![]() |
| معبد الكرنك |
جمال الهمالي اللافي
إذا كانت
العمارة هي الوسيط الأخير الذي تحوّل عبره المنظومات الفكرية والسلطوية رؤيتها
للإنسان إلى واقع مادي معيش، فإن السؤال الذي فرض نفسه في ختام الجزء الأول يقتضي
منا معاينة اللحظة الراهنة: ما الرؤية الفكرية التي تجسدها العمارة المعاصرة
اليوم؟ وأي صورة للإنسان تسعى إلى تثبيتها وتكريسها في الوعي الجمعي؟
يكفي أن
نلقي نظرة على التحول الدراماتيكي الذي شهدته العقود الأخيرة، حيث اتجه الخطاب
المعماري السائد بحدة نحو الاحتفاء بالأشكال السائلة، والمنحنية، والملتوية،
والمفككة، بعد قرون طويلة هيمنت فيها الخطوط الواضحة، والمحاور الصريحة، والكتل
الموزونة والمستقرة.
وهنا
ينبغي ألا نقع في وهم التبسيط التقني؛ فالبرمجيات الرقمية وأدوات النمذجة ثلاثية
الأبعاد لم تكن هي الصانع الأول لهذه العمارة السائلة، بل كانت الاستجابة الهندسية
لها. إن التمرد الفلسفي للتفكيكية على «سجن الصندوق» وعلى المركز والمحاور الثابتة
هو الذي استدعى عقول المبرمجين والمهندسين لابتكار خوارزميات إنشائية ومواد بناء
جديدة قادرة على ترجمة هذا التمرد على أرض الواقع. فالأداة لم تقُد الفكرة، بل
انصاعت لشرط فلسفي حاد يرفض الثبات ويروم تفكيك الحدود.
لكن
المفارقة الأساسية تكمن في أن «المنحنى» بحد ذاته ليس اكتشافاً حديثاً؛ فالعمارة
الإسلامية مليئة بالقباب، والعمارة الرومانية اعتمدت على الأقواس، والحصون
التاريخية قامت على الجدران المستديرة. ومع ذلك، شتان بين التجربتين:
المنحنى
التاريخي- كما نعيشه تحت قبة السليمانية أو قباب جامع الناقة- كان جزءاً من نظام
كلي واضح المرجعية، يمنح شعوراً بالهيبة والنظام والاحتواء والسكينة. أما المنحنى
التفكيكي والسائل، فهو يقدم نفسه بوصفه تحرراً من المرجعية والمركز ذاتهما،
متحولاً إلى حركة دائمة تفكك التوازنات القديمة.
ولا يمكن
فهم القصد العميق لهذا التمرد التفكيكي دون وضع العمارة المعاصرة في مقارنة حاسمة
مع المنطلقات العقائدية للحضارات السابقة:
1.
العمارة
الاستبدادية/الوثنية القديمة: حرص الحكام قبل الإسلام في غالبهم على تأليه
أنفسهم، وتكريس دونية الإنسان والرعية عبر عمران يزرع الرهبة والخضوع؛ سواء عبر
التسلسل الفراغي المعتم للمعابد الفرعونية، أو المقياس الإمبراطوري الضخم في
العمارة الرومانية الذي يحقر حجم الفرد أمام سلطة الدولة.
2.
العمارة
التوحيدية الإسلامية: جاءت تعاليم الإسلام لتعيد للإنسان كرامته ومقامه
الإنساني؛ فجاءت عمارتها متسمة بالروحانية، والبعد عن التكلف، والترفع عن الضخامة
المخلة والمباهاة بالكتل—سواء في المساجد أو التخطيط العمراني السكني القائم على
الخصوصية والسترة. وحتى ما ظهر لاحقاً من مظاهر الضخامة لدى بعض الخلفاء، فلم يكن
يستهدف تحقير الإنسان، بل كان حواراً حضارياً وإظهاراً لمهابة الدولة أمام الآخر.
3.
العمارة
اللادينية المعاصرة وصناعة الفراغ الوجودي: تسعى
العمارة المعاصرة عبر فلسفاتها الحداثية والتفكيكية إلى قلب المعادلة؛ إذ انطلقت
من موقف إلحادي يسعى لإزاحة المركز الإلهي، وهدم القيم والأحكام الدينية
والمجتمعية الثابتة. إنها تنقل الإنسان من مرجعية الفطرة السوية إلى تقديس الفردية
المطلقة، والتحرر السائل من كل قيد أو معتقد.
وهنا
يبرز البعد الأعمق لهذه الاستراتيجية؛ ففي الوقت الذي تُروّج فيه الثقافة البصرية
والدراما الحديثة لصورة الشيطان بوصفه قوة قاهرة، في حين أن حقيقته تقف عند حدود
الوسوسة والغواية، يلجأ المنظّرون والمعماريون- بوعيٍ أو بدون وعي- لتأدية دورٍ
وظيفي يقود للنتيجة ذاتها. إن ما تفعله التفكيكية اليوم من زعزعة استقرار الإنسان
وجودياً ونفسياً وإدراكياً عبر السيولة المطلقة، ليس غايةً بذاته، بل هو"تفريغٌ
منظم للإنسان من مناعته الإدراكية والعقدية".
فالإنسان
عقلًا وروحًا لا يستطيع العيش في فراغ مطلق؛ وحين يُصاب بالهلع والاضطراب جرّاء
اقتلاعه من ثوابته الفراغية وجذوره الروحية، يصبح أرضاً خصبة لتقبل البدائل
المظلمة وتطبيع السلوكيات المنحرفة التي تنفي الفطرة وتستدعي غواية التشتت
والعدمية. وما العمارة السائلة في هذا المسار إلا الوعاء المادي الذي يؤطر هذا
الضياع، ويحول السلوك المنحرف إلى بيئة اعتيادية يومية، معلنةً تمام التطبيع.
وهنا
يبرز الثمن النفسي والإدراكي الباهظ لهذا التحول الفراغي. فالجهاز الإدراكي
للإنسان يحتاج إلى مرجعيات صريحة "كالأفق،
والعمود، والزاوية المستقرة، والمركز الاحتوائي" ليحدد موقعه الشعوري والمادي
في العالم. وحين تجرده العمارة السائلة من هذه المرجعيات لصالح الأسطح المائلة
والكتل المتطايرة والفراغات غير المتعيّنة، فإنها تضعه في حالة دائمة من "الاغتراب
الفراغي" حيث
يتحول الفراغ من حيز لـ "السكن
والسكينة" إلى
بيئة تثير القلق الحسّي، وتفرض على الجسد حالة من انعدام الوزن واختلال التوازن
الروحي.
إن أخطر
ما تفعله العمارة ليس تغيير شكل المباني، بل تغيير ما يعتبره الناس طبيعياً أو
بديهياً دون أن يشعروا. فحين يعيش الإنسان داخل فراغات سائلة تنفي المركز والثبات،
يعتاد وجدانه بصمت على مفهوم «السيولة» كحالة طبيعية للوجود. تصبح العمارة أداة
لتطبيع منظومة فكرية تعيد تشكيك الإنسان في حدوده، وتعريفاته، وهويته، وثوابته
التي ظلت مستقرة لفترات طويلة. إنها تُعد الوعي ليتقبل نموذج "الإنسان السائل"
الذي لا يملك مركزاً يقف عليه، ولا جداراً صلباً يستند إليه.
لهذا فإن
العمارة ليست بريئة فكرياً، وليست مجرد كتل صامتة من الزجاج والخرسانة. خلف كل
تكوين معماري تصوّر مسبق للإنسان، وخلف هذا التصور موقف كامل من الحياة والمجتمع
والمستقبل.
وإذا
كانت العمارة هي الوسيط الذي يترجم أفكار المنظومات السائدة إلى بيئة يومية تُعاد
صياغة الوجدان عبرها، فإن العمارة السائلة المعاصرة تجيب بوضوح عن السؤال الذي
ختمنا به الجزء الأول: إنها تبني بيئة لإنسان مُجرّد من مرجعياته، دائم الحركة، ومقطوع
عن ثوابته.
ويبقى
السؤال الذي ينبغي ألا نتوقف عن طرحه: هل نستسلم لهذه البيئة التي تعيد صياغتنا في
صمت، أم نستعيد حقنا الحضاري في إعمار فراغات تمنح الإنسان سكينته، ومركزه، ومعناه،
واتصاله الواعي بفطرته السوية وخالقه عز وجل؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق