أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، أكتوبر 05، 2026

الحضارة لا تُستورد: بين أصالة الانتماء ومزالق التبعية


جمال الهمالي اللافي

إن التوجه الذي يختاره المعماري، سواء نحو تأصيل العمارة المحلية أو الجري خلف الصيحات العالمية، هو في جوهره قناعة شخصية راسخة. هذه القناعة ترتبط بالخلفية الثقافية والقيمية المترسخة في وجدانه، ولا يمكن تغييرها بالضغط الخارجي أو بفرض آراء مخالفة. التغيير الحقيقي يتولد فقط من داخل المعماري نفسه، عندما تتسع مداركه ويصل عبر الحوار والمشاهدة العميقة إلى لحظة يدرك فيها مكمن الخلل في الطريق الذي كان يسلكه.

وهذه القناعة الذاتية ليست انفصالاً عن واقع السوق ولا إنكاراً لمتطلبات الممولين والعملاء؛ بل إن اختبارها الحقيقي يظهر في كيفية التعامل مع هذه الضغوط. فهناك من يستسلم بسهولة للنزعة التجاربة ويعتمدها كمنهج يبرر التبعية والتكرار، بينما يتخذ المعماري الأصيل من هذه التحديات فرصة لإيجاد حلول محلية ذكية. هو لا يتجاهل رغبة العميل ولا واقع الإمكانيات، بل يتسلح بالفكر والصبر لتطويع الظروف والوصول بالبيئة العمرانية إلى بر الأمان.

العمارة، قبل أن تكون حجراً وخرسانة، هي بناء فكري متكامل له قواعده وأساساته الشبيهة بأي بنيان مادي. وكما يستغرق هذا البناء وقتاً طويلاً لتكتمل أركانه، فإن هدمه يحتاج إلى قرار واعٍ ينبع من قناعة صاحبه. ولا يمكن فرض التغيير بالقوة أو الإكراه، لأن القهر لا ينتج سوى صمت مؤقت، حتى تتغير الظروف ويستعيد الصوت الأصيل قدرته على التعبير عن نفسه في ساحات البناء والإعمار.

إن التنوع العمراني الحقيقي هو الذي ينشأ من احترام قيم المجتمع، واحتياجاته، وظروفه البيئية والاقتصادية. وهناك فارق شاسع بين "التلاقح الحضاري" الواعي الذي يستفيد من الخبرات العالمية ويصهرها في قالب محلي، وبين "الاستيراد الكلي" لعمارة غريبة عن المكان بجميع تفاصيلها. إن جلب نماذج معمارية جاهزة صُممت لمجتمعات أخرى، وتنفيذها بشركات وعمالة أجنبية كما هي، ليس حداثة ولا انفتاحاً، بل هو انقياد يقطع الصلة بين المبنى والبيئة التي يقوم عليها.

مهما بلغت القدرة المالية لأي أمة، فإنها تستطيع استيراد كل ما تشاء من المنتجات والبنايات، لكن المال وحده لن يصنع حضارة. الحضارة تنبع من المكان ومعطياته الطبيعية، ومن إبداع أبنائه في ابتكار حلول صادقة لمعضلاتهم، لينتجوا شواهد معمارية تعبر عن هويتهم وتفاعلهم الحي مع البيئة بأسلوب تلقائي وأصيل.

ولكي لا نجد أنفسنا يوماً أمام شواهد معمارية مشوهة تضر بالمحيط وتفسد حياة الناس، يتوجب علينا العودة إلى الأصل: مراجعة "البناء الفكري" لطلبة العمارة. يجب التأكد من سلامة هذا التكوين في المؤسسات التعليمية، بدءاً من الأساتذة ووصولاً إلى المناهج والمرافق، مع تفعيل رقابة المجتمع الذي يُعد المتضرر الأكبر من أي خلل عمراني. وهنا يأتي دور الإعلام في نشر التوعية، والابتعاد عن السطحية، والتركيز على القضايا الجوهرية التي تمس نهضة الوطن.

إن أي حديث عن ثورة معمارية سيبقى مجرد كلام إن لم تصاحبه ثورة محلية في تقنيات البناء ومواده. بقاؤنا حبيسي الخرسانة المسلحة والبلوك الإسمنتي ليس قضاءً وقرراً. الواقع العمراني لا يحتاج إلى تعقيدات إنشائية مكلفة، بل إلى حلول عقلانية تلبي احتياجات السكن والمباني الخدمية والتعليمية.

البديل الحقيقي لا يكمن في نقل تقنيات معقدة من الخارج، بل في الاعتماد على ما يُعرف اليوم بـ "العمارة الخضراء والمستدامة"؛ وذلك بتطوير موادنا المحلية مثل الطوب الرملي، والقوالب الطينية والجيرية، والتوسع في نظام الحوائط الحاملة للمباني متوسطة الارتفاع. وحتى في المشاريع الكبرى ذات البحور الواسعة كالمطارات، يمكن توظيف التقنيات الحديثة في معالجة الأسقف بذكاء، مع الحفاظ على روح المكان وهويته في باقي عناصر البناء. إن تطوير المادة المحلية هو التطور الفعلي الذي يحقق الاستدامة والاقتصاد.

هذا التغيير المطلوب يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل المعماري، والمصنع، والمستثمر العقاري، والجهات المسؤولة عن حماية هوية المجتمع. والتحدي الأكبر اليوم هو التصدي لروح الانتهازية والتبعية التي تسعى للوجاهة الشكلية والمصالح الضيقة على حساب المبادئ الوطنية والمهنية.

أمام هذا الواقع، يبقى الوعي المكتوب والكلمة الصريحة هما خط الدفاع الأول لبناء هذا الجدار الفكري. فالأمل يظل قائماً في يقظة الأجيال القادمة، وفي صحوة معمارية يقودها شباب واعٍ يدرك أن العمارة رسالة وانتماء قبل أن تكون مجرد مبانٍ تُشيد وتُباع.

الجمعة، أكتوبر 02، 2026

خديعة الحداثة: حين تحول العجز المعماري إلى مرجعية

انسحاب المعمار: قصة القطيعة بين الإنسان والمكان

 جمال الهمالي اللافي

      في لحظة فارقة أواخر القرن التاسع عشر، انزلقت العمارة من كونها "فعل انتماء" إلى "فعل اغتراب". لم يكن التحول نحو ما يُسمى بالحداثة ثورة إبداعية، بل كان في جوهره انسحاباً أمام تعقيد العلاقة العضوية بين الإنسان، والبيئة، والمجتمع. لقد استُبدلت الحكمة الحرفية المتراكمة بكسلٍ معرفي تقنّع بشعارات براقة، لتبرير العجز عن فهم تفاصيل المكان وروح المادة. 

    وهكذا وُلدت الحيلة الكبرى، وصيغت قوانين الاختزال:

  • حين عجزوا عن بلوغ النسبة الجمالية ونحت التفاصيل، أعلنوا أن "الزخرفة جريمة".
  • وحين استثقلوا دراسة المناخ واحترام الطبيعة، صادروا الروح وقالوا إن "المبنى آلة".
  • وحين جهلوا ثقافة المجتمعات وتعقيدها، ادعوا أن العمارة "عالمية" لا تعترف بسياق. 

    لم تكن الشبكة الإنشائية والمخطط الحر والواجهات الزجاجية إنجازاً أو تحريراً، بل كانت طرقاً مختصرة للهروب من الحلول المعمارية العميقة التي كان المعمار الأصيل ينسجها بصبر وتأمل. لقد عاشت هذه المرحلة على تسويق الوهم:

  • تحدثوا عن "الصدق الإنشائي"، بينما أخفوا المكيفات خلف الواجهات لتصحيح خطيئتهم المناخية.
  • تغنوا بـ "الوظيفة"، فأنتجوا علباً لا تتسع لإنسانية الإنسان ولا توفر له السكينة.
  • بشروا بـ "الحرية"، ففرضوا لغة استبدادية صماء وحّدت المدن من ناطحات نيويورك إلى أبراج طرابلس، ومن مدن الساحل إلى مدن الصحراء متجاهلين أن لكل أرض شمسها، ولكل مجتمع ظله. 

    كانت النتيجة هذا الخراب الحضاري الممتد: مدن فاقدة للهوية، وفراغات متصحرة. لقد صببنا الأرض بالخرسانة فتمردت الطبيعة بالفيضانات. واستبدلنا "الحوش" وفناءه الرؤوف بصناديق زجاجية تستهلك طاقة الأرض لتبرد. ومارسنا تجويعاً بصرياً واجتماعياً بهدم الأنساق العمرانية التي كانت تُعلّم الناس كيف يجتمعون، وكيف يستظلون، وكيف يحترمون الجوار. 

    وتعمق السقوط حين انتقل هذا العجز إلى قاعات الدرس وتكرس كمرجعية أكاديمية. لم يعد الأستاذ "شيخ حرفة" ينقل حكمة البناء، بل أصبح مروجاً لصور استعراضية. وانقطع الطالب عن ورش العمل وعن تأمل نسب وأبعاد المدينة القديمة، ليغوص في شاشات تولّد آلاف الأشكال العبثية، مختزلاً الإبداع في مدى غرابة الشكل. 

    في النهاية، لم يؤسس هؤلاء لحضارة، بل قنّنوا الجهل. فكانوا شهوداً وفاعلين في سقوطٍ مدوي لم يأتِ كقدر محتوم، بل كان ثمرة مباشرة لعجزٍ أُلبس ببراعة ثوب الإبداع، وجهلٍ تحول إلى قانون، وتسويقٍ حوّل الوهم إلى مرجع.

الثلاثاء، سبتمبر 29، 2026

عودة الروح إلى البيت الإسلامي

 

جمال الهمالي اللافي

حين يُبنى البيت على قيم الألفة والكرامة، يصبح فضاءً يعيد تشكيل الجماعة ويمنحها القوة.

    لم يعد البيت في كثير من مجتمعاتنا فضاءً للألفة كما كان، بل تحوّل إلى قاعة عرض للأثاث والديكور، تُغلق أبوابه أمام حرارة اللقاء، وتُراقب فيه خطوات الأطفال بقلق، وكأنهم غرباء في بيت أهلهم. هذا التحوّل يكشف عن أزمة أعمق من مجرد تغيّر في الذوق؛ إنها أزمة في فلسفة العمارة ذاتها، حين انفصلت عن قيمها الأصلية التي كانت تجعل البيت وعاءً للجماعة، لا مجرد مأوى فردي.

    البيوت التي صُممت وفق قيم المسكن الإسلامي حملت بين جدرانها روح الضيافة والتواضع، فكانت جاذبة، مفتوحة، تُعيد إنتاج روابط المحبة والتواصل. أما البيوت التي استوردت روحها من الحداثة الغربية، فقد صُممت لتُعرض لا لتُعاش، لتُغلق لا لتُفتح، فصارت طاردة، باردة، تُكرّس الفردية والانعزال.

    ولعل ما قاله ونستون تشرشل في أكتوبر 1943، وهو يناقش إعادة بناء قاعة مجلس العموم البريطاني بعد أن دمّرتها الغارات، يضيء هذه القضية : "نحن نصنع مبانينا، ثم هي تصنعنا."  لم يكن يقصد التنظير المعماري، بل أراد أن يُعاد بناء القاعة كما كانت، حفاظاً على طبيعة النقاش السياسي وروح المواجهة المباشرة بين الحكومة والمعارضة. لكن عبارته، وإن جاءت في سياق محدد، تحمل دلالة أوسع: أن كل مبنى يُشيد يعيد تشكيل قيم ساكنيه ويؤثر في أخلاقياتهم وعلاقاتهم.  

    اليوم، حين ننظر إلى مشاريع الإسكان المستوردة أو الأحياء العشوائية، ندرك أن العمارة ليست محايدة؛ فهي إما أن تُعيد الحياة إلى مفهوم الجماعة، أو تُنتج عزلة وقسوة. ومن هنا فإن مستقبل عمارتنا لن يُقاس بمدى فخامة الواجهات أو حداثة المفروشات، بل بقدرتها على إحياء فضاءات الألفة والكرامة التي كانت أساس البيت الإسلامي، وإعادة بناء المجتمع على قيم الترابط والتلاحم.

الجمعة، سبتمبر 25، 2026

مستنقع المقارنة: من فلاتر الذات إلى مسوخ العمران واللسان

مدينة الخنيفرة بالمملكة المغربية- تظهر نمطاً من العمارة السوية التي تحترم مقومات بيئتها

جمال الهمالي اللافي 

تناولت السيدة الفاضلة لميس شعبان- في منشور على صفحتها- تشخيصاً دقيقاً لأزمة مراهقين وشبان يقعون يومياً في فخ مقارنة أجسادهم وحياتهم بالصور المثالية على منصات التواصل. غير أن هذا التشخيص النفسي الفردي يتيح لنا مدخلاً لإسقاط المعنى ذاته على مستوى حضاري أشمل؛ فالإنسان لا يتوقف عند مقارنة ملامحه أو وضعه المادي بالآخرين، بل يتجاوز ذلك إلى مقارنة أُمته ومجتمعه بمنجزات الأمم الأخرى؛ وهي مقارنة غالباً ما تُبنى على صور برّاقة ومقتطعة تُظهر المظاهر وتُخفي العيوب والقصور. 

ومثلما لا نشبه الآخرين في أجسادنا ولون عيوننا وشعرنا، فكذلك لا نشبههم بالضرورة في ثقافتنا ولا في فنوننا ولا في عمارتنا. غير أن العجز عن الارتقاء بالوعي لاستيعاب سنّة الاختلاف يجعل الإنسان ينزلق من مساحة "التمايز الصحي" والتنوع الطبيعي إلى مستنقع "المقارنة المرضية". وهنا تبرز حقيقة التربية الأسرية والمجتمعية، وتتضافر مع سياسات الحكم غير الرشيد لتعزيز روح الهزيمة النفسية لدى الأجيال المتلاحقة. 

واليوم، كما بالأمس ومنذ قرن من الزمان، يتجلى هذا الواقع المنهزم في شتى مظاهر حياتنا وفي مقدمتها العمارة والفنون؛ حيث يسعى المجتمع لاستنساخ نماذج بصرية وعمرانية غريبة عن بيئته وثقافته، في سلوك يطابق تماماً لجوء الفرد لعمليات التجميل الجراحية لتغيير شكله تلبيةً لصورة مستوردة. وكما تُسفر تلك الجراحات الهوجاء غالباً عن أضرار صحية وتشوهات خَلقية تنتهي أحياناً بوفاة صاحبها، فإن هذا "التجميل العمراني الزائف" أورث المجتمع تشوهاً أخلاقياً واجتماعياً طال قيمه وعاداته وسلوكه اليومي؛ فيُهمّش الطابع المعماري الأصيل الذي كان يصون خصوصية الجار ويعزز التكافل والسكينة، وتُستبدل به كتل خرسانية وهجين بصرية غريبة تُعزز العزلة، وتقتل روح التواصل، وكأننا نُلبس مدننا وجوهاً مستعارة تقتل فيها الحياة وتسلخ المجتمع من ذاته. 

ولا يقف هذا الاستلاب عند حدود العمران والفنون الملموسة، بل تعمّق بفعل المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والسياسية التي مارست دور «الفاعل الأصلي» في تجريف الهوية؛ فهي التي أوردت المجتمعات هذا الواقع المنهزم وصنعت الغيبوبة حتى قبل أن تظهر منصات التواصل الاجتماعي لتزيد الأمر احتقاناً وتفاقماً. فلقد فرّغت هذه المؤسسات مجتمعاتها من كل محتوى أصيل يصون كرامة الذات، وتركت الأجيال بلا حصانة فكرية، لتتلقفها شاشات التواصل بعروضها البراقة التي تستنفر عقدة المقارنة السلبية بدلاً من ترسيخ مبدأ التمايز الحضاري. ونتيجة لهذا التجريف المؤسسي، نشأت أجيال ترطن بغير لغتها ولا لهجتها، وانتقل الاستلاب من كتابة المسميات العربية بلغات أجنبية إلى تسمية كل شيء بتلك اللغات والتنكر للسان المحلي. 

إنها الغيبوبة الحضارية التي تضرب أطنابها في المجتمعات متى ما تولت مؤسساتها تفريغها من محتواها الذاتي، لتسقط في احتقار النفس ومقارنتها بالغير من موضع الدونية. ومادام هذا هو واقع الحال المكرّس بفعليات الرسم والسياسة، فلا ندري حقاً إلى أي جرف هارٍ ستنحدر شعوب أدمنت النظر إلى ذاتها بعيون الآخرين.

الخميس، سبتمبر 24، 2026

فلسفة البيت الأصيل: من العافية إلى البلاغ


جمال الهمالي اللافي

"البيتُ الذي يصمّمه معماريٌّ أصيل، يزنُ مشاريعه باقتدارٍ بيئيٍّ واجتماعيٍّ واقتصاديّ، لا يدخله الطبيب ولا تقربه مكائد الشيطان".. من هذه القاعدة ننطلق، وعلى الله وحده الهداية.

أولاً: الاعتبار البيئي والصحي.. العمارة كطبّ وقائي وجسدي ونفسي (لا يدخله الطبيب)

تتعدى العمارة كونها مجرد عملية مادية لرصف الأحجار وإقامة السقوف، لتصبح منظومة طبية وقائية متكاملة- جسدياً ونفسياً- تُصاغ بها جودة الحياة اليومية. إن المثل الشعبي القائل "البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله الطبيب" يمثل جزءاً يسيراً من حقيقة أعمق؛ فالتصميم البيئي الواعي يعالج الفراغ باعتباره كائناً حياً يتنفس، ويقيم حواراً متوازناً بين الساكن والطبيعة.

عندما يستوعب المعماري الأصيل حركة الشمس وسرعة الرياح السائدة، ويتقن توجيه الفتحات ودراسة العلاقة بين الكتلة والشارع، فإنه يصنع مناخاً داخلياً متوازناً؛ حركة الهواء المجددة، والضوء المنسكب بحساب يمنع التوهج. وتكتمل هذه المنظومة بالانحياز الواعي لـ مواد البناء البيئية الشافية بدلاً من الكتل الخرسانية الصماء؛ كاعتماد الطوب الرملي أو الجيري بسُمكٍ ناضج (40 سم)، لما يتمتع به من قدرة فائقة على العزل الحراري والسعة الحرارية الطبيعية. هذا الاختيار المادي المتقن يُبقي البيت معتدلاً في حرّه وبرده، ويُقلل الاستعانة بالتكييف الاصطناعي وأجهزته إلى الحد الأدنى، مما يقي الجسد من اعتلالات الجملة التنفسية والعصبية الناجمة عن الهواء المحبوس والمناخ القسري.

غير أن الوقاية الصحية لا تتوقف عند حدود الجسد؛ فالنفس تُطبَّب بالجمال وتعتلّ بالقبح. من هنا تبرز أهمية التناسق الفراغي والدمج المباشر للعناصر النباتية والطبيعية في نسيج البيت. إن إتاحة المساحة للغرس والخضرة، واستحضار ظلال الأشجار ونسماتها، وإتقان النسب البصرية داخل البيت وخارجه، يُعدّ بلسمًا علاجياً يُهدئ الجهاز العصبي، ويقلل من مستويات التوتر، ويمنح الروح طمأنينة واستقراراً.

وفي المقابل، فإن طغيان الكتل الخرسانية الجافة وشيوع القبح البصري على حساب العناصر الطبيعية والمواد البيئية، لا يقتصر أثره على التلوث الجمالي للمكان، بل يتحول إلى مصدر استنزاف نفسي وجسدي مكتوم؛ يغرس الضيق في نفوس القاطنين، ويُغذّي القلق والتوتر الدائمين. العمارة الأصيلة تدرك أن القبح الخرساني جائحة صحية، وأن البيئة الخضراء والمواد الطبيعية والتناسق البصري هما خط الدفاع الأول الذي يحمي جسد الساكن ونفسه، فيغدو البيت صحةً للبدن وسكينةً للروح.

ثانياً: الاعتبار الاجتماعي والقيمي.. الفراغ كحصن للسكينة (ولا تقربه مكائد الشيطان)

إن التشكيل الفراغي داخل البيت ليس ترتيباً محايداً للجدران، بل هو الهندسة الاجتماعية والفكرية التي تُدار بها العلاقة الإنسانية داخل الأسرة. فالضيق النفسي والمشاحنات الأسرية ليست دائماً وليدة خلافات فكرية أو مصلحية طارئة، بل كثيراً ما تكون نتاجاً لبيئة سكنية خانقة بنيت على الهوى، فتفتقر إلى السكينة وتفتك بالخصوصية.

تتجسد أصالة المسكن عندما يُصاغ وفق مرجعية إيمانية واضحة، ينبذ فيها المعماري والمالك دوافع المفاخرة والمباهاة، وتتجاوز الرؤية الاقتصادية البحتة التي تختزل البيت في كتل خرسانية صماء، وتتحرر كلياً من التقليد الأعمى للصرعات الغربية المستوردة؛ وهي صرعات نُسخت عن مجتمعات تتأسس على فلسفة مكشوفة لا تقيم وزناً للحرمة أو السكينة.

تتلخص القيم الإسلامية التي حث الشرع على توفرها في المسكن في أصول جليّة:

  • قيمة الستر والحرمة (الخصوصية المطلقة): صياغة التدرج الفراغي من العام إلى الخاص، وعزل حركة الزوار عن حريم البيت، وحجب الرؤية والتجسس البصري، إعمالاً لنسب الستر الشريفة التي تصون كرامة الأسرة وتمنح الطمأنينات لأهل الدار.
  • قيمة السكينة والتراحم: توفير فضاءات تجمع الأسرة على المودة، وتتيح في الوقت نفسه لكل فرد حقه في العزلة والهدوء الاستشفائي دون مزاحمة أو ضوضاء.
  • قيمة التواضع والقصد: نفي الخيلاء والتكاثر، والابتعاد عن المساحات الاستعراضية الميتة التي تُبنى للتباهي وتستنزف المال والروح بلا وظيفة. 

حين تغيب هذه المرجعية العقائدية، ويُبنى البيت على التفاخر أو المحاكاة الغربية، يتولد فضاء هجين يولد التوتر النفسي، ويكشف الحرمات، ويشيع الكآبة وضيق الصدر. في هذه البيئة المضطربة، تجد "مكائد الشيطان" ثغرتها الخسيسة؛ فيستغل التوتر الناجم عن سوء التوزيع الفراغي والانكشاف البصري ليزرع الفتن، ويشعل المشاحنات اليومية والتصادم بين أفراد الأسرة—وهي تصادمات ما كان لها أن توجد في بيت بُني على التقوى والسكينة.

ثالثاً: الاعتبار الاقتصادي.. التدبير والرشد العمراني (الاقتدار في إدارة الموارد)

من السهل على أي منفّذ عابر أن يمدد المساحات المسقوفة ويرصّ الخرسانات ليوهم الزبون بالقيمة والحجم، لكن المعماري الأصيل يتميز بـ "الاقتدار الاقتصادي" الذي يكمن في الرشد، والتدبير، وحسن الاستثمار عبر نظرة متكاملة لدورة حياة المسكن. إن الاقتصاد الحقيقي في العمارة لا يعني الشحّ أو الاكتفاء بالبدائل الخرسانية التلفية الرخيصة، بل يعني "كفّ الهدر" وتأمين أقصى كفاءة حياتية بأعدل كلفة ممتدة.

يتجلى هذا الرشد عند الوقوف أمام التساؤل التقليدي حول فوارق أسعار مواد البناء؛ حين يتردد المالك أمام الارتفاع المبدئي لكلفة مواد بيئية عالية الكفاءة- كالطوب الجيري أو الرملي بسُمك 40 سم- مقارنة بالطوب الخرساني التجاري. هنا يبرز دور المعماري الأصيل في بيان "الحقيقة الاقتصادية الغائبة"؛ فالفارق المالي المدفوع في مادة البناء العازلة ليس إنفاقاً ضائعاً، بل هو استثمار وقائي يُسترد سريعاً من خلال خفض الاستهلاك الكهربائي للتكييف الاصطناعي إلى أدنى مستوياته، وتقليل تكاليف الصيانة الدورية، ناهيك عن الوفر في الإنفاق العلاجي والصحي.

يبدأ هذا الاعتبار الاقتصادي من رسم الخط الأول؛ حيث يرفض المعماري الواعي تضخيم المساحات العشوائية التي تُحشر لمجرد الاستعراض الفراغي وتتسبب في كتم البيت بيئياً، ليمنح المالك بدلاً عنها حلاً وظيفياً مقتدراً بكتلة موزونة. العمارة الأصيلة تحمي الاستقرار المادي لصاحب البيت، وتضمن استدامة السكن وديمومة رفاهيته دون أن تتحول فاتورة تشغيله إلى عبء يورث الهمّ والضيق.

رابعاً: البُعد الرسالي والعقدي.. البناء كشهادة وبلاغ (من هذه القاعدة ننطلق)

إن المسار الذي يسلكه المعماري الأصيل وسط واقع عمراني مشوه ليس مجرد منافسة مهنية في السوق، بل هو جهاد فكري وموقف عقدي يتصل بصلب مفهوم "استخلاف الإنسان وعمارة الأرض". فحين تنفصل العمارة عن التكسب المادي الصرف ولهاث الأرباح السريعة، ترتقي لتصبح رسالة إصلاحية وأثراً ممتداً.

المعماري المسلم، حين يصطدم بثقافة عمران تجارية تُسلّع السكن وتفرغه من القيمة، لا يملك إلا أن يتسلح بـ "صبر الأنبياء"؛ مدركاً أن وظيفته الأساسية هي البلاغ المبين عبر مقالاته التوعوية، والأهم من ذلك عبر شواهده المعمارية القائمة. المبنى الأصيل المنفذ هو البيان العملي الصلب الذي يكشف عيوب السائد ويقيم الحجة على أرض الواقع.

        لا يفزع المعماري صاحب الرسالة من ضياع الفرص التجارية، ولا يستنزفه القلّة أو البطء في استجابة مجتمعه؛ فهو يعلم أن هداية العقول والقلوب بيد الله وحده، وأن مسؤوليته تقف عند حدود إتقان العمل، وإبراز البديل، والصمود على المبدأ، ليأتي يوم القيامة بأثره وشواهده، خالصاً لوجه الله، ومؤدياً لأمانة المعرفة والعمران.

الاثنين، سبتمبر 21، 2026

عُقدة الذنب العُمرانية: لماذا نعتذر عن هويتنا، وكيف نعود إلى نقطة الانحراف؟

جمال الهمالي اللافي 

من المفارقات العجيبة والمحزنة في الخطاب العمراني المعاصر، تلك الحالة من التحرج المقيت والانهزامية النفسية التي تتلبس الكثيرين عند الحديث عن الموروث. فما إن تُطرح رؤية تستلهم النسيج التقليدي، حتى تُستنفر التبريرات الساذجة والديباجات الدفاعية لتأكيد أننا "لا ندعو للتقليد!"، وكأن الاستقاء من المعين الصافي الذي يمثله موروثنا الثقافي بات "تهمة" نخشى التصاقها بنا، أو سُبةً وجب إبطالها قبل الشروع في الحديث. 

يجب أن نتجاوز هذه العقدة بشجاعة؛ فما المشكلة حين نتوه وسط فوضى المدارس المعمارية المستوردة التي شوهت مدننا ومسخت هويتنا، أن نقف عند تفرع الطريق، ونعود إلى النقطة التي انحرفنا فيها عن جادة الصواب؟ إن العودة إلى تلك النقطة ليست نكوصاً، بل هي انطلاقة جديدة لتصحيح المسار والمسير حتى نصل إلى الغاية المنشودة. وكلنا ثقة وتصالح مع ذواتنا بأننا نفعل ما هو صواب؛ وهو موقف لا يتطلب التبرير المرتجف، بل يستوجب التمسك به كحق أصيل في صياغة بيئة تشبهنا. 

عندما ندعو للعودة إلى "البيت الإسلامي"، الذي تمثله بيئتنا بكل معطياتها الاجتماعية والمناخية والاقتصادية وخصوصيتها الثقافية، فإننا نؤسس لعودة واعية. نحن نعود إليه محملين بآلامنا من القصور الفادح للنماذج المستوردة وشقق العمارات الشاهقة؛ تلك القوالب الإسمنتية التي عجزت عن تحقيق أدنى أسباب الراحة والسكينة، وفشلت في توفير الحماية من قسوة متغيرات الظروف البيئية. نعود بعد أن أدركنا عقم هذه النماذج الدخيلة عن خلق بيئة حاضنة للتواصل الاجتماعي، فكانت النتيجة أن كدّرت النفوس، وحطمت الأجساد، واستهلكت الأموال، دون أن تلبي حاجة نفسية واجتماعية، أو تحقق مطلب العيش الكريم. نعود إلى موروثنا المعماري الذي أثبت– في كافة مدننا التاريخية– قدرته الفذة ومرونته العالية في استيعاب أحدث التقنيات المعاصرة، ليتعايش معها إنساننا طبيعياً دون أي عائق يُذكر. 

إن العودة إلى فلسفة المخطط العُمراني للمدينة الإسلامية هي ضرورة حتمية لإنقاذ إنسانيتنا المهدورة في شوارع الإسفلت. نعود إلى المخطط حيث البيوت متراصة، وحيث الشوارع مصممة على المقياس الإنساني لا تسع غير المشاة وآليات التخديم الضرورية لبيوتها ومرافقها، بحجم لا يضطرنا لتمزيق النسيج الحضري وتوسعة الطرق من أجلها. في هذا المخطط، كل خطة وتفصيلة غايتها القصوى هي "راحة الإنسان" وليس "السيارة والآلة". 

في هذا النسيج، يتعمق التواصل بين الجيران، وينشر الظل عباءته ليحمي العابرين والمقيمين من حر الصيف وبرد الشتاء. نحن نعود إلى هذا المخطط محملين بخبرات وتجارب ما بين المؤلمة والطموحة، لنصيغ تجمعاً عمرانياً يعيد "المسجد الجامع" ليحتل مركزه كقلب نابض للمدينة، بدلاً من ركنه في الزوايا المهملة من كل تخطيط لمنطقة. تخطيطٌ تعود فيه المصليات لتكون علامات دالة يهتدي بها الناس إلى حيث غايتهم ومقصودهم. 

إننا لا نستدعي الماضي لنعيش فيه، بل نستدعي حكمته لنبني بها مستقبلاً يليق بنا. ومَن يرى في ذلك تهمة، فليراجع هو بوصلته؛ فالمستلبون وحدهم مَن يخشون الانتماء.

الأحد، سبتمبر 20، 2026

بين الأصالة والاستلاب: الهوية الإسلامية الليبية وحدة المبدأ وشمولية التأصيل

  

جمال الهمالي اللافي

فقط للعلم لمن فاته العلم، 

    حين اخترتُ مسار "التأصيل للهوية الإسلامية" في ليبيا منذ التحاقي بقسم العمارة والتخطيط العمراني، لم يكن ذلك خيارًا عابرًا ولا رد فعل على أحداث يومية، بل كان مشروعًا فكريًا وإنسانيًا وشخصيًا امتد لعقود. كان هذا المسار انحيازًا واعيًا لشخصيتنا الحضارية في زمن سادت فيه مناهج تعزل الإنسان عن جذوره، وتدفع به نحو التغريب والمحاكاة لنموذج يقطع مع العقيدة والتاريخ، وهو موقف دفعتُ ثمنه في مسيرتي الأكاديمية والمهنية دون أن يثنيني ذلك عن المضي فيه. 

    لقد قامت رؤيتي للتأصيل على أن الهوية كلٌّ متكامل لا يتجزأ؛ فالمسكن والمدينة والزي واللسان وسائر المظاهر الحياتية ليست أدوات مجردة، بل هي التعبير المادي والسلوكي عن عقيدة المجتمع وثقافته. ومن هذا المنطلق، لم يكن تنظيري معزولاً عن الواقع الميداني؛ بل نهلت ثقافة التأصيل من عمق المرجعية الحية في مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، ومن رحلات استكشافية وتوثيقية شملت الجبل الغربي (يفرن، جادو، غريان، نالوت، الجوش، كاباو)، والشرق الليبي (درنة ومحيطها)، والجنوب (الجفرة: ودان، هون، سوكنة) وغدامس. كان الهدف دائمًا استلهام عمراننا الأصيل وتحويله إلى واقع معماري، سواء ما نُفّذ منه أو ما بقي حبيس الأدراج. 

    ولأن الرسالة شاملة، لم تتوقف عند العمارة؛ بل امتصّت المقالات والبحوث - من الجرائد الحائطية في قسم العمارة إلى مجلات "آثار العرب" و"مربعات"، ومنتدى المهندسين العرب، وصولاً إلى مدونتي "الميراث" وحساباتي الرقمية - نقدًا صريحًا لكل نظريات التغريب والصرعات الدخيلة التي مسّت السلوك واللسان والملبس. 

    ولم يكن نقدي للملابس الغربية والدخيلة مجرد تنظير على ورق، بل كان موقفًا ميدانيًا مباشرًا؛ فقد تصديتُ مبكرًا لانتشار صرعات الأزياء الغربية الشاذة والمنافية للفطرة وللأخلاق الإسلامية - كعادة (السراويل الطايحة) التي يعلم الجميع جذورها المنحرفة - ووصل بي الأمر إلى مواجهة ونصح أحد كبار موردي هذه الملابس في ليبيا، ونبهته صراحة إلى خطورة استيراد ونشر هذه الأزياء الهادمة لهوية شبابنا وقيمه، فلم أجد منه سوى الاستخفاف والسخرية، في تناقض صارخ بين الركض وراء الربح التجاري وبين واجب الرعاية للهوية العامة! وفي المقابل، طالبنا مرارًا بتعميم الزي الوطني الليبي في مؤسسات الدولة والتمسك باللغة العربية في الفضاء العام والأنشطة المهنية.

وهنا تكمن نقطة الجوهر التي يجب أن تتضح للجميع بغير لبس: 

    إن انحيازي للزي الوطني الليبي، ونقدي لاستبداله بـ "الزي الإقليمي الوافد- أيً كان" وتكريسه كمظهر حصري للالتزام، ينطلق من ذات المبدأ الذي انتقدتُ به الأزياء والتصاميم الغربية الدخيلة. إنها قضية رفض الاستلاب الثقافي والتبعية المظهرية كائناً ما كان مصدرها شرقيًا أم غربيًا. 

    فمن الناحية الشرعية والأصولية، جاءت الشريعة الإسلامية المطهرة بقواعد كليّة عامة وضوابط للحشمة والستر، ولم تفرض على الشعوب زياً جغرافياً محصوداً لمنطقة بعينها، بل أعملت "العُرف" الصالح وأقرت التنوع الثقافي وجعلته باباً للتعارف لا للذوبان (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). إن القضية ليست في مجرد أصل جواز ارتداء زيٍّ لبلد أخر، بل في إسباغ صبغة القداسة أو الأفضلية التعبدية على تقاليد إقليمية بعينها، واختزال المظهر الشرعي فيها، وتهميش الزي الوطني الذي ارتداه أجدادنا وعلماؤنا على مر التاريخ، وهو خلط بيّن بين "جوهر الدين الجامع" وبين "الأعراف الثقافية المحلية" لتلك البيئات. 

    إننا نكنُّ لكافة علماء المسلمين في كل أرجاء العالم الإسلامي - بما فيهم علماء المملكة العربية السعودية - كل الاحترام والتقدير، وننهل من علمهم وفتاواهم بغير تحيز أو تبديع، فلسنا في مقام تقييمهم ولا تصنيفهم. غير أن تقدير العلماء والاستفادة من علمهم الشرعي لا يعني بالضرورة نسخ تقاليد بلدانهم ومظاهرها البيئية على حساب تراثنا وشخصيتنا الوطنية. فالتبعية المظهرية ليست تدينًا، بل هي شكل آخر من أشكال التخلي عن الذات. 

    إن مشروعي المدون على صفحات مدونة "الميراث" وفي أرشيف منشوراتي على صفحتي هذه متاح للجميع، يقرأه من يبتغي الحقيقة والموضوعية. وهو موقف ثابت يتصدى لكل ما يهدد عقيدة وهوية المجتمع الليبي، من الهندسة والعمران إلى اللسان والملبس، بغير محاباة لأحد وبغير خشية من موقف أو مصادرة. 

    رحلة التأصيل مستمرة، والهوية الليبية الإسلامية ستظل أعمق وأجلّ من أن تُختزل في تبعية شكليّة أو صرعة مستوردة.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...