أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، أكتوبر 02، 2026

خديعة الحداثة: حين تحول العجز المعماري إلى مرجعية

انسحاب المعمار: قصة القطيعة بين الإنسان والمكان

 جمال الهمالي اللافي

      في لحظة فارقة أواخر القرن التاسع عشر، انزلقت العمارة من كونها "فعل انتماء" إلى "فعل اغتراب". لم يكن التحول نحو ما يُسمى بالحداثة ثورة إبداعية، بل كان في جوهره انسحاباً أمام تعقيد العلاقة العضوية بين الإنسان، والبيئة، والمجتمع. لقد استُبدلت الحكمة الحرفية المتراكمة بكسلٍ معرفي تقنّع بشعارات براقة، لتبرير العجز عن فهم تفاصيل المكان وروح المادة. 

    وهكذا وُلدت الحيلة الكبرى، وصيغت قوانين الاختزال:

  • حين عجزوا عن بلوغ النسبة الجمالية ونحت التفاصيل، أعلنوا أن "الزخرفة جريمة".
  • وحين استثقلوا دراسة المناخ واحترام الطبيعة، صادروا الروح وقالوا إن "المبنى آلة".
  • وحين جهلوا ثقافة المجتمعات وتعقيدها، ادعوا أن العمارة "عالمية" لا تعترف بسياق. 

    لم تكن الشبكة الإنشائية والمخطط الحر والواجهات الزجاجية إنجازاً أو تحريراً، بل كانت طرقاً مختصرة للهروب من الحلول المعمارية العميقة التي كان المعمار الأصيل ينسجها بصبر وتأمل. لقد عاشت هذه المرحلة على تسويق الوهم:

  • تحدثوا عن "الصدق الإنشائي"، بينما أخفوا المكيفات خلف الواجهات لتصحيح خطيئتهم المناخية.
  • تغنوا بـ "الوظيفة"، فأنتجوا علباً لا تتسع لإنسانية الإنسان ولا توفر له السكينة.
  • بشروا بـ "الحرية"، ففرضوا لغة استبدادية صماء وحّدت المدن من ناطحات نيويورك إلى أبراج طرابلس، ومن مدن الساحل إلى مدن الصحراء متجاهلين أن لكل أرض شمسها، ولكل مجتمع ظله. 

    كانت النتيجة هذا الخراب الحضاري الممتد: مدن فاقدة للهوية، وفراغات متصحرة. لقد صببنا الأرض بالخرسانة فتمردت الطبيعة بالفيضانات. واستبدلنا "الحوش" وفناءه الرؤوف بصناديق زجاجية تستهلك طاقة الأرض لتبرد. ومارسنا تجويعاً بصرياً واجتماعياً بهدم الأنساق العمرانية التي كانت تُعلّم الناس كيف يجتمعون، وكيف يستظلون، وكيف يحترمون الجوار. 

    وتعمق السقوط حين انتقل هذا العجز إلى قاعات الدرس وتكرس كمرجعية أكاديمية. لم يعد الأستاذ "شيخ حرفة" ينقل حكمة البناء، بل أصبح مروجاً لصور استعراضية. وانقطع الطالب عن ورش العمل وعن تأمل نسب وأبعاد المدينة القديمة، ليغوص في شاشات تولّد آلاف الأشكال العبثية، مختزلاً الإبداع في مدى غرابة الشكل. 

    في النهاية، لم يؤسس هؤلاء لحضارة، بل قنّنوا الجهل. فكانوا شهوداً وفاعلين في سقوطٍ مدوي لم يأتِ كقدر محتوم، بل كان ثمرة مباشرة لعجزٍ أُلبس ببراعة ثوب الإبداع، وجهلٍ تحول إلى قانون، وتسويقٍ حوّل الوهم إلى مرجع.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...