جمال الهمالي اللافي
يُجمع
علماءُ النفس على وجود طريقين لتحقيق الإنجازات، ألا وهما: التقليد والتجديد.
فالامتثال والتقيد بالقديم يعني اتباع الطرق التقليدية المألوفة والحفاظ على
الأمور كما هي بلا تغيير. أما التجديد والابتكار، فهو أن تطرق طرقاً غير مطروقة في
رحلة الحياة، فتسير عكس التيار؛ فالأصليون يسلكون سبلاً غير مسلوكة ويخاطرون من
أجل التفرد والإبداع.
مثل هذه
الطروحات ـ ومثيلاتها كثر ـ ترد علينا كثيراً من بعض الكتاب والمفكرين والمحرضين
على التجديد؛ وخصوصاً ذلك التجديد العائم الذي لا نكاد ندري كنهه ومبتغاه
ومستهدفاته الحقيقية. وهنا نتساءل بحذر معرفي وعقدي: هل يشمل هذا التجديد ثوابت
العقيدة وقيم المجتمع الراسخة ويستهدفها بالتقويض تحت لافتة "المعاصرة"،
أم أنه يقتصر على الجوانب الشخصية والمهنية وتطوير الأدوات والوسائل ومواكبة
المتغيرات؟
ومن هنا
يبرز السؤال الجوهري: متى يكون الامتثال للماضي ممجوجاً ومتى يكون محموداً؟ وكيف
نوازن بين اتباع السلف والتجديد دون السقوط في فخ الجمود أو هاوية الاستلاب
الفكري؟
يمكننا
مقاربة الإجابة عن هذا التساؤل من خلال هذا المثال البصري والنبوي العظيم؛ إذ يجسد
الرسم التوضيحي في الصورة مشهداً مألوفاً في أذهاننا، لكنه في جوهره يمثل الوسيلة
التعليمية البليغة التي خطها الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة على التراب ذات
يوم؛ حيث خط خطاً مستقيماً وقال: «هذا سبيل
الله مستقيماً»، وخط
خطوطاً منحرفة عن يمينه وشماله وقال: «هذه
السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم
قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا
تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
هذا
المفهوم الهندسي والنبوي الشريف ينسحب بوضوح تام على واقعنا؛ فحياتنا كمسلمين ليست
عبثية، وليست بلا غاية، ولا هي محدودة بحدود هذه الدنيا الفانية. إننا نتحرك في
هذه الحياة بوعي يقين بأننا أمام حق لا مناص منه، وخيارين لا ثالث لهما مهما ألحد
الملحدون أو تشتت الضالون: إما جنة
وإما نار.
بناءً
على هذا الميزان، فإن السير على هذا الخط الأخضر الآمن ليس "تقليداً
أعمى" ناتجاً عن عجز، بل هو «اتباع
واعٍ بالدليل» لنهج
الأنبياء والصالحين والعارفين الذين سلكوا الصراط المستقيم فوصلوا إلى بر الأمان.
الاتباع هنا هو صمام الأمان الذي يحمينا من التشتت والضياع وسط رياح الشهوات
والشبهات.
وفي
المقابل، فإن السير مع المنحرفين عن هذا الخط بهدف التغيير لمجرد التغيير، ورفض
السير على النهج القويم بدعوى التحرر، هو في حقيقته انقياد خلف تلك السبل المتشعبة
(الخطوط الحمراء في الصورة)؛ حيث يقف على رأس كل سبيل منها شيطان من شياطين الإنس
أو الجن يدعو إلى اتباع الهوى، أو الاستلاب الفكري والعقائدي، وتقليد الشرائع
والقيم الدخيلة التي تهدم هويتنا، مما يؤدي حتماً إلى تشتت السالكين وضياع آخرتهم
ودنياهم.
إن هذا
التوازن المطلوب ينطلق أساساً من مفهومنا كمسلمين للعمل؛ فحياتنا كلها ترتبط
بالنيات، ونيتنا تسبق عملنا دائماً، وغايتها كسب رضا الله عز وجل والفوز بجنته
والنجاة من ناره. لكن النية الصالحة لا تكفي وحدها ما لم تحمل معها بذور الوعي
بمدى صحة ما نفعله بمقاييس الشرع الحنيف.
لذلك،
يجب أن نتنبه إلى أن التمسك بالقديم لمجرد أنه قديم قد يتحول إلى انحراف وعقائد
فاسدة تنسب كذباً إلى الإسلام، كالتبرك بالقبور، أو الغلو في الصالحين ورفعهم إلى
مقام الأنبياء أو تأليههم؛ فهذه الممارسات ـ رغم ادعاء أصحابها أنها اتباع لآبائهم
ـ هي في حقيقتها تقليد منحرف وانجراف عن جادة التوحيد الصحيح.
وهنا
يتجلى لنا الترابط العضوي الشامل؛ فهذا الوعي العقدي والشرعي ليس معزولاً في زاوية
العبادات المحضة، بل هو الموجه المهيمن والميزان الحاكم لكل مناحي الحياة المادية
والجمالية كالعمارة والفنون والآداب. فنحن كمسلمين لا نرفض مدارس العمارة والفن
المعاصرة لمجرد أنها تخالف ما درجنا عليه في بيئتنا وفنوننا المحلية، بل إننا
نتوقف فاحصين وناقدين لما تحمله في طياتها من أفكار وقيم تتصادم مع جوهر عقيدتنا
الحنيفة، وإن أبهرتنا كمنتج فني أو معماري خلاب؛ فما بُني على باطل فكري وعقدي فهو
باطل في ميزاننا، ناهيك عن عدم مواءمته لقيمنا الاجتماعية وظروفنا البيئية
والمناخية الواقعية.
ومن هنا، يتوجب علينا تفعيل "ميزان
الشرع والوعي" في ثلاثة
اتجاهات رئيسية متكاملة:
1. الوعي بقيمة ما عندنا غربلةً وتأصيلاً: لنميز
الثابت العقدي والشرعي الذي لا يقبل المساومة، من المتغير السلوكي أو التاريخي
الذي يحتاج إلى غربلة، مطهرين ممارساتنا من كل تقليد بالٍ يتصادم مع صحيح التوحيد.
2. الوعي بقيمة ما يُقدّم لنا فحصاً وملاءمةً: فنختبر
الأفكار والنظريات والفنون الوافدة، مدركين أن استيراد مظاهر "الحداثة"
دون وعي نقدي واجتماعي وبيئي هو استلاب يسلب الأمة ذاتها وهويتها لصالح قيم عبثية
لا تلائم لا ديننا ولا طبيعة عيشنا ومناخ بلادنا.
3. الوعي بالمنجزات العلمية والتقنية للأمم الأخرى: عندما
نأخذ عن غيرنا ما وصلوا إليه من تقدم تقني، فإننا لا ننبهر انبهاراً أعمى يمس
عقيدتنا، بل نزن هذا الوافد بميزان الشرع الشريف؛ فما وافق ثوابتنا وأصلح دنيانا
قبلناه بنية الإعمار، وما تصادم مع عقيدتنا وقيمنا رددناه حماية لهويتنا، وما كان
محايداً استثمرناه لتطوير وسائلنا دون وجل.
إن
الميزان الحقيقي إذن يقوم على ركيزتين: نية صالحة تبتغي الفوز بالجنة والنجاة من
النار، ووعي يقظ يزن الأفعال بميزان الشرع الحنيف. فلا الحداثة والتغيير المادي
بحد ذاتهما خطأ، ولا التشبث بالماضي دون إعادة تقييمه على المنهج الصحيح بصواب.
ومثلما
تعودنا في بيوتنا أن نوصد النوافذ والأبواب بإحكام أمام الرياح العاتية المحملة
بالغبار والأتربة، بينما نشرعها بابتهاج وترحاب عندما تهب علينا لطائف النسائم
العليلة، كذلك يتوجب علينا أن نتعامل مع رياح التغيير العاصفة التي تهب علينا من
كل حدب وصوب في هذا العصر المتسارع. فمن الحكمة البالغة ألا ننكفئ خلف جدران
الجمود خوفاً من الرياح، وألا نترك أبوابنا مشرعة لنذوب في عواصف الاستلاب؛ بل
نتريث، ونختبر تأثير ما تحمله هذه الرياح بدقة على هويتنا وقيمنا أولاً.
ونعود
لنطرح على أنفسنا السؤال الجوهري مرة أخرى للتفكر والتأمل: متى يكون التقليد
ممجوجاً فنرفضه، ومتى يكون التجديد محموداً فنسلك دروبه دون وجل أو خوف من
العواقب؟
إنه سؤالٌ مفتوحٌ نطرحه للتداول وتلاقح الرؤى على
مائدة الحوار، لنتشارك الرؤى من مختلف الاتجاهات والمجالات.




