أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، سبتمبر 02، 2026

روح المدينة أم روح المكان؟

في البحث عن عمران يشبهنا 

نموذج معاصر لمخطط مركز المدينة قدمه المحتل الإيطالي لمستوطنيه، يمكن الاسترشاد به.

جمال الهمالي اللافي 

نشرت في التسعينيات قصة بعنوان "روح المدينة" ثم أتيحت لي فرصة لتحويلها إلى شريط سينمائي بطرح مختلف وأقرب للواقعية، بالتعاون بين مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة والشركة العامة للخيالة. ولكن في هذه الأعوام الأخيرة بدأت تظهر بعض المقالات العربية تحت عنوان "روح المكان". مما جرني إلى التفكير في أي النظرتين أعمق في الطرح، أن نركز على المكان أم المدينة بكل ما تشمله من أماكن متباينة في أنشطتها الوظيفية وانسجامها البيئي والتخطيطي والمعماري. 

المكان بالنسبة للمدينة يمثل جزئية صغيرة في محيطها الكبير. والمدينة بلا شك هي مجموعة من الأماكن، قد تنسجم كما في المدن التقليدية وقد تتنافر كما في مدننا المعاصرة. لا يمكننا أن ننكر أن الاهتمام بالمكان هو اهتمام ضمني بالمدينة. وهنا يأتي السؤال: هل المدينة تخطط وفق رؤية تصيغ في النهاية صورة الأماكن؟ أم أن المكان يصمم فيشكل مع مجموعة الأماكن صورة المدينة؟ 

هل النظرة الشمولية تصنع الهوية أم أن النظرة الجزئية هي التي تشكل لنا نسيج المدن؟ وهل الرؤية التخطيطية هي التي يجب أن تسبق الرؤية المعمارية وتقودها إلى تحقيق الانسجام العام؟ أم أن الرؤية المعمارية هي التي تقود الرؤية التخطيطية والحضرية لتصنع لنا مدينة تعاش بكل تفاصيلها؟ 

حين نبحث عن إجابات في التخطيط المعاصر للمشاريع الإسكانية وتأسيس المدن الجديدة- كالتي تنتشر اليوم في العديد من الدول العربية- نجد أنفسنا أمام معضلة حقيقية تفتقر للرؤية وتترك الأمر على عواهنه. فالدولة غالباً ما تكلف شركات بوضع تصاميم يغلب على السكني منها تكرار نموذج واحد بشكل آلي، سواء على شكل فيلات أو عمارات. أو على النقيض من ذلك، تعمد إلى تقسيم الأراضي إلى قطع وتترك للمواطن والمستثمر حق التصرف فيها دون توجيه أو رؤية تضع القواعد والحدود وترسم المسارات لما ستؤول إليه هذه المدن. 

هذا التخبط الذي أفرزته الحداثة، قطع صلة الإنسان بمدنه ليفرض عليه أنماطاً لا تشبهه؛ فالمخططات المعاصرة إما أن تسلب الإنسان حقه في تشكيل مكانه لصالح تنميط استهلاكي، أو تتركه لعشوائية تفتقر لأي انسجام حضري. وفي المقابل، نجد أن المخططات التقليدية بكافة مرافقها الخدمية والسكنية ما زالت تثبت كفاءتها المطلقة لمواكبة عصرنا، وتتفوق على كل المخططات المعاصرة دون استثناء بكل مقوماتها. 

ولنا في تأسيس مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما وصل إلى يثرب واستقر فيها، أسوة بالغة الدلالة. فقد أعاد تخطيطها وفق رؤية إسلامية شاملة، قام الخلفاء من بعده باعتمادها كمنهج تخطيطي للمدن التي أسسوها في الأمصار. في هذا النموذج، تقدم الدولة في إطار تخطيطي محدد الخدمات الجامعة في مركز المدينة وتتحمل تكاليف تنفيذه؛ كالمسجد الجامع مع ساحته العامة، مقر الحاكم، والأسواق. ثم يأتي تقسيم الأرض إلى "قطائع" لإسكان كل قبيلة فيها، ويُترك الأمر لحكمائها وللمنتفعين بها ليخططوها وفق مصالحهم واحتياجاتهم الإنسانية والخدمية ويتحملوا تكاليف التنفيذ. 

هنا، تتجسد الرؤية الشاملة لما يجب أن تكون عليه المدينة - بما عُرف فيما بعد بـ "أحكام البنيان"- حيث تترافق الضوابط الكلية التي تحفظ الهوية والفضاء العام، مع حرية التصميم التي تحترم إنسانية السكن وخصوصية الساكن. إن استعادة هذه الفلسفة- حيث تقود الرؤية التخطيطية الشمولية مسار المدينة، وتُترك للإنسان مساحتها الواعية ليصيغ روح مكانه- هو السبيل الوحيد لبناء مدن متجانسة تنبض بالحياة، وتشبه ساكنيها.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...