أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، أكتوبر 09، 2026

هل تعيد العمارة تشكيل الإنسان(1)؟


جمال الهمالي اللافي

هل العمارة منتج مادي محايد، أم أنها وعاء تتجسد فيه رؤية الإنسان للوجود والحياة والمجتمع؟ ومن ينجح في الإجابة عن هذا السؤال ستتضح له تلقائياً كثير من القضايا التي تبدو متفرقة في الخطاب المعماري المعاصر. فالنقاش حول الجمال والوظيفة والهوية والحداثة والتفكيكية ليس في جوهره نقاشاً حول الأشكال بقدر ما هو نقاش حول الإنسان نفسه، وحول الصورة التي يُراد له أن يرى بها العالم وأن يرى بها ذاته.

وحين يُطرح سؤال: هل تعيد العمارة تشكيل الإنسان؟ تتجه الأنظار عادة إلى المباني نفسها؛ إلى أشكالها وأحجامها وفراغاتها وتأثيراتها النفسية على من يعيش فيها أو يتحرك عبرها. لكن هذا السؤال، على أهميته، قد يكون متأخراً خطوة عن السؤال الأعمق الذي ينبغي طرحه أولاً:

من الذي صاغ العمارة نفسها قبل أن تبدأ هي في التأثير على الإنسان؟

إن العمارة عبر التاريخ لم تكن عملاً منفصلاً عن مراكز القوة التي حكمت المجتمعات. فالمعابد الفرعونية لم تُبنَ لكي تؤدي وظيفة مادية مجردة، بل صُممت لتصنع تجربة روحية ونفسية محددة. يبدأ الزائر رحلته عبر مساحات متدرجة، ينتقل خلالها من العالم المألوف إلى عالم يزداد غموضاً ورهبة حتى يبلغ مركز القداسة. ولم يكن هذا التأثير وليد خيال معماري مستقل، بل كان ترجمة لرؤية دينية أرادت السلطة ترسيخها في وجدان الإنسان.

والأمر نفسه يمكن ملاحظته في العمارة الرومانية الإمبراطورية. فالضخامة التي تتجاوز المقياس الإنساني لم تكن مجرد تفضيل جمالي، بل لغة مقصودة لإظهار عظمة الدولة واستحضار الشعور بقوتها واستمراريتها. كان المطلوب من المبنى أن يقول للإنسان ما لا تقوله الكلمات: أنت أمام قوة أكبر منك وأبقى منك وأقدر منك.

ومن هنا يصعب النظر إلى المعماري بوصفه نقطة البداية في هذه العملية. فالمعماري لم يكن هو من يضع الرؤية العليا للمجتمع، بل كان في الغالب أحد المساهمين في تحويل تلك الرؤية إلى واقع ملموس. كانت السلطة السياسية أو الدينية أو الحضارية هي التي تحدد صورة الإنسان المراد إنتاجها، ثم يأتي الفلاسفة لصياغة المبررات الكلية لهذه الرؤية، ويأتي المفكرون لتحويلها إلى مناهج وخطابات قابلة للتداول، ثم يأتي المعماري ليمنحها جسداً مادياً يعيش الناس داخله دون أن ينتبهوا إلى كثير مما يحمله من مضامين.

ولذلك فإن العمارة ليست بداية سلسلة التأثير، بل إحدى حلقاتها الأخيرة.

وليست القضية في وجود معماريين أو مفكرين يعارضون الرؤية السائدة، فهؤلاء وجدوا في كل عصر، وإنما القضية في أن الرؤية التي تتحول إلى عمران سائد، وإلى مؤسسات تعليمية، وإلى ذائقة عامة، هي الرؤية التي امتلكت أسباب التمكين والقوة. أما الرؤى الأخرى، فمهما بلغت من العمق والثراء، فإن أثرها يبقى محدوداً ما لم تجد من يتبناها ويحولها إلى واقع. فالفكرة، مهما كانت قوتها، لا تبني مدينة ما لم تمتلك اليد القادرة على تحويلها إلى حجر.

غير أن هذا لا يعني التقليل من شأن المعماري أو اختزال دوره في وظيفة تنفيذية بحتة. فكل سلطة تبحث عن أفضل من يستطيع تجسيد رؤيتها. وكما تبحث الجيوش عن أمهر القادة، وتبحث الدول عن أمهر الإداريين، فإنها تبحث كذلك عن أكثر المعماريين موهبة وقدرة على تحويل الأفكار المجردة إلى أثر عمراني خالد.

وهنا يظهر النموذجان اللذان يتكرران عبر التاريخ.

الأول: معماري موهوب يرى مستقبله في خدمة المشروع الذي تتبناه السلطة السائدة، فيسخر قدراته لتجسيد رؤيتها بأعلى مستوى من الجودة والإقناع. فإن كانت تلك الرؤية صالحة عدّ من بناة الحضارة، وإن كانت فاسدة صار من الذين ألبسوا القبح أجمل الصور حتى بدا للناس مقبولاً ومبرراً.

والثاني: معماري لا تقل موهبته عن الأول، لكنه يرفض إخضاع إبداعه لما يتعارض مع قناعاته وقيمه. قد يختار البقاء قريباً من مجتمعه بعيداً عن دوائر النفوذ، وقد يدفع ثمن ذلك تراجع فرصه وانحسار ظهوره وتأخر مشاريعه أو عدم تحققها أصلاً. وما ينساه كثيرون أن التاريخ لا يحتفظ دائماً بالأكثر موهبة، بل يحتفظ غالباً بمن أُتيحت له فرصة البناء.

ومن هنا يصبح من الخطأ تفسير انتشار اتجاه معماري معين على أنه دليل تفوقه الفني وحده. فالأنماط المعمارية لا تنتشر لأنها أجمل أو أصدق بالضرورة، بل لأنها كثيراً ما تعبر عن الرؤية التي امتلكت من القوة والنفوذ والمؤسسات ما يكفي لنشرها وتعميمها وتقديمها للأجيال بوصفها التعبير الطبيعي عن عصرها.

وعندما ننظر إلى الحداثة وما بعدها والتفكيكية وغيرها من الاتجاهات المعاصرة من هذه الزاوية، فإن السؤال يتغير. فبدلاً من أن نسأل: لماذا صمم المعماريون هذه المشاريع؟ يصبح السؤال: ما الرؤية الفكرية التي جعلت هذه المشاريع ممكنة ومقبولة ومحتفى بها؟

فالعمارة، مهما اختلفت أشكالها، لا تنشأ في فراغ. إنها انعكاس لمنظومة أوسع منها. منظومة تحدد معنى الإنسان، ومعنى المجتمع، ومعنى الحرية، ومعنى الدين، ومعنى الجمال ذاته. ثم تأتي المباني لتترجم هذه المعاني إلى مادة وفراغ وحياة يومية.

لذلك فإن العمارة قادرة بالفعل على إعادة تشكيل الإنسان، لكن ليس لأنها تمتلك هذه القدرة من ذاتها، بل لأنها تحمل في داخلها رؤية مسبقة للإنسان صاغتها قوى أشمل منها وأكبر. إنها الأداة التي تتحول من خلالها الفكرة إلى بيئة، وتتحول البيئة إلى عادة، وتتحول العادة مع الزمن إلى طريقة في النظر إلى العالم.

وعند هذه النقطة يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تعيد العمارة تشكيل الإنسان؟

بل:

إذا كانت العمارة قادرة على إعادة تشكيل الإنسان، فمن الذي يملك حق تحديد الصورة التي ينبغي للإنسان أن يُعاد تشكيله عليها؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف أن المباني التي نراها ليست سوى الواجهة المرئية لمعركة أعمق بكثير، معركة تدور حول الإنسان نفسه، وحول الصورة التي تريد كل حضارة، وكل سلطة، وكل منظومة فكرية، أن يراها الإنسان حين ينظر إلى نفسه وإلى العالم من حوله.

فإذا كانت العمارة هي الوسيط الأخير في هذه السلسلة الطويلة، فإن المعركة الحقيقية لا تدور حول الحجر والخرسانة والأشكال، بل حول الرؤية التي سبقت ظهورها جميعاً. الرؤية التي تحدد معنى الإنسان وموقعه وغايته وعلاقته بالمجتمع والعالم. وعندها تصبح العمارة أكثر من مبانٍ نقطنها؛ تصبح إحدى الوسائل التي تُترجم بها الأفكار الكبرى إلى واقع يومي يعيشه الناس جيلاً بعد جيل.

ومن هنا قد لا يكون السؤال الأهم في تاريخ العمارة: من صمم هذا المبنى؟

بل:

من صاغ الرؤية التي جعلت بناءه ممكناً وضرورياً ومعبراً عن روح عصره؟

ففي الإجابة عن هذا السؤال يتجاوز النقاش حدود العمارة إلى فضاء أوسع، حيث تتقاطع السلطة والفلسفة والفكر والعمران في تشكيل الإنسان وصياغة العالم الذي يعيش فيه.

الخميس، أكتوبر 08، 2026

الأبيض والأسود في العمارة

ليست العمارة بيضاء أو سوداء بسبب أشكالها، بل بسبب المرجعية التي تمنح تلك الأشكال معناها.


جمال الهمالي اللافي

ما نقبله في عالم الفنون التشكيلية من تعدد المدارس وتنوع الرؤى والأساليب لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها عندما يتعلق الأمر بالعمارة. وليس مرد ذلك إلى أن العمارة أقل قدرة على استيعاب الاختلاف أو أكثر ميلًا إلى الانغلاق، بل لأن أثرها يتجاوز حدود التعبير الفردي ليصبح جزءًا من الواقع المادي الذي تتشكل داخله حياة المجتمع اليومية. فاللوحة الفنية قد تبقى حبيسة المتحف أو قاعة العرض، أما العمارة فتتحول إلى بيئة معيشة دائمة، وإلى إطار يحتضن السلوك الإنساني ويوجه أنماط العلاقات الاجتماعية ويؤثر في إدراك الإنسان لنفسه ولمحيطه.

ومن هنا فإن الخطأ الأكثر شيوعًا في الخطاب المعماري المعاصر يتمثل في اختزال النقاش إلى مستوى الأشكال والطرز والأساليب البصرية، وكأن الخلاف بين الاتجاهات المعمارية لا يعدو كونه اختلافًا في الذائقة الجمالية أو تفضيلًا بين مجموعة من المفردات الشكلية. والحقيقة أن ما نراه بأعيننا ليس سوى الطبقة السطحية لواقع أكثر عمقًا وتعقيدًا. فالأشكال لا تولد من فراغ، ولا تنشأ مستقلة عن المرجعيات التي أنتجتها، بل هي التعبير المادي الأخير عن أفكار وقيم وتصورات سبقتها بوقت طويل.

"إن كل عمارة، شاء من صممها أم أبى، بعلمه أو بجهله، هي نتاج المنظومة الفكرية التي أوجدتها." فهي تحمل في داخلها تصورًا معينًا للإنسان، وللعلاقة بين الفرد والمجتمع، ولحدود الخاص والعام، ولموقع الدين من الحياة، ولمفهوم الحرية، ولمعنى الجمال، بل ولمعنى الوجود نفسه. ولهذا فإن المباني لا تُشيَّد بالخرسانة والحجر والفولاذ فقط، وإنما تُشيَّد كذلك بالأفكار التي تمنح تلك المواد معناها وتحدد الغايات التي وُظفت من أجلها.

وعندما نتحدث عن العمارة الإسلامية أو الغربية أو الحداثية أو غيرها من التصنيفات الشائعة، فإننا في كثير من الأحيان نخطئ حين نتصورها مجرد أنماط شكلية متمايزة. فالعمارة الإسلامية لم تكن قبابًا وأقواسًا وزخارف هندسية بقدر ما كانت ترجمة عمرانية لرؤية كونية متكاملة، نشأت من عقيدة محددة وصاغت فهمًا خاصًا للإنسان والمجتمع والعمران. وكذلك الحال بالنسبة إلى العمارة الحديثة؛ فهي لم تظهر بوصفها اقتراحًا جماليًا جديدًا فحسب، وإنما جاءت تعبيرًا عن تحولات فلسفية وفكرية عميقة أعادت تعريف الإنسان وموقعه في الكون وعلاقته بالتاريخ والتراث والسلطة والدين.

لهذا فإن النظر إلى الحداثة المعمارية باعتبارها مجرد لغة تصميمية جديدة هو تبسيط شديد لموضوع بالغ التعقيد. فالحداثة وما تلاها من تيارات واتجاهات ليست في جوهرها أشكالًا هندسية مختلفة، وإنما تمثل منظومات قيم كاملة، تحمل تصورات أخلاقية وفلسفية محددة، وتسعى بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى إعادة تشكيل البيئة الإنسانية وفق تلك التصورات. ومن هنا فإن تأثيرها الحقيقي لا يُقاس بما أحدثته من تحولات في هيئة المباني، بل بما أحدثته من تحولات في الوعي الذي أنتج تلك المباني أو تأثر بها.

وقد تبدو هذه الفكرة غريبة للبعض، لأن الناس اعتادوا النظر إلى العمارة باعتبارها نشاطًا تقنيًا محايدًا. غير أن التاريخ الإنساني بأسره يكشف عكس ذلك. فالعمران لم يكن يومًا محايدًا، ولم تكن المدن مجرد تجمعات مادية للسكان. لقد كانت دائمًا تجسيدًا ملموسًا للقيم الحاكمة للمجتمع. وما أن تتغير المرجعيات الفكرية حتى يبدأ العمران نفسه في التحول، ليس فقط في أشكاله، وإنما في منطق تنظيمه وأهدافه وأولوياته والعلاقات التي ينسجها بين أفراده.

ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل استيراد النماذج المعمارية مسألة تتجاوز حدود التقليد الشكلي. فالمشكلة لا تكمن في استخدام تقنية جديدة أو مادة بناء حديثة أو أسلوب إنشائي متطور، فهذه كلها أدوات يمكن لأي حضارة أن توظفها ضمن رؤيتها الخاصة. المشكلة تبدأ عندما تُستورد المنظومات الفكرية الكامنة خلف تلك النماذج من دون وعي بطبيعتها أو بمآلاتها. عندها لا يكون المستورد مجرد مبنى، بل رؤية كاملة للحياة تتسلل إلى المجتمع عبر العمران الذي يحتضنه كل يوم.

ولهذا فإن الحديث عن الهوية المعمارية ينبغي أن يتحرر من أسره التقليدي داخل دائرة الشكل والمظهر. فالهوية ليست لون واجهة، ولا نوع نافذة، ولا شكل سقف، ولا حجم قوس. هذه كلها نتائج يمكن أن تتغير من عصر إلى آخر ومن مكان إلى آخر. أما الهوية بمعناها العميق فهي المنظومة العقائدية والقيمية التي تمنح العمارة معناها وتوجه غاياتها وتحدد علاقتها بالإنسان والمجتمع. وعندما تضطرب هذه المنظومة أو تُستبدل بأخرى، فإن التغيير الحقيقي لا يقع في شكل المباني فحسب، بل في طبيعة الإنسان الذي تتولى تلك المباني احتضان حياته وصياغة وعيه.

إن السؤال الجوهري في العمارة ليس: أي طراز نختار؟ ولا: أي لغة بصرية نعتمد؟ بل: أي منظومة قيم نريد أن تتجسد في عمراننا؟ وأي تصور للإنسان نريد لمدننا ومؤسساتنا ومساكننا أن تعبّر عنه؟

فالأشكال ليست سوى الظلال المرئية لأفكار أعمق منها. أما المعركة الحقيقية فتدور في منطقة أخرى، أبعد من الواجهات وأعمق من الزخارف وأخطر من التفاصيل التصميمية. إنها تدور في مستوى المرجعيات التي تصوغ رؤيتنا للعالم، لأن العمارة، في نهاية المطاف، ليست فنًا بريئًا، بل واحدة من أكثر أدوات الحضارات تأثيرًا في تشكيل الإنسان وإعادة إنتاج قيمه جيلاً بعد جيل.

وفي نهاية المطاف، لا يبقى أمامنا سوى سؤال واحد تتفرع عنه سائر الأسئلة الأخرى: هل العمارة منتج مادي محايد، أم أنها وعاءٌ تتجسد فيه رؤية الإنسان للوجود والحياة والمجتمع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست خاتمةً لهذا المقال فحسب، بل مفتاحًا لفهم العمارة ذاتها. فمن يعتقد بحيادها سيرى في المباني أشكالًا ومواد وتقنيات، أما من يدرك أنها تجسيد مادي لمنظومة قيم، فسيفهم أن كل حجر فيها يخبرنا بشيء عن الإنسان الذي وضعه، وعن العالم الذي أراد أن يبنيه من خلاله.

ومن ينجح في الإجابة عن هذا السؤال، ستتضح له تلقائيًا كثير من القضايا التي تبدو متفرقة في الخطاب المعماري المعاصر؛ لأن الخلاف الحقيقي في العمارة لا يبدأ من الشكل، بل من الفكرة التي أنتجت الشكل، ولا من المادة، بل من المرجعية التي منحت المادة معناها.

الأربعاء، أكتوبر 07، 2026

عمارة "الأشباه" والمخاض الغائب: نحو تأسيس مدرسة معمارية ليبية تتجاوز شتات الفردية

جمال الهمالي اللافي

يشهد المشهد الفكري والمهني المعاصر مفارقة نفسية واجتماعية لافتة؛ إذ يجنح الكثيرون نحو مجالسة نقيضهم الجذري، متجشمين عناءً نفسياً بالغاً في قبول التنذر والانتقاد، سعيًا وراء صكوك انفتاح زائفة أو إثبات للذات. وفي المقابل، يعزفون عن التواصل مع "أشباههم" في الرؤى والتوجهات، هرباً من مرآة المصارحة التي قد تكشف الزلات وتدفع نحو الإصلاح، أو خشية فقدان التفرّد. هذه الثنائية المأزومة بين الهروب نحو الآخر المختلف والنفور من الشبيه، تنعكس بوضوح أشد قسوة في قطاع العمارة والعمران، حيث تتحول الفردية المطلقة إلى معول هدم للهوية والروح الجماعية.

أولاً: الدروس التاريخية.. حين يصنع "الأشباه" المنعطفات الكبرى

تاريخياً، لم تولد المدارس الفنية والمعمارية الكبرى من عبقريات منعزلة تعيش في أبراج عاجية، بل انبثقت من رحم التجمع والتلاقح الفكري بين أنداد يتقاسمون الهاجس والرؤية.

ففي الفن التشكيلي، تجمعت أسماء مثل كلود مونيه وبيير أوجوست رينوار لتأسيس الانطباعية، وتشارك بابلو بيكاسو وجورج براك في تأسيس التكعيبية؛ لم يكونوا نُسخاً كربونية، بل أوجدوا "كتلة حرجة" من الوعي حمتهم من السائد وفرضت لغتهم الجديدة.

أما في العمارة، فتتجلى الورشة الجماعية بأبهى صورها في مدرسة الباوهاوس التي أسسها والتر غروبيوس عام 1919 في ألمانيا؛ حيث تضافرت جهود معماريين ورسامين ومصممين يجمعهم هدف مشترك- وهو نبذ الزخرفة ودمج الفن بالصناعة- لينتقلوا بالمدرسة من محليتها الألمانية إلى العالمية. إن اجتماع الأشباه لا يلغي الخصوصية، بل ينضجها، وهو ما افتقده المشهد المعماري حين أدار ظهره لثقافة الورشة والعمل الجماعي.

ثانياً: جذور التشظي في المشهد المعماري الليبي

حين نسقط هذا الواقع على المشهد المعماري في ليبيا، نكتشف أن الأزمة ذات أبعاد بنيوية مزدوجة، تشترك فيها المنظومة الأكاديمية والواقع المهني على حد سواء:

  1. الردة الأكاديمية (منتصف الثمانينيات): شهدت الأكاديمية الليبية تحولاً موجعاً بالانتقال من نموذج "المشاريع الجماعية للطلاب"- الذي واكب تأسيس قسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس بدعم من اليونسكو وكان يعلم الطالب قبول النقد وإدارة الخلاف الفكري- إلى نموذج "المشروع الفردي المطلق"، مما خرّج أجيالاً تعتقد أن المعماري نبي معصوم لا يقبل الشراكة ولا يحتمل مرآة النقد.
  2. التخبط المنهجي: يعاني الواقع الأكاديمي ذاته من تشظي أعضاء هيئة التدريس، وافتقار المناهج لبوصلة واضحة؛ إذ تُعرض المدارس المعمارية الغربية ككتالوجات مستوردة بلا تمحيص، ودون الإجابة عن السؤال الجوهري: لماذا ندرسها وإلى أين نريد لها أن تصل بنا؟
  3. عقم الممارسة المهنيّة: انعكس هذا الخلل على السوق المحلي ليفرز مكاتب معمارية تقوم على براغماتية جوفاء؛ فإما مكاتب "مشاركة مصاريف الإيجار والكهرباء" حيث يجتمع زملاء بلا رؤية مشتركة، أو نموذج "المعماري المهيمن" الذي يحيط نفسه برسامات ورسامين لتنفيذ أوامره بصورة آلية، غياباً تاماً لمفهوم الورشة أو البيان المعماري المشترك.

ثالثاً: نحو المخرج.. نزع الغرور وإحياء الرؤية المشتركة

إن الخروج من هذه الدوامة العبثية يتطلب وعياً نقدياً شجاعاً؛ فالاستفادة الحقيقية من تجارب الأمم الأخرى لا تكون بالاستهلاك الأعمى لصورها المعمارية وقيمها المتضاربة مع بيئتنا، بل باستلهام منهجياتها في التأسيس والعمل الجماعي.

إن طوق النجاة يبدأ حين يخلع المعماريون الليبيون أردية الغرور الزائف، ويكسروا حاجز الحساسيات المفتعلة وسوء النوايا، ليتواصلوا ويتظافروا. تأسيس صالونات معمارية مستقلة، والعودة إلى روح العمل الجماعي أكاديمياً ومهنياً، هما الشرطان الأساسيان لإرساء مدرسة معمارية ليبية أصيلة؛ مدرسة تعيد الاعتبار للهوية المحلية، وتحمي النسيج العمراني من عشوائية التغريب، وتنتقل بالعمارة من شتات الجهود الفردية المشتتة إلى رحاب الإبداع الجماعي الرصين.

الثلاثاء، أكتوبر 06، 2026

عمارة الفطرة وركام الهدم: كشف التلبيس واستعادة مسار البناء


جمال الهمالي اللافي

أولاً: التحرر من الأرقام والشغف بالجوهر

لم أكن يوماً خياراً؛ لا أولاً، ولا ثانياً، ولا أبعد من ذلك ولا أقرب. هذا التصنيف الرقمي لا يمس حقيقتي في شيء، ولا يغير من طبيعة علاقتي بالآخرين مهما بلغت أوهام أهميتهم في مقابلي. مرّت مسيرة العمر دون أن ألتفت لمن لفتت انتباهه أو لفت انتباهي، ودون أن أعرف في حياتي تعلقاً أو شغفاً بشيء أو أحد مثلما شغفت بالعمارة؛ ليس فقط كمجال دراسي أو ممارسة مهنية، بل كمنظور شامل للحياة، أسير في دروبه، وأتلمس ملامح الوجود من خلاله. 

فالعمارة في حقيقتها ليست معنية بالتشييد الشكلي للبناء المادي، بل تتجاوزه لتعتني بالمعنى الكامن وراء رفع أركان الجدران وبناء الأسقف. قد تكون في ظاهرها تلبية لمتطلبات الإنسان الحياتية والمادية ورعاية لاحتياجاته النفسية والعاطفية، لكنها في باطنها معنية بمسألة أعظم: صياغة آلية اهتمام هذا الإنسان؛ فهي إما أن تنحرف به في دركات البحث عما يشبع نهمه الاستهلاكي من متاع الدنيا، أو ترتقي به ليسمو عن الرغائب المادية الخالصة ويصل إلى المراتب العليا من إنسانيته كما فطره خالقه عليها.

ثانياً: العمارة كامتداد لمسار الأنبياء

العمارة الحقيقية هي مسيرة في مسار الأنبياء والمصلحين؛ هي الدليل المادي المنطوق بالحجر والطين وتراب الأرض لتعاليمهم التي تنادي بحفظ كرامة الإنسان، وصون سكينته، وتزكية روحه، وتحقيق استخلافه العادل في الأرض. هي الأثر الباقي من حكمة أولئك المصلحين حتى بعد أن رحلوا، لأنها تُشكل الفراغ الذي يحتضن حياة الإنسان اليومية ووجهته الفكرية والأخلاقية.

ثالثاً: التلبيس وآلياته المادية في المشهد العمراني

عندما ننظر إلى واقع التمدن المعاصر اليوم، فنحن في الحقيقة لا نرى عمارة، بل نرى نقيضها المباشر: الهدم المنظم، وإن تزين بزي العمارة وشعارات الحداثة. 

إن ما نشهده ليس مجرد خطأ تصميمي أو عجز هندسي، بل هو تجسيد مادي لمخطط التلبيس؛ والتلبيس في أصله وحقيقته فعل شيطاني يبتدئه إبليس بالوسوسة وتزيين الباطل، ثم يتولى تنفيذه وتثبيته في الواقع شياطين الإنس من المنظرين، والفلاسفة، والمفكرين، والمعماريين الذين تحولوا- بجهلهم أو بانتهازيتهم- إلى أدوات لتنفيذ هذه الخديعة. 

ولكي نفهم كيفية استغفال الناس في المشهد العمراني، يكفي أن نتأمل كيف تم التلبيس عليهم في المحرمات الصريحة؛ فالخمر التي هي أصل الخبائث أُعيد تقديمها وتسويقها تحت مسمى "المشروب الروحي"، وقس على ذلك باقي المحرمات التي جرى تجميلها بتغيير المسميات. 

على ذات النهج الشيطاني، أُعيد تسمية انسلاخ الإنسان عن بيئته وفطرته، وعزله داخل صندوق إسمنتي صم، ومسح هويته وتراثه العمراني باسم "التطور، والحداثة، والتنمية". إجرائياً، يتجسد هذا التلبيس الشيطاني في تحويل المسكن من "سكن للروح ووعاء للاستقرار" إلى "سلعة استثمارية مؤقتة"، واستبدال المواد الطبيعية المتنفسة بخامات صناعية كتيمة تُحاصر الساكن حرارياً وبيئياً، وتفرضه تحت التبعية الدائمة لأجهزة التكييف واستهلاك الطاقة. 

إن نقد هذا الواقع لا يمكن اختزاله في "لغات تكنوقراطية مجردة"، بل يجب تسمية الأشياء بأسمائها ومرجعياتها؛ فمصادرة حق الكاتب في استخدام اللغة الإيمانية المباشرة أو محاكمة المفردات بدلاً من محاكمة زيف الواقع هو شكل من الوصاية الفكرية. فنحن اليوم لا نعيش ضمن عمارة تبني الإنسان، بل بين ركام من الهدم الممنهج عميت البصائر عن رؤيته، وصرنا ننظر إليه بأعين عليها غشاوة لا تميز طبيعة السجن الذي تطوقنا جدرانه. إنه وحش مفترس يهضم إنسانيتنا في معدته المادية كل يوم، ويسحق أرواحنا ببطء حتى الموت.

رابعاً: المنظومة الأكاديمية وتجهيل المعماري

إن استمرار هذا التلبيس وتغوّله يعود إلى خلل بنيوي حاد يكمن في الفارق بين اكتساب الوعي وامتلاك المعرفة التنفيذية. فالوعي يمنح الإنسان القدرة على إدراك الزيف وتفكيك الخديعة، لكنه لا يكفي وحده لبناء جدار أصيل أو صياغة حلٍّ معماريٍّ يخدم الفطرة ما لم يقترن بالمعرفة التطبيقية العلمية وأدواتها. 

وهنا يظهر الدور التنفيذي لشياطين الإنس في مؤسسات التعليم المعماري؛ إذ لم تكن مناهج تدريس العمارة الحديثة تسير وفق رؤية تُعمق الوعي أو تُسلح الطالب بأدوات التنفيذ الحقيقية، بل عَمِلَت على:

  1. تعزيز الجهل بأصول العمارة وموادها: تجريد المعماري من العلم بخواص مواد البناء الطبيعية، وإلغاء فهم سيكولوجيتها وفيزيائيتها وعلاقتها بالبيئة والمناخ استبدالاً بمنتجات المصانع والمواد الجاهزة المستوردة.
  2. انتزاع أدوات التنفيذ وفقه البناء: مصادرة المعرفة التطبيقية بقواعد الإنشاء ومراحل البناء الميداني، والاكتفاء بمناهج نظرية شكلية ومستوردة تُخرّج طالباً عاجزاً عن التعامل مع المادة والحرفي في الموقع.
  3. تحويل المعماري إلى منفذ للغرب: مسخ دور المعماري من "بَنّاء وصانع" يخدم مجتمعه وفطرته، إلى مجرد مقلد يلهث خلف صرعات التشكيل الغربي، ويُعيد إنتاج بيئات استهلاكية تكرس العزلة والضياع.

خامساً: فيزياء الفطرة المعمارية والبديل الهندسي المادي

إن البديل الذي تطرحه عمارة الفطرة ليس نكوصاً إلى الماضي أو مجرد حنين عاطفي، بل هو علم متكامل يسبق العمارة الحديثة في النجاعة والاتزان:

  1. ديناميكية المواد المتنفسة مقابل الكتامة الهيكلية: أثبتت الفيزياء البنائية أن الحجر، والطين، والجير، والآجر ليست مجرد مواد تاريخية، بل هي وسائط مناخية تمتلك سعة حرارية عالية وتسمح بالتنفس الهيكلي، مما يحقق التبادل الحراري والمائي الطبيعي بين الداخلي والخارجي، خلافاً للخرسانة المسلحة والدهانات البتروكيميائية التي تحبس الرطوبة وتزيد من الشحن الحراري داخل المبنى.
  2. ديناميكية الفناء الداخلي والتهوية الذاتية: الحوش الداخلي أو الفناء ليس خياراً شكلياً أو تقليداً اجتماعياً فحسب، بل هو منظم حراري هيدروديناميكي يولد فارقاً في الضغط بين الظل والشمس، مما يضمن حركة هواء مستمرة وتبريداً طبيعياً يغني عن الحلول الميكانيكية المكلفة.
  3. اقتصاد كلفة دورة الحياة: إن ادعاء "رخص وسرعة" البناء الخرساني التجاري هو جزء من التلبيس التسويقي؛ إذ تُظهر الحسابات الهندسية الشاملة أن تكاليف التشغيل، والعزل، والصيانة المستمرة للمباني الحديثة تتجاوز بمراحل كلفة البناء بالخامات الطبيعية المحلية المحسنة، ناهيك عن الأثر البيئي والصحي المباشر على الساكنين.

سادساً: التخطيط، والمال العام، وإعادة الاعتبار للحرفة

الحديث عن تهمة "عجز العمارة الأصيلة أمام الكثافة والتكلفة" هو حجة داحضة تلتف حول الجذور الحقيقية للأزمة:

  1. وهم الشح المكاني والكثافة المفتعلة: الأراضي الشاسعة متوفرة، وتكثيف البشر داخل زنزانات خرسانية متراكمة ليس قدرًا جغرافيًا، بل هو نتاج احتكار الأراضي والمضاربات العقارية وفساد سوء التوزيع التخطيطي. العمارة الاصيلة تبدأ من تنمية أفقية تعيد توزيع التجمعات السكانية على امتداد أراضي البيئة المحلية.
  2. استرداد المال العام النهيب: إن التذرع بقلة الإمكانيات يغفَل عن الأموال الهائلة التي تُهدر في مشاريع النهب، والسرقات التنفيذية للمال العام، والتخطيط العشوائي المبطن بأسماء شركات تطوير المدن. إن توجيه هذه الميزانيات نحو مشاريع عمرانية أصيلة- تعتمد خامات البيئة وتُستثمر في بنيتها التحتية- يوفر على المجتمعات أضعاف ما يُنفق على صيانة وتكييف المباني الخرسانية الهشة.
  3. تأسيس مدارس الحرفة وعدالة الأجر: إن غياب الحرفيين المهرة يُعالج بالتأسيس المسبق لمدارس ومراكز تدريب مهني للنشء تُعلمهم أصول ومبادئ البناء والبياض والقطع الحجري قبل بدء المشاريع. أجر الحرفي هو حق أصيل مقابل جهد ميداني يبني ويصنع كرامة الفراغ، ومقارنته بما يُهدر على الفئات الطفيلية وناهبي الأموال يوضح أين ينبغي أن تُوضع القيمة والميزانيات.

سابعاً: خاتمة واستشراف: غرس البذرة والنماذج الاسترشادية

إن التأسيس لمنظومة معمارية حقيقية يقتضي الربط الصارم بين تأصيل الوعي بغايات العمارة وبين تفعيل المعرفة التنفيذية الميدانية لدى صانعي الفراغ المعماري، لننتقل من تعليم أدوات الهدم المبرمج إلى تعليم أصول وقيم العمارة الأصيلة. 

إن هذا التغيير المرجو لا ينتظر صحوة المؤسسات الأكاديمية أو الشركات السائدة، بل يبدأ بـ نماذج وتجارب استرشادية ميدانية مصغرة- سواء في مسكن فردي، أو مركز خدمي، أو وحدة تعليمية- تُترجم فيها فيزياء المادة وقواعد الفناء والحل المالي الميداني حقيقة قائمة يُشار إليها بالبنان. 

ورغم أن المنظومة السائدة تقف اليوم كجدار صلب يرفض تغيير هذا المسار، إلا أن صياغة هذا الوعي في وثيقة محكمة، معززة بالدليل الهندسي والاقتصادي، لا تذهب سدى. إن كشف آلية "التلبيس الإبليسي" وتسمية الفاعلين من شياطين الإنس بأسمائهم الصريحة هو الخطوة الأولى لإسقاط الغشاوة عن الأبصار. 

وأخيراً: ستبقى هذه الرؤية حجة قائمة وبذرة حية؛ حتى إذا ما تتلقفها عقلية قادرة على هضمها وتطبيقها ولو في بقعة واحدة من هذا العالم، أو في مسكن صغير يعيد للإنسان سكينته وفطرته، فإنها تكسر هيمنة الركام، وتثبت أن نور البناء الحق قادرٌ دوماً على تبديد ظلمات الهدم المُزيّن بأوهام العمران.

الاثنين، أكتوبر 05، 2026

الحضارة لا تُستورد: بين أصالة الانتماء ومزالق التبعية


جمال الهمالي اللافي

إن التوجه الذي يختاره المعماري، سواء نحو تأصيل العمارة المحلية أو الجري خلف الصيحات العالمية، هو في جوهره قناعة شخصية راسخة. هذه القناعة ترتبط بالخلفية الثقافية والقيمية المترسخة في وجدانه، ولا يمكن تغييرها بالضغط الخارجي أو بفرض آراء مخالفة. التغيير الحقيقي يتولد فقط من داخل المعماري نفسه، عندما تتسع مداركه ويصل عبر الحوار والمشاهدة العميقة إلى لحظة يدرك فيها مكمن الخلل في الطريق الذي كان يسلكه.

وهذه القناعة الذاتية ليست انفصالاً عن واقع السوق ولا إنكاراً لمتطلبات الممولين والعملاء؛ بل إن اختبارها الحقيقي يظهر في كيفية التعامل مع هذه الضغوط. فهناك من يستسلم بسهولة للنزعة التجاربة ويعتمدها كمنهج يبرر التبعية والتكرار، بينما يتخذ المعماري الأصيل من هذه التحديات فرصة لإيجاد حلول محلية ذكية. هو لا يتجاهل رغبة العميل ولا واقع الإمكانيات، بل يتسلح بالفكر والصبر لتطويع الظروف والوصول بالبيئة العمرانية إلى بر الأمان.

العمارة، قبل أن تكون حجراً وخرسانة، هي بناء فكري متكامل له قواعده وأساساته الشبيهة بأي بنيان مادي. وكما يستغرق هذا البناء وقتاً طويلاً لتكتمل أركانه، فإن هدمه يحتاج إلى قرار واعٍ ينبع من قناعة صاحبه. ولا يمكن فرض التغيير بالقوة أو الإكراه، لأن القهر لا ينتج سوى صمت مؤقت، حتى تتغير الظروف ويستعيد الصوت الأصيل قدرته على التعبير عن نفسه في ساحات البناء والإعمار.

إن التنوع العمراني الحقيقي هو الذي ينشأ من احترام قيم المجتمع، واحتياجاته، وظروفه البيئية والاقتصادية. وهناك فارق شاسع بين "التلاقح الحضاري" الواعي الذي يستفيد من الخبرات العالمية ويصهرها في قالب محلي، وبين "الاستيراد الكلي" لعمارة غريبة عن المكان بجميع تفاصيلها. إن جلب نماذج معمارية جاهزة صُممت لمجتمعات أخرى، وتنفيذها بشركات وعمالة أجنبية كما هي، ليس حداثة ولا انفتاحاً، بل هو انقياد يقطع الصلة بين المبنى والبيئة التي يقوم عليها.

مهما بلغت القدرة المالية لأي أمة، فإنها تستطيع استيراد كل ما تشاء من المنتجات والبنايات، لكن المال وحده لن يصنع حضارة. الحضارة تنبع من المكان ومعطياته الطبيعية، ومن إبداع أبنائه في ابتكار حلول صادقة لمعضلاتهم، لينتجوا شواهد معمارية تعبر عن هويتهم وتفاعلهم الحي مع البيئة بأسلوب تلقائي وأصيل.

ولكي لا نجد أنفسنا يوماً أمام شواهد معمارية مشوهة تضر بالمحيط وتفسد حياة الناس، يتوجب علينا العودة إلى الأصل: مراجعة "البناء الفكري" لطلبة العمارة. يجب التأكد من سلامة هذا التكوين في المؤسسات التعليمية، بدءاً من الأساتذة ووصولاً إلى المناهج والمرافق، مع تفعيل رقابة المجتمع الذي يُعد المتضرر الأكبر من أي خلل عمراني. وهنا يأتي دور الإعلام في نشر التوعية، والابتعاد عن السطحية، والتركيز على القضايا الجوهرية التي تمس نهضة الوطن.

إن أي حديث عن ثورة معمارية سيبقى مجرد كلام إن لم تصاحبه ثورة محلية في تقنيات البناء ومواده. بقاؤنا حبيسي الخرسانة المسلحة والبلوك الإسمنتي ليس قضاءً وقرراً. الواقع العمراني لا يحتاج إلى تعقيدات إنشائية مكلفة، بل إلى حلول عقلانية تلبي احتياجات السكن والمباني الخدمية والتعليمية.

البديل الحقيقي لا يكمن في نقل تقنيات معقدة من الخارج، بل في الاعتماد على ما يُعرف اليوم بـ "العمارة الخضراء والمستدامة"؛ وذلك بتطوير موادنا المحلية مثل الطوب الرملي، والقوالب الطينية والجيرية، والتوسع في نظام الحوائط الحاملة للمباني متوسطة الارتفاع. وحتى في المشاريع الكبرى ذات البحور الواسعة كالمطارات، يمكن توظيف التقنيات الحديثة في معالجة الأسقف بذكاء، مع الحفاظ على روح المكان وهويته في باقي عناصر البناء. إن تطوير المادة المحلية هو التطور الفعلي الذي يحقق الاستدامة والاقتصاد.

هذا التغيير المطلوب يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل المعماري، والمصنع، والمستثمر العقاري، والجهات المسؤولة عن حماية هوية المجتمع. والتحدي الأكبر اليوم هو التصدي لروح الانتهازية والتبعية التي تسعى للوجاهة الشكلية والمصالح الضيقة على حساب المبادئ الوطنية والمهنية.

أمام هذا الواقع، يبقى الوعي المكتوب والكلمة الصريحة هما خط الدفاع الأول لبناء هذا الجدار الفكري. فالأمل يظل قائماً في يقظة الأجيال القادمة، وفي صحوة معمارية يقودها شباب واعٍ يدرك أن العمارة رسالة وانتماء قبل أن تكون مجرد مبانٍ تُشيد وتُباع.

الجمعة، أكتوبر 02، 2026

خديعة الحداثة: حين تحول العجز المعماري إلى مرجعية

انسحاب المعمار: قصة القطيعة بين الإنسان والمكان

 جمال الهمالي اللافي

      في لحظة فارقة أواخر القرن التاسع عشر، انزلقت العمارة من كونها "فعل انتماء" إلى "فعل اغتراب". لم يكن التحول نحو ما يُسمى بالحداثة ثورة إبداعية، بل كان في جوهره انسحاباً أمام تعقيد العلاقة العضوية بين الإنسان، والبيئة، والمجتمع. لقد استُبدلت الحكمة الحرفية المتراكمة بكسلٍ معرفي تقنّع بشعارات براقة، لتبرير العجز عن فهم تفاصيل المكان وروح المادة. 

    وهكذا وُلدت الحيلة الكبرى، وصيغت قوانين الاختزال:

  • حين عجزوا عن بلوغ النسبة الجمالية ونحت التفاصيل، أعلنوا أن "الزخرفة جريمة".
  • وحين استثقلوا دراسة المناخ واحترام الطبيعة، صادروا الروح وقالوا إن "المبنى آلة".
  • وحين جهلوا ثقافة المجتمعات وتعقيدها، ادعوا أن العمارة "عالمية" لا تعترف بسياق. 

    لم تكن الشبكة الإنشائية والمخطط الحر والواجهات الزجاجية إنجازاً أو تحريراً، بل كانت طرقاً مختصرة للهروب من الحلول المعمارية العميقة التي كان المعمار الأصيل ينسجها بصبر وتأمل. لقد عاشت هذه المرحلة على تسويق الوهم:

  • تحدثوا عن "الصدق الإنشائي"، بينما أخفوا المكيفات خلف الواجهات لتصحيح خطيئتهم المناخية.
  • تغنوا بـ "الوظيفة"، فأنتجوا علباً لا تتسع لإنسانية الإنسان ولا توفر له السكينة.
  • بشروا بـ "الحرية"، ففرضوا لغة استبدادية صماء وحّدت المدن من ناطحات نيويورك إلى أبراج طرابلس، ومن مدن الساحل إلى مدن الصحراء متجاهلين أن لكل أرض شمسها، ولكل مجتمع ظله. 

    كانت النتيجة هذا الخراب الحضاري الممتد: مدن فاقدة للهوية، وفراغات متصحرة. لقد صببنا الأرض بالخرسانة فتمردت الطبيعة بالفيضانات. واستبدلنا "الحوش" وفناءه الرؤوف بصناديق زجاجية تستهلك طاقة الأرض لتبرد. ومارسنا تجويعاً بصرياً واجتماعياً بهدم الأنساق العمرانية التي كانت تُعلّم الناس كيف يجتمعون، وكيف يستظلون، وكيف يحترمون الجوار. 

    وتعمق السقوط حين انتقل هذا العجز إلى قاعات الدرس وتكرس كمرجعية أكاديمية. لم يعد الأستاذ "شيخ حرفة" ينقل حكمة البناء، بل أصبح مروجاً لصور استعراضية. وانقطع الطالب عن ورش العمل وعن تأمل نسب وأبعاد المدينة القديمة، ليغوص في شاشات تولّد آلاف الأشكال العبثية، مختزلاً الإبداع في مدى غرابة الشكل. 

    في النهاية، لم يؤسس هؤلاء لحضارة، بل قنّنوا الجهل. فكانوا شهوداً وفاعلين في سقوطٍ مدوي لم يأتِ كقدر محتوم، بل كان ثمرة مباشرة لعجزٍ أُلبس ببراعة ثوب الإبداع، وجهلٍ تحول إلى قانون، وتسويقٍ حوّل الوهم إلى مرجع.

الثلاثاء، سبتمبر 29، 2026

عودة الروح إلى البيت الإسلامي

 

جمال الهمالي اللافي

حين يُبنى البيت على قيم الألفة والكرامة، يصبح فضاءً يعيد تشكيل الجماعة ويمنحها القوة.

    لم يعد البيت في كثير من مجتمعاتنا فضاءً للألفة كما كان، بل تحوّل إلى قاعة عرض للأثاث والديكور، تُغلق أبوابه أمام حرارة اللقاء، وتُراقب فيه خطوات الأطفال بقلق، وكأنهم غرباء في بيت أهلهم. هذا التحوّل يكشف عن أزمة أعمق من مجرد تغيّر في الذوق؛ إنها أزمة في فلسفة العمارة ذاتها، حين انفصلت عن قيمها الأصلية التي كانت تجعل البيت وعاءً للجماعة، لا مجرد مأوى فردي.

    البيوت التي صُممت وفق قيم المسكن الإسلامي حملت بين جدرانها روح الضيافة والتواضع، فكانت جاذبة، مفتوحة، تُعيد إنتاج روابط المحبة والتواصل. أما البيوت التي استوردت روحها من الحداثة الغربية، فقد صُممت لتُعرض لا لتُعاش، لتُغلق لا لتُفتح، فصارت طاردة، باردة، تُكرّس الفردية والانعزال.

    ولعل ما قاله ونستون تشرشل في أكتوبر 1943، وهو يناقش إعادة بناء قاعة مجلس العموم البريطاني بعد أن دمّرتها الغارات، يضيء هذه القضية : "نحن نصنع مبانينا، ثم هي تصنعنا."  لم يكن يقصد التنظير المعماري، بل أراد أن يُعاد بناء القاعة كما كانت، حفاظاً على طبيعة النقاش السياسي وروح المواجهة المباشرة بين الحكومة والمعارضة. لكن عبارته، وإن جاءت في سياق محدد، تحمل دلالة أوسع: أن كل مبنى يُشيد يعيد تشكيل قيم ساكنيه ويؤثر في أخلاقياتهم وعلاقاتهم.  

    اليوم، حين ننظر إلى مشاريع الإسكان المستوردة أو الأحياء العشوائية، ندرك أن العمارة ليست محايدة؛ فهي إما أن تُعيد الحياة إلى مفهوم الجماعة، أو تُنتج عزلة وقسوة. ومن هنا فإن مستقبل عمارتنا لن يُقاس بمدى فخامة الواجهات أو حداثة المفروشات، بل بقدرتها على إحياء فضاءات الألفة والكرامة التي كانت أساس البيت الإسلامي، وإعادة بناء المجتمع على قيم الترابط والتلاحم.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...