أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

‏إظهار الرسائل ذات التسميات بيوت تقليدية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بيوت تقليدية. إظهار كافة الرسائل

السبت، يناير 31، 2026

عمارةُ الاستغناء: "حوش الحفر" حين يكون الثراءُ اكتفاءً لا ادعاءً


جمال الهمالي اللافي

أولاً: فلسفة الاستغناء في المعمار الجبلي

تتجاوز بعض الأنماط المعمارية حدود الوفرة المادية لتصل إلى مرتبة من "الاستغناء الروحي" تُعفيها من كلفة الادعاء؛ إذ يبلغ الاكتفاء بها مبلغاً يحول دون التفات الوعي إلى المنجزات العمرانية للآخرين بمنطق النقص الذي يستوجب المحاكاة، أو رغبة التمايز التي تستدعي الاستعلاء.

هذه الحالة النفسية من الاستغناء ليست مجرد سلوك إنساني عابر، بل هي العقيدة التصميمية التي نحت بها "أسطى البناء الغرياني" جبال غريان. فإذا كانت العمارة في جوهرها هي "لغة المادة"، فإن "حوش الحفر" يمثل أبلغ نصٍ معماري يتحدث عن "غنى النفس" وتجاوز عقدة "الظهور" التي تطبع الكثير من الأنماط العمرانية المعاصرة.

إن بلوغ ذروة النضج في الفكر المعماري هو التحول من صخب "الظهور البصري" إلى سكون "الاستغناء الوظيفي والجمالي"؛ حيث يغدو الاكتفاء الذاتي حصناً فكرياً يمنع المنتج المعماري من الانزلاق نحو التبعية لمقتنيات أو نماذج الغير. في هذه المرتبة، لا يُنظر للتفاوت العمراني كفجوةٍ تستوجب الركض لردمها عبر الاستزادة المادية، بل كحالة وجودية مكتملة لا تخدش كمال الذات، مما يحرر المعمار من عبودية المقارنة وشهوة التمايز الاستعراضي.

وفي "حوش الحفر" بغريان، يتجلى هذا الثراء في أقصى صور "التواري المعماري"؛ حيث يُشيد المسكن لا بارتفاعٍ يطاول الأفق ادعاءً وطلباً للوجاهة، بل بعمقٍ يغوص في باطن الأرض استجارةً واحتماءً. هو معمار يتسم بـ "الصمت الخارجي"؛ فلا تبصر العين سوى امتداد أديم الأرض، بينما يستبطن هذا العمق عالماً متكاملاً من السكينة والخصوصية.

هذا التكوين الفراغي ليس مجرد وصف أدبي، بل هو "بيان معماري" يستمد كينونته من احتضان الأرض له، معلناً استقلالاً هوياتياً تاماً عن صخب المظاهر الفانية، وتجسيداً مادياً للنفس التي اكتفت بداخلها وترفعت عن طلب الاعتراف عبر القشور الخارجية.

ثانياً: التجسيد المعماري والتمايز البيئي

بينما يتجلى الثراء في البيت الطرابلسي من خلال غنى المفردات الزخرفية، واستخدام الرخام، واتساع فناء الاستقبال الذي يعكس طبيعة الحياة الاجتماعية الساحلية، وفي البيت الغدامسي عبر عبقرية تنظيم الفراغات العمودية وتطويع الضوء لإدارة المناخ الصحراوي؛ يأتي "حوش الحفر" ليعلن عن فلسفة معمارية مغايرة تماماً، تقوم على ركنين أساسيين:

·     الثراء المتواري: وهو نمط من القيمة المعمارية التي لا تُبذل لعابر السبيل أو الغريب، بل تُدخر حصراً لساكني الدار. إنه المعمار الذي يترفع عن مزاحمة الأفق، ويختار "التواضع المكاني" في باطن الأرض، محولاً المسكن من أداة للاستعراض الاجتماعي إلى حيزٍ للصيانة النفسية والخصوصية المطلقة.

·     الاكتفاء بالمادة المحلية: في الوقت الذي تعتمد فيه الحواضر والمدن الساحلية على استيراد مواد البناء لتعزيز قيم التمايز العمراني، اكتفى الإنسان الجبلي ببيئته المباشرة؛ فمن التراب والصخر نحت كيانه، محولاً ما قد يُظن أنه "محدودية في الموارد" إلى "كمال في الصنعة الداخلية" وطاقة استيعابية تتناغم مع الطبيعة دون إقحام عناصر غريبة عنها.

ثالثاً: المرتكزات الأخلاقية والبعد الروحي

يبرز الدور الأخلاقي والقيمي كضابطٍ أصيل لحركة المعمار في الجبل؛ إذ يمثل "حوش الحفر" الامتثال الأسمى لقيم "الستر" والخصوصية، والالتزام بمبدأ "عدم التطاول في البنيان" الذي يوجه البوصلة نحو العمق بدلاً من الارتفاع.

·     البوصلة الأخلاقية والجمالية: يفرض هذا التصميم انضباطاً بصرياً صارماً؛ حيث يغيب الابتذال المعماري والواجهات التي تفتقر للمعنى، وتتلاشى الزخارف المدعية التي لا تخدم الوظيفة. الجمال هنا يتمركز في "الفناء الوسطي"، حيث تنكفئ العمارة على ذاتها، وتصبح نقطة ارتكاز البيت هي ذلك الفراغ الذي يربط الأرض بالسماء في علاقة مباشرة، تمنح الساكن شعوراً بالانفصال عن المشتتات الخارجية.

·     الاتصال الكوني: تمثل الفتحة السماوية للحوش فضاءً للتأمل الوجداني؛ إذ يطل الساكن من خلالها على شواهد الكون وحركة النجوم، مما يعزز لديه الإدراك بأن "الاكتفاء" في الحيز الأرضي والزهد في مظاهره الفانية، هو السبيل الأقوم لبناء استقرارٍ روحي يتجاوز حدود المادة، ويربط المسكن الأرضي بأبعاده الكونية الواسعة.

رابعاً: غنى "الجوهر" لا "القشرة".. فلسفة الثراء الصامت

بينما تنشغل أغلب الأنماط المعمارية بتوظيف الواجهات كأداة لجذب الأنظار، ينكفئ "حوش الحفر" نحو الداخل محققاً ما يمكن تسميته بـ "الثراء الصامت"، والذي يستند إلى ركائز جوهرية:

·     ثراء الاستغناء: هو نمط معماري اكتفى بالعناصر الأولية للأرض (التراب والصخر)، ولم يرَ في غياب المواد المستوردة أو النقوش الخارجية عجزاً إنشائياً، بل اعتبره تحرراً من كلفة المباهاة وتركيزاً على الوظيفة السكنية في أصفى صورها.

·     التمايز عبر العمق: لا يدخل هذا المعمار في سباق الارتفاعات مع الجوار، بل يحقق تميزه عبر "السكينة والاحتواء". إنه لا يحاكي النماذج الخارجية، بل يستمد قيمته من خصوصية الفراغ الداخلي الذي يوفر عزلة تامة عن ضجيج العالم الخارجي.

·     الصدق المعماري: يجسد هذا النمط مبدأ "الوضوح مع الذات"؛ فباطن المسكن هو حقيقته الجوهرية، حيث لا وجود للزيف أو التجميل الذي يداري عيوباً إنشائية، بل هو انعكاس مباشر لحاجة الإنسان الفطرية للاستقرار والستر.

·     الانضباط القيمي للفناء: يوجه هذا المعمار نظر الساكن عمودياً نحو الأعلى؛ فبدلاً من الالتفات للأفق المزدحم بتنافس البشر، ينفتح البيت على الفضاء الكوني الواسع، مما يعزز الشعور بالسكينة الروحية والارتباط بعظمة الخالق.


·     التجربة الحسية للساكن لا تقتصر خصوصية "حوش الحفر" على فلسفته المعمارية، بل تمتد إلى تجربة الساكن الحسية اليومية. فشعاع الشمس يتسلل عمودياً عبر الفتحة السماوية، مرسلاً خطاً ذهبياً يربط الأرض بالسماء، بينما تنبعث رائحة التراب الرطب بعد المطر، فتغدو جزءاً من ذاكرة الجسد. ملمس الجدران الطينية، بخشونتها الطبيعية، يمنح الساكن شعوراً بالانتماء، وكأن البيت نفسه يردّ التحية لمن يلمسه. أما صوت المطر في الفناء الوسطي، فيعزف موسيقى طبيعية منسجمة مع سكينة المكان، لتكتمل بذلك تجربة معمارية تتجاوز حدود المادة، وتغدو طقساً يومياً من التأمل والسكينة.

خامساً: "الأسطى الغرياني".. وفلسفة إزاحة المادة

يعد "حوش الحفر" نتاج فكر هندسي متقدم لـ "أسطى البناء الغرياني"، الذي لم يمارس فعل البناء بمعناه التقليدي القائم على مراكمة المواد فوق الأرض، بل مارس ما يمكن وصفه بـ "النحت الفراغي".

·     إدارة الفراغ والكتلة: من خلال "إزاحة المادة" لخلق الحيز السكني، استطاع الأسطى، وبتعاون فني احترافي مع العمالة القادمة من منطقة فزان، تحويل باطن الأرض إلى عالم سكني متكامل ومستقر حرارياً وإنشائياً.

·     عمارة الصمت (الواجهة الصفرية): تعمد الأسطى الغرياني تغييب الواجهة الخارجية كلياً، ترفعاً عن مزاحمة الأفق الحضري، وتأكيداً على أن "الثراء الجواني" للبيت لا يُبذل للغريب، بل يُصان لأهل الدار، تماماً كالإنسان المكتفي بذاته الذي لا يبحث عن تقديره في عيون الآخرين.

سادساً: السيادة الذاتية والاستقلال الهوياتي

يمثل حوش الحفر حالة من "السيادة الذاتية" في التصميم، حيث تشكل الأرض الوعاء المادي الذي تُبنى فيه المصائر وتُصان فيه الكرامة الإنسانية:

·     الاستقلال عن النسق المقارن: يصبح البيت مرجعاً لذاته، متحرراً من ضرورة المقارنة مع الأنماط العمرانية الوافدة أو الحديثة، مما يمنح الساكن شعوراً بالاستقلالية الثقافية والهوياتية.

·     الوضوح القيمي المطلق: يبتعد هذا المعمار عن المشتتات البصرية الزائفة، محققاً حالة من الوضوح بين الإنسان وبيئته، حيث يغيب القبح الذي يفرضه التكلف، ويحل محله الجمال النابع من البساطة والصدق مع المادة.

·         يمثل حوش الحفر حالة من "السيادة الذاتية": في التصميم، حيث تشكل الأرض الوعاء المادي الذي تُبنى فيه المصائر وتُصان فيه الكرامة الإنسانية:

§     الاستقلال عن النسق المقارن: يصبح البيت مرجعاً لذاته، متحرراً من ضرورة المقارنة مع الأنماط العمرانية الوافدة أو الحديثة، مما يمنح الساكن شعوراً بالاستقلالية الثقافية والهوياتية.

§     الوضوح القيمي المطلق: يبتعد هذا المعمار عن المشتتات البصرية الزائفة، محققاً حالة من الوضوح بين الإنسان وبيئته، حيث يغيب القبح الذي يفرضه التكلف، ويحل محله الجمال النابع من البساطة والصدق مع المادة.

·     الذاكرة الجمعية والهوية المتجذرة لم يكن "حوش الحفر" مجرد مأوى فردي، بل هو سجلٌ حيّ لذاكرة جماعية متجذرة في وجدان أهل الجبل. فيه تكررت طقوس الحياة: ميلاد الأطفال، سهرات الشتاء، أعراس الصيف، ومجالس الحكماء. كل زاوية فيه تحمل أثراً من حكاية، وكل جدار يختزن صوتاً من الماضي. بهذا المعنى، يغدو البيت الجبلي ليس فقط تعبيراً عن استقلالية عمرانية، بل عن هوية جمعية لا تنفصل عن الأرض التي احتضنته، ولا عن الناس الذين سكنوه. إنه بيتٌ لا يُقرأ فقط كفراغ معماري، بل كوثيقة وجدانية تحفظ ملامح مجتمعٍ بأكمله.


سابعاً: عبقرية الحلول البيئية (الهندسة الحيوية الطبيعية)

لم تكن حلول الأسطى الغرياني جمالية فحسب، بل شملت ابتكارات تقنية تضمن استدامة السكن وصيانته من العوارض الطبيعية:

·     نظام الصرف البيئي المبتكر: لمعالجة تحدي مياه الأمطار في فصل الشتاء، ابتكر الأسطى نظاماً فريداً يعتمد على حفر حفرة عميقة في قلب الحوش، يوضع فيها "عظام الدجاج" ثم تُردم تماماً. هذا الإجراء يحفز الكائنات الدقيقة والنشاط الحيوي (كالنمل) لخلق مسارات تهوية ومسامات تحتية، مما يحول التربة إلى "وسط مسامي" يتولى تصريف المياه بفعالية عالية دون أثر مرئي يخدش الفناء.

·     المعالجة الطبيعية بالملح: وفي بعض الحالات، استُخدم الملح كحل كيميائي محلي لضمان نفاذية الأرض ومنع انسداد مسام التصريف، في تناغم تام مع الطبيعة المحلية وبأدوات بسيطة تضمن "الاكتفاء التقني" للبيت.

الخاتمة – إنصاف عبقرية الجبل

إن إنصاف العمارة الجبلية يبدأ بالضرورة من تقدير فكر "الأسطى" الذي أبدعها؛ فقد أثبت هذا المعماري الفذ أن الثراء الحقيقي لا يكمن في "الاستزادة" أو مراكمة العناصر الإنشائية، بل في "الاستغناء الصادق" والترفع عن المباهاة. سيظل "حوش الحفر" في غريان شاهداً على مدرسة فكرية فريدة، ترى في الأرض مستقراً آمناً وفي السماء مرجعاً روحياً، وتجد في "الاكتفاء" ذروة الكمال المعماري والأخلاقي.

الاستمرارية الزمنية ومقاومة التغير على امتداد العقود، قاوم "حوش الحفر" موجات التحديث العمراني التي اجتاحت المدن الليبية، وظلّ قائماً كخيار سكني أصيل، لا بوصفه حلاً ظرفياً، بل باعتباره نموذجاً متكاملاً للاستدامة البيئية والروحية. لم يذبل أمام الإسمنت المسلح، ولم يُغوَ بزخارف الواجهات الحديثة، بل بقي شاهداً على أن العمارة التي تنبع من الأرض وتخاطب حاجات الإنسان الفطرية، قادرة على الصمود أمام تقلبات الذوق والزمن. إن استمرارية هذا النمط عبر الأجيال تثبت أن "الصدق المعماري" ليس مجرد مبدأ، بل هو ضمانة للبقاء.

إن العودة لإنصاف هذا الإرث هي في جوهرها اعترافٌ بأن "الوضوح مع الذات" هو أثمن أنواع الثراء الإنساني والعمراني؛ إذ يعلمنا "حوش الحفر" أننا لا نحتاج للادعاء فوق سطح الأرض لنيل مكانة أو رفعة، بل يكفي أن نكون "مكتملين" من الداخل، صادقين في انتمائنا لبيئتنا، ومستغنين بيقيننا عن مراقبة ما في أيدي الآخرين من مظاهر زائلة.

وإذا كانت العمارة الطرابلسية والغدامسية قد نالت حظها المستحق من التقدير كأيقونات للحضارة الليبية، فإن "حوش الحفر" يمثل بامتياز "نبل الزهد المعماري". إنه النمط الذي يبرهن على أن القيمة الجوهرية ليست فيما نُضيفه للبناء من زوائد وزخارف، بل فيما نتركه من فراغات ممتلئة بالمعنى والسكينة. هو معمارٌ ارتقى إلى مرتبة من الثراء الروحي جعلته يترفع عن "الادعاء"، ليكتفي بكونه حضناً دافئاً في قلب الجبل، ونافذةً مخلصةً تطل على السماء، وتمنح الساكن صفاء الرؤية واليقين.

إن "حوش الحفر" ليس بيتاً محفوراً في الأرض فحسب، بل هو بيت محفور في الوعي؛ يعلّمنا أن العمارة الحقيقية لا تُقاس بعلو الجدران، بل بعمق المعنى، ولا تُبنى بالزخارف، بل بالسكينة التي تحتضن الإنسان في صمت الأرض وانفتاح السماء.


الخميس، يوليو 29، 2010

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا


بيوت الحفر بغريان

م. المعماري/ محمد عقيل الخطيب


المقدمة:
لكل مكان وزمان في العالم خصائصه المتميزة التي تظهر على إنتاج الإنسان ،والعمارة باعتبارها نتاج إنساني له العديد من الأبعاد التي من الممكن أن تعبر عن الإنسان والمكان والزمان في نفس الوقت.

وهذا البحث هو محاولة لتحديد خصائص بيوت الحفر الموجودة في منطقة الجبل الغربي و خصوصا في منطقة (غريان) ذلك من خلال تحديد الخصائص الفضائية والإنشائية الشكلية وصولا إلى الاستنتاجات والتوصيات المرتبطة مع هذه الخصائص، وذلك لان النتاج الإنساني يمكن ان يفيد في إعطاء حلول آتية ومستقبلية وان كانت موجودة في عين المكان والزمان الحالي . وقد تم ذلك من خلال الزيارات الموقعية والأسئلة التي وجهت للساكنين بهذه البيوت سابقا.

مفهوم الخصائص التصميمية:
المقصود بالخصائص التصميمية في هذا البحث هو دراسة الشكل المادي matter  الذي يعرف بالملامح والتكوينات التي يمكن إدراكها بصورة مباشرة او غير مباشرة بالبحث تمثل حالة ترجمة المواد المستعملة وصياغتها في نظام له  حيز في الوجود ،من هنا كانت عملية التكيف في العمارة adaptation التي هي تركيب الأجزاء للتحول إلى حالة أخرى تقاوم التأثير بالعوامل الفيزياوية والثقافية.

العوامل المؤثرة على الخصائص التصميمية للبيت:
لقد صنف الباحث رابا بورث هذه العوامل الى فيزيائية واجتماعية التي يمكن تحديد أهمها:
1.     العوامل الفيزيائية:
العوامل الجغرافية، من  خلال جيولوجية  المنطقة، من توفر  لمواد البناء وحتمية  معالجات معمارية معينة ، لمقاومتها وصولا إلى الملاءمة للإنسان.
2.     السلوك الاجتماعي:
العادات والتقاليد مثل القبلية ونوع الارتباط الأسري وغيرها من قيم ترتبط بالتطور التاريخي والاقتصادي للمجتمع.
3.     العوامل الثقافية:
المبنى وتأثيره  على طبيعة المجتمع وسلوكه، فالمجتمع المسلم محافظ ، فهناك فصل بين الضيوف والعائلة وقيم أخرى تؤثر على أدق تفاصيل العمارة والتوزيع الفضائي.
4.     التطور التقني:
ذلك من خلال   درجة تطور المجتمع والاتصال الحضاري بالمجتمعات الأخرى   وصولا إلى حلول ملائمة للمشاكل التي تجابه الذي يقوم بإنشاء  أي عمارة في أي مكان وزمان .

من ذلك يمكن  استخلاص ثلاثة اتجاهات للخصائص المعمارية لبيوت الحفر في غريان يمكن دراستها لتحديد الخصوصية والأهمية  للبيت. حيث الخصوصية هي عملية  إعطاء صفة لأي نتاج إنساني وتعبير عن هويته، ليكون منفردا بصفات معينة تعبر عنه، ويمكن بالتالي الاستفادة في أي مكان وزمان غيره ،بعد تكيفه من المحيط الجديد، فتأثير العامل الاجتماعي لتكوين  الفضاءات والعلاقة  بينهما يرتبط مع الخصائص الفضائية، فالتكوين المعماري يتألف من نظامين هما الداخل والخارج ولكل من عنصري هذه الثنائية دور موازي للآخر ومكمل  له، والعلاقة بينهما تتحدد من خلال المفصل المعماري بينهما. والتكوين الفضائي لايمكن إن يوجد إلاّ ضمن منشأ يقاوم الظروف البيئية، ويكون ذو ديمومة كبيرة قدر الإمكان، من خلال نظام إنشائي حسب التقنية المتاحة.

والإنسان يحاول ل بكل الطرق أن يكسب  أي نتاج من العمارة، رموزا وعناصر انعكاس قيمه ورغباته، ويولد أنظمة شكلية، ترتبط مع النظام الفضائي والإنشائي للعمارة.
فلتحديد الهوية والخصوصية   لبيت الحفر يمكن تحديد إطار يتألف من ثلاثة أنظمة هي( الفضائي والإنشائي والشكلي)، ستتم دراسته من خلال وصف وتحديد أهم عناصر وعلاقات هذه الأنظمة.

هذا  ويمكن أن تتخلص  جغرافية منطقة غريان  وهي تقع في الجبل الغربي ، وذات طبيعة مناخية ،هي مناخ البحر الأبيض المتوسط ،وتتأثر في أيام قليلة بالمناخ الشبه صحراوي أو التكوين الجيولوجي للمنطقة هي صخرية رسوبية مع وجود بركان في بعض المناطق.

الخصائص الفضائية:
يعتمد النظام الأساسي لبيوت الحفر في غريان التوجه الداخلي بفناء مركزي يكون اقرب إلى الشكل المربع ،حيث توزع الفضاءات العائلية والخدمية حوله.هذه الحلة من استعمال للفناء الداخلي في البيوت ،يلاحظ استعماله في اغلب البيوت التقليدية في مختلف مناطق ليبيا .إضافة إلى ذلك يعتبر استخدام الفناء (ضمن نمط التوجه الداخلي ) وهو من مميزات العمارة الإسلامية والعربية والتقليدية في العالم.



         
          يتم الوصول إلى الفناء المركزي من البيت خلال مدخل بمستوى سطح الأرض ،من خلال مايسمى (السقيفة ) ، يتم تسقيفه بأغصان الزيتون في الجزء الأول  ، ومع استمرار الممر بالانحدار إلى الأسفل وصولا إلى مستوى الفناء ،تستغل الطبقة الصخرية في الأرض للتسقيف ، من خلال الحفر خلالها.

قبل الدخول إلى الفناء يتم إيجاد فضاء (انتقالي بين السقيفة والفناء)   ويسمى (الحانية ) ، حيث يحتوي هذا الفضاء على مساطب للجلوس  ومنطقة لربط الحيوانات .ذلك عند وجود ظروف جوية غير ملائمة في بعض الأيام  يتم إنزال الحيوانات إلى هذا الفضاء للحماية.
هذا الفضاء يكون عادة بأبعاد تقترب من 3x3 متر وبنفس الارتفاع تقريبا، والفناء المركزي بأبعاد مربعة عادة ومستطيلة في بعض الأحيان حيث يكون بأبعاد   8x8متر كحد أدنى، ويمكن أن يصل إلى 10x15 متر وبعمق 8_10 م  والفناء هو أول جزء يتم حفره من البيت وبعدها يتم حفر الغرف في أركان الشكل الرباعي الذي يحدده فضاءات العائلة التي تتوزع حول الفناء ،تكون منخفضة عنه بمقدار  0.3_0.6  م،وهي على نوعين متعددة الأغراض، يكون اقرب إلى الجزء الأمامي وأخرى للنوم.

تحتوي جدران هذه الفضاءات على فجوات لحفظ مختلف الأشياء وتسمى (رواشن) كذلك يتم اكساء لجدران الفضاءات من الداخل بمونة الجبس وفضاءات النوم يتم استخدام نظام الفضاء المزدوج الارتفاع ،لإيجاد فضائين ،علوي للنوم ،وسفلي للخزن والجلوس ،وذلك من خلال سقف وسطي يتم عمله بجذوع أشجار الزيتون ، حيث يتم الصعود إلى فضاء النوم  بواسطة (السلم ) يكون فضاء النوم بعرض من  2.0_3.0 م وبطول يصل إلى 3.0 م عادة. أما الارتفاع يكون بحدود 2.5 م، حيث يكون الجزء المرافق الصحية تكون غير موجودة في البيت. وهناك حفر بعمق  03 _0.5  م  في منتصف فضاء الفناء ، يتم من خلالها جمع مياه الأمطار  بدلا من التجمع في الفناء. المخزن يكون من خلال فضاء علوي يتم الوصول إليه من خلال (سلم خشبي ) ضمن عملية نحت بالصخر ،ونفس الفضاء مجزئ إلى عدة فضاءات صغيرة ،هذا الفضاء هو أساسا لخزن الحبوب ،ويتم إيصال الحبوب إليه من خلال (قناة عمودية ) محفورة في الأرض، بحيث يتم سكب الحبوب التي يتم جلبها بواسطة الحيوانات من الأعلى إلى الفضاء.

الخصائص الإنشائية:
النظام الإنشائي الأساسي في البيت هو نظام مصمت حيث يتم استغلال وجود ( طبقة صخرية مصمتة بعد طبقة من التراب على شكل طبقة بسمك (2_3) متر . أن  تكون أساسا طبقة طينية متماسكة أساسا حيث نجد أن عملية إنشاء فضاءات العائلة يتم بعد حفر الفناء الوسطي بكل من الطبقتين الترابية والصخرية ،تم يتم حفر المداخل للفضاءات ثم يتم نحت الفضاءات بداخل الطبقة الصخرية المصمتة.

كذلك يتم استخدام نظام الجدران الحاملة المسقفة بجذوع الأشجار وخاصة الزيتون ، في فضاء الضيوف المربوعة ، المتواجد بمستوى الأرض الطبيعية  المصمتة ومن المدخل الخاص بالبيت، وتستعمل جذوع الأشجار أيضا في تسقيف الممر المنحدر الرابط بين مستوى الأرض الطبيعية إلى مستوى الفناء . ذلك من الجزء الذي يمر في المنطقة الترابية، قبل المنطقة الصخرية من الارض، حيث يتم استغلال الطبيعة المصمتة في هذه المنطقة لتسقيف الممر.

الخصائص الشكلية:
النظام الشكلي بصورة عامة  في البيت  يعتمد على الخطوط المبسطة التي تقترب من الاستقامة، مع تواجد بعض المعالجات للمداخل بالأقواس وخصوصا في فضاء الضيوف ( المربوعة) الموجود بمستوى سطح الأرض. أي أن النظام الشكلي ناتج عن غرض نفعي ( pragmatic ) بشكل أساسي فالهدف هو السكن إضافة إلى وجود الفضاءات الرئيسية للعائلة تحت مستوى الأرض بمستوى لايمكن أن يشاهد من الغريب ، والمشاهد هو فقط ( المربوعة ) للضيوف.

مدخل البيت

الممر المنحدر المؤدي إلى الفناء

الفناء المركزي والفضاءات التي تحيط به

الفناء المركزي

الفناء المركزي وعلاقته بالمحيط الخارجي

الفضاء العائلي

فضاء عائلي آخر في نفس البيت

بساطة الأشكال تعكس الاهتمام بالوظيفة لابالشكل او بالوظيفة أكثر من الشكل المعماري، فاستعمال الأثاث داخل المسكن بالرغم من البساطة فهي تعطي تنوعا بصريا في داخل الفضاء الذي لايحتوي سوى على جدران صماء وبعض الفجوات في الجدار للخزن ، هو مثال على استمرار التأكيد على الوظيفة بدون إهمال الشكل.

الاستنتاجات:
  • بيت الحفر في غريان يمثل حالة من الاستغلال الأمثل لإمكانيات البيئية، لمواجهة هذه الظروف البيئية.
  • البيت حقق حالة من التصميم الفضائي، المتوافق مع الحاجات الاجتماعية للأسرة وضمن قيم المحافظة.
  • هناك نقص في الخدمات الصحية للمسكن، ذلك بسبب طبيعة التقنية المتوفرة في وقت إنشائه.

التوصيات:
  • إعداد دراسة مناخية متكاملة بالعلاقة مع تصميم البيت، لاكتشاف الإمكانيات المتاحة في التصميم، لاستغلالها في التصاميم المعاصرة.
  • دراسة إمكانيات تطوير البيت لمختلف الاستعمالات في الوقت الخاص، لاستغلالها سياحيا، من خلال البيوت المنفردة أو مجاميع البيوت.
  • عمل الدارسات المقارنة بين بيت الحفر في غريان، مع بيوت الحفر في مناطق ليبيا  الأخرى، وغيرها من البيوت ( تحت الأرض ) الموجودة في العالم، لإيجاد الخصوصية والترابط .

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...