قراءة نقدية في تفكيك المواصلات العامة ومصادرة الفضاء الحضري
جمال الهمالي اللافي
يربط
البعض، في قراءة متسرعة للأزمة، مشكلة زحام السيارات بانتشار العشوائيات والمباني
الواقعة خارج المخطط العمراني، معتبرين إياها المتهم الأول في شلل حركة السير. غير
أن تفكيك هذه الأزمة يكشف أن زحام السيارات لا علاقة له بالعشوائيات كسبب رئيس؛
فهي – بغض النظر عن فوضاها وافتقارها إلى البنى التحتية والمرافق الخدمية وفرص
العمل – تمثل في أصلها توسعًا عمرانيًا يُفترض به تخفيف الضغط السكاني عن وسط
المدينة.
الزحام
ناتج بشكل أساسي عن غياب المواصلات العامة المنظمة، والتي تلتزم، في حال وجودها،
باحترام المواعيد المحددة. هذا الالتزام ضروري لضمان تخلي الناس عن استخدام
سياراتهم الخاصة والاعتماد على المواصلات العامة في تنقلاتهم اليومية إلى أعمالهم.
وأقصد هنا تحديدًا (الحافلات والقطارات)، تلك الوسائل التي تم التخلص منها في
أزمنة سابقة عن عمد.
ومما
يضاعف من حدة هذه الأزمة في الحالة الليبية، التمركز الشديد للخدمات والمؤسسات
الحكومية والتعليمية والتجارية في مراكز المدن، مما يجبر جموع المواطنين على سلك
نفس المسارات وفي أوقات متزامنة. يضاف إلى ذلك السياسات الاستهلاكية المتمثلة في
التسهيلات المفرطة لاستيراد السيارات المستعملة، والتي تقاطعت مع رخص أسعار الوقود
المدعوم، لتجعل من امتلاك أكثر من سيارة للأسرة الواحدة أمراً شائعاً وملاذاً
وحيداً، مما أغرق الشوارع بمركبات تفوق بأضعاف السعة الاستيعابية للبنية التحتية.
إن
خلق بيئة مضطربة ناتجة عن ازدحام السيارات، وما يرافقها من غياب لثقافة احترام
قوانين المرور، يؤدي إلى شيوع الأمراض النفسية, كالضغط النفسي والتوتر العصبي.
وهذا ينعكس سلبًا بظهور سلوكيات عدوانية في الشارع، ناهيك عن التسبب في انتشار
حوادث السير وزيادة معدلات الوفيات بشكل مفزع.
كما
أن هذا الازدحام يُتخذ كمبرر لهدم الكثير من المعالم الحضرية القائمة منذ عصور،
تحت ذريعة توسعة الطرق للتخفيف من الاختناقات المرورية، وهو حل ترقيعي مفتعل يشوه
هوية المدن ويربك استقرار سكان المناطق المستهدفة باستقطاع أجزاء من مبانيها من
سكن أو تجارة أو صناعة تحت ذريعة المصلحة العامة ولا يتقصد معالجة جذور المشكلة.
إن
الدولة التي تُهمل أو تُلغي قطاع المواصلات العامة، وتفشل في التخطيط العمراني
اللامركزي، ساهمت وتساهم -بقصد- في إعادة صياغة مجتمع يغلب عليه التوتر والقلق
الدائم، مجتمع يشعر دائمًا بالحاجة إلى تأمين أساسياته. فمثلاً، أزمة طوابير
الوقود ما كانت لتتفاقم لو توفرت منظومة مواصلات عامة فعالة وقطارات سريعة. ويمكن
لكل منا أن يتخيل كيف ستكون الحياة لو أن امتلاك سيارة خاصة لم يعد ضرورة قصوى
تُثقل كاهل المواطن الليبي، وتستنزف وقته وأعصابه كل يوم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق