أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، مايو 25، 2026

خرافة التكلفة العالية: من يدفع ثمن التشويه المعماري؟

 

جمال الهمالي اللافي

نقل لي أحد المتابعين تعليقاً غريباً من مهندس ادعى فيه أن التصاميم التي أقدمها – والمستلهمة من روح العمارة المحلية – تكلف "أربعة أضعاف" تكلفة المنزل العادي، حتى لو كانت مساحته لا تتجاوز 120 متراً مربعاً. ردي المباشر والعفوي على هذا الافتراء كان: "صاحبك كذّاب أشر، تصاميمي أقل كلفة أو متساوية، ولكنها قطعاً لا تزيد".

هذا الادعاء ليس مجرد خطأ في التقدير الهندسي، بل هو جزء من حملة تشويه ممنهجة، يمارسها بعض المحسوبين على المهنة للدفاع عن "العمارة الهلامية" السائدة التي شوهت مدننا. إنهم يروجون لخرافة التكلفة العالية للعمارة الأصيلة كفزاعة لإبعاد المواطن عن جذوره، ولضمان استمرار دوران عجلة الاستهلاك في سوق البناء الذي تحكمه العشوائية والتقليد الأعمى.


تشريح التكلفة: أين تُهدر أموال العمارة الهلامية؟

لكي ندرك حجم التضليل في هذا الادعاء، علينا أن نضع "المنزل العادي" (بمفهومهم المشوه) تحت مجهر التكلفة الفعلية. إن ما يصفونه بالنمط السائد هو في الحقيقة مستنقع من الإسراف المادي والهندسي، ويتجلى ذلك بوضوح في:

·     الاستعراض الإنشائي المفرط: يلجأ الكثير من المصممين اليوم إلى إثقال المبنى بكتل خرسانية ضخمة لا مبرر وظيفي لها. نرى الكتل الطائرة (الكوابيل المبالغ فيها) وأقواس المداخل العملاقة التي تمتد بارتفاعات شاهقة لتصل إلى سطح المبنى، مستهلكة أطناناً من الحديد والأسمنت والخرسانة المسلحة لمجرد محاولة إضفاء "جماليات" مفتعلة، دون أي عائد بيئي أو وظيفي.

·         إخفاء الفشل خلف الديكورات: لأن الفراغات الداخلية في التصاميم الهلامية تولد ميتة وتفتقر للنسب الإنسانية، يتم اللجوء إلى حشوها بكتل ضخمة ومكلفة من ديكورات الجبس في الأسقف والحوائط لترقيع القبح المعماري.

·     استلاب الخامات (هوس المستورد): تعتمد العمارة السائدة على استنزاف جيب المواطن عبر استخدام أغلى أنواع الرخام والجرانيت المستورد في تبليط الأرضيات وتكسية الواجهات الخارجية، واستبدال الغطاء النباتي المحلي بأشجار زينة مستوردة باهظة الثمن والرعاية.


الدليل الميداني: اقتصاديات البساطة في العمارة المحلية

في المقابل، إذا وضعنا أحد تصاميمي المحلية البسيطة تحت التقييم الإنشائي، سينفضح زيف ذلك الادعاء تماماً. إن هذا النهج لا يستدعي شكلاً من الماضي ليلصقه على واجهة حديثة، بل يستدعي "منطق البناء" ذاته، وهو المنطق الأجدى مالياً والأكثر استدامة:

·     العقلانية الإنشائية وتوفير الخرسانة: الكتل في مشاريعي متراكبة بشكل رأسي سليم ومباشر، والمجازات (Spans) واضحة واعتيادية. هذا يعني أن الأحمال تنتقل بسلاسة إلى القواعد دون الحاجة إلى تسليح معقد. غياب الاستعراض الإنشائي يجعل الهيكل حكيماً وغير مسرف، ويقلل بشكل ملموس من كميات الحديد والخرسانة المطلوبة مقارنة بالمباني السائدة.

·     نقاء الواجهات والحلول البيئية: يعتمد التصميم على البساطة والنقاء البصري؛ حوائط مصمتة تكتسب جماليتها من تلاعب الضوء والظل، ومحمية بلمسات محلية بسيطة كالمظلات التقليدية والبرجولات الخشبية الخفيفة التي توفر معالجة مناخية ذكية بأقل التكاليف. هذا يُغني تماماً عن بند التكسية المكلف بالمواد المستوردة.

·     الفراغ الناطق وغياب الحشو الديكوري: العمارة المحلية تستمد قيمتها من جودة الفراغ، ونسبه، ووضوح هويته، والاعتماد على المواد والأحجار المتاحة محلياً بصدق. هذا النقاء يُسقط تلقائياً بنوداً كاملة من ميزانية التشطيبات، ككتل الجبس المفتعلة والديكورات الباهظة.

خلاصة القول:

    إن العودة إلى العمارة المحلية ليست ترفاً برجوازياً ولا حنيناً مكلفاً للماضي؛ بل هي قمة الترشيد الاقتصادي. إن من يبيعك الوهم بأن هويتك وبساطتك تكلفك أربعة أضعاف، هو ذاته من يريدك أن تظل رهينة لسوق الخرسانات المبالغ فيها والديكورات المستوردة التي تستنزف مقدراتك وتشوه ذائقة أجيالنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...