جمال الهمالي اللافي
كلما
وقفت على كرنيش البحر، وأطلقت بصري نحو الأفق البعيد حيث المدن الشامخة على ضفاف
اليونان وجنوب إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، تلك المدن التي ما زالت تتشح بعباءة
المتوسط العريقة، يتملكني سؤال يلحّ: هل ستستعيد مدننا الليبية الساحلية خيطها
السري مع هذا البحر الذي كان يومًا رحمًا للحضارات ومصدرًا للإلهام والحياة؟ وهل
ستولد على ضفافه مدن ليبية جديدة، متجذّرة في هويتها المتوسطية، قادرة على أن
تحتضن تنوّع مجتمعنا الليبي وتجعله نسيجًا واحدًا؟ وهل سيُكتب للإنسان أن ينتصر في
رحلته نحو مدن أكثر إنسانية، تُقدّم وقع الخطوات على ضجيج المركبات، وتُعيد للفضاء
العام دفء اللقاء وبهجة السير؟
إنني أؤمن أن الشرط الأول لعودة الروح المتوسطية إلى مدننا هو أن يستعيد المواطن الليبي ذاته الأصيلة، تلك التي غطّاها غبار العقود الماضية، وأن يوقظ حسّه الفطري بالجمال، فيتلمّسه في تفاصيل البيت والشارع والساحة، ويستنشقه في نسيم البحر وظلال النخيل. عندها فقط ستغدو مدننا مرآةً لوجدان الإنسان، ونافذةً مشرعة على جاراتها، وتستعيد مكانتها كفضاء إنساني نابض بالحياة، لا عمرانًا صامتًا يطغى عليه رماد الإسمنت.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق