماعي، بادرنا بتأسيس "الجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي" من مقر المكتب، لتكون الذراع العلمي لجميع أنشطتها المعتمد (بموجب قرار مدير مكتب البحث والتطوير رقم 155 لسنة 2006، والمسجلة تحت رقم 74). ومع محاولة مأسسة المدرسة نقابياً في العام 2008، وعبر استئمان أحد الأكاديميين- الذي لم يكن له أي دور في تاسيسها- لغرض استكمال إجراءات الاعتماد، وقع الانهيار الإداري للمدرسة، لكن الجمعية ظلت صامدةً لتكمل المشوار. إننا اليوم نستأنف رحلة التأصيل بتأنٍّ وانتقائية، مستندين إلى خبرة صقلتها العقود، لتظل الممارسة المعمارية نبراساً تستلهم منه الأجيال، وبرهاناً ساطعاً على أن العمارة في ليبيا قادرة دوماً على صياغة مستقبلها من واقع أصالتها وجذورها الراسخة.

الجمعة، أبريل 24، 2026

العمارة وكنه النفس البشرية: كيف يشكل العمران أخلاقنا وصحتنا النفسية

جمال الهمالي اللافي

في خضم الحياة المعاصرة، يتجاوز دور العمارة مجرد توفير المأوى ليكون صانعاً صامتاً لسلوكياتنا، وأحوالنا النفسية، بل وحتى أخلاقنا. وقد لخص السير ونستون تشرشل هذه الجدلية بمقولته الشهيرة: "نحن نشكل مبانينا، ثم بعد ذلك تشكلنا هي". إن هذه المقولة تمثل تشخيصاً دقيقاً لما نعيشه اليوم في المدن الليبية، حيث تحول العمران من قالب للهوية إلى مصنع للتوتر الدائم.

ليس هناك طريق أسهل لإفساد أخلاق شعب وتدمير نسيجه الداخلي من العبث ببيئته الحاضنة، ويبرز هذا التأثير المدمر في الواقع الليبي عبر مسار انحداري بدأ منذ عقود:

أولاً: عمارة "الصناديق" (1969-2011)

عكست عمارة تلك الفترة (كما في مجمعات طرابلس وبنغازي السكنية عام 1979) النمط الوظيفي الجاف الذي فرضته الدولة. كانت عمارات صماء، متكررة، تفتقر للفراغات الاجتماعية والجمالية، مما خلق حالة من "الاغتراب العمراني".

·     الانحدار السلوكي والاكتظاظ: تشير تجارب عالم النفس "جون كالهون" إلى أن الاكتظاظ في وحدات ضيقة ومجردة يؤدي إلى انهيار الروابط الاجتماعية وزيادة العدوانية نتيجة انتهاك الحيز الشخصي.

·     عمارة الثكنة: فشلت هذه المجمعات في أن تكون بيئات آمنة، بل تحولت بمرور الزمن إلى بؤر للتوتر، حيث غابت فيها "روح المدينة" وحل محلها نظام بصري يشبه الثكنات، مما نزع عن المواطن شعوره بالانتماء للمكان.

ثانياً: جذور العشوائيات وتفاقم الفوضى

خلافاً للاعتقاد الشائع، لم تبدأ العشوائيات بعد 2011، بل نمت بذورها في كنف النظام السابق كظلال مشوهة لمشاريع الإسكان العام الفاشلة، ثم انفجرت لتصبح "الفوضى المطلقة" في العقد الأخير:

·     العشوائيات الهجينة: التي تفتقر لأدنى معايير النظام الجمالي، مما يعزز نظرية "النوافذ المحطمة"؛ حيث يشجع القبح على خرق القوانين واللامبالاة تجاه الحيز العام، فالمواطن الذي لا يجد جمالاً في محيطه لا يشعر بوازع أخلاقي لحمايته.

·     الاعتداء على الرئة الطبيعية: الزحف العمراني على الغابات ومصادر المياه حرم الليبيين من "الملاذات الروحية". هذا الحرمان يؤدي إلى إجهاد معرفي دائم، يرفع من معدلات الاكتئاب والقلق بنسبة 25%، ويجعل النفوس حادة الطباع لغياب المتنفس.

تأثير الارتفاعات وانفصال الأطفال عن الأرض

في المدن الليبية، نشأت أجيال في طوابق عليا معزولة، محرومة من "أمان الأرض" واللعب الحر في الحدائق. هذا الانفصال عن "الفطرة" أدى إلى ضعف المهارات الاجتماعية وزيادة الميل للعنف، فالطفل المحاصر في صندوق إسمنتي يفقد قدرته على بناء علاقة سوية مع مجتمعه وبيئته.

نحو حلول عمرانية إنسانية

إصلاح "أخلاق المدينة" الليبية لا يبدأ برصف الشوارع فحسب، بل بالعودة إلى "العمارة الإنسانية" التي تحترم الهوية المعمارية المحلية (مثل نظام الفناء والبيت العربي الذي يوازن بين الخصوصية والسكينة) ودمج الطبيعة في قلب البناء عبر "التصميم الحيوي".

الجمال العمراني كبوصلة للأخلاق

الخلاصة هي أن الجمال المعماري ليس ترفاً، بل هو "قيمة عليا" تروض النفس على السكينة. الجمال يحيي الروح، بينما القبح المعماري هو "تعدٍ" صارخ على حق الإنسان في الكرامة. إن معركتنا مع العشوائيات والفوضى العمرانية في ليبيا هي معركة أخلاقية بامتياز؛ فإما أن نبني مدناً ترتقي بنا، أو نستمر في العيش داخل جدران تهدم أرواحنا قبل أجسادنا.

الخميس، أبريل 23، 2026

أزمة الهوية في العمارة الليبية: بين جدلية الإنكار وضرورة الحفظ

 

جمال الهمالي اللافي

تعاني العمارة الليبية المحلية من معضلة حقيقية تتمثل في غياب الوعي المجتمعي بقيمتها، وطغيان ثقافة "الإنكار" التي تنسب كل ملمح جمالي أو معماري في ليبيا إلى تأثيرات خارجية. في ظل غياب إعلام توعوي فعال وحضور كاسح لثقافات مستوردة، تتلاشى ملامح الهوية المعمارية الليبية تدريجياً، مما يستدعي وقفة جادة للحفظ والتوثيق.

1.      عقدة النقص وإنكار العمارة المحلية

يطرح الكثيرون سؤالاً يحمل في طياته إجابة سلبية: "هل توجد عمارة ليبية أصيلة؟". هذا التساؤل المبطن بالنفي يتجاهل حقيقة أن كل عمارة في حوض البحر المتوسط هي نتاج تفاعل وتراكم حضاري. في الوقت الذي تعتز فيه شعوب المتوسط (مثل تونس، اليونان، المغرب، ومالطا) بعمارتها وتعتبرها أصيلة - رغم تشابه المفردات كالأقبية، والقباب، والطلاء الأزرق والأبيض، وأعمال القيشاني، والأبراج الخشبية - نجد أن المجتمع الليبي يميل إلى إقصاء محليته ونسبتها كلياً للمستعمر الإيطالي أو غيره، متجاهلين أن الخبرات المحلية هي من صقلت هذه التأثيرات وأعادت صياغتها لتناسب البيئة الليبية.

2.      أسباب تغييب الهوية المعمارية

يمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى هذا التهميش في النقاط التالية:

  • الفهم الخاطئ للتحضر: أدت النقلة الاقتصادية واكتشاف النفط إلى الرغبة في التخلص من القديم بدعوى الحداثة والرفاهية. تم التخلي عن "البيت العربي" بتفاصيله البيئية والاجتماعية (مثل فناء "شمس وقمر") لصالح أنماط لا تمت للبيئة بصلة.
  • استيراد الهويات: التفاخر باقتباس تقاليد الآخرين المعمارية والثقافية (مثل المخططات السكنية الخليجية أو الواجهات المستوردة)، مما يعكس حالة من التنصل من الثقافة الوطنية، وهو بمثابة "مرض مزمن" يهدد الهوية.
  • الخلط بين الأصالة والاستعمار: صعوبة فصل بعض الأفراد بين العمارة المحلية لفترة ما قبل الاستعمار، وبين التأثيرات المتوسطية التي تفاعلت معها المدينة الليبية بشكل طبيعي عبر قرون.

3.      نحو رؤية للإنقاذ: خطوات عملية للحفاظ على الموروث

لم يعد النقاش الأكاديمي أو الجدال مع المشككين مجدياً في ظل تداعي المباني التاريخية. المرحلة تتطلب انتقالاً نحو العمل المؤسسي والقانوني المنظم، من خلال:

  1. تأسيس إدارة الموروث المعماري : إنشاء أقسام متخصصة في كل بلدية ضمن إدارة التخطيط العمراني، تتمتع بسلطات مستقلة لحماية ورعاية المباني التاريخية.
  2. التصنيف والتوثيق: حصر كافة المباني التاريخية بمختلف مكوناتها (الطرابلسية، الجبلية، الصحراوية، بتراكماتها الأمازيغية، الفينيقية، الرومانية، العثمانية، والإيطالية) وتصنيفها إلى درجات حسب الأهمية والقيمة التاريخية. 
  3. التشريعات الرادعة: استصدار قرارات سيادية تمنع المساس بأي مبنى مسجل تاريخياً، حتى من قبل مالكيه، وتصنيف التعدي عليها كـ "جريمة" يعاقب عليها القانون (جنائي وليس مدني)، على غرار القوانين المتبعة في بريطانيا والدول المتقدمة.
  4. دعم مؤسسات المجتمع المدني: تكاتف الجهود الأهلية مع المعماريين، وعلماء الآثار، والتاريخ، لدعم جهود الحفاظ على الموروث في ظل تعثر مؤسسات الدولة.

خاتمة

إن العالم يعتز في كثير من الأحيان بما لا يملك، والأولى بنا أن نعتز بما نملك، ونحافظ عليه، ونستلهم منه لتأسيس عمارة ليبية معاصرة. فالمجتمع الذي يفقد ماضيه وشواهده العمرانية، يفقد بوصلته نحو الحاضر والمستقبل.

الاثنين، أبريل 20، 2026

بين وهم التكلفة وعقدة العمالة: هل عمارة "الهوية" مستحيلة في ليبيا؟


جمال الهمالي اللافي

كثيراً ما تتردد خلف كواليس النقاشات المعمارية جملة أصبحت بمثابة "الفزاعة" التي تنفّر الناس من اعتماد النمط المحلي في بنائهم: "هذا النوع من العمارة مكلف جداً، ويحتاج لعمالة مغربية أو تونسية غير متوفرة لدينا!"

اليوم، أود أن نضع هذه "الافتراءات" تحت مجهر الواقع والخبرة الميدانية، لنكشف حقيقة الأمر بعيداً عن التعقيدات المفتعلة.

1. كذبة "العمالة النادرة"

من الشائع الاعتقاد بأن الأقواس، والقباب، وتفاصيل العمارة المحلية تتطلب أيدٍ عاملة تُستجلب من وراء الحدود. الحقيقة التي أراها وأشرف عليها يومياً هي أن هذه التصاميم تُنفذ في ليبيا، بأيدي العمالة المتوفرة في سوقنا المحلي.

المسألة ليست في ندرة العمالة، بل في "رؤية المصمم" وقدرته على تبسيط التفاصيل وتقديم مخططات واضحة وقابلة للتنفيذ. عندما يمتلك المعماري الشجاعة للإشراف المباشر، يكتشف أن الفني الموجود في ورشاتنا قادر على الإبداع إذا ما وُجد التوجيه الصحيح.

2. فخ "التكلفة العالية" والخرسانة الضائعة

يتهم البعض هذا النمط بأنه حكر على "النخبة" أو أصحاب الثروات الطائلة. والواقع يقول العكس تماماً:

·     الهيكل الإنشائي: العمارة المحلية تعتمد على فلسفة "الضرورة"؛ فهي لا تستهلك كميات خرسانية ضخمة في "شطحات" إنشائية لا تخدم الوظيفة، كما يحدث في بعض نماذج الحداثة المشوهة التي تُهدر الموارد في بروزات معقدة ومكلفة.

·     التشطيب: أسعار التشطيب تحكمها "جودة المواد" المختارة من السوق، وهي قاعدة تنطبق على أي طراز معماري. الفرق هنا هو أن القيمة الجمالية في الطراز المحلي تنبع من "النسب الهندسية" وتلاعب "الظل والنور"، وليس من غلاء المادة المستخدمة.

3. عمارة لا تعرف "الفساد" ولا "أمراء الحرب"

من الظلم ربط الجمال المعماري بالتحولات السياسية أو الثروات المشبوهة. بيت "شارع الظل" -على سبيل المثال- بُني قبل أحداث عام 2011 بسنوات، وهو دليل مادي على أن هذا النمط كان ولا يزال خياراً متاحاً للمواطن الذي يبحث عن السكينة والأصالة، بعيداً عن أي سياقات أخرى.

عمارة الهوية هي عمارة "الاستقرار" و"البيت الذي يبقى"، وليست عمارة "الاستعراض" اللحظي.

خاتمة: دعوة للتحرر من العُقد

إن محاولة تصوير العمارة المحلية كأمر "مُعجز" أو "مكلف" هي في الحقيقة محاولة غير واعية (أو ربما واعية) لتغريب ذائقتنا وحرماننا من حقنا في السكن داخل مساحات تشبهنا وتفهم مناخنا وتاريخنا.

العمارة المحلية هي الحل الأكثر "اقتصاداً" و"واقعية" إذا ما نُزعت عنها هالة التعقيد المفتعلة.

العمارة بين سطوة التحديث وأصالة الأثر: تأملات في "بيت أسامة الفرجاني بشارع الظل"

جمال الهمالي اللافي

في مثل هذا اليوم من العام الماضي، توقفتُ ملياً عند تجربة "بيت شارع الظل". واليوم، لا أستعيد ذكراه كإنجاز معماري فحسب، بل كدليل حي على قناعة فكرية أتمسك بها: أن العمارة الحقيقية ليست "موضة" تُستبدل، بل هي امتداد لروح المكان وذاكرة الإنسان.

ما وراء الحجر: العمارة كلغة لا كمحاكاة

قد يرى البعض في النمط المحلي "نكوصاً" للماضي أو استنساخاً له، لكنني أراه "حداثة مستنيرة". العمارة بالنسبة لي ليست مهنة لحشد المواد والمساحات، بل هي لغة سردية تحكي قصة الأرض التي تقف عليها. الأثر الذي يتركه المبنى في نفس عابر السبيل هو الشهادة الحقيقية على نجاح الفلسفة التصميمية، بعيداً عن صرامة النظريات الأكاديمية الجافة.

أتذكر حين كنتُ أقفُ متأملاً باباً قديماً بعد أن انتهيت من تصويره؛ باب صمد وحيداً ليظل أثراً باقياً وشاهداً على أحد المباني التاريخية التي طالتها يد الهدم وغيبتها الحداثة الجارفة.  وهذا ما كنتُ أقوم به فعلاً وأمارسه بشغف دائم؛ توثيق تلك الملامح التي يغفل عنها الكثيرون.  استوقفني حينها أحد سكان الحي، سائلاً عن سبب وجودي في هذا الزقاق أمام هذا الباب تحديداً، فأخبرته أنني مهتم بتوثيق المعالم التاريخية التي توشك على الاندثار.

هنا، وبحماسة لافتة، حدثني عن "بيت جميل" في منطقته، واصفاً إياه بـ "الطراز القديم" الذي يملك روحاً خاصة، وأخذ يحثني على زيارته. لم يكن يعلم حينها أنه يصف مشروعي الذي عشت تفاصيله تصميماً وتنفيذاً. هذا الانطباع العفوي من الجار كان الرد الأبلغ على من يظن أن الفخامة تكمن في تغريب المبنى عن سياقه؛ فالحداثة الحقيقية هي التي تحترم "هوية المكان" وتطوعها لاحتياجات العصر، لتعوض ما فُقد من ذاكرة الزقاق.

وكما عبر صديق الصفحة بشير العالم: "هذا البيت مميز في الحي ويشد انتباهي وإعجابي كلما مررت بالمنطقة.. فلا أجد أي ملل من معاودة التأمل في تفاصيله الحقيقية."

هذا "الملل المفقود" هو سر النجاح؛ فالمباني التي تفتقر للجذور قد تُبهرنا للحظات ببريقها الحديث، لكنها سرعان ما تصبح عبئاً بصرياً لأنها بلا روح.

فلسفة الشراكة المعمارية: حين يلتقي الناشر بالمعماري

إن المشاريع التي تبقى وتؤثر هي تلك التي تُبنى على "شراكة فكرية" عميقة. في هذا المشروع، كانت الشراكة مع الأستاذ أسامة الفرجاني- سليل عائلة محمد الفرجاني العريقة في عالم النشر والكتب بليبيا وصاحب مكتبة حي الأندلس- شراكة استثنائية.

لم يكن غريباً على رجل نشأ بين أرفف الكتب وعاش عراقة الكلمة، أن ينشد في مسكنه الخاص عراقة "المكان". لقد كان البحث عن "الفخامة الصامتة" القائمة على السكينة، والظلال، والتناغم مع المناخ، هو القاسم المشترك بيننا.

التصميم الذي لا يرفع من سوية الذوق العام، ولا يثير تساؤل المارّة، هو تصميم سقط في فخ التقليد (سواء كان تقليداً للماضي أو تقليداً للحداثة الغربية). نحن لا نبني جدراناً، نحن نزرع بصمات فكرية تُعمر طويلاً وتُضفي قيمة وجودية قبل أن تكون مادية.

تبقى الأسئلة المعمارية مفتوحة دوماً: كيف يمكن للمبنى أن يشيخ بكرامة ويزداد وقاراً مع مرور السنين؟ وكيف نتحول من مستهلكين للمساحات الصماء إلى صُناع للأثر الخالد؟

بانتظار تأملاتكم.. هل ترون في العودة للجذور المعمارية تقييداً للإبداع أم تحرراً نحو هوية حقيقية؟

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...