جمال الهمالي اللافي
هل لاحظتم كيف تتغير شخصية المواطن الليبي عندما
يرتدي البدلة العربية بكامل هيبتها وتفاصيلها (الكاط)، ليصبح أكثر انضباطاً في
سلوكه؟ حتى الطائش يضبط لسانه إلى أن يخلع هذا الزي ويرتدي بدلاً منه ثياباً
مبتذلة أخرى. وبمجرد أن يغيرها، ينفلت لسان المنفلت.
صدقوا هذه الحقيقة، فحتى عندما يتعلق الأمر
بالمسكن، فإن تأثيره على ساكنه أشبه بتأثير "الكاط" المهيب على لابسه.
فمن سكن بيتاً محافظاً انضبطت سلوكياته وتعامله مع الناس -على الأقل في ظاهر الأمر-.
لماذا هذا التأثير؟
كثير منكم يتحدث عن الحداثة والمسكن الحديث،
وأغلبكم لا يعلم منطلقات الحداثة كفكر ودعوة لا أخلاقية. وقد بدأ الكثيرون يكثرون
الحديث عن "زها حديد" وعمارة التفكيك، ولكنكم جميعاً لم تدركوا غايات
الفكر التفكيكي ومنطلقاته الحقيقية.
إن من قرأ النصوص الأدبية لفكر الحداثة والتفكيك
وشاهد الأفلام والمسلسلات التي انطلقت منها (وهنا أتحدث عن العربية قبل
الإفرنجية)، سيستوعب كل ما أطرحه دون حاجة للخوض في تفاصيله.
في البداية، أشرت للمنفلت لسانه من عِقاله، الذي
لا يتورع عن التفوه بأقبح الألفاظ؛ هذا ما ستجدونه في أدبيات فكر الحداثة
والتفكيك. وهذا الشحن بالقاذورات الذي استطعتم استيعابه من خلال ما تقرؤون
وتشاهدون وتسمعون، يمتلئ به جوف جدران البيوت التي صُممت على نهج هذين الفكرين.
وأقصد هنا التصميم الحداثي والتفكيكي كعمارة -أي التأثير المباشر للعمارة على
الإنسان- ولا أقصد به تأثير الإعلام والمسلسلات والأفلام. ثم تنفثه تلك الجدران
على ساكنيها دون أن يشعروا، ليعودوا وينفثونه بدورهم على المجتمع في سلوكيات غدت
ظاهرة عامة في تعاملاتهم وتصرفاتهم. إن ما يتحدث عنه اليوم علماء الأخلاق
والاجتماع والنفس من ظواهر منحرفة وشاذة، ما هو إلا نتاج لهذه الأنماط السكنية.
لهذا، أختم مقالتي بهذه الجملة: لا تقدم "ثياباً
نظيفة" لمتشرد تغطيه أوساخ الشارع وقاذوراته، قبل أن تقوم بتنظيفه أولاً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق