أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، مايو 30، 2026

جراحة على جسد هامد: في نقد "وهم الإسفلت" وتفكيك المعضلة الحضرية في ليبيا

 

م. عبد اللطيف أبوزيد

إن أزمة الزحام في ليبيا ليست مجرد مشكلة قصور في مساحة الطرق أو أعداد الحارات، بل هي نتيجة تراكم طويل لغياب التخطيط الحضري وتفكيك ممنهج لشبكات المواصلات العامة، مما حوّل السيارة الخاصة من وسيلة رفاهية إلى أداة إجبارية للبقاء والاستمرار. وأي مدينة في العالم، مهما بلغت قدرتها الهندسية على توسعة طرقها، ستظل غارقة في مستنقع الازدحام المروري ما لم تملك منظومة نقل جماعي محترمة، منظمة، وذات مواعيد دقيقة وصارمة.

مركزية قاتلة لا مجرد زيادة سكانية

المشكلة الحقيقية لا تكمن في الكثافة السكانية بحد ذاتها، ولا حتى في التوسع العمراني فقط، بل في تلك "المركزية القاتلة" التي تهيمن على الهيكل الإداري والخدمي؛ حيث تم حشر كل شيء تقريباً داخل مراكز المدن الكبرى: مقار العمل، الجامعات والمدارس، المصارف، المؤسسات الخدمية، والتجارة. هذا التوزيع الجغرافي المشوه يفرض حركية بشرية متزامنة ومتطابقة؛ فالجميع يغادرون بيوتهم في الوقت ذاته، ويسلكون المسارات ذاتها، ويتجهون نحو النقطة الجغرافية ذاتها، وبالطبع ستكون النتيجة شوارع مشلولة وأعصاباً منهكة تفقد إنتاجيتها اليومية.

إن الدول المتقدمة لم تحل أزمة الزحام بهدم معالمها وتوسعة الطرق فقط، بل ركز علاجها على بناء منظومات نقل حديثة (حافلات، قطارات)، وتبني فلسفة التخطيط اللامركزي، وفرض احترام القانون. أما في واقعنا المحلي، فما زلنا نصرّ على تبني الحلول الترقيعية المؤقتة، غافلين عن معالجة الجذور العميقة للأزمة.

جراحة فوق جسد هامد

إن محاولة إعادة تخطيط وإصلاح مدن كبرى متهالكة ومكتظة مثل طرابلس وبنغازي، بعد عقود من الفوضى والعشوائية والغياب التام لشبكات النقل العام، تشبه إلى حد كبير إجراء عملية جراحية لشخص فارق الحياة؛ فالأزمة اليوم لم تعد أزمة تقاطع مروري بحاجة إلى جسر، أو زاوية شارع بحاجة إلى إشارة ضوئية، بل هي أزمة انهيار منظومة حضرية كاملة فقدت مرونتها وقدرتها على الاستيعاب منذ سنوات طويلة.

لذلك، فإن الحل الحقيقي والناجع لا يكمن في الاستمرار في ضخ ميزانيات ضخمة داخل مدن استُنزفت عمرانياً وخدمياً ولم تعد قادرة على العطاء، بل يجب أن يتجه التفكير الاستراتيجي نحو إنشاء مدن جديدة ومخططة بالكامل خارج المراكز المنهكة الحالية.

المخرج الاستراتيجي: التوسع الأفقي والمدن الجديدة

يجب أن تولد هذه المدن المقترحة من رحم التخطيط الحديث؛ تضم منذ البداية مراكز أعمالها الخاصة، وجامعاتها، ومستشفياتها، ومساحاتها الخضراء، مدعومة ببنية تحتية قوية وشبكة مواصلات عامة حديثة تربط أطرافها ببعضها. إن الاستثمار في هذه الحواضر الجديدة هو الاستثمار الوحيد الكفيل بتحقيق الصورة الحضارية التي نطمح إليها، بدلاً من إهدار الأموال في ترميم جدران آيلة للسقوط.

وفي هذا السياق، يجب أن نعي أن التوسع العمراني الطبيعي والمناسب لليبيا هو التوسع الأفقي لا العمودي، تماشياً مع طبيعة الأرض الشاسعة، والمساحات المتاحة، والكثافة السكانية الحالية. إن الاعتماد على الأحياء السكنية الواسعة والمساكن الفردية المنظمة والمخططة بعناية، هو البديل الإنساني والصحي للتكدس الخانق داخل عمارات ومجمعات إسمنتية تحجب الهواء والضوء. ومع ربط هذه الضواحي الجديدة بشبكات نقل قطارات سريعة وطرق دائرية ذكية، سنتمكن أخيراً من سحب الكثافة البشرية والسيارات الخاصة من قلب المدن التاريخية القديمة، لنعيد إليها توازنها العمراني، والبيئي، والاجتماعي المفقود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...