أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات في المعمار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات في المعمار. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، يناير 02، 2026

المعماري بين هيبة "الملك" وعزلة "المُهمش": جذور السقوط في فخ القبح



جمال الهمالي اللافي

مقدمة من ذاكرة الدهشة:

    في مطلع الثمانينيات، وفي مشهدٍ يختصر الفجوة الحضارية بين وعيين، استضافت أختي (بصفتها رئيسة قسم تعليم الأجانب اللغة العربية) مجموعة من طالباتها الغربيات من جنسيات مختلفة، ألمانيات وفنلنديات وغيرهن. كان لقاءً بروتوكوليّاً عادياً حتى اللحظة التي عُرّفتُ فيها كطالب في قسم العمارة؛ حينها، حدث ما لم يكن في الحسبان. لمعت أعينهن جميعاً، وصدرت عنهن حركة وقار موحدة وكأنني "شخص غير عادي" يقف أمامهن. وعند سؤالهن عن سر هذا الانبهار، أتى الجواب بصوت واحد: "مكانة المعماري في بلادنا بمثابة الملك".

    هذه اللمعة لم تكن مجرد تقدير لمهنة، بل كانت انعكاساً لوعي شعوب تدرك أن المعماري هو "حارس الجمال" ومنظم الوجود. لكن، وبكل أسى، نجد هذا "الملك" في واقعنا العربي قد أُسقط من عرشه ليحل محله نجوم الطرب والتمثيل.

واقع التهميش العربي:

    بينما يُتوج المعماري مَلِكاً في الغرب، نجد مقامَه في عالمنا العربي قد أُسقط في حضيض التهميش. وكما يشير المعماري المصري عبد الواحد الوكيل، فإن وزارة الثقافة عندهم لا تولي اهتماماً بغير عالم الطرب والتمثيل. وأضيف عليها أنا المؤسسة الإعلامية بمنظوماتها المتعددة؛ إن التغطيات، والمهرجانات، والجوائز التقديرية تُنحر تحت أقدام "الفن الاستهلاكي"، بينما يُحرم المعماريون والمصممون والمهندسون حتى من "طرف العين" المؤسسي.

المحاور التحليلية للأزمة:

1. المؤسسة الرسمية و"تطبيع القبح"

    هذا التحيز المؤسسي ليس مجرد خطأ إداري، بل هو المحرك الأساسي لما أسميناه سابقاً "تطبيع القبح". فعندما يُغيب المعماري عن المشهد، تفقد الحواس بوصلتها، ويصبح القبح العمراني هو "المألوف" الجديد، وتتحول مدننا من مشاريع حضارية إلى عشوائيات ومبانٍ من صفيح.

2. غياب "الجليس الصالح" للمدن

    بالإسقاط على الحديث الشريف: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير"، نجد أن المعماري في الغرب هو حامل المسك الذي يحظى بتقدير الملوك لأن أثره يفوح في كل شارع وزاوية. أما في مجتمعاتنا، فقد استُبدل هذا الجليس بصناع الترفيه العابر، فخسرنا "ريح الجمال" ووقعنا في "ريح التخلف" وبقايا تجارب الغرب المرفوضة، وهو ما يجسد تماماً أثر نافخ الكير الذي يحرق ثياب الهوية العمرانية.

3. المعماري والومضة الذهبية

    إن التفاوت الذي لمسته في عيون تلك السيدات يفسر أزمة "الومضة الذهبية" عندنا. الغرب يرى في العمارة صلة وصل بين الزمن والهوية، لذا يقدسون المعماري لأنه يمنحهم الاستمرار. أما نحن، فقد فصلنا بين "الزمن" و"الهوية"؛ فنحن نستهلك اللحظة في الطرب والتمثيل (الومضة العابرة)، ونهمش المعماري الذي يصنع "المكان" الدائم.

4. الانهيار الحضاري: من التخطيط إلى العشوائية

    هذا السقوط من "مقام الملوك" إلى "حضيض المهمشين" هو الذي يفسر لماذا تقف مدنهم كمخططات مدروسة، بينما تغرق مدننا في العشوائية. إنها أزمة قيم قبل أن تكون أزمة بناء:

·         في الغرب: المعماري يصنع مقومات الحضارة.

·         في الشرق: تهميش المعماري يرسخ مظاهر التخلف.

رسالة مفتوحة إلى "سدنة الثقافة" ومنظومات الإعلام: كفى تهميشاً لصنّاع الحضارة

    إن الفجوة التي تبدأ من "لمعة عين" سيدة غربية وتنتهي بـ "مباني الصفيح" في مدننا، ليست مجرد صدفة، بل هي نتاج سياسات إقصائية ممنهجة. لذا، نوجه هذه الرسالة إلى وزارة الثقافة والمؤسسة الإعلامية العربية:

1.   كفوا عن "تطبيع القبح" بمهرجانات الطرب: إن حصر مفهوم "الإبداع" في الحنجرة والتمثيل فقط هو قصر نظر حضاري. بينما تنفقون الميزانيات الضخمة على مهرجانات تنتهي بانتهاء التصفيق، تنهار مدننا بصرياً لأنكم غيبتم المعماري—"الجليس الصالح" للمدن—عن المنصات التقديرية.

2.   استعادة "مقام الملك" للمعماري: إن المعماري ليس تقنياً ينفذ الأوامر، بل هو "ملك" الفراغ وصاحب الرؤية السيادية على المكان. إن استمرار تجاهلكم لهذا الدور يحول مبدعينا إلى "مهمشين" يبحثون عن تقديرهم في الخارج، بينما تظل ساحاتنا العمرانية مرتعاً لعشوائية "نافخ الكير".

3.   العمارة هي "الومضة" التي لا تنطفئ: إذا كانت الفنون الأخرى تقدم متعة "اللحظة"، فإن العمارة هي الفن الذي يربط الزمن بالهوية. إنكم بتهميشكم للمعماري والمصمم، تكرسون حالة "الومضة الذهبية" المبتورة؛ حيث نعيش في زمن بلا هوية مكانية واضحة.

4.   نداء للتغيير قبل السقوط التام: إن المدن العشوائية التي تحيط بنا هي "شهادة إدانة" ضد كل مؤسسة أغمضت طرفها عن المعماري. المطلوب اليوم ثورة في الوعي المؤسسي تضع المعماري في مكانه الطبيعي؛ كقائد للتحضر ومصحح للمسار البصري.

خاتمة وخلاصة

    لقد أدركت تلك السيدات الغربيات في الثمانينيات ما لم تدركه مؤسساتنا حتى اليوم: أن هيبة المعماري من هيبة الوطن. إن تلك الحركة الموحدة التي صدرت عن السيدات الألمانيات والفنلنديات كانت اعترافاً صريحاً بالسيادة. وبدون استعادة هذه "السيادة" للمعماري العربي، وبدون أن تلتفت إليه المؤسسات الثقافية بتقدير حقيقي، سنبقى نعيش في "أخطاء التجربة" التي يرميها الغرب خلفه، ونظل نكرس القبح كواقع لا مفر منه، حتى نفقد آخر ما يربطنا بمفهوم الحضارة.

الأربعاء، ديسمبر 31، 2025

التجربة النقدية المعمارية في ليبيا: ملامح الغياب وأفق الوجود.


جمال الهمالي اللافي

المقدمة

في مثل هذا اليوم من عام 2017 نشرت مقالة على صفحتي بالفيسبوك ومدونتي الميراث حول غياب النقد المعماري السوي في ليبيا. واليوم، بعد ثماني سنوات، أعيد طرح القضية لأن الموضوع لا يزال يفرض نفسه بقوة في ظل غياب حركة نقدية جادة، رغم تنامي النشاط المعماري على مختلف الأصعدة؛ من المحاضرات العامة والفعاليات الأكاديمية، إلى معارض مواد البناء التي تصاحبها عروض لمكاتب معمارية، فضلاً عن الزخم الكبير من المشاريع التي تُنفذ على أرض الواقع.

هذا الغياب ليس جديداً؛ فمنذ تأسيس قسم العمارة بجامعة طرابلس عام 1969، وظهور أولى المشاريع المنفذة لخريجيه، اتخذ النقد أشكالاً متباينة بين التهميش، الاستهانة، والتسفيه. هذه المقالة تسعى إلى إعادة طرح القضية اليوم، لتوضح ملامح التجربة النقدية في ليبيا، وتفتح أفقاً لتأسيس حركة نقدية سوية وبنّاءة، تكون صوتاً مكملاً للحراك المعماري، لا غناءً خارج السرب.

1.      النقد بالتجاهل والتهميش

منذ أول مشروع معماري نفذه خريج القسم (مثل مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني للطاهر الزلوزي)، ظهر جلياً أن النقد اتخذ شكل اللامبالاة. لم يُحتفَ بهذه المشاريع، لم تُوثَّق، ولم تُسجَّل كسوابق معمارية ليبية. هذا التجاهل شكّل حالة نقدية هدامة، إذ رسّخ ثقافة الصمت والاكتفاء بالحديث عن تجارب عالمية دون الالتفات إلى الواقع المحلي.

2.      النقد بالاستهانة والإنكار

ظهر نوع آخر من النقد في كتابات بعض المعماريين الذين تعاملوا مع العمارة الليبية وكأنها بلا محاولات للتجديد أو التأصيل. تجاهل هؤلاء جهوداً موثقة منذ التسعينيات، من كتابات ومقالات نشرت في مجلة آثار العرب، ثم في جريدة الشط ومجلة مربعات. هذا النوع من النقد يخلق فراغاً وهمياً ويُقصي تاريخاً نقدياً موجوداً بالفعل.

3.      النقد بالتسفيه والاتهام بالتقليد

محاولات التأصيل للعمارة الليبية وُصمت بالتقليد دون تحليل موضوعي. لم تُقرأ هذه الأعمال قراءة متأنية تكشف مواطن التجديد ومكامن التقليد. النتيجة كانت انتقاصاً من جهود جادة بدل تقييمها بإنصاف، وهو ما عطّل إمكانية تطوير خطاب نقدي متوازن.

دراسة حالة: مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني

يُعد مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني، الذي صممه المعماري الطاهر الزلوزي (رحمه الله وغفر له)، مثالاً بارزاً على غياب النقد البنّاء باعتباره أول محاولة للتأصيل المعماري من طرفي خريجي قسم العمارة والتخطيط العمراني.        

. من الناحية المعمارية: المشروع قدّم محاولة لتأسيس لغة تصميم حضرية حديثة في طرابلس، تجمع بين الوظيفة السكنية والهوية المحلية.

·  من الناحية النقدية: لم يحظَ المشروع بأي تعليق أو توثيق، ولم يُسجَّل كسابقة معمارية ليبية رغم أهميته التاريخية.

·    القراءة النقدية الممكنة: لو تم تناول المشروع بجدية، لكان بالإمكان تحليل مدى نجاحه في تحقيق التوازن بين الكثافة العمرانية والراحة السكنية، ومقارنته بتجارب مشابهة في المنطقة العربية. هذا النوع من النقد كان سيمنح المشروع مكانته ويؤسس لخطاب معماري محلي.

خصوصية التجربة الليبية

النقد في ليبيا اتخذ أشكالاً سلبية أكثر من كونه ممارسة بنّاءة. هذه الخصوصية تكشف عن معوقات فكرية وأخلاقية حالت دون تأسيس حركة نقدية متماسكة. ومع ذلك، وجود هذه الأنماط يعني أن النقد حاضر، حتى لو كان مشوهاً أو ناقصاً، وهو ما يستدعي إعادة توجيهه نحو البناء لا الهدم.

الدعوة

الحركة النقدية المعمارية في ليبيا موجودة بالفعل، لكنها لم تُؤرَّخ بشكل منهجي ولم تُمارَس بروح الإنصاف. المطلوب اليوم هو:

  • التوثيق: تسجيل المشاريع والكتابات النقدية كجزء من ذاكرة معمارية وطنية.
  • التحليل الموضوعي: قراءة الأعمال بميزان الإنصاف، بعيداً عن التهميش أو التسفيه.
  • المقارنة العالمية: وضع التجربة الليبية في حوار مع الحراك المعماري الدولي.
  • الاعتراف بالجهود السابقة: البناء على ما أنجزه النقاد والمعماريون منذ عقود.

بهذا يمكن للحركة النقدية أن ترتقي لتصبح أداة تطوير حقيقية، تواكب تطلعات المجتمع الليبي وتدخل في حوار مع العالم.

الخاتمة

الحركة النقدية المعمارية في ليبيا ليست معدومة كما يُظن، لكنها تعاني من اختلال في منهجها؛ إذ اتخذت أشكالاً من التجاهل، الاستهانة، أو التسفيه، بدل أن تكون ممارسة بنّاءة تُحلّل وتُقيّم وتُوثّق. المثال الوحيد الذي استُحضر هنا – مشروع زاوية الدهماني – لم يكن لعرضه كموضوع نقد معماري بقدر ما كان شاهداً على غياب النقد السوي الذي يُعطي المنجز حقه ويضعه في سياقه التاريخي.

إن جوهر القضية ليس المشاريع ذاتها، بل غياب الحالة النقدية السوية التي تبني ولا تهدم، تعترف ولا تُقصي، وتؤرّخ بدل أن تُهمِل. المطلوب اليوم هو تأسيس خطاب نقدي ليبي متوازن، يقرأ الأعمال بإنصاف، ويضعها في حوار مع المجتمع والواقع العالمي، ليكون النقد أداة ارتقاء لا أداة تجاهل.

الاثنين، ديسمبر 29، 2025

عمارة "اللاشيئية": حين يفقد المعماري الليبي بوصلة الانتماء

 


جمال الهمالي اللافي

    لمن أصمم؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب أن يسبق كل خط قلم. بالنسبة لي، الإجابة واضحة وممتدة عميقاً في الوجدان: أنا أصمم للمجتمع الليبي، لأنني أنتمي إليه بالولادة والجذور والعقيدة. هذا الانتماء ليس مجرد شعار، بل هو منهج عمل يفرض عليّ مراعاة جميع الاعتبارات؛ من الظروف الاجتماعية والمناخية إلى التحديات الاقتصادية، دون التغافل لحظة واحدة عن الهوية الثقافية والمعتقد الديني.

    أينما وُجدت بيئة ليبية كُلفت بالعمل فيها، فإن مهمتي لا تنتهي عند وضع المخططات، بل تبدأ بتلمس جوانب الخصوصية في هويتها المعمارية والاجتماعية. أنظر للمحددات كفرص، وأستثمر مقومات البيئة من مواد بناء وتشطيب وعناصر تأثيث، لتكون العمارة ابنة شرعية لأرضها.

فخ القشور وذوبان الهوية

    لكن، وبنظرة فاحصة على واقعنا المعاصر، نجد أن المعماري الليبي قد استقال –في كثير من الأحيان– من مسؤولياته تجاه بيئته. لقد غرق في تقليد الموجات المعمارية الغربية والتماهي معها دون توفر مقوماتها الحقيقية من تقنيات ومواد بناء؛ فاكتفى بـ "القشور الظاهرة" والواجهات البراقة التي لا تلبث أن تنطفئ أمام شمسنا الحارقة، أو تفشل في احتواء عاداتنا الاجتماعية الصارمة.

    النتيجة كانت ولادة مسخ معماري؛ فلا هو انتمى لبيئته وأصالتها، ولا هو استطاع أن يكون نسخة حقيقية من العمارة الغربية بتعقيداتها التقنية. هنا نشأ نوع جديد وهجين من العمارة أسميه "اللاشيئية".

الوقوف على حافة الفراغ

    إن عمارة "اللاشيئية" هي "تطبيع للقبح" في أقصى تجلياته، حيث تفقد الحواس بوصلتها وتعتاد العين على الفوضى البصرية. إنها حالة من الانفصام المعماري تجعلنا نعيش في فراغات لا تشبهنا، ونبني مدناً غريبة عنا وعن تاريخنا.

    إنني أحذر من التمادي في هذا النهج، وأدعو زملائي المعماريين للمراجعة واليقظة قبل أن يبتلعنا الفراغ الأسود، فنفقد بداخله قدرتنا على الوقوف باتزان على أرضية صلبة. هذه الأرضية هي هويتنا التي بدونها سنظل معلقين في هواء "اللاشيء"، بلا ماضٍ يحمينا ولا مستقبل يمثلنا.

    إن الأمانة المعمارية تقتضي منا العودة إلى الذات؛ ليس من باب الانغلاق، بل من باب الاحترام للإنسان الليبي وبيئته، لنصنع عمارة تتحدث لغتنا، وتفهم احتياجاتنا، وتصمد أمام تقلبات الزمان.

الأحد، ديسمبر 28، 2025

الهوية المعمارية بين الواجهة والجوهر: نحو مشروع ليبي للتأصيل

  


جمال الهمالي اللافي

الواجهة كقشرة والداخل كروح

تواجه العمارة المعاصرة إشكالية جوهرية تتعلق بالهوية: هل هي مجرد واجهة تُزيّن المباني لتأكيد الانتماء، أم منظومة متكاملة تتغلغل في الداخل والخارج معاً لتصوغ تجربة الإنسان في المكان؟ هذا السؤال يزداد إلحاحاً في السياق الليبي، حيث تتقاطع الحاجة إلى التنمية العمرانية مع ضرورة الحفاظ على الأصالة الثقافية.

كثيراً ما يُختزل مفهوم الهوية المعمارية في الواجهات الخارجية، وكأنها بطاقة تعريف بصرية تكفي لتأكيد الانتماء. غير أن هذا المنظور يظل ناقصاً إذا لم يمتد إلى الداخل حيث يعيش الإنسان ويتفاعل مع المكان. فالواجهة ملك لعامة الناس في الشوارع، أما الداخل فهو فضاء التجربة اليومية، حيث تتجسد العلاقة الحقيقية بين الإنسان والعمارة.

ويزداد وضوح هذه الإشكالية عند النظر إلى بعض التجارب المعاصرة، مثل التوجه الرسمي في السعودية لترسيخ الهوية المعمارية عبر الواجهات الخارجية. ورغم أن هذه الخطوة تُعد بداية مباركة في مسار التأصيل، إلا أن الاقتصار على الواجهة يحوّل الهوية إلى قشرة هشة، بينما شمولها للداخل يجعلها جسداً حياً ينبض بالمعنى، ويمنح العمارة دورها الأصيل كبيت للروح ومسرح للحياة اليومية.

الهوية المكانية والذاكرة الجمعية

الهوية المعمارية ليست مجرد شكل بصري، بل هي انعكاس لـ الهوية المكانية التي ترتبط بالبيئة الطبيعية والاجتماعية، ولـ الذاكرة الجمعية التي تحفظ تجارب المجتمع وتعيد إنتاجها في الفضاء العمراني. الاقتصار على الواجهات الخارجية يحوّل الهوية إلى قشرة هشة، بينما شمولها للداخل يجعلها جسداً حياً ينبض بالمعنى، ويجعل العمارة وسيطاً بين الماضي والحاضر.

دروس من التجارب العالمية

التجربة المكسيكية: ألوان وزخارف تحكي التاريخ

في المكسيك، الهوية المعمارية لا تتوقف عند الواجهة، بل تتغلغل في تفاصيل الداخل:

  • الألوان: الأحمر القرميدي، الأصفر الذهبي، والأزرق الفيروزي، وهي ألوان مستوحاة من الطبيعة والاحتفالات الشعبية.
  • الزخارف: بلاط Talavera المزخرف، الذي يحكي قصصاً من التراث الإسباني والموروث المحلي.
  • الأثاث: الخشب المنحوت يدوياً، الحديد المشغول، والفخار التقليدي، مما يجعل كل قطعة تحمل بصمة الحرفي المحلي.
  • هكذا جعلت من الألوان الدافئة والزخارف التقليدية والأثاث اليدوي امتداداً للهوية، بحيث يصبح الداخل فضاءً يحكي التاريخ ويستدعي الذاكرة الشعبية. ويصبح الداخل امتداداً للهوية، لا مجرد فراغ محايد.

التجربة الكينية: الطبيعة والهوية في الداخل

أما في كينيا، فالتجربة المعاصرة في التصميم الداخلي فدمجت الهوية المحلية مع الاستدامة، عبر استخدام المواد الطبيعية والألوان الترابية والأثاث المستوحى من التراث القبلي، مما جعل الداخل مساحة تحكي قصة المكان والناس.

  • الألوان والمواد: اعتماد الألوان الترابية المستوحاة من المناظر الطبيعية، مع استخدام الخيزران، الأخشاب المحلية، والزجاج المعاد تدويره.
  • الأثاث: تصميم قطع أثاث يدوية الصنع تعكس التراث القبلي، وتستحضر أنماط الزخرفة التقليدية في المنسوجات والجداريات.

·         الزخارف: إدخال عناصر مستوحاة من الحياة البرية والرموز الثقافية، مما يجعل الداخل مساحة تحكي قصة المكان والناس.

هنا يصبح التصميم الداخلي وسيلة للحفاظ على الهوية، وفي الوقت نفسه أداة للتنمية المستدامة ودعم الحرفيين المحليين.

التجربة السعودية: خطوة أولى تحتاج إلى اتساع

في السعودية، الخطوة الرسمية لتأصيل الهوية في الواجهات هي بداية مباركة، لكنها تحتاج إلى اتساع لتشمل الداخل أيضاً. فاقتصار الهوية على الخارج يحوّلها إلى قشرة هشة، بينما شمولها للداخل يجعلها جسداً حياً ينبض بالمعنى.

  • يمكن للألوان المستوحاة من البيئة الصحراوية والبحرية أن تدخل في تفاصيل الفراغات الداخلية.
  • يمكن للحرف اليدوية المحلية أن تتحول إلى عناصر أثاث وزخرفة.
  • يمكن للهوية أن تُترجم في توزيع الفراغات بما يعكس أنماط العيش المحلية، لا مجرد قوالب مستوردة.

السياق الليبي: التحديات والفرص

في ليبيا، الهوية المعمارية ما تزال تبحث عن صياغة معاصرة تتجاوز الاستعارة السطحية للرموز. التحدي يكمن في كيفية الجمع بين الأصالة والمعاصرة:

  • الأصالة: استلهام الألوان من البيئة الصحراوية والبحرية والريفية والجبلية، وتوظيف الحرف اليدوية في الأثاث والزخارف، وإبراز الرموز الثقافية في توزيع الفراغات.
  • المعاصرة: الاستفادة من التقنيات الحديثة في البناء، وتبني معايير الاستدامة، وتطوير حلول وظيفية تلبي احتياجات المجتمع الحديث.

هنا يصبح المشروع المعماري جسراً بين الماضي والمستقبل، بين الذاكرة الجمعية ومتطلبات العصر.

نحو مشروع ليبي للتأصيل

لتحقيق مشروع معماري يجمع بين الأصالة والمعاصرة، لا بد من تظافر جهود متعددة:

  • المعماريون: لصياغة الفراغات وفق منطق يعكس أنماط العيش المحلية.
  • المصممون الداخليّون: لترجمة الهوية في تفاصيل الأثاث والألوان والزخارف.
  • الفنانون التشكيليون: لإدخال البعد الرمزي والجمالي الذي يربط العمارة بالذاكرة الجمعية.
    هذا التعاون يضمن أن تكون المشاريع المعمارية امتداداً للهوية الليبية، لا مجرد استنساخ لنماذج مستوردة.

خاتمة

إن الهوية المعمارية مشروع جماعي يتجاوز حدود الواجهة ليطال الداخل والخارج معاً. في ليبيا، يمكننا أن نسير على خطى التجارب العالمية الناجحة في تأصيل الهوية المعمارية عبر الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ليس في الواجهات فقط بل في الداخل أيضاً، حيث يعيش الإنسان ويتفاعل مع المكان. إن استلهام الألوان من البيئة المحلية، وتوظيف الحرف اليدوية في الأثاث والزخارف، وإبراز الرموز الثقافية في توزيع الفراغات، كلها خطوات تجعل العمارة جسداً حياً يعكس روح المجتمع. ولتحقيق ذلك، لا بد من تظافر جهود المعماريين والمصممين الداخليين والفنانين التشكيليين في صياغة رؤية مشتركة، تضمن أن تكون مشاريعنا المعمارية امتداداً للذاكرة الجمعية ومعبّرة عن هوية ليبية أصيلة، قادرة في الوقت نفسه على مواكبة العصر.

إن إعادة النظر في التصميم الداخلي ليعكس الهوية المحلية هو ما يرسّخ العمارة كبيت للروح ومسرح للحياة اليومية. كل خطوة في هذا الاتجاه تقود إلى ما بعدها، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة على الطريق الصحيح.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...