جمال الهمالي اللافي
عندما نتحدث عن ضرورات التجديد وأهمية المعاصرة، والبعد عن تقليد الموروث المعماري، فإننا نود القول بوضوح: نحن نبحث عن الصورة المتكاملة لبيت يُعاش ويُسكن، لا بيت يُفاخر به للفرجة.
لقد كانت بيوتنا التقليدية وليدة ظروف ومرحلة اقتصادية قاسية؛ تعايش معها سكانها لا لأنها بلغت أوج الكفاءة الفراغية والوظيفية، بل لأن معطيات الحياة فرضت عليهم التأقلم. وسعيهم لجعلها أكثر ملاءمة مناخياً واجتماعياً كان محاولة لرفع الكفاءة إلى حدها الأقصى الممكن، لكنها في الحقيقة لم تكن بيوتاً تُعاش بمفهوم الراحة الإنسانية الكاملة. فالاكتظاظ العائلي في بيت واحد، وعيش كل أسرة في غرفة واحدة تختزل كل متطلبات الحياة ضمن أضيق مساحة، لهو أمر مرهق لمجرد التفكير فيه، فما بالك بمن عايشه طيلة حياته؟
هذا القصور البنيوي كان يصرخ في وجهنا طالباً جراحة فكرية تستهدف استئصال العيوب لا وأدها. وكان المفترض بالعقل المعماري - في ظل توفر الحلول الإنشائية الحديثة، وآليات التنفيذ السريعة، ومواد البناء والعزل الحراري، وتعدد مصادر الطاقة، والأفكار التي تعيد صياغة المسكن ليستوعب العائلة بكرامة وإنسانية- أن يقف موقف الفاحص المقتدر؛ فيفكك مكامن القوة والضعف، ويعالج أوجه القصور التي عجز عنها الأجداد تحت حكم المعوقات المادية.
لكن ما حدث كان
تعطيلًا متعمداً لهذا العقل واستسهالاً لتقليد من نوع آخر. قفز المعماري المعاصر
نحو النماذج الغربية والمغتربة، ليغدو حاله أشبه بحال الغراب الذي أراد تقليد مشية
الحمامة: فلا هو استطاع مجاراتها بلغة بيئية وإنسانية تناسبنا، ولا هو حافظ على
أصل موروثه بعد أن يعالجه من إشكالياته التاريخية. والنتيجة أننا لم نصل إلى البيت
الذي يُعاش، بل عدنا لنبني كتلًا مفرغة تٌعرض للفرجة، وتغترب عن الساكن وعن بيئتها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق