جمال الهمالي
اللافي
إن التوجه الذي يختاره المعماري، سواء نحو تأصيل
العمارة المحلية أو الجري خلف الصيحات العالمية، هو في جوهره قناعة شخصية راسخة.
هذه القناعة ترتبط بالخلفية الثقافية والقيمية المترسخة في وجدانه، ولا يمكن
تغييرها بالضغط الخارجي أو بفرض آراء مخالفة. التغيير الحقيقي يتولد فقط من داخل
المعماري نفسه، عندما تتسع مداركه ويصل عبر الحوار والمشاهدة العميقة إلى لحظة
يدرك فيها مكمن الخلل في الطريق الذي كان يسلكه.
وهذه القناعة الذاتية ليست انفصالاً عن واقع
السوق ولا إنكاراً لمتطلبات الممولين والعملاء؛ بل إن اختبارها الحقيقي يظهر في
كيفية التعامل مع هذه الضغوط. فهناك من يستسلم بسهولة للنزعة التجاربة ويعتمدها
كمنهج يبرر التبعية والتكرار، بينما يتخذ المعماري الأصيل من هذه التحديات فرصة
لإيجاد حلول محلية ذكية. هو لا يتجاهل رغبة العميل ولا واقع الإمكانيات، بل يتسلح
بالفكر والصبر لتطويع الظروف والوصول بالبيئة العمرانية إلى بر الأمان.
العمارة، قبل أن تكون حجراً وخرسانة، هي بناء
فكري متكامل له قواعده وأساساته الشبيهة بأي بنيان مادي. وكما يستغرق هذا البناء
وقتاً طويلاً لتكتمل أركانه، فإن هدمه يحتاج إلى قرار واعٍ ينبع من قناعة صاحبه.
ولا يمكن فرض التغيير بالقوة أو الإكراه، لأن القهر لا ينتج سوى صمت مؤقت، حتى تتغير
الظروف ويستعيد الصوت الأصيل قدرته على التعبير عن نفسه في ساحات البناء والإعمار.
إن التنوع العمراني الحقيقي هو الذي ينشأ من
احترام قيم المجتمع، واحتياجاته، وظروفه البيئية والاقتصادية. وهناك فارق شاسع بين
"التلاقح الحضاري" الواعي الذي يستفيد من
الخبرات العالمية ويصهرها في قالب محلي، وبين "الاستيراد الكلي" لعمارة غريبة عن المكان
بجميع تفاصيلها. إن جلب نماذج معمارية جاهزة صُممت لمجتمعات أخرى، وتنفيذها بشركات
وعمالة أجنبية كما هي، ليس حداثة ولا انفتاحاً، بل هو انقياد يقطع الصلة بين
المبنى والبيئة التي يقوم عليها.
مهما بلغت القدرة المالية لأي أمة، فإنها تستطيع
استيراد كل ما تشاء من المنتجات والبنايات، لكن المال وحده لن يصنع حضارة. الحضارة
تنبع من المكان ومعطياته الطبيعية، ومن إبداع أبنائه في ابتكار حلول صادقة
لمعضلاتهم، لينتجوا شواهد معمارية تعبر عن هويتهم وتفاعلهم الحي مع البيئة بأسلوب
تلقائي وأصيل.
ولكي لا نجد أنفسنا يوماً أمام شواهد معمارية
مشوهة تضر بالمحيط وتفسد حياة الناس، يتوجب علينا العودة إلى الأصل: مراجعة
"البناء الفكري" لطلبة العمارة. يجب التأكد من سلامة هذا التكوين في
المؤسسات التعليمية، بدءاً من الأساتذة ووصولاً إلى المناهج والمرافق، مع تفعيل
رقابة المجتمع الذي يُعد المتضرر الأكبر من أي خلل عمراني. وهنا يأتي دور الإعلام
في نشر التوعية، والابتعاد عن السطحية، والتركيز على القضايا الجوهرية التي تمس
نهضة الوطن.
إن أي حديث عن ثورة معمارية سيبقى مجرد كلام إن
لم تصاحبه ثورة محلية في تقنيات البناء ومواده. بقاؤنا حبيسي الخرسانة المسلحة
والبلوك الإسمنتي ليس قضاءً وقرراً. الواقع العمراني لا يحتاج إلى تعقيدات إنشائية
مكلفة، بل إلى حلول عقلانية تلبي احتياجات السكن والمباني الخدمية والتعليمية.
البديل الحقيقي لا يكمن في نقل تقنيات معقدة من
الخارج، بل في الاعتماد على ما يُعرف اليوم بـ "العمارة الخضراء والمستدامة"؛ وذلك بتطوير
موادنا المحلية مثل الطوب الرملي، والقوالب الطينية والجيرية، والتوسع في نظام
الحوائط الحاملة للمباني متوسطة الارتفاع. وحتى في المشاريع الكبرى ذات البحور
الواسعة كالمطارات، يمكن توظيف التقنيات الحديثة في معالجة الأسقف بذكاء، مع
الحفاظ على روح المكان وهويته في باقي عناصر البناء. إن تطوير المادة المحلية هو
التطور الفعلي الذي يحقق الاستدامة والاقتصاد.
هذا التغيير المطلوب يحتاج إلى منظومة متكاملة
تشمل المعماري، والمصنع، والمستثمر العقاري، والجهات المسؤولة عن حماية هوية
المجتمع. والتحدي الأكبر اليوم هو التصدي لروح الانتهازية والتبعية التي تسعى
للوجاهة الشكلية والمصالح الضيقة على حساب المبادئ الوطنية والمهنية.
أمام هذا الواقع، يبقى الوعي المكتوب والكلمة
الصريحة هما خط الدفاع الأول لبناء هذا الجدار الفكري. فالأمل يظل قائماً في يقظة
الأجيال القادمة، وفي صحوة معمارية يقودها شباب واعٍ يدرك أن العمارة رسالة
وانتماء قبل أن تكون مجرد مبانٍ تُشيد وتُباع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق