جمال
الهمالي اللافي
مقدمة:
الشعار البراق وتمدد خديعة الهدم
في
بدايات القرن العشرين، رُفعت شعارات براقة دعت إلى "الثورة على التقليد
والإبداع في التجديد". غير أن
ما أفرزته تلك الدعوات على أرض الواقع، عبر أكثر من قرن من الزمان، لم يكن سوى
تجريفٍ للوعي، وهدمٍ للموروث الحضاري، وإدخالٍ للأمة في حالة من الذهول والاستلاب؛
فلا هي أدركت روح العصر وشيدت بنياناً حضارياً مستقلاً، ولا هي حافظت على أركانها
القيمية والمعرفية التي وقيت بها وجودها عبر القرون.
ولم يقف
الأمر عند تلك الإرهاصات الأولى، بل إننا نشهد اليوم- وبكثافة متزايدة- تنامياً
لافتاً لهذه الأصوات في عالمنا العربي؛ حيث تتردد النغمة ذاتها عبر منابر إعلامية
وأطروحات ثقافية تعيد إنتاج الوهم نفسه، وتُصر على صب المفهوم في القالب ذاته،
وكأن التحديث شرطه الساخط دوماً دك الأصول والتبرؤ من الذات.
لقد قامت
تلك الدعوات- قديماً وحديثاً- على فرضية زائفة تُخيّر الإنسان بين أمرين لا ثالث
لهم: إما القبول بالجمود والاندثار، وإما التخلي التام
عن الموروث والعقيدة لمواكبة تيار "الحداثة والمعاصرة".
أولاً: تفكيك
"المعاصرة".. الأدوات لا العقائد
إن الخلل الأساسي في هذا الطرح يكمن في إضفاء هالة أيديولوجية وهمية
على مفهوم "المعاصرة". فالمعاصرة في حقيقتها المجرّدة ليست عقيدة، ولا
فلسفة وجودية قاطعة، بل هي مجرد "الحاضر" وما وصل إليه العقل
الإنساني من مستجدات تقنية، وعلمية، وآليات صناعية.
إن العلوم والتقنيات المعاصرة ما هي إلا أدوات وإنجازات إنسانية
تراكمية، لا جغرافية لها ولا دين. وهي أوعية يستعين بها المرء لتسهيل حياته
وإقامة عمرانه. وإذا كانت الغرفة مغبرة، وكان أمام المرء مكنسة يدوية وأخرى
كهربائية، فإن العاقل يختار المكنسة الكهربائية لينجز عمله بسرعة وجودة أعلى؛ دون
أن يعني ذلك إطلاقاً أن الأداة تشترط عليه هدم جدران الغرفة، أو تغيير هويته، أو
اعتناق فلسفة صانع المكنسة وثقافته!
ثانياً:
"الشرط المضمر".. عن الابتزاز الحضاري واستهداف العقيدة
وهنا ينكشف السر في تلك الصيحات الداعية للهدم: لم تكن المشكلة يوماً
في الانتفاع بالمنتج الجاهز أو الأداة الحديثة، بل في الشرط المضمر الذي
دُسّ معها قسراً. لقد حاول أدعياء التجديد إيهام الأمة بأن أدوات العصر لن تعمل في
أيدينا إلا إذا تلبّسنا ثقافة صانعها وتخلينا عن عقيدتنا.
وإذا كان تعديل الغرفة أو هدم جدار فيها وتطويره وفق حاجيات الساكن
أمراً يفرضه التطور الطبيعي للحياة، فإن المطالبة بهدم العقيدة والمرجعية
تقودنا إلى السؤال المفصلي: لماذا؟ والجواب: لأن العقيدة الإسلامية هي مركز
الاستقلالية والكرامة، والبوصلة التي يزن بها المجتمع النافع والضار. واستهدافها
لم يكن ساذجاً ولا حداثياً، بل كان محاولة لتجريد الأمة من "الروح" التي
تضمن قيامها واستقلال قرارها الحضاري، لتحويلها إلى مجتمع مُستَلَب وتابع كلياً.
ثالثاً:
معيار السلامة والكفاءة.. الحسبة المادية والاقتصادية
حين تُنزع الأدلجة المصطنعة عن المعاصرة، تعود المسألة إلى نصابها
الطبيعي: حسبة اقتصادية ووظيفية صرفة. أنت تقرر ماذا تحتاج؛ فإن لم تكن
قادراً على تصنيعه، فإما أن تذهب إلى حرفي ليصنعه لك وفق مواصفاتك الخصوصية، أو
تذهب إلى السوق فتشتري المنتج الجاهز الذي يقضي حاجتك بكفاءة.
وهنا تتقلص المعركة الوهمية ليحل محلها المعيار العقلاني الوحيد
للمفاضلة:
- المنتج الكفء والآمن: الذي يحقق المراد، ويؤدي الوظيفة، ولا يلحق الضرر بمستعمله ولا
ببيته.
- المنتج الرديء والمخادع: الذي يغتر المرء بجمال ظاهره وبهرجته، بينما باطنه الرديء كفيل
بإحراق البيت بأكمله وسكانه غافلون.
رابعاً: من الفكر إلى الواقع.. الأطروحة العملية لتصميم المسكن
المحلي
لتسقيط هذه المفاهيم على الواقع العملي، يتوجب
الانتقال من المساحة الفكرية المجردة إلى منهج معماري تطبيقي؛ فالمسكن ليس مجرد
جدران وسقف، بل هو "وعاء حياتي" ينبغي أن يزاوج بين أصالة المفهوم
والخصوصية الاجتماعية من جهة، وبين كفاءة الأداة التقنية والمعاصرة من جهة أخرى.
وتتلخص الأطروحة العملية لتصميم المسكن المحلي المعاصر في أربعة
أركان أساسية:
1. الفصل التام بين
"المفهوم الفراغي" و"الأداة التقنية"
- المفهوم الفراغي (الأصالة
والموروث): التمسك بالتنظيم الفضائي الذي يلبي متطلبات الأسرة وخصوصيتها
وقيمها؛ مثل الفناء الداخلي (الحوش) كمركز اجتماعي وموجه مناخي،
والاعتناء بمدخل البيت (المجاف / السقيفة) لتحقيق حرمة المسكن، وتوفير
المساحات الخضراء والتهوية الطبيعية. هذا المفهوم لا علاقة له بزمن معين، بل
هو حل إنساني ومجتمعي مستدام.
- الأداة التقنية (المعاصرة): استخدام أحدث ما وصلت إليه
برامج النمذجة والحسابات الإنشائية (مثل SketchUp وAutoCAD) لضبط الكتل
والظلال، واستخدام التقنيات المعاصرة في العزل الحراري، وحسابات الإضاءة
والزوايا الشمسيّة، وتقنيات الحفر والتنفيذ الميكانيكي.
2. معيار
"الكفاءة والسلامة" في اختيار مواد البناء
تطبيق المقارنة الموضوعية (بعيداً عن بهرجة الظاهر ورداءة الباطن):
|
العنصر الإنشائي |
الخيار الرديء/الاستهلاكي |
الخيار الكفء/المستدام |
|
الجدران والكتلة |
الهياكل الخرسانية المفتوحة
الخالية من العزل |
الحوائط الحاملة أو البناء بالبلوك
الرملي/الجيري المزود بعزل حراري مدمج لمقاومة المناخ. |
|
الإكساء والطلاء |
الواجهات الزجاجية الضخمة
والمركبة التي تزيد حرارة البيت وتستهلك الطاقة |
الملاط الجيري والطلاء الأبيض
النقي
ذو الملمس الناعم الذي يعكس أشعة الشمس ويحمي المبنى. |
|
التأثيث |
الأثاث المستورد الرديء الذي
يستهلك المساحة ويتلف سريعاً |
العناصر الثابتة المبنية
بالطوب
(السدّة، الرفوف، المقاعد) المدمجة في أصل البناء. |
3. توظيف التقنية
لتلبية "الوظيفة" لا "الموضة"
- الأنظمة الذكية والمستدامة: توظيف الطاقة الشمسية،
وأنظمة حصاد مياه الأمطار، وتقنيات إعادة تدوير المياه الرمادية لري الحديقة
المنزلية، باعتبارها تقنيات معاصرة تعزز الاكتفاء الذاتي للمسكن دون المساس
بهويته.
- معالجة المناخ بالتقنية
الحديثة: استخدام وسائل التهوية والمراوح والتكييف الحديثة كعامل مساعد،
مع الاعتماد الأساسي على التوجيه المعماري الذكي والكتلة الحرارية
للمبنى لتوفير بيئة داخلية مريحة بأقل استهلاك ممكن للطاقة.
4. الحسبة
الاقتصادية والعملية (صناعة الخاص vs الجاهز)
- الاستعانة بالحرفي والأسطى
المحلي: لتنفيذ التفاصيل المعمارية التي تمنح البيت روحاً ورونقاً
(كالأقواس، المشربيات، والأعمال الحجرية والفخارية)، مما يدعم الاقتصاد
المحلي ويحافظ على صنعة الآباء.
- الاعتماد على المنتج الجاهز
الكفء: الشراء من السوق لكل ما هو منتج صناعي ناضج وآمن (كالأنظمة
الكهربائية، التمديدات الصحية، وأجهزة التكييف) طالما يحقق معيار والسلامة
والجودة بأقل تكلفة.
كيف ترى إمكانية البدء في تطبيق هذه الأطروحة كمشروع نموذجي (بيت
عائلي معاصر) يجسد هذه المعايير واقعياً ليكون حجة عملية ورداً ساطعاً على أدعياء
التحديث الشكلي؟
خاتمة:
المنهج المرن واستعادة الذات
إن الشريعة الإسلامية بمنهجها الكلي المرن لا تتصادم مع المعاصرة،
ولا تقف ضد أي تطور علمي أو تقني يخدم البشرية، بل ترحب بكل نافع ودرء كل مفسدة.
إنها لا ترفض إلا ما يهدد حياة الإنسان ووجوده وكرامته، كالقتل والاستعباد وإذهاب
العقل.
إن الخروج من حالة الموات والسبات لا يكون بقطع الجذور والارتماء في أحضان التبعية، بل بالحفاظ على الموروث العقدي والقيمي، والتعاطي الواعي مع أحدث أدوات العصر. حينها فقط، يسترد الإنسان سيادته وقراره، ويختار من معطيات الحاضر ما يُشيّد به أركان بيته، دون أن يخسر نفسه أو يحرق داره.
