في نقد اختزال منظومة قيم العمارة المحلية في مادة بناء

الصورة المرفقة هي لثلاث محاولات مازالت قيد الدراسة للمسكن العائلي المعاصر.
جمال الهمالي اللافي
ينطلق المعماريون في توجهاتهم الفكرية من مدارس شتى. فبعضهم يعتلي منصة
الريادة بالتأسيس لرؤية جديدة، وبعضهم يتبنى رؤية قائمة ويبني عليها مساره، كما
تتباين مداخلهم إلى العمارة نفسها؛ فمنهم من يجعل الشكل محور اهتمامهم، ومنهم من
ينطلق من الوظيفة، ومنهم من يرى في مواد البناء وتقنيات الإنشاء المدخل الرئيس. بينما رأيت أن المدخل
الأوسع والأكثر شمولاً يكمن في إعادة الاعتبار لمنظومة القيم التي تنتج العمارة
قبل أن تنتج أشكالها وموادها. وفي داخل هذه المنظومة تتداخل الوظيفة، والشكل، ومواد البناء،
والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، لتصبح جميعها أجزاء من رؤية أشمل،
دون أن يستأثر أي منها وحده بتعريف العمارة أو اختزالها في حدوده.
ولطالما طالعتني- بين الحين والآخر- أصوات تُعيرني بعدم استخدام
"الطين"، وكأن أصالة المعماري تقاس بمدى التزامه بمادة بناء بعينها، أو
كأن المطلوب مني أن أستنسخ حرفياً تجارب معمارية كتجربة حسن فتحي أو عبدالواحد
الوكيل.
ومن هنا تحديداً أكتب؛ لأقول بوضوح: إن من يعيرني بذلك إنما يختزل عقوداً من العمل الفكري والميداني في قالب
مادي ضيق، ويجهل منطلقات رحلتي مع العمارة منذ بدايتها.
فمنذ التحاقي بدراسة العمارة في مطلع الثمانينيات، لم يكن مدخلي إلى
العمارة المحلية مادة البناء، ولم يكن همي البحث عن تقنية إنشائية تقليدية أو
الدعوة إلى العودة لاستخدام الطين أو الحجر. بل كان الهاجس الذي استحوذ عليّ هو البحث في مسكن العائلة الليبية،
ومحاولة فهم المنظومة التي أنتجته، واستكشاف السبل التي تمكن من استعادة جوهرها في
نموذج سكني معاصر قادر على التفاعل مع تحولات الزمن دون أن يفقد صلته بأصوله. لم يكن البيت الليبي
بالنسبة لي جدراناً وسقوفاً وأفنية داخلية، بل كان صورة مادية لمنظومة كاملة من
القيم الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والعمرانية. وكان السؤال الذي شغلني
مبكراً: كيف يمكن إعادة الاعتبار لتلك المنظومة في واقع مغاير؟ وكيف يمكن أن
تستمر القيم التي أنتجت البيت دون أن تصبح أسيرة لأشكال مرحلة تاريخية معينة؟
وقد عبرت عن هذا التوجه في المناقشة الأولى لمشروع التخرج، ثم توسع
لاحقاً في محاضرتي الأولى «نحو رؤية جديدة ومعاصرة لمفهوم البيت الاقتصادي» بمقر
مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، ونُشرت في مجلة آثار العرب، قبل أن
تظهر في كتاباتي في مدونة الميراث. ولهذا كنت أنظر دائماً إلى مواد البناء باعتبارها جزءاً من العمارة، لا
العمارة نفسها. ولذلك أجد غرابة بالغة في ذلك الاختزال الذي يجعل العمارة المحلية
مرادفاً للطين، أو يجعل الحكم على تجربة أي معماري مرهوناً باستخدام هذه المادة أو
تركها.
وعندما نتأمل تجارب المعماريين الكبار الذين انشغلوا بقضية الهوية، نجد
أنهم انطلقوا من هموم متقاربة لكنهم اتخذوا مسارات مختلفة؛ فحسن فتحي وظف الطين
معالجة لقضايا الإسكان والعدالة الاجتماعية في الريف المصري، وواصل عبدالواحد
الوكيل مساراً خاصاً، واتجه رفعة الجادرجي وصالح مكية مسارات مغايرة، بينما قدم
راسم بدران معالجة أخرى. وللإجابة على من يضعني في مقارنة ظالمة مع هؤلاء، يجدر التذكير بحقيقة
تغيب غالباً عن النقاش: فالمعماري ليس هو الذي يصنع الطوب بيديه ولا هو الذي يشيد العقود
والقباب بجهده الشخصي. فحسن فتحي لم يكن صانع طوب، وعبدالواحد الوكيل لم يكن أسطى بناء يمارس
الحرفة بنفسه؛ لقد كانا مفكرين ومصممين، بينما تولى التنفيذ حرفيون مهرة ورثوا
تقنيات البناء جيلاً بعد جيل، وفي مقدمتهم أسطوات النوبة. إذن، لم يكن النجاح ثمرة
مادة بناء وحدها، ولا عبقرية فردية مجردة، بل نتاج منظومة كاملة من المعرفة
والحرفة والخبرة المتراكمة. فهل يُعقل بعد ذلك حصر العمارة المحلية في تجربة واحدة، أو شخص واحد، أو
مادة واحدة؟
إن تاريخ العمارة الليبية نفسه لا يسند هذا الاختزال. فلم تعرف ليبيا مادة
بناء محلية واحدة؛ ففي غدامس غلب الطوب الطيني المجفف بالشمس، وفي مناطق أخرى
استُخدم التراب المدكوك (ضرب الباب)، وفي جبل نفوسة كان الحجر هو الأساس، بينما
اعتمدت غريان على الحفر في التربة وإنشاء الفراغات داخلياً. فأي هذه المواد يمكن
اعتباره ممثلاً وحيداً للعمارة المحلية؟ لا شيء؛ لأن ما جمع هذه التجارب لم يكن
وحدة المادة، بل وحدة المنهج القائم على استثمار
موارد البيئة لتحقيق أفضل استجابة لحاجات الإنسان.
بل إن التطور الصناعي أوجد مع مرور الزمن مواد حققت كثيراً من أهداف
المواد التقليدية؛ فالطوب الرملي، والياجور، والحجر الجيري، وأنظمة العزل الحراري،
توفر حلولاً بكفاءة عالية. ومن واقع تجربتي المهنية، لم أكن يوماً في خصومة مع المواد المحلية، بل
حاولت توظيفها متى أمكن. وأذكر أنني صممت استراحة واقترحت تنفيذها بالطوب الرملي لكفاءته البيئية
والعزل، غير أن صاحب المشروع قارن التكلفة بالبدائل المتوافرة واختار ما يناسب
ظروفه الاقتصادية.
وهذا يقودنا إلى جوهر القضية: إن أزمة البناء بالمواد المحلية في ليبيا ليست أزمة طين، وليست
أزمة حجر، وليست أزمة خرسانة. إنها أزمة منظومة. فالطين ما زال موجوداً، لكن أين البناء الحرفي؟ وأين المعلم الذي ينقل
خبرته؟ وأين المختبرات والشركات وسوق العمل التي تجعل هذه المواد خياراً تنافسياً
قابلاً للحياة؟
فضلاً عن ذلك، فإن المهن المرتبطة بالبناء تحولت جذرياً؛ فلم يعد
المعماري هو "المعلم البناء" الذي يجمع التصميم والتنفيذ وصناعة المواد
في شخصه. لقد توزعت المعرفة على تخصصات مستقلة (هندسة إنشائية، علوم مواد، مراكز
أبحاث، وسوق مال). وبالتالي، فإن تحميل المعماري وحده مسؤولية غياب البناء بالمواد المحلية
ينطوي على تبسيط لا يقل سذاجة عن اختزال العمارة في مادة بناء. السؤال الحقيقي ليس: "لماذا لم يستخدم
فلان الطين؟"، بل: "لماذا لم تنتج المنظومة العلمية والمهنية حلولاً معاصرة
تجعل المواد المحلية قابلة للتطبيق والمنافسة؟"
لقد أدركت مع مرور السنوات أن التحدي الحقيقي ليس في المادة، بل في
البيئة التي تجعل المادة قابلة للتحول إلى عمارة. ولهذا ظللت متحفظاً في الكتابة حول هذا الملف، لا شكاً في قيمة المواد
المحلية، بل لأن القضية أعمق بكثير. العمارة المحلية لم تكن يوماً مسألة مادة، بل مسألة قيم تنتج شكل المسكن
ووظيفته وعلاقته بالمجتمع والبيئة.
وختاماً؛ أقول لمن يضيق أفق حواره ليختزل العمارة في سؤال أحادي: هل بنيت بالطين أم لم
تبنِ به؟ إن هذا الاختزال لا يظلمني شخصياً فحسب، بل يظلم العمارة برمتها. فالعمارة المحلية ليست
جداراً طينياً، ولا حجراً منقوشاً، ولا عقداً، ولا فناءً. إنها رؤية كاملة للإنسان
ومكانه في الحياة. وعندما تتحول هذه الرؤية إلى واقع عمراني، فإنها تستعين بكل ما تراه
مناسباً من مواد وتقنيات، دون أن ترهن وجودها بمادة بعينها.
لم يكن شاغلي يوماً الطين من أجل الطين، بل البحث عن منظومة القيم التي
أنتجت البيت الليبي، ومحاولة فهمها واستيعابها وإعادة قراءتها في ضوء احتياجات
العصر ومتغيراته. أما المادة فتأتي بعد ذلك؛ فقد تتغير المواد وتتبدل الأدوات جيلاً بعد
جيل، لكن العمارة الحية تبقى مرتبطة بقدرتها على التعبير عن قيم مجتمعها
والاستجابة لتحديات زمانها.
وعندما نفهم العمارة من هذا المنظور، ندرك أن معركتنا الحقيقية ليست مع
الطين ولا مع الخرسانة، بل مع ذلك الاختزال الكسول الذي يحاول حصر التجارب
المعمارية في قالب واحد. فالعمارة لم تكن يوماً طيناً أو حجراً أو خرسانة.. كانت، وستظل، إنسانًا وقِيَمًا ومعرفةً تتخذ من المادة وسيلة للتعبير، لا غايةً تقوم عليها.

