أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، أغسطس 25، 2026

ما بين الشراكة الحقيقية... وتوزيع الأدوار: نحو صياغة "بيت يُعاش"

  

جمال الهمالي اللافي 

تستمر العادة الجارية في ممارساتنا المعمارية على تراتبية متتابعة تُعامل التخصصات كأنها خطوط متوازية لا تلتقي. يبدأ المعماري بتوزيع الفراغات وتشكيل الكتلة ورسم الواجهات وفق رؤيته، ثم يأتي المصمم الداخلي ليتعامل مع هيكل مجهّز مسبقاً، محاولاً حشر عناصر التأثيث داخل حدود فرضتها الخرسانة، وفي كثير من الأحيان لا يتردد في الهدم والتعديل ليصنع لغته الخاصة التي قد تتنافر كلياً مع روح المبنى الأصلي. ويختتم التتابع بمنسق الموقع الذي يكتفي بملء الارتدادات المتبقية ببعض النباتات المألوفة، دون معالجة مناخية أو ارتباط حقيقي بالفكرة الأساسية للمبنى. 

لكن لو نقلنا الفكرة من هذا الواقع المشتت إلى شراكة مبكرة تُعقد لحظة ورود المشروع، لتغيرت المعادلة رأساً على عقب. والمسكن تحديداً هو أصل هذه القضية وأولى المباني بهذه المراجعة، بعدما تحول في واقعنا المحلي إلى قالب جامد يُركز على استعراض الكتل والواجهات، على حساب الإنسان الذي سيعيش داخله. 

استعادة روح "الحرفة الجامعة" 

إن هذا الطرح الداعي لجمع هذه الخبرات منذ اللحظة الأولى ليس حداثةً مستوردة أو رفاهيةً مهنية، بل هو استعادة أصيلة لروح "الحرفة الجامعة" التي قامت عليها عِمارتنا التقليدية المحلية. ففي النسيج التقليدي القديم، لم تكن هناك تخصصات ممزقة؛ بل كان الفناء، والجدار، والممر، والغطاء النباتي يُولدون معاً ككائن حي واحد دفعة واحدة استجابةً لحاجة الإنسان، وظروف المناخ، ومقتضيات الستر والسكينة. وما نفعله اليوم بهذه الشراكة هو ترميم لتلك الوحدة البنائية التي فرّقتها التخصصات الأكاديمية الحديثة. 

التكامل المتكافئ وطاولة الحوار الجامع 

لكي تتجسد هذه الشراكة بحق، يجب أن تُبنى على التكافؤ التام والندّية بين الرؤى الثلاث؛ فالجلسة الأولى ليست ساحة لإلقاء الأوامر أو استعراض الأسبقية المهنية، بل هي طاولة حوار جامع تُطرح عليها التطلعات والحلول بكل شفافية. يقدم الزبون متطلباته واحتياجات أسرته، بينما يجلس أصحاب التخصصات الثلاثة معاً ليقول كل منهم كلمته وتصوره لما يجب ألا يُغفل في المشروع:

·         في الفراغ الداخلي: ما هي المعايير التي تضمن راحة الأسرة، وسلاسة حركتها، وستر حياتها اليومية؟

·         في تنسيق الموقع: كيف تتنفس الكتلة مناخياً، وأين تُغرس الرئة الخضراء والفناءات والحدائق لتتكامل مع زوايا الرؤية وحركة الهواء؟

·         في التشكيل المعماري: كيف نترجم هذه الأفكار والمتطلبات المتبادلة في نسيج بنائي متماسك يجمع هذه الرؤى دون تضارب؟ 

هنا لا توجد إملاءات من طرف، ولا تبعية لطرف آخر، بل تبادل متكافئ للأفكار والتصورات التي يتشارك الجميع في صياغتها والتنسيق بينها، للوصول إلى مشروع متكامل يحقق الغاية الأسمى: إنتاج مسكن يُعاش. 

وعندما تتلاقى هذه الخبرات على أرضية التوافق الفكري، تتكامل العملية التصميمية لتثمر الآتي:

·     الخبرة الداخلية والمقاييس الإنسانية: تُثري الفراغ بفهم أدق لحركة الأسرة اليومية، ومساحات السكينة والستر، وتوزيع الضوء والتهوية الطبيعية، لتأتي الجدران والارتفاعات كغلاف يحمي هذه المعيشة دون هدر خرساني.

·     خبرة تنسيق الموقع والمناخ: تُقدّم الحلول البيئية للحدائق والفناءات؛ فلا تقتصر الحديقة على الدور الأرضي، بل تمتد كشرفات خضراء وحدائق علوية في الأدوار السكنية والسطح تعمل كمكيفات طبيعية وتوفر عزلة بصرية، فتتفكك الكتلة وتتجه الفراغات نحو هذه الواحات.

·     المنتج البنائي المتكامل: تترجم فيه هذه الرؤى المتبادلة إلى تكوين مادي متماسك، فتصبح الواجهة الخارجية تعبيراً صادقاً وعفوياً عما يجري في الداخل، دون حاجة لزخارف أو تكاليف استعراضية زائلة. 

إن صياغة "بيت يُعاش" تتطلب الجرأة في التخلي عن تراتبية الأدوار التقليدية، وإعادة الاعتبار للعمارة كحرفة جامعة تعود بالإنسان إلى مركز الاهتمام. فهل نرى في واقعنا المعماري القريب تجربة رائدة تتضافر فيها هذه الخبرات لإنتاج مسكن متكامل يحترم الإنسان ويصون كفاءة العيش؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...