أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، سبتمبر 25، 2026

مستنقع المقارنة: من فلاتر الذات إلى مسوخ العمران واللسان

مدينة الخنيفرة بالمملكة المغربية- تظهر نمطاً من العمارة السوية التي تحترم مقومات بيئتها

جمال الهمالي اللافي 

تناولت السيدة الفاضلة لميس شعبان- في منشور على صفحتها- تشخيصاً دقيقاً لأزمة مراهقين وشبان يقعون يومياً في فخ مقارنة أجسادهم وحياتهم بالصور المثالية على منصات التواصل. غير أن هذا التشخيص النفسي الفردي يتيح لنا مدخلاً لإسقاط المعنى ذاته على مستوى حضاري أشمل؛ فالإنسان لا يتوقف عند مقارنة ملامحه أو وضعه المادي بالآخرين، بل يتجاوز ذلك إلى مقارنة أُمته ومجتمعه بمنجزات الأمم الأخرى؛ وهي مقارنة غالباً ما تُبنى على صور برّاقة ومقتطعة تُظهر المظاهر وتُخفي العيوب والقصور. 

ومثلما لا نشبه الآخرين في أجسادنا ولون عيوننا وشعرنا، فكذلك لا نشبههم بالضرورة في ثقافتنا ولا في فنوننا ولا في عمارتنا. غير أن العجز عن الارتقاء بالوعي لاستيعاب سنّة الاختلاف يجعل الإنسان ينزلق من مساحة "التمايز الصحي" والتنوع الطبيعي إلى مستنقع "المقارنة المرضية". وهنا تبرز حقيقة التربية الأسرية والمجتمعية، وتتضافر مع سياسات الحكم غير الرشيد لتعزيز روح الهزيمة النفسية لدى الأجيال المتلاحقة. 

واليوم، كما بالأمس ومنذ قرن من الزمان، يتجلى هذا الواقع المنهزم في شتى مظاهر حياتنا وفي مقدمتها العمارة والفنون؛ حيث يسعى المجتمع لاستنساخ نماذج بصرية وعمرانية غريبة عن بيئته وثقافته، في سلوك يطابق تماماً لجوء الفرد لعمليات التجميل الجراحية لتغيير شكله تلبيةً لصورة مستوردة. وكما تُسفر تلك الجراحات الهوجاء غالباً عن أضرار صحية وتشوهات خَلقية تنتهي أحياناً بوفاة صاحبها، فإن هذا "التجميل العمراني الزائف" أورث المجتمع تشوهاً أخلاقياً واجتماعياً طال قيمه وعاداته وسلوكه اليومي؛ فيُهمّش الطابع المعماري الأصيل الذي كان يصون خصوصية الجار ويعزز التكافل والسكينة، وتُستبدل به كتل خرسانية وهجين بصرية غريبة تُعزز العزلة، وتقتل روح التواصل، وكأننا نُلبس مدننا وجوهاً مستعارة تقتل فيها الحياة وتسلخ المجتمع من ذاته. 

ولا يقف هذا الاستلاب عند حدود العمران والفنون الملموسة، بل تعمّق بفعل المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والسياسية التي مارست دور «الفاعل الأصلي» في تجريف الهوية؛ فهي التي أوردت المجتمعات هذا الواقع المنهزم وصنعت الغيبوبة حتى قبل أن تظهر منصات التواصل الاجتماعي لتزيد الأمر احتقاناً وتفاقماً. فلقد فرّغت هذه المؤسسات مجتمعاتها من كل محتوى أصيل يصون كرامة الذات، وتركت الأجيال بلا حصانة فكرية، لتتلقفها شاشات التواصل بعروضها البراقة التي تستنفر عقدة المقارنة السلبية بدلاً من ترسيخ مبدأ التمايز الحضاري. ونتيجة لهذا التجريف المؤسسي، نشأت أجيال ترطن بغير لغتها ولا لهجتها، وانتقل الاستلاب من كتابة المسميات العربية بلغات أجنبية إلى تسمية كل شيء بتلك اللغات والتنكر للسان المحلي. 

إنها الغيبوبة الحضارية التي تضرب أطنابها في المجتمعات متى ما تولت مؤسساتها تفريغها من محتواها الذاتي، لتسقط في احتقار النفس ومقارنتها بالغير من موضع الدونية. ومادام هذا هو واقع الحال المكرّس بفعليات الرسم والسياسة، فلا ندري حقاً إلى أي جرف هارٍ ستنحدر شعوب أدمنت النظر إلى ذاتها بعيون الآخرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...