أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، مايو 24، 2026

استقلالية المعماري: حينما تفرضُ المهنيةُ قواعدَها

جمال الهمالي اللالافي

المعماري، أينما وُجد، هو كيان مستقل عن أي تبعية؛ لا سيما حين يكرس هذا الاستقلال بامتلاكه مكتباً مهنياً خاصاً. هذا الواقع يستوجب على قادة مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، وشركات الاستثمار العقاري، التعامل معه على أساس الندية التامة، فهو قائدٌ لمؤسسته ومديرها التنفيذي، يضع الحدود للتعاملات والقيمة المادية لخدماته بصفته نظيراً مؤسسياً، لا مرؤوساً وظيفياً.

إن الخطأ الجسيم الذي يقع فيه المسؤول -لاسيما في سياقنا الراهن- هو التعاطي مع المعماري وكأنه أحد مرؤوسيه. وهنا تكمن الكارثة؛ إذ يُعد هذا تطاولاً على كيان مهني مستقل، يتمتع باستقلالية إدارية ومالية كاملة، ولا يخضع للتراتبية الوظيفية التي تحكم علاقات المسؤول بموظفيه.

ولا ينحصر هذا التجاوز في الواقع العملي فحسب، بل يمتد إلى فضاء التواصل الرقمي؛ إذ يبتدئ البعض حواراً مهنياً، ثم يماطلون في الرد تحت ذريعة "الانشغال"، متجاهلين أن وقت المعماري هو أمانة مهنية والتزام تجاه زبائنه الفعليين. إن استنزاف هذا الوقت في نقاشات عقيمة تنتهي –غالباً– بالاعتذار عند الحديث عن التكاليف، ليس مجرد تضييعٍ للجهد، بل هو استخفافٌ بمبدأ الندية؛ فالمعماري ليس متاحاً للاستشارات المجانية أو الترفيه، بل هو صاحب مهنة يحدد قيمة وقته بقدر ما يحدد قيمة تصاميمه.

في هذه الحالة، ستواجه حالة من الإقصاء الممزوج بالازدراء؛ فالمعماري سيرى في هذا التصرف تعجرفاً لا يليق، وسيعاملك بالمثل. لسان حاله يقول لك: "كما تدين تُدان"، وبالعين التي تنظر بها إليه، يراك بها. لا مالك ولا منصبك يعنيان له شيئاً، فهو لا يراك في هذه العلاقة إلا زبوناً ضمن قائمة أعماله، يختار من يرتضي العمل معه، ويقصي من يفتقر إلى أدب التعامل المهني.

القافلة عند هذا المعماري تسير، ولا يعبأ بنفوق جملٍ فيها، أو انسحاب مرافقٍ عنها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...