أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، فبراير 27، 2020

فقر العمارة





جمال اللافي

العمارة الفقيرة، هي تلك التي تخلو من الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة المتجانسة، التي تضفي على المكان حيويته، فتبعث في النفس شعوراً بالبهجة، لا يُعرف سره ولا مصدره. وكلما تكرر وجودنا في هذا المكان راودتنا تلك المشاعر من جديد، حتى نُقر بأنه مصدرها الوحيد ولا شيء آخر.

والمعماري القادر على إثراء المكان بتلك التفاصيل المُبهجة، لابد أنه عايشها يوماً ما في طفولته، فهي لا تأتي من مطالعة الكتب ولا من كثرة الترحال بين البلدان والمدن. إنما تنبع من الأعماق، من مخزون الذاكرة، من بيت الجد.

ما نخشاه اليوم، هو خلو عمارتنا المعاصرة من هذه التفاصيل الباعثة على البهجة، التي تستدعي العين للتأمل فيها، فتُمكّن للذاكرة أن تستوعبها وبالتالي تختزنها. وما نراه فقط هو مصفوفة من الحوائط الصماء مختلطة الألوان، الباعثة على الملل. والمثقلة بالحاجيات المستوردة من هناك وهناك، المتنافرة والمبتذلة رغم غلو أثمان بعضها.

بيت الجد في العمارة المعاصرة، غير قابل للترحيل إلى الأجيال القادمة، لأنه اصبح مثالاً حيّاً على العمارة الفقيرة.

الثلاثاء، فبراير 25، 2020

من ذكريات البحث العلمي (1)



 


بقلم أ.د. علي مسعود البلوشي

يجد الباحث في المعرفة والعلم كثيراً من المشاق والصعاب والمعاناة من أجل الوصول للحقائق المُرْضية والمقنعة التي كان الباحث لا يعرفها أو كانت مشوشة في ذهنه، ولكن في النهاية يصل الباحث إلى الرضى النفسي ، وهذه لذَّة لايُدركها أو يحس بها إلاَّ من سبح في مجاهلها وتوغّل واجتاز دروبها وعاش مشاقها لفترات وسنوات عديدة ، والحمد لله خُضْتُ هذه التجربة ومازلت مُنذ إيفادي للدراسة بجامعة القاهرة (1964-1968) ، وإيفادي للدراسةالعليا بالولايات المتحدة (1971-1979) في مجال التاريخ والحضارة والأثار وعلم تاريخ الفن والعمارة ، تَذَوَّقتُ خلال هذه المدة طعم ولذَّة وشقاء البحث العلمي ، ومازلتُ أواصل في هذا المشوار بمسؤولية أكثر وأكبر وأوسع ، وفي شتَّى المجالات المتعلقة بمهنتي كعضو هيئة تدريس جامعي وباحث ومشرف ومستشار واختصاصي في هذه المجالات العلمية .

هذه الصور المرفقة توضِّح زيارتي الأولى لمبنى ومكتبة زاوية العالم (الباقول) الواقعة في بلدة الرياينة والخلايفة بالجبل الغربي في سنة 1976 والتي قُمتُ أثناءها بتصويرها ورسم مخطط معماري لها ولي كثير من الزوايا الأخرى واستعراضي لعشرات المخطوطات والكتب المحفوظة في مكتبة الزاوية للحصول على معلومات عن الزاوية وتاريخها (1799) وتاريخ تطورها المعماري ومساهمتها في نشر التعليم والمعرفة والثقافة ، كما زرتها في سنة (2006) عندما شُكِّلتْ لجنة من بعض أساتذة الجامعات الليبية وكنت عضواً فيها لتأليف كتاب بعنوان معالم الحضارة الإسلامية في ليبيا والذي صدر سنة (2007) فوجدتها في حالة سيئة ومهملة ، واختفت مكتبتها ومخطوطاتها والله يعلم ما حل بها .وشُيِّد الى جوارها مسجد حديث .


تتكون الزاوية من نحو 22 خلوة لسكن الطلاب والاساتذة ،ومسجد صغير وغرفة ضيافة .والبناء يُمثِّل المعمار الشعبي الخالي من البهرجة المعمارية، وعلى بعد نحو 300 متر الى الجنوب من مبنى الزاوية يقع ضريحان مقببان ، أحدهما يضم قبر مؤسس الزاوية الشيخ محمد بن إمحمد بن عبد النبي البوسيفي الشهير بالعالم ، والضريح الثاني يضم قبر سيدي إمحمد بن سويق . وعند زيارتي الاولى تعرّفت على وكيلها (الظاهر في الصورة ) وهو الشيخ أحمد عبد الحفيظ التقاز البوسيفي . 




وهذه الزوايا في جميع ارجاء ليبيا هي التي حفظت تراث وثقافة الحضارة الاسلامية والحمد لله. ونسأل الله لهم المغفرة والرحمة لكل من ساهم في تشييدها ، وتعلم فيها ،ودرّس طلابها ،ونهل من علمائها ومشائخها واستفاد من مكتبتها وساهم في تأليف مخطوطاتها .


الاثنين 24-2-2020



السبت، فبراير 22، 2020

ماهية المدينة



ما هي المدينة، غير كونها مجموع الأنشطة التي تدور فيها بتنوعها، فتجعل من بعضها مدناً ريفية وأخرى حضرية، ومدناً صناعية وأخرى تجارية، ومدناً زراعية وأخرى رعوية. ومدناً تستوعب كل هذا التنوع، فتكون حاضرة كل تلك المدن. وما هي المدينة التي هنا وليست هناك، غير تلك الخصوصية التي تميز طبيعة هذه الأنشطة عن تلك.

صورة المدينة لا تتشكل وفق رغبة فرد أو اعتراض دولة، بل هي تتشكل بخيارات مجموع سكانها، عندما تجمعهم رؤية مشتركة يؤطرها احترام الجميع للمكان الذي يتشاركون العيش فيه، فلا قمامة ترمى في الشوارع ولا سلوكاً يؤدي الآخرين، وفي المقابل لا تحجر على أي نشاط يشكل مصدر عيشٍ للبعض من سكانها أو من تضطرهم الظروف لقضاء بعض مصالحهم المؤقتة فيها.

ومهمة مخطط المدن والمعماري تنحصر فقط في استثمار هذا التنوع في الأنشطة الحياتية للمجتمع، ليصنع منها تلك البيئة العمرانية التي تثري المحيط ولا تخلق تنافرا معه.

التحضر بمفهومه الأخلاقي، ليس نظاماً تخطيطياً أو شكلاً معمارياً يُغلّف المدينة بغلافٍ أنيق لا يحتمل الاتساخ أو لا يستوعب المتغيرات الطارئة، يسعى مخطط المدن والمعماري لفرضه أو تأطيره بقوة قوانين كيّفها لتتوافق مع مستوى إدراكه القاصر. بقدر ما هو سلوكاً يومياً عفوياً يمارسه أفراد المجتمع داخل محيطهم العمراني، من خلال علاقاتهم الإجتماعية أو النشاطات الاقتصادي التي يمارسونها والقيم التي يعتنقونها ويلتزمون باحترامها في إدراكهم الجمعي.


بعضاً من المعماريين حتى هذه اللحظة غير قادر على استيعاب هذه الحقيقة... أو هو لا يريد.


لهذا لا زالت المدن القديمة، التي خط مساراتها العقل الجمعي لسكانها، تضج بعفوية الحياة، بينما تقف المدن المعاصرة عاجزة عن خلق حياة طبيعية لسكانها والمحافظة على استدامة مبانيها.

ماهية العمارة



جمال اللافي


العمارة، هي النقطة التي يلتقي فيها حاضر الأمة بماضيها وهي في طريقها إلى أن تصنع مستقبلها.

لهذا فالعمارة التي تنفصم عن واقعها وتنغمس في الماضي، هي في حقيقتها ليست بعمارة معاصرة، بقدر ما هي لوحة كرنفالية تمجد الماضي.

كذلك العمارة التي تنفصم عن ماضيها، بحجة البحث عن الجديد والهروب من التقليد، هي أيضا ليست بعمارة بقدر ما هي لوحة ساخرة لسلوك أحمق.

والمحصلة لن يكون هناك وجود لعمارة في المستقبل، إذا ما انغمست في الماضي، أو انفصمت عنه.

فالعمارة، روح تتجدد في أعماقها ومن دواخلها، ولا تبحث عن التغيير خارج كيانها الذي انبنت أركانها على اساساته.

الثلاثاء، فبراير 11، 2020

حوش القلعة... بين ثقافتي الهدم وإعادة التأصيل.

حوش القلعة بمنطقة تاجوراء- بضواحي طرابلس

جمال اللافي


يقع هذا البيت بمنطقة النعاعسة بتاجوراء بضواحي طرابلس، ويمثل نموذجا متميزا لبيوت المزارع بحجمه الكبير، زرته في أحدى أمسيات العام 2006 ، وكانت حالته الإنشائية جيدة جداً، صحبة مجموعة المعماريين بمكتب المدرسة الليبية للعمارة والفنون، بدعوة من فؤاد النعاس (رحمه الله وغفر له) أحد أبناء العائلة، في موعد لم يتم الترتيب له مسبقاً، بقدر ما كان وليد لحظة الالتقاء به والحديث عن العمارة وشجونها المحلية واهتمام مجموعة المكتب بكل ما يرتبط بها من شواهد لازالت قائمة تتحدى الإهمال والتشويه.


تكررت الزيارة في العام 2016 بموعد تم الترتيب له مسبقاً من طرف المهندس بشير بريكة مع الأخ جمال النعاس أحد أبناء العائلة، صحبة مجموعة من الزملاء المعماريين والمهندسين وأساتذة كلية الفنون الجميلة المهتمين بالعمارة المحلية. ولم يفت المجموعة في نفس اليوم فرصة زيارة بيت آخر لهذه العائلة يقع بالقرب منه ويقطن الأخ فتحي النعاس بيت حديث النشأة ملاصق له ومتصل به عبر ممر مشترك، وما ميز هذا البيت أنه بحالة جيدة، مقارنة بحوش القلعة الذي تهدمت حوائط وأسقف أجزاء كبيرة منه. وتم الاتفاق على العودة للقيام بأعمال رفع مساحي لحوش القلعة.



       وهذا ما تم بالتعاون مع المهندس خالد سالم المبروك والمهندس رشيد كعكول. حيث توليت أعمال توثيق تفاصيل المفردات المعمارية من أبواب ونوافذ وأقواس وأعمال خشبية وزخرفية أخرى، وتولى المهندس خالد المبروك أعمال الرفع المساحي بمساعدة من المهندس رشيد كعكول. وتكفل المهندس خالد بإنجاز رسم الخريطة المعمارية للحوش بأكمله في ظرف أسبوع واحد. ولم تتح الفرصة بعدها لتصحيح بعض الأخطاء في أعمال الرفع المساحي واستكمال النواقص نظراً لتعارض مواعيد عمل صاحب البيت مع مواعيدنا.

المهندس خالد سالم المبروك، أثناء أعمال الرفع المساحي للبيت
      وكلما نظرت إلى خريطة هذا البيت راودني شعور بالأسى على عدم التمكن من استكمال أعمال الرفع المساحي له، قبل أن يتم هدم البيت حسب ما افاد به صاحبه. إلاّ أنه في أحد الأيام كانت هذه النظرة إلى خريطة هذا البيت مختلفة عن سابقاتها، حيث تبادر إلى ذهني تساؤل مفاده، لماذا لا أقوم بإعادة تصحيح الأخطاء واستكمال النواقص من واقع معرفتي بتفاصيل البيت. ثم انتقل التفكير إلى منحى آخر وهو، لماذا لا أعيد رسم الخريطة المعمارية لهذا البيت وكأنه بُني حديثا وبزوايا قائمة مع الحفاظ على سمك الحوائط (60 سم) على حالها. على أن يتم في فترة لاحقة تقليص هذا السمك إلى (40 سم) للحوائط الخارجية، و (20 سم) للحوائط الداخلية، و(10 سم) لبعض الفواصل.


وهذا ما تم العمل عليه بفرضية أن البيت القديم لم يعد صالحاً للسكن بحكم تهدم أجزاء كبيرة منه. وأن إعادة ترميمه وصيانته ستكون مكلفة جداً، ولا تتوفر عوامل نجاحه بالصورة الصحيحة، وخصوصا فيما يتعلق بإعادة بناء حوائطه وأسقفه المتهدمة بنفس المواد والتقنيات السابقة.


وبالتالي في حالة أصبح أمر هدم مثل هذه البيوت أمرا واقعا ولا مفر منه، فهذا لا يعني أن هذا النمط من البيوت غير قابل لإعادة بعث الحياة فيه في بيوت جديدة ومتوافقة مع هذا العصر بكل متطلباته ومواد بنائه ونظم إنشائه المتاحة محليا، وخصوصا عندما نقف قليلا لنتدبر في حقيقة أن هذه البيوت لا يخالطها أي عيب أو قصور في قدرتها على التواؤم مع متطلبات الليبيين واحتياجاتهم المعاصرة. ولا تقف أيضاً حائلا أمام استيعاب التقنيات المعاصرة بضروراتها وكمالياتها. بقدر ما يحفظ لهذا النمط المعماري المحلي تواصله مع التاريخ وحفاظه على هويته المعمارية المتميزة، سواء في توزيعه الفراغي أو في تفاصيله ومفرداته المعمارية والزخرفية.



رابط المقالة على صفحتي بالفيسبوك لمزيد من الصور:


المواضيع الأكثر مشاهدة

بحث هذه المدونة الإلكترونية