أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، مايو 11، 2026

نحو بيئة عمرانية أكثر كرامة

 


جمال الهمالي اللافي

    حين نتأمل في أحيائنا التي أنهكتها الفوضى العمرانية، ندرك أن إصلاحها لا يحتاج إلى قرارات قاسية أو مشاريع جذرية، بل إلى رؤية هادئة وخطوات صغيرة تحمل في جوهرها معنى الانطلاق نحو بيئة سكنية أكثر جودة وكرامة. إن الفضاء العام حين يُحاط بالعناية، يفرض احترامه على الجميع، ويُعيد إلى الأحياء شعوراً بالانتماء والفخر بمكانها، ويُسهم في تعديل سلوكيات السكان نحو الانضباط والنظافة والتعاون.

    الهدم ليس هو الحل. إنه قرار مكلف اجتماعياً قبل أن يكون مادياً، ويعفي المخططين من أعباء التفكير في حلول خلاقة. أما الطريق الأسلم فهو ذلك الذي يبدأ بخطوات صغيرة، لكنه يفتح أبواباً واسعة نحو تحسين البيئة العمرانية ورفع مستوى الأحياء من دائرة التخلف إلى فضاء الكرامة والجاذبية.

    لقد أثبتت التجربة أن أبسط الإجراءات قادرة على إحداث تحولات عميقة. حين تُبلى الشوارع الترابية بالحجر أو البلاط، يتحول سلوك السكان تلقائياً: احترام للفضاء العام، انحسار لرمي القمامة، وولادة شعور بالانتماء إلى مكان يستحق العناية. هذه ليست مجرد تفاصيل، بل هي مفاتيح لتحولات كبرى.

الصور كنماذج حيّة للمعالجات البسيطة

    إن الصورة التي نراها من مدن متوسطية تُجسد هذا المعنى في سياق البيئة السكنية ذات الجودة العالية: شوارع ضيقة مرصوفة، أزهار متدلية من الشرفات، مقاهٍ صغيرة تنبض بالحياة، وألوان تُعيد للحي هويته البصرية. إنها مشاهد بسيطة، لكنها قادرة على أن تُحوّل أحياء مثل فشلوم والهضبة الخضراء ورأس حسن وسيدي خليفة وتاجوراء إلى فضاءات نابضة بالحياة، إذا ما أُحسن التفكير وأُحسن التنفيذ.

المقترح الأول: إلى عمداء البلديات والمناطق

    هذه النماذج البصرية تصلح أن تُعرض أمام عمداء البلديات ومخططي المدن لتُظهر لهم أن التحسينات ليست بالضرورة مشاريع ضخمة أو مكلفة، بل خطوات مدروسة تُعيد الثقة بين المواطن وحيّه. تبليط الشوارع، تحسين الإنارة، زراعة الأشجار، وتنظيم الأرصفة ليست تفاصيل ثانوية، بل هي سياسات حضرية مستدامة قادرة على إخراج الأحياء من دائرة التخلف العمراني إلى فضاء الكرامة والجاذبية. والأهم أن هذه المعالجات تُسهم في تعديل سلوكيات السكان، إذ يصبحون أكثر حرصاً على نظافة أحيائهم وأكثر احتراماً للفضاء العام حين يرونه محاطاً بالعناية.

المقترح الثاني: إلى أقسام العمارة وتخطيط المدن

    كما أن هذه الصور تصلح أن تكون مادة تعليمية أمام طلبة العمارة والتخطيط العمراني، لتُدرج ضمن مقررات التصميم الحضري وتنسيق المواقع، بل وحتى في مشاريع التخرج. إدخال موضوع تحسين البيئة العمرانية للمناطق المتخلفة عمرانياً كجزء من المنهج الدراسي سيُكسب الطلبة وعياً عملياً، ويجعلهم يتعاملون مع العمارة لا كفن نظري فحسب، بل كأداة اجتماعية وأخلاقية لإعادة بناء الكرامة في الفضاء العام. إن تدريب الطلبة على صياغة حلول واقعية لهذه الأحياء سيُهيئ جيلاً من المعماريين والمخططين القادرين على تحويل النظرية إلى ممارسة، وعلى ربط الجمال بالمسؤولية الاجتماعية، مع إدراك أن البيئة المحسّنة قادرة على تعديل السلوكيات وخلق مجتمع أكثر انسجاماً.

الخاتمة

    بهذا الدمج بين المقترحين، تصبح الصور مادة إيضاحية مزدوجة الوجهة: فهي من جهة دعوة للبلديات إلى اعتماد خطوات عملية لتحسين أحيائهم، ومن جهة أخرى دعوة للأكاديميين إلى إدراج هذه القضايا ضمن مناهجهم لتنشئة جيل معماري واعٍ بدوره الاجتماعي. إننا حين نرتقي ببيئتنا العمرانية، فإننا نرتقي بكرامة الإنسان الذي يسكنها، ونمنحه شعوراً بالانتماء والفخر بمكانه، ونُسهم في تعديل سلوكياته نحو الأفضل. وهذا هو جوهر التنمية العمرانية: أن تُبنى الكرامة قبل أن يُبنى الحجر.

الأحد، مايو 10، 2026

من رماد الإسمنت إلى فضاء الإنسان


 جمال الهمالي اللافي

كلما وقفت على كرنيش البحر، وأطلقت بصري نحو الأفق البعيد حيث المدن الشامخة على ضفاف اليونان وجنوب إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، تلك المدن التي ما زالت تتشح بعباءة المتوسط العريقة، يتملكني سؤال يلحّ: هل ستستعيد مدننا الليبية الساحلية خيطها السري مع هذا البحر الذي كان يومًا رحمًا للحضارات ومصدرًا للإلهام والحياة؟ وهل ستولد على ضفافه مدن ليبية جديدة، متجذّرة في هويتها المتوسطية، قادرة على أن تحتضن تنوّع مجتمعنا الليبي وتجعله نسيجًا واحدًا؟ وهل سيُكتب للإنسان أن ينتصر في رحلته نحو مدن أكثر إنسانية، تُقدّم وقع الخطوات على ضجيج المركبات، وتُعيد للفضاء العام دفء اللقاء وبهجة السير؟

إنني أؤمن أن الشرط الأول لعودة الروح المتوسطية إلى مدننا هو أن يستعيد المواطن الليبي ذاته الأصيلة، تلك التي غطّاها غبار العقود الماضية، وأن يوقظ حسّه الفطري بالجمال، فيتلمّسه في تفاصيل البيت والشارع والساحة، ويستنشقه في نسيم البحر وظلال النخيل. عندها فقط ستغدو مدننا مرآةً لوجدان الإنسان، ونافذةً مشرعة على جاراتها، وتستعيد مكانتها كفضاء إنساني نابض بالحياة، لا عمرانًا صامتًا يطغى عليه رماد الإسمنت.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...