جمال
الهمالي اللافي
إن
الموازنة بين منجز العمارة الليبية المعاصرة وإرث فضاءاتها التقليدية الأصيلة لا
تفضي فقط إلى رصد تراجع جمالي، بل تكشف عن فجوة معرفية وجودية وقطيعة مهنية حادة. إن هذه
الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمي لبيئة تعليمية وأكاديمية مفرغة من
شروط التأهيل الحقيقي، وممارسة ميدانية مختطفة لصالح شبكات من المصالح
البيروقراطية والطفيلية.
أولاً: البنية المعرفية
المأزومة (تزييف التكوين الأكاديمي)
تكمن
أولى حلقات التجهيل الممنهج داخل أسوار الأكاديميا المعمارية؛ حيث يقود العملية
التعليمية جيل من الأكاديميين المفرغين من التجربة الميدانية الفعلية والوعي بأصول
الصنعة وفلسفة المواد وطرق الإنشاء. لقد استُبدلت المعرفة الحية المتصلة بموقع
البناء برصيد من النظريات المستوردة والمناهج التغريبية الهجينة التي عجزت عن
التوطن في التربة المحلية أو الاستجابة لمتطلبات البيئة والمجتمع المعاش.
وتتجلى معالم هذا المأزق الأكاديمي في الآتي:
1. الانفصال عن الواقع المادي: تحول
التعليم المعماري من ممارسة حية ترتكز على فهم سلوك المواد وفيزياء البناء إلى
تمرين شكلي ومرئي مجرد .
2. عقم أدوات القياس والتقييم: عجز
المنظومة عن التمييز بين الطالب الذي يمتلك وعياً نقدياً ورؤية أصيلة، وذلك الذي
يبحر في التلقين ويستجيب آلياً لمتطلبات المنهج الجوفاء للحصول على درجات شكلية.
3. أكذوبة الأقدمية الأكاديمية: تكريس
"الأقدمية الزمنية" كمعيار وحيد للترقي والتوجيه، في غياب تام لأي منجز
مهني ملموس أو إضافة معرفية حقيقية للمجال، مما جعل القيادة الفكرية للمؤسسات
التعليمية تقع في أيدي النخب الأكثر جهلاً بأصول الممارسة العملية.
ثانياً: تفكيك الداء (التشظي
المعرفي وسرقة السيادة الميدانية)
إن
التشوه الذي يصيب الطالب على مقاعد الدراسة يتغذى على تقسيم جائر وهندسة معرفية
مشوهة تفصل بين "التصميم المعماري" و"الحساب الإنشائي
والمدني". هذا التشظي يتصادم جذرياً مع جوهر التعليم المعماري تاريخياً،
والذي قام دوماً على تلاحم الفكرة التصميمية مع إمكانية تحققها المادي والإنشائي
في عقل المصمم.
وامتد هذا الانفصام ليعيد تشكيل المشهد الميداني
على النحو التالي:
·
تسيّد
المقاول البيروقراطي: تحول
مفهوم "المقاول" في الواقع المحلي من مهندس ممارس يمتلك أصول الصنعة إلى
"وسيط إداري ومالي عابر" يقتصر دوره على التوجيه السطحي وإدارة العمالة
الوافدة دون أي عمق فني أو معرفي.
· الخصاء المهني للمعماري: بدلاً من
تأهيل المعماري ليكون القائد الفعلي للموقع (على غرار المعلم البنّاء تاريخياً)،
تم تهميشه وتحويله إلى مصمم ورقي أو متفرج معزول عن الميدان، لتنتقل السيادة
والقرار الفني لـ "سماسرة التنفيذ" الذين يستمدون نفوذهم من غياب
التمكين الأكاديمي والميداني للمعماري الجديد.
ثالثاً: التشوّه السوسيولوجي
والبيروقراطي (من الفضاء الخلاق إلى دكاكين التعطيل)
إن غياب
التأهيل الميداني أنتج ظاهرة اجتماعية معقدة؛ إذ تعج أقسام العمارة بآلاف الخريجين
(وبالأخص من العناصر النسائية) وسط غياب كلي لآليات التدريب والتأهيل العملي
المتناسب مع قسوة المواقع وظروفها اللوجستية والاجتماعية في ليبيا. والنتيجة
الطبيعية هي اختفاء الغالبية العظمى من هذه الكفاءات خلف جدران المنازل أو في ركود
الوظائف المكتبية الحكومية، مع استثناءات نادرة جداً كسرن هذا الطوق الميداني.
هذا
التضخم العددي غير المؤهل ميدانياً أنتج ما يمكن تسميته بـ "المعماري
البيروقراطي"؛ حيث
يتحول لقب "المهندس المعماري" من رخصة للممارسة والابتكار إلى مجرد
وجاهة اجتماعية ونياشين فارغة تُعلق على الصدور. وتكمن الفاجعة في الآتي:
1. التعويض السلبي عن العجز الفني: يتحول
هؤلاء الخريجون في أروقة المؤسسات والوزارات الحكومية إلى قوى معطلة؛ فيمارسون
وصاية إدارية جاهلة تعرقل معاملات المعماري الممارس الحقيقي وتصادر جهده.
2. مأسسة الفساد والجهل المهني: يغدو
هؤلاء البيروقراطيون حراساً لبوابة المصالح الشخصية، يبتزون الممارسين الفعليين،
ويطالبون بالرشاوى لتمرير المعاملات الواجبة قانوناً، ويتلاعبون بالعقود
والمناقصات بجهل مهني صريح وفساد أخلاقي مستشرٍ، للتعويض النفسي والوظيفي عن عجزهم
وفشلهم الميداني الحقيقي.
رابعاً: ستون عاماً من التيه
وحقيقة "اللاحل"
إن
الحقيقة الصادمة والوحيدة التي تقتضيها النزاهة النقدية هي الجهر بأننا اليوم
-وبعد مرور قرابة ستين عاماً على تأسيس أول قسم للعمارة في ليبيا عام 1969- نقف أمام
مهنة لا وجود حقيقي لها على أرض الواقع.
إن
العقود الستة الماضية لم تؤسس لمدرسة معمارية وطنية متلاحمة مع تربتها وسياقها
الاقتصادي والاجتماعي، بل أنتجت "بنية موازية" من الجهل الأكاديمي
والبيروقراطي المحمي بقوة القانون والسلطة الإدارية والوجاهة الاجتماعية المزيفة.
وبناءً
عليه، فإن الحديث عن "مواثيق إصلاحية"، أو "تعديلات مناهج
طفيفة"، أو "حلول رقعية تجميلية" في ظل هذه المنظومة هو ضرب من
الوهم والتواطؤ غير المباشر مع مسببي الفاجعة؛ إذ لا يمكن ترميم بنية نخر فيها
الفساد الأكاديمي والإداري حتى النخاع.
إن
التشخيص الصادق يفرض علينا إعلان الصدمة الكبرى: لا حلول
ممكنة ما دامت هذه البنية الطفيلية والبيروقراطية هي المهيمنة على المشهد. إن
الإقرار بموت المهنة الفعلي وتحللها تحت وطأة القيادات العبثية هو نقطة الصفر
الحقيقية لأي وعي نقدي شريف؛ فالغاية هنا ليست تقديم مسكنات واهية لوضع مستعصٍ، بل
إعلان النعي الصريح، لعل هذا الغضب الواعي يدفع جيلاً جديداً لإدراك أن انبعاث
المعمار الليبي لن يبدأ برتق الأنقاض، بل بسقوطها التام والبدء مجدداً من الأرض
الصلبة للميدان الحقيقي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق