جمال الهمالي اللافي
هل العمارة منتج مادي محايد، أم أنها وعاء تتجسد فيه رؤية الإنسان للوجود
والحياة والمجتمع؟ ومن ينجح في الإجابة عن هذا السؤال ستتضح له تلقائياً كثير من
القضايا التي تبدو متفرقة في الخطاب المعماري المعاصر. فالنقاش حول الجمال
والوظيفة والهوية والحداثة والتفكيكية ليس في جوهره نقاشاً حول الأشكال بقدر ما هو
نقاش حول الإنسان نفسه، وحول الصورة التي يُراد له أن يرى بها العالم وأن يرى بها
ذاته.
وحين يُطرح سؤال: هل تعيد العمارة تشكيل الإنسان؟ تتجه الأنظار عادة إلى
المباني نفسها؛ إلى أشكالها وأحجامها وفراغاتها وتأثيراتها النفسية على من يعيش
فيها أو يتحرك عبرها. لكن هذا السؤال، على أهميته، قد يكون متأخراً خطوة عن السؤال
الأعمق الذي ينبغي طرحه أولاً:
من الذي صاغ العمارة نفسها
قبل أن تبدأ هي في التأثير على الإنسان؟
إن العمارة عبر التاريخ لم تكن عملاً منفصلاً عن مراكز القوة التي حكمت
المجتمعات. فالمعابد الفرعونية لم تُبنَ لكي تؤدي وظيفة مادية مجردة، بل صُممت
لتصنع تجربة روحية ونفسية محددة. يبدأ الزائر رحلته عبر مساحات متدرجة، ينتقل
خلالها من العالم المألوف إلى عالم يزداد غموضاً ورهبة حتى يبلغ مركز القداسة. ولم
يكن هذا التأثير وليد خيال معماري مستقل، بل كان ترجمة لرؤية دينية أرادت السلطة
ترسيخها في وجدان الإنسان.
والأمر نفسه يمكن ملاحظته في العمارة الرومانية الإمبراطورية. فالضخامة
التي تتجاوز المقياس الإنساني لم تكن مجرد تفضيل جمالي، بل لغة مقصودة لإظهار عظمة
الدولة واستحضار الشعور بقوتها واستمراريتها. كان المطلوب من المبنى أن يقول
للإنسان ما لا تقوله الكلمات: أنت أمام قوة أكبر منك وأبقى منك وأقدر منك.
ومن هنا يصعب النظر إلى المعماري بوصفه نقطة البداية في هذه العملية.
فالمعماري لم يكن هو من يضع الرؤية العليا للمجتمع، بل كان في الغالب أحد
المساهمين في تحويل تلك الرؤية إلى واقع ملموس. كانت السلطة السياسية أو الدينية
أو الحضارية هي التي تحدد صورة الإنسان المراد إنتاجها، ثم يأتي الفلاسفة لصياغة
المبررات الكلية لهذه الرؤية، ويأتي المفكرون لتحويلها إلى مناهج وخطابات قابلة
للتداول، ثم يأتي المعماري ليمنحها جسداً مادياً يعيش الناس داخله دون أن ينتبهوا
إلى كثير مما يحمله من مضامين.
ولذلك فإن العمارة ليست
بداية سلسلة التأثير، بل إحدى حلقاتها الأخيرة.
وليست القضية في وجود معماريين أو مفكرين يعارضون الرؤية السائدة، فهؤلاء
وجدوا في كل عصر، وإنما القضية في أن الرؤية التي تتحول إلى عمران سائد، وإلى
مؤسسات تعليمية، وإلى ذائقة عامة، هي الرؤية التي امتلكت أسباب التمكين والقوة.
أما الرؤى الأخرى، فمهما بلغت من العمق والثراء، فإن أثرها يبقى محدوداً ما لم تجد
من يتبناها ويحولها إلى واقع. فالفكرة، مهما كانت قوتها، لا تبني مدينة ما لم
تمتلك اليد القادرة على تحويلها إلى حجر.
غير أن هذا لا يعني التقليل من شأن المعماري أو اختزال دوره في وظيفة
تنفيذية بحتة. فكل سلطة تبحث عن أفضل من يستطيع تجسيد رؤيتها. وكما تبحث الجيوش عن
أمهر القادة، وتبحث الدول عن أمهر الإداريين، فإنها تبحث كذلك عن أكثر المعماريين
موهبة وقدرة على تحويل الأفكار المجردة إلى أثر عمراني خالد.
وهنا يظهر النموذجان اللذان يتكرران عبر التاريخ.
الأول: معماري موهوب يرى مستقبله في خدمة المشروع الذي تتبناه
السلطة السائدة، فيسخر قدراته لتجسيد رؤيتها بأعلى مستوى من الجودة والإقناع. فإن
كانت تلك الرؤية صالحة عدّ من بناة الحضارة، وإن كانت فاسدة صار من الذين ألبسوا
القبح أجمل الصور حتى بدا للناس مقبولاً ومبرراً.
والثاني: معماري لا تقل موهبته عن الأول، لكنه يرفض إخضاع إبداعه
لما يتعارض مع قناعاته وقيمه. قد يختار البقاء قريباً من مجتمعه بعيداً عن دوائر
النفوذ، وقد يدفع ثمن ذلك تراجع فرصه وانحسار ظهوره وتأخر مشاريعه أو عدم تحققها
أصلاً. وما ينساه كثيرون أن التاريخ لا يحتفظ دائماً بالأكثر موهبة، بل يحتفظ
غالباً بمن أُتيحت له فرصة البناء.
ومن هنا يصبح من الخطأ تفسير انتشار اتجاه معماري معين على أنه دليل تفوقه
الفني وحده. فالأنماط المعمارية لا تنتشر لأنها أجمل أو أصدق بالضرورة، بل لأنها
كثيراً ما تعبر عن الرؤية التي امتلكت من القوة والنفوذ والمؤسسات ما يكفي لنشرها
وتعميمها وتقديمها للأجيال بوصفها التعبير الطبيعي عن عصرها.
وعندما ننظر إلى الحداثة وما بعدها والتفكيكية وغيرها من الاتجاهات
المعاصرة من هذه الزاوية، فإن السؤال يتغير. فبدلاً من أن نسأل: لماذا صمم المعماريون
هذه المشاريع؟ يصبح السؤال: ما الرؤية الفكرية التي جعلت هذه المشاريع ممكنة
ومقبولة ومحتفى بها؟
فالعمارة، مهما اختلفت أشكالها، لا تنشأ في فراغ. إنها انعكاس لمنظومة أوسع
منها. منظومة تحدد معنى الإنسان، ومعنى المجتمع، ومعنى الحرية، ومعنى الدين، ومعنى
الجمال ذاته. ثم تأتي المباني لتترجم هذه المعاني إلى مادة وفراغ وحياة يومية.
لذلك فإن العمارة قادرة بالفعل على إعادة تشكيل الإنسان، لكن ليس لأنها
تمتلك هذه القدرة من ذاتها، بل لأنها تحمل في داخلها رؤية مسبقة للإنسان صاغتها
قوى أشمل منها وأكبر. إنها الأداة التي تتحول من خلالها الفكرة إلى بيئة، وتتحول
البيئة إلى عادة، وتتحول العادة مع الزمن إلى طريقة في النظر إلى العالم.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال
الحقيقي ليس: هل تعيد العمارة تشكيل الإنسان؟
بل:
إذا كانت العمارة قادرة على
إعادة تشكيل الإنسان، فمن الذي يملك حق تحديد الصورة التي ينبغي للإنسان أن يُعاد
تشكيله عليها؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف أن المباني التي نراها ليست سوى الواجهة
المرئية لمعركة أعمق بكثير، معركة تدور حول الإنسان نفسه، وحول الصورة التي تريد
كل حضارة، وكل سلطة، وكل منظومة فكرية، أن يراها الإنسان حين ينظر إلى نفسه وإلى
العالم من حوله.
فإذا كانت العمارة هي الوسيط الأخير في هذه السلسلة الطويلة، فإن المعركة
الحقيقية لا تدور حول الحجر والخرسانة والأشكال، بل حول الرؤية التي سبقت ظهورها
جميعاً. الرؤية التي تحدد معنى الإنسان وموقعه وغايته وعلاقته بالمجتمع والعالم.
وعندها تصبح العمارة أكثر من مبانٍ نقطنها؛ تصبح إحدى الوسائل التي تُترجم بها
الأفكار الكبرى إلى واقع يومي يعيشه الناس جيلاً بعد جيل.
ومن هنا قد لا يكون السؤال
الأهم في تاريخ العمارة: من صمم هذا المبنى؟
بل:
من صاغ الرؤية التي جعلت
بناءه ممكناً وضرورياً ومعبراً عن روح عصره؟
.png)




