جمال الهمالي اللافي
في مجمعات
العمارات السكنية، يتم الترويج لها بصور خلابة تُبرز الفاعل الاجتماعي، وتصور
الناس وهم يستفيدون من المساحات الخضراء وأماكن الجلوس المريحة. ولا شك أن هذه
المجمعات تبدو ظاهرياً أفضل بكثير من تلك التي تخلو من المعالجات البيئية
والمسطحات الخضراء.
ولكن، على
أرض الواقع، يصطدم هذا التصور بتحديات بنيوية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
إن هذا النمط العمراني، القائم على التكديس الرأسي، غالباً ما يفشل في خلق بيئة
حاضنة؛ حيث يغلب على قاطنيها الشعور بالعزلة وانعدام الأمان، مما يدفعهم للانكفاء
داخل شققهم بدلاً من التفاعل مع المحيط السكاني. حتى في المجتمعات التي يسودها
القانون، يظل هذا النمط "صامتاً" اجتماعياً، حيث تذوب الروابط الإنسانية
وتتحول المجمعات إلى مجرد كتل خرسانية يغيب عنها نبض الحياة.
إن
التاريخ العمراني يقدم لنا دروساً قاسية في هذا الصدد؛ ولعل "مشروع
إيغو-إيغو" في مدينة سانت لويس الأمريكية يظل الشاهد الأبرز على فشل هذا
التوجه. فقد تحول هذا المشروع، الذي صُمم ليكون نموذجاً للإسكان المثالي، إلى بؤرة
للجريمة والانهيار الاجتماعي، مما أدى في النهاية إلى تدميره بالكامل. لم يكن ذلك
مجرد هدمٍ للمباني، بل كان اعترافاً صريحاً بأن التخطيط الذي يغفل الحاجات النفسية
والاجتماعية للإنسان لا يمكنه الصمود.
وفي
سياقنا المحلي، تتفاقم الإشكالية؛ إذ يجمع هذا النمط خليطاً غير متجانس في حيز
مكاني ضيق دون معايير واضحة للتعايش، مما يجعل من الانسجام الاجتماعي أمراً شبه
مستحيل، ويحول المساحات المشتركة إلى نقاط توتر أو صدامات يومية نتيجة الزحام.
والأخطر
من ذلك، هو تحول هذه المجمعات -في ظل غياب الرقابة المجتمعية والترابط الحقيقي بين
الجيران- إلى بؤر جاذبة للجريمة، ومناطق خصبة لترويج وتعاطي المخدرات، حيث تتحول
هذه المجمعات إلى أسواق مغرية للاستثمار في أنشطة غير قانونية، مستغلةً حالة
العزلة التي يعيشها السكان وانعدام الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه المحيط، مما
يجعلها واقعاً بعيداً كل البعد عن الوعود التسويقية التي رُوِّج لها كأحلام سكنية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق