جمال الهمالي اللافي
هذه ليست مجرد محطات في سيرة
مهنية، بل هي شهادة وجودية ومسيرة إنسانية تشكلت ملامحها من قيم العطاء من أجل
غاية سامية، والإيمان بقضية تستوجب التضحية لأجلها، والعمل المخلص المرتكز على ثقة
مفرطة في الآخرين، وضمير مهني لم يسجل طوال عقود أي موقف يخل بالتزاماته الأخلاقية.
1.
الجذور والصدام الأول: معركة
"حوش العيلة"
عندما التحقت بقسم العمارة
والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس، كانت بوصلتي الفكرية متجهة نحو غاية واضحة
ومحددة: إعادة الاعتبار لـ «حوش العيلة»؛ ذلك الفراغ الإنساني الحميم الذي يلم
شتات العائلة الممتدة من الجدين والوالدين والأبناء والأحفاد، كرمز للأصالة
الاجتماعية والعمرانية. بدأت ملامح هذا التوجه تظهر في أول محاولاتي التصميمية عبر
حلول المساقط الأفقية والواجهات، لكن هذا المنحى التأصيلي لم يرُق لأساتذة المادة
الدراسية الذين استوطنهم المنهج التغريبي.
كانت درجة (10/1) هي التقييم
الثابت الذي يلازم كل مشروع أقدمه. ورغم رسوبي وإعادتي للمادة، تكرر الترصد
والتقييم ذاته من الأستاذين نفسيهما. وحين ذهبت لأحدهما مستفسراً عن مكمن الخلل في
مشاريعي، أجابني بقسوة: "ما تصممه ليس له وجود إلا في المقابر!".
لم يكن الأمر مجرد خلاف عابر،
بل كان صداماً حتمياً بين منهج تغريبي جاف وبين طالب يحمل براءة التمسك بالهوية،
مدفوعاً بثقة مفرطة في أن صدق الفكرة وقوة نبلها كفيلان بإقناع الآخرين. لم يثنني
ذلك الإقصاء الأكاديمي عن مواصلة طريقي؛ فقضيت عشر سنوات كاملة بين أروقة القسم،
أجاهد لإتمام مواد المنهج الدراسي، لا طمعاً في درجات عالية بات نيلها مستحيلاً في
ظل هذا المناخ، بل رغبةً في بلوغ أعلى مراتب الوعي بكل ما يمس هذا المجال من
تفاصيل.
ورغم فصلي من كلية الهندسة
لاحقاً بسبب ضعف المعدل العام الناتج عن هذا الترصد الممنهج - بعد أن أتممت مواد
المنهج وناقشت المرحلة الأولى من مشروع التخرج- إلا أنني خرجت برؤية لم تزدها
الأيام إلا صلابة. أذكر جيداً نبرة السخرية التي تلا بها أحد المناقشين ملاحظاته في
تلك الجلسة الأخيرة، وكأنه لا يحاكم مساقطي الأفقية لـ «حوش العيلة»، بل يحاكم
انتمائي وتشبثي بالتراب المحلي، متعمداً تقزيم الحلول الفراغية التقليدية أمام
زملائه. من ظن أنه بفصلي سيوقف مسيرتي نحو تأصيل العمارة المحلية، لم يدرك أنه كان
يدفعني دفعاً إلى ميدانها العملي الحقيقي.
2.
المدينة القديمة بطرابلس: خيار
الهوية لا الفخامة
في العام 1982 وخلال فترة
دراستي بقسم العمارة، وأثناء زيارة للوالد (رحمه الله وغفر له) بمكتبه في المكتب
الوطني الاستشاري بزاوية الدهماني، طلب مني سرعة التخرج للالتحاق بالعمل معه في
ذلك الصرح الاستشاري الفخم. لكنني، وبرؤية كانت قد بدأت تتشكل بوضوح في وجداني،
أجبته بيقين: "مكاني سيكون في المدينة القديمة، وليس في المكاتب الفخمة".
لم يكن في تلك السنة وجود لأي
جهاز مهمته إدارة المدينة القديمة وترميمها وصيانتها، حيث تأسس هذا الجهاز لاحقاً
في العام 1983.
وفي عام 1990، تحقق ذلك الهدف
والتحقت بالعمل بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس. لم يكن خياراً
عشوائياً، بل خطوة مبرمجة ومقصودة لتكون منصة انطلاقي نحو تأصيل عمارة ليبية
معاصرة مستمدة من عمق تاريخنا وحضارتنا.
هناك، فتحت لي آفاق جديدة
وتحديات مريرة في آن واحد. بدأت باقتراح برامج لتطوير العمل ومتابعة أعمال الترميم
والصيانة. ورغم أنني لم أكلف رسمياً بمتابعة ترميم المعالم التاريخية الكبرى كـ
«حوش القره مانللي» و«القنصلية الإنجليزية» - حيث كُلّف بها زملاء وزميلات في
الإدارة الهندسية- إلا أن عجزهم عن تحريك تلك الأعمال وغياب رؤيتهم الاستراتيجية
لما يجب فعله كان يحز في نفسي.
خلال زياراتي الميدانية
المستمرة لتلك المواقع، كنت أجد "أسطى" البناء القدير محمد العماري
والمهندس الإنشائي عبد الحميد الضاوي يقفون حائرين يتساءلون عما يجب فعله. هنا،
كنت أتجاوز التراتبية الإدارية العقيمة وأمنحهم التوجيهات الفنية والحلول الميدانية
اللازمة التي مكنتهم من إنجاز أعمال الترميم والصيانة بنجاح. كنت أكتفي برؤية
الجدران التاريخية تستعيد عافيتها، دون أن أسجل تلك التدخلات كإنجازات شخصية في
تقاريري الرسمية؛ فالعطاء الصادق الذي تربيت عليه كان يملي عليّ دائماً أن مصلحة
الأثر تسبق وتتفوق على أي بروتوكول إداري.
ولأنني آمنت بأن نقل الوعي
رسالة تستحق التضحية، أسست برنامجاً للتدريب الصيفي لطلبة قسم العمارة والتخطيط
العمراني في السنتين الأولين، ثم ألحقت بهم طلبة كلية الفنون الجميلة بأقسامها
المتعددة. أشرفت بنفسي على متابعة ست دورات تدريبية متتالية، محاولاً غرس بذور
الأصالة والوعي العملي في عقول الأجيال الشابة، قبل أن تمتد البيروقراطية الإدارية
وتتحرك الرغبة في المحافظة على ركود المكاتب ورتابتها لتعيق هذا النشاط، فصدرت
القرارات المتلاحقة بإيقاف التمويل وتجفيف منابع البرنامج حتى توقف تماماً.
3.
العهد وتأسيس "الميراث":
هدمت الجدران وانطلقت
وسط عواصف العمل والضغوط
والمحاولات المتكررة لتقييد حركتي داخل مشروع المدينة القديمة، كان لا بد من خلق
مساحات جديدة للتعبير عن الرؤية الذاتية كمتنفس حر يوازي قيود البيروقراطية. في
العام 1983، أسست مكتب «الميراث للأعمال الهندسية».
وفي ذلك العام، دار بيني وبين
زميلة في مكتبنا المشترك حديث طويل عن مسيرتي والعراقيل التي تحيط بي، فختمته
بجملة نبعت من أعمق نقطة في روحي، وصارت بمثابة عهد أبدي لا رجعة فيه: "لا أحد يمكنه إيقاف
مسيرتي. إن أغلقوا عليّ باباً، خرجت من الشباك. وإن أوصدوا النوافذ بكل إحكام،
هدمت الجدران وانطلقت."
كان هذا العهد بمثابة إعلان
موقف وجودي وصيحة ميلاد جديدة لعزمي؛ أن لا أتوقف مهما بلغت الصعاب، وأن يتحول كل
إقصاء إلى قوة دافعة للانطلاق والمواصلة.
4.
فخ الثقة المفرطة والطعنة
الأخيرة
طوال مسيرتي، كنت المحرض الأول
والمهندس الفكري لجميع المكاتب الهندسية والاستشارية التي أسستها ووضعت منهجياتها
وأهدافها. ولأنني كنت مشبعاً بقيم تضع العطاء وتأصيل الهوية فوق المصالح الضيقة،
فقد كنت أتعامل مع الجميع بثقة مفرطة، دون توجس أو سوء ظن.
لكن هذه الثقة كانت تصطدم
أحياناً بتباعد الرؤى؛ فبينما كنت أرى المكاتب فضاءات فكرية لخدمة قضية العمارة
المحلية، كان الشركاء ينجذبون تدريجياً نحو الحسابات المادية ولغة الأرقام وتصدير
الأسماء على اللوحات الهندسية، مما أدى تباعاً إلى تعثر مكتب «الميراث للأعمال
الهندسية» ثم مكتب «أبعاد مهندسون استشاريون» الذي أسسته بعد أن غادرت مشروع
المدينة القديمة نهائياً عام 2001 بعد أحد عشر عاماً من العمل المضني.
لم ينكسر إيماني بالناس، فأسست
بعدها مكتب «المدرسة الليبية للعمارة والفنون» في مقر شيدت أركانه الفكرية
والمنهجية قبل جدرانه الأسمنتية في حديقة بيتي. احتضنت هناك الخريجين الجدد من قسم
العمارة وكلية الفنون، وباشرنا العمل تحت قيادتي وتوجيهي لمدة أربعة أعوام كاملة.
وفي العام الأخير، وتأكيداً
على حسن نيتي ورغبتي في تقديم يد العون للجميع، اقترحت تسجيل المكتب في نقابة
المهندسين كمكتب استشاري، وأشركت فيه زميل دراسة قديم وعضو هيئة تدريس بقسم
العمارة بعد عودته من دراسة الماجستير. استقبلته في مكتبي، ووفرت له مساحته الخاصة
دون أن أحمله أي أعباء مالية أو مهام ثقيلة.
لكن، وبعد إشهار المكتب باسمه
واسم زميل آخر، بدأت الهوة تتسع بين رؤيتي ورؤيته في التعامل مع المهندسين الشباب
الذين ضاقوا به ذرعاً واشتكوا إليّ. وحين دعوت لعقد اجتماع لتصفية النفوس
والتفاهم، فوجئت به يحمل ملفاً ضخماً، معلناً رغبته في "المحاسبة
المالية"، ليفاجئني بصفعة كلامية لم أتوقعها ولم أستعد لها يوماً: "وأنت شن درت؟".
لجمتني الصدمة وعقدت لساني؛
فالسؤال لم يكن ينكر جهدي المادي والمعنوي وتأسيسي للمكان في بيتي فحسب، بل كان
يضرب في العمق مبدأ الثقة المطلقة التي بنيت عليها كل تعاملاتي الإنسانية
والمهنية. وما زاد من ثقل الصدمة هو التزام المهندسين الشباب الصمت؛ ربما ذهولاً
من هول اللحظة أو هيبةً من نفوذ صفته الأكاديمية بالجامعة.
في تلك اللحظة الصادمة، كان
قراري حاسماً ومباشراً: إغلاق المكتب وتسريح الجميع. ورغم مرارة الموقف، خرجت من
تلك التجربة برأس مرفوع؛ فخلال كل تلك الرحلة الطويلة والمليئة بالمنعطفات
والتقلبات، لم يسجل أحد ممن تعاملت معهم أي موقف يخل بالتزاماتي الأخلاقية أو أمانتي
المهنية. بقيت تلك التجربة شاهدة على أن الفكرة أسمى من الأشخاص، وأن من يبني
بالثقة والصدق لا تكسره المواقف العابرة.
5.
الانبعاث: الجمعية الليبية
لإحياء التراث الثقافي
اليوم، وبعد عقود من العمل
المكتبي والصمت الطويل، أدركت أن المعركة الفكرية من أجل الأصالة يجب أن تخاض في
فضاء علمي خالص، بعيداً عن حسابات المصالح المادية والتوقعات الفردية الضيقة.
انطلاقتي الجديدة والنهائية
اخترتها أن تكون من «الجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي»؛ هذا الكيان
العلمي الأصيل الذي أرسيت منهجه وأشهرته بنفسي في عام 2006.
تمضي الجمعية اليوم في مسارها
الجديد، متجاوزة خيبات الماضي، رافعة راية النهضة العمرانية الحقيقية والفنون
الحرفية المرتبطة بها، ومؤكدة أن لا مكان فيها إلا للمخلصين الذين يؤمنون -كما
آمنت يوم وقفت أمام أساتذتي في الجامعة وفي أزقة المدينة القديمة- بأن العمارة
والفنون ليست مجرد وسيلة لتحقيق الكسب، بل هي كرامة هذا الوطن، وهويته، ورفعته بين
الأمم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق