رهان الأقواس والأفنية: قصة البيت الذي بيع قبل أن يجف طلاؤه
جمال الهمالي اللافي
في صباحٍ
صيفي لاهب من العام 2003، كان المهندس المدني خالد يقود سيارته ببطء، وجسده يئن من
تعب الأسابيع الماضية. وإلى جانبه زوجته، يتقاسمان صمتاً محملًا بالخيبة. طوال شهر
كامل، طافا بين خمسين بيتاً يعرضها المستثمرون؛ كانت كلها تتشابه في قسوتها، مجرد
علب خرسانية صماء، صُنعت بلا روح لتكدس الغرف وتغلق منافذ الهواء، بيوت لا تشبه
أحلامهما بالاستقرار والسكينة، ولا تنتمي لأرضنا وعاداتنا.
وفي
اللحظة التي كاد يتسلل فيها اليأس إلى قلبيهما، قادتهما الخطى إلى منطقة السبعة.
كانت المنطقة حينها تعيش برزخاً جميلاً؛ حيث ملامح العمران تتسلل بهدوء ووقار
لتداعب خضرة الأرض الزراعية وتتنفس من هوائها العليل.
من بعيد،
وسط زقاق هادئ يتفرع عن صخب الشارع الرئيسي، لمحا بياضاً يلوح كالنور. اقتربا،
فانحبست الأنفاس. توقفت السيارة أمام بيت أرضي كان لا يزال في مرحلة التشطيبات
النهائية، لكنه كان ينطق بهوية مغايرة. جدار خارجي مكسو بحجر ذي ملمس طبيعي دافئ
يذكرك ببيوت طرابلس القديمة، وعوارض خشبية بارزة تتطلع إلى السماء، بانتظار تعريشة
ترسم على الأرض ظلالاً وارفة. كانت البوابة مفتوحة كأنها تدعو العابرين، وبداخلها
يقف أسامة، المستثمر الذي أرهقه القلق على أمواله في مشروع غريب عن المألوف. طرق
خالد الباب، فاستقبله أسامة بترحيب يداري وراءه ترقباً طويلاً.
خطت
الزوجة خطوتها الأولى عبر العتبة، فحدث شيء أشبه بالسحر. صمتت تماماً، لكن عينيها
اتسعتا بذهول طفولي. استقبلها ممر خارجي تظلله أقواس بيضاء ناصعة، مصممة بهندسة
مدهشة تؤطر زرقة السماء وكأنها لوحة حية متغيرة. ومن الأعلى، كانت الفتحات المربعة
تتناغم في تتابع دقيق، لتسمح للشمس بأن تغزل خيوطاً متراقصة من الضوء والظل على
بلاط الأرضية.
قادهما
الممر بنعومة إلى قلب البيت: فناء داخلي مفتوح يحتضن في وسطه حوضاً مربعاً من
التربة ينتظر أن تدب فيه الحياة، وتطل عليه النوافذ بذكاء يحقق معادلة بالغة
الصعوبة: تهوية كاملة، وإضاءة طبيعية تغمر الأركان، مع "خصوصية مطلقة"
تتيح للمرأة أن تتحرك في مملكتها بكامل حريتها دون أن تلمحها عين غريبة.
أدركت
الزوجة بحدسها الأنثوي والروحي أن هذا البيت لم يُبْنَ عشوائياً، بل صُمم بدقة
ليفهم تفاصيل حياتها اليومية ويحمي خصوصيتها. وبحكم التأدب والوقار الاجتماعي
المتأصل أمام الغرباء، لم تنبس بكلمة واحدة، بل وقفت تستمع لحديث خالد مع أسامة
بإنصات مهيب. لكنها، في لحظة مفصلية, التفتت نحو زوجها. التقت أعينهما في حوار
صامت فائق السرعة والعمق؛ لمعة رضا دافئة، ووميض حسم لا يتردد، وإيماءة خفيفة جداً
من رأسها كانت كافية لصناعة القرار.
التقط
خالد الإشارة التي ينتظرها بلهفة. التفت فوراً إلى أسامة، وبنبرة قاطعة لا رجعة
فيها قال: "أريد أن أشتري هذا البيت حالاً. لقد طفت بين خمسين بيتاً، ولم أجد
روحي ولا ضالتي إلا هنا."
فوجئ
أسامة بالإصرار، وأجابه متردداً: "ولكن يا مهندس، البيت لم يكتمل بعد،
والتشطيبات تحتاج وقتاً." رد خالد
بيقين: "سأشتريه الآن، وسأنتظر كل تفصيل حتى يكتمل تحت إشرافكم." وأمام
هذا الشغف الصادق، تم البيع وعادت الطمأنينة لقلب المستثمر.
حين حضر
المعماري المشرف بابتسامته الواثقة، أخبره أسامة ببيع البيت سريعاً. وخلال شهر
واحد، تحول موقع العمل إلى خلية نحل تسودها البهجة؛ رُكبت أطقم الحمامات بعناية،
وتوزعت الفوانيس النحاسية العتيقة على الجدران لتنشر دفئاً شاعرياً تحت الأقواس،
وتدلت الثريات لتنير الغرف المشرقة. ومع نهاية الشهر، عاد خالد ليجد لوحته شبه
مكتملة، باستثناء أخشاب التعريشة التي جُلبت ولم تُركب بعد. فأخبرهم بلهفة المحب
أنه سيتكفل بتركيبها بنفسه، رغبة منه في ترك بصمته الخاصة في هذا الملاذ، وللتعجيل
بالانتقال.
وحين
استلم أسامة باقي ثمن البيت من خالد، غمرته راحة عميقة، وعادت به الذاكرة تلقائياً
إلى ذلك اليوم الذي قصد فيه مكتب المعماري لأول مرة ليصمم له هذا المشروع. يتذكر
كيف وقف متوجساً أمام لوحات تصميم بيوت الضواحي الأرضية، وكيف قال للمعماري بخوف
التاجر وقلقه على رأسماله: "هذه النماذج غير مألوفة، وأخشى ألا يقبلها
الزبائن، خصوصاً أن الأرض تقع في منطقة شبه نائية." ويتذكر كيف أجابه
المعماري بثقة العارف الهادئة: "ثق بي، صحيح أنها نماذج غير مألوفة، لكنها
مميزة في بساطتها وجمالها وحسن توزيع فراغاتها الداخلية، بما يحقق الكفاءة
والخصوصية والملاءمة البيئية."
وفي يوم
آخر، التقى أسامة بالمعماري مجدداً بعد أن تم كل شيء بنجاح. بادر المعماري أسامة
بابتسامة دافئة قائلاً: "لا أريد أن أعرف كم صرفت ولا بكم بعته, فهذا شأنك..
لكني أود مقارنة تكلفة هذا البيت وأرباحه بما سبق من مشاريعك النمطية."
أجابه
أسامة مبتسماً بامتنان عميق ورضا كبير يسكن نبرته: "الفارق كبير، سواء في
تكلفة التنفيذ أو الأرباح. ويكفي أنني بعت البيت وهو في أواخر التشطيبات، بعدما
كنت أخشى ألا يُباع لاختلافه عن المألوف."
نظر
المعماري في عيني المستثمر أسامة، ورأى فيهما إشراقة السعادة والارتياح بعد أن ربح
الرهان، وقال بهدوء الواثق: "ألم أخبرك من البداية أن تثق بي؟"
مرت
السنوات.. وفي يوم مشمس من عام 2013، بعد عقد كامل من ذلك الصيف، التقطت صورة لهذا
البيت. لم يعد مجرد جدران؛ لقد كبرت العائلة في حضنه، وتجذرت أحلامها، ونمت شجيرة
"البوغانفيليا" الوردية المورقة التي زرعتها يد الزوجة، لتتسلق السور
الأبيض بحرية، وتلتف حول العوارض الخشبية صانعة تعريشة طبيعية تفيض بالجمال والبهجة
في زقاق السبعة الهادئ. لقد أثبت الزمن أن رؤية المعماري لم تكن مجرد رسم على ورق،
بل كانت بذوراً لحياة حقيقية مكتملة تزداد جمالاً مع السنين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق