أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، سبتمبر 06، 2026

بين مسايرة الفكر وأصالة العمران: العمارة من تجريد النظرية إلى مادية الممارسة


جمال الهمالي اللافي

تتراجع الحقيقة العمرانية حين تطغى المسايرة المهنية أو الاجتماعية، غير أن التواصل الإنساني والتلطف مع الآخرين يجب أن يتوقفا حتماً عند حدود الالتزام بالحق والبيان الهندسي الصريح. وهذا الانضباط الفكري هو ذاته ما نحتاجه حين نتقاطع مع المنتج المعماري الغربي؛ فالانبهار بعمارتهم يقف حده المقبول عند معايشتها في بيئتها وسياقها الجغرافي، أما نقل أنماطها التشكيلية وفضاءاتها المقطوعة عن البيئة إلى بلادنا فهو انقطاع عن المنطق السوي والعقل السليم. إن الاستفادة الحقيقية من تجارب الغير لا تكون باستنساخ أشكالهم الظاهرة، بل باقتباس مناهج التحليل العلمي وفيزياء المباني، ثم إعادة توظيفها كأدوات خدمة لترسيخ عقيدة المجتمع، وقيمه، وهويته المعمارية، وتكيفه مع المعطيات المناخية والجغرافية.

ومن هذه المسايرة الفكرية تحديداً نَبَع الانحراف البنيوي في حرفة العمارة؛ إذ تجسد الاستلاب في تحويل تعليم العمارة من ميدان الممارسة الطويلة والتلمذة الحرفية المباشرة إلى مقاعد التلقين الأكاديمي المجرّد. هذا التحول لم يطال الجانب التنفيذي فحسب، بل أفسد المسار الفكري برمته؛ فبعد أن كانت العمارة تشتق حلولها استقراءً من سلوك المادة المحلية واحتياجات المجتمع الوظيفية والمناخية، وتتوارث عبر الأجيال وفق هوية حية لا يدور حولها جدل المعاصرة المرتبك، أصبحت تُدرس عبر نماذج غربية أحلّت الرسم الشكلي المفرغ مكان الوعي الإنشائي، مما أدخل المعمار الممارس في حالة من التشتت المعرفي والاغتراب البيئي.

إن تصحيح هذا المسار يستوجب إعادة هيكلة التعليم المعماري، بنقله من قاعات النظرية إلى موقع العمل والتعامل المباشر مع المادة الحية، على أن يُدعم هذا التدريب بمعارف علمية ترخّص للهوية وترتبط باحتياجات المجتمع الاقتصادية. وهذا التوجه يتطلب انضباطاً مهارياً وإنشائياً يحدد مستويات التعامل مع مواد البناء المتاحة:

·         المجال السكني والمنشآت الاعتيادية: التخلي عن الهياكل الخرسانية المسلحة المكلفة حرارياً واقتصادياً، والعودة إلى نظام الحوائط الحاملة بالاعتماد على تعددية المواد البيئية والمحلية لكل منطقة- سواء بالطين المجفف بالشمس، أو الآجر والطين المحروق، أو الحجر الجيري أو الحجر الطبيعي، أو الطوب الرملي- مع اقتصار استخدام الخرسانة المسلحة على الأساسات فقط لضمان سلامة البناء؛ إذ يوفر هذا التنوع مادةً وعطالة حرارية طبيعية تخفض استهلاك الطاقة وتضمن البيئة الصحية للساكنين.

·     المنشآت الرياضية والمباني الضخمة: عدم اللجوء إلى التقنيات الحديثة والخرسانة المسلحة إلا عندما تفرض الوظيفة مجازات إنشائية واسعة وبحوراً فضائية كبيرة تعجز التقنيات التقليدية عن تغطيتها (كالاستادات والمدرجات الرياضية)، على أن تُعالج واجهاتها وكتلتها الخارجية بروح تنتمي للهوية والمواد المحلية، امتداداً للتجارب التاريخية التي طوّعت الحجر والمواد البيئية في إكساء أضخم المدرجات والمنشآت العامة. 

إن تطبيق هذا الفكر يتطلب كسر الفجوة بين المعمار والحرفي، عبر تأهيل الكوادر الشابة ميدانياً تحت إشراف الخبراء الميدانيين "الأسطوات". وما شهدته مدينة غدامس مؤخراً من دورات عملية تعلم فيها الطلاب صنع الطوب الطيني هو بداية جادة؛ غير أن الخطوة الحاسمة القادمة تكمن في التوسع لبناء "بيت نموذجي مكتمل بالطوب الطيني"، ليكون برهاناً مادياً ملموساً يختبر فيه المجتمع والمختصون الكفاءة الحرارية والإنشائية، مما يمهد الطريق لتعميمه كبديل تنفيذي منافس في مختلف البيئات والمناطق المجاورة.

إننا جميعاً لا نتوقف عن الانبهار بما عند الغير، ولكن الفارق الجوهري يكمن بين من يستثمر المناهج والتقنيات ليعيد صياغتها في خدمة هويته وبيئته، وبين من يتماهى مع الأشكال الظاهرة وينسلخ عن جذوره.. وشتان بين الاثنين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...