جمال
الهمالي اللافي
تدفع
الباب الخشبي الثقيل، محملاً بتلك الصورة التي شيّدتها في خيالك طويلاً. رائحة
المخططات الورقية وبرودة الزجاج تملأ المكان. أمامك يجلس رجل هادئ، تحيط به رصانة
الزوايا وحكمة الخطوط المستقيمة. تجلس على المقعد المواجه له، وبدلاً من أن تبسط
أحلامك عن جدران بيتك المنتظر، تبدأ في البحث عن بطل روايتك بين ملامحه.
تتأمل
وقاره، فتتسرب الخيبة ببطء إلى عينيك؛ تكتشف أن الواقع لا يرتدي عباءة أوهامك، وأن
الكلمات الموزونة التي تسمعها هنا مبنية على حسابات دقيقة، لا على سحائب الخيال
التي كنت تنتظرها. تنعقد الكلمات في حلقك، وتشعر للحظة مرتبكة أنك أخطأت العنوان،
وأن هذا الغريب ليس هو.
لكنك في
الحقيقة لم تضل الطريق إلى المكتب، بل ضللت في قراءة واجهاتك الداخلية. دعنا نعترف
في هذه اللحظة العارية: أنت لم تكن تبحث عن خريطة تؤسس لبيت يشعر بك، بل كنت تنقب
عن معماري يشبه أوهامك. لقد ظل عقلك أسيراً لصورة ذهنية مسبقة، يطاردها في ممرات
الواقع فلا يجدها، فيرتد غضبك المكتوم نحو إنسان بريء من خيالك الجامح. لم تسأل
نفسك قط: ما الذي قاد خطاي إلى هنا حقاً؟ هل هي العمارة التي تأوينا، أم المعماري
الذي نُلبسه أدوارنا؟
الخلل لا
يكمن في الواجهات التي يخطها، بل في الزوايا المظلمة من توقعاتك. العمارة ليست
مسرحاً درامياً لتمثيل أدوارنا الرومانسية أو استعراض كبريائنا الهش، بل هي فضاء
للعيش، ملاذ للكرامة، ووعاء يحتضن الذاكرة.
سواء
كنتَ تطارد صورة مثالية مستحيلة، أو كنتِ تبحثين عن انعكاس حالم خلف طاولة
التصميم، يجب أن ندرك أن الجدران الحقيقية لا تُبنى على الأوهام، بل تنهض على أساس
متين من وعينا العميق بحاجاتنا. إذا وجدت نفسك مفتوناً بالبحث عن شخص المعماري
أكثر من بحثك عن دفء المكان الذي سيأويك، فربما تحتاج إلى ترميم داخلي، وإلى
مراجعة لمخططات روحك قبل أن تطرق باب أي مكتب.
لا تنتظر
خريطة تعكس لك سراباً تتخيله، بل ابحث عن المساحة التي تشبه حقيقتك المجردة. وحين
تصدق مع نفسك، ستجد أن المشروع الذي يليق بك كان يختبئ هناك، ينتظرك خلف كل تلك
الأوهام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق