دليل للتحرر من وهم "العلبة الخرسانية" والعودة إلى الأصالة الواعية
جمال الهمالي اللافي
حين يعرض
المصمم مشاريع مستوحاة من الهوية المحلية والعمارة العربية، يواجه ظاهرة تكاد تكون
فريدة في المجتمع الليبي اليوم؛ وهي "القبول
البصري الجارف والتصفيق الحار، المقترن بالهروب العملي والعزوف التام عند اتخاذ
قرار البناء الحقيقي".
المواطن
يبدي إعجابه الشديد بالصور واللقطات، يصفها بـ "التحفة الفنية"، ثم يلتفت
بهدوء ليبني صندوقاً خرسانياً مصمتاً مكشوفاً للجيران ومكلفاً في الطاقة والتشطيب.
وإذا سألته عن السبب، تذرع فوراً بـ "التكلفة الخيالية" أو "ندرة
المقاول المحترف".
لكن، هل
هذه الحجج حقيقية؟ عندما تثبت له بالأرقام والهندسة والوقائع أن العمارة المحلية
المبنية بذكاء بيئي أقل تكلفة وأسهل تنفيذاً من الواجهات الخرسانية والزجاجية
المستوردة، لا يقتنع أيضاً! هذا يقودنا إلى حقيقة واضحة: نحن لا
نواجه مشكلة تقنية أو مالية، بل نواجه "سلوكاً اجتماعياً دفاعياً"
وعقداً نفسية متجذرة في الوعي الجمعي.
في هذه
المقالة، نحاول الهبوط إلى "المنطقة غير المرئية" في سيكولوجية الزبون،
لنفكك معاً الحواجز النفسية الثلاثة التي تحكم قراره المعماري دون أن يشعر.
أولاً:
عقدة "الدونية الثقافية" ووهم محاكاة الغالب
على مدى
العقود الخمسة الماضية، مرّ المجتمع الليبي بتحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة
تزامنت مع طفرة النفط والانفتاح العشوائي. في هذه الفترة، ارتبط مفهوم
"الماضي" والتقليد في الذهنية الليبية بالفقر، البساطة، و"الحوش
العربي" القديم الذي كانت تشترك فيه عائلات متعددة في ظروف معيشية صعبة قبل
التحديث.
في
المقابل، ارتبط "المستورد" – سواء كان إيطالياً كولونيالياً، أو خليجياً
هجيناً، أو تركياً تجارياً – بالثراء، الحداثة الزائفة، والمكانة الاجتماعية
المفبركة؛ أفرزتها حمّى المظاهر والصعود المالي السريع القائم على الاستهلاك
الأعمى والإنفاق المظهري غير الواعي على حساب الأصالة.
عندما
يرى الزبون تصميم العمارة المحلية الراقي (الفناء، العقود، كواسر الشمس الخشبية)،
يتم تفعيل رابطين متناقضين في عقله:
1. رابط واعي وجداني : يذكره
بجمال هويته ودفء طفولته وحنينه للأصالة.
2. رابط لا واعي دفاعي: يهمس له بأن هذا الطابع قد
يعطي انطباعاً للآخرين بأنه "متأخر" أو "شعبي"، أو أنه عاد
للماضي لعدم قدرته على بناء فيلا "مودرن" براقة تواكب العصر.
المواطن
يشتري "العلبة الخرسانية الحديثة" ليس لأنها مريحة، بل ليشتري بها صك
الاعتراف الاجتماعي بمكانته المالية ومظهره العصري. إنه يعاني من "عقدة دونية
ثقافية" تجعله يرى الأصالة ضعفاً، والتبعية البصرية للغير سيادة ورفعة.
ثانياً:
سيكولوجية القطيع ورعب "المساءلة الاجتماعية"
في
الثقافة الليبية، بناء البيت ليس قراراً فردياً أو عائلياً خاصاً؛ إنه "مشروع
قومي" يخضع لرقابة وتدخل العائلة الموسعة، الأقارب، الجيران، بل وحتى المارة
في الشارع. المجتمع الليبي مجتمع جمعي بطبعه، يمارس ضغطاً هائلاً على أفراده
للالتزام بالنمط السائد.
المواطن
العادي يرتعب داخلياً من فكرة "التميز البصري" التي تضعه تحت المجهر. هو
يدرك أنه لو بنى بيتاً بفناء داخلي (حوش عربي حديث) وبنوافذ مدروسة وواجهة هادئة
خالية من بهرج الكرانيش، فإنه سيضطر لخوض معركة دفاع يومية أمام "100 زائر
وقريب" يسألونه مستغربين:
·
علاش النوافذ صغيرة من برة؟ سكرت على روحك!
·
وين الصالون التركي المربع الكبير؟
·
علاش ما درتش واجهة زجاجية كاملة كيف فيلا فلتان وفلتانة؟
الهروب
إلى النمط السائد (الخليجي أو المودرن المتوحش) هو "درع نفسي" يحمي به
المرء نفسه من النقد والمساءلة الاجتماعية. إنه يستسهل التضحية براحته وحريته داخل
بيته في مقابل الحصول على "السلام الاجتماعي" والصمت من محيطه.
ثالثاً:
فخ "نمط الحياة الجاهز" والكسل الاستهلاكي
العمارة
المحلية الحقيقية ليست مجرد شكل؛ إنها "فلسفة
حياة واعية وذكية". البيت
المحلي كائن حي يتنفس ويتفاعل مع محيطه; الفناء الداخلي يتطلب عائلة تفهم حركة
الشمس والرياح، تستمتع بالظلال، تفتح النوافذ في المساء لتغيير الهواء، وتدرك قيمة
المساحات الإنسانية الدافئة.
أما
"العمارة الاستهلاكية السائدة" فهي تقدم نمط حياة كسلان وجاهز. الساكن
لا يريد أن يفكر؛ هو يريد فراغاً مربعاً مصمتاً يشبه الكتالوجات الجاهزة، يشتري له
أثاثاً مكرراً بقطع ضخمة، ويركب مكيفات بقوة هائلة لتعويض الفشل الحراري للمبنى،
ثم يغلق الستائر طوال العام.
هذا
العزوف يعكس رغبة لا واعية في التهرب من "مسؤولية التميز الفكري". الزبون
يخشى العمارة المحلية لأنها تفرز نمط حياة يطالب بالاتصال بالطبيعة والهدوء، بينما
هو معتاد على نمط الاستهلاك السريع والميكانيكي الذي تديره الآلة والفواتير.
كيف نكسر
هذا الطوق؟ (خارطة طريق واعية للمواطن الباحث عن الأصالة)
إن
الخروج من سجن "العلبة الخرسانية المكررة" والتحرر من هذه العقد
الاجتماعية لا يتطلب معجزة، بل يتطلب تغييراً حقيقياً في طريقة تفكيرنا كأفراد مقبلين
على البناء:
1. إعادة تعريف "الحداثة" والسيادة
الثقافية: علينا أن
نتوقف فوراً عن ربط هويتنا المحلية بالفقر أو الماضي. العمارة المحلية ليست آثاراً
للمتاحف، بل هي قمة الذكاء المعماري والمستقبلي. انظروا إلى نخبة العمارة في
اليابان وأوروبا; لقد تخلوا عن جدران الزجاج والخرسانة الزائدة وعادوا للمواد
الطبيعية والتهوية الذكية وتصالحوا مع جذورهم. التميز المعماري هو رمز للنضوج
الفكري والسيادة الذاتية، وليس التبعية لكتالوجات مستوردة.
2.
شحن
الوعي بالأسلحة الفكرية ضد ضغط المجتمع: عندما تقرر البناء خارج
الصندوق المكرر، تذكر دائماً أنك تبني بيتك لتعيش وترتاح فيه عائلتك لـ 50 سنة
قادمة، وليس لترضى عنه عيون عابر سبيل أو قريب يزورك مرة في السنة. عندما يسألك
أحدهم مستغرباً عن خصوصية نوافذك أو بساطة واجهتك، تسلّح بالوعي وأجبه بثقة وفخر: "أنا أبني بيتاً يخدمني ويوفر راحتي، ولا أبني بيتاً أخدمه
بفواتير التكييف والتنظيف".
3. أنسنة تفاصيل بيتنا اليومي: لنتوقف عن التفكير في مساكننا
كصالة عرض للصالونات الضخمة والكرانيش المبهرجة، ولنفكر فيها كـ "مأوى إنساني
دافئ". تذكروا أمان أطفالكم وهم يلعبون في فناء مفتوح تحت عين الأم وهي في
المطبخ، تذكروا جلسة القهوة الصباحية تحت ظلال الأشجار في فنائكم الخاص بعيداً عن
غبار الشارع وأعين المارة، وتخيلوا سهولة التدبير والراحة النفسية في فراغات
مدروسة لتتنفس بشكل طبيعي.
4. مواجهة الوهم المالي بحقائق الأرقام: بالورقة
والقلم، يجب أن ندرك أن "البرستيج المستورد" هو الفخ المالي الحقيقي
الذي يستنزف مدخرات العائلات. الإسراف الخرساني في الهياكل المعقدة، والواجهات
الزجاجية الضخمة التي تحول البيوت لغرف حرارية مغلقة، تكلف في بنائها وتشغيلها
أضعاف ما يكلفه البيت المحلي الذكي الذي يعتمد على نسب الكتلة والمواد المحلية
ليوفر الطاقة والراحة على المدى الطويل.
خاتمة
العمارة
المحلية ليست مجرد جدران وأقواس وقباب؛ إنها الحصن الأخير لخصوصيتنا، وراحتنا النفسية، وصحتنا
البيئية. وعندما نتصالح مع هويتنا المعمارية، فإننا لا نصلح مبانينا فحسب، بل
نعالج وعينا الجمعي من عقود التشوه الثقافي والتبعية البصرية.
بيتك هو
مملكتك الخاصة التي ستعيش فيها بقية عمرك؛ فهل ستبنيه لترتاح فيه عائلتك، أم لترضى
عنه عيون المارة في الشارع؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق