جمال الهمالي اللافي
لم تعد
بعض صفحات المعماريين على وسائل التواصل الاجتماعي تعبر عن علمهم الهندسي أو نفعهم
التخصصي، بل تحولت إلى منابر لإعادة نشر المنقولات الشرعية بتحيزٍ وانتقائية
لعلماء دون سواهم، وكأن صاحب الصفحة قد نصّب نفسه حكماً يقيّم علماء الأمة ويقرر
مَن يُؤخذ عنه ومَن يُترك، وسط اختزال مخل وتهميش لباقي المذاهب والعلماء، مع خلوّ
صفحته شبه التام من أي محتوى معماري يمثّل صلب تخصصه.
والمثير
للانتباه في هذه الحسابات هو الانفصام الفكري الفاضح؛ فتجد صاحب الصفحة يتظاهر
بالالتزام والتقوى في منشوراته، ويتقبل النظريات المعمارية الغربية وفلسفاتها
المادية التي تتصادم في جوهرها مع العقيدة الإسلامية بالقبول الحسن ويدرسها لطلابه
دون نقد؛ وهو هوسٌ يظهر جلياً حتى في المشاريع الشحيحة التي يعرضها القلة منهم على
صفحاتهم. لكنه حين تبصره بحقيقتها، وتدعوه للالتزام بمنهج الشريعة الإسلامية في
طرحه المعماري والتأصيل لعمارة تستمد مقوماتها من قيمنا والعزوف عن تقليد العمارة
الغربية، يهز رأسه استكباراً، وينظر إلى ذلك على أنه طرحٌ عفا عنه الزمن!
وحين تبحث
في هذه الصفحات عن فائدة معمارية واحدة في صلب التخصص، أو حلول فراغية ووظيفية
تُجنب الناس أخطاء البناء وتوفر عليهم أموالهم، لا تجد شيئاً! وكأن الخبرة
المعمارية جوهرٌ مصون يُبخل به على الناس، أو أن الصفحة ليست سوى ستار يستتر خلفه
الفراغ المهني والضعف المعرفي.
إن بناء
الثقة الظاهرية بالانتقاء الديني وتصنيف العلماء، ثم استغلال تلك الهالة للترويج
لتصاميم مبالغ في تكاليف تنفيذها-تُغطى عيوبها التخطيطية والفراغية بأسعار
التشطيبات الفاخرة والمواد الغالية- هو شكل من أشكال التضليل وإثقال كاهل الناس
تحت سترة التقوى الظاهرة.
إن
الأمانة الرقمية للمعماري لا تتجلى في التنصل من هويته وتخصصه المعماري الأصيل، بل
في النصح والبيان، وتوظيف منصته لنفع الناس بتخصصه الذي يتقنه. فأن تنفع المسلمين
بعلمك وتصدق معهم في مهنتك، خير لك من أن تتصدر فيما لا تحسن، وتترك ما أوجب الله
عليك إتقانه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق