جمال الهمالي اللافي
تفرض
غياب الضوابط والقوانين المنظمة للعلاقة بين المعماري والزبون واقعاً مليئاً
بالتحديات، واقعاً أصبحت فيه المهنة أشبه بساحة معركة مفتوحة. وفي ظل شيوع الفوضى،
وتخلي المؤسسات المهنية – التي كان ينبغي أن تكون الحصن الحصين– عن دورها في حماية
منتسبيها، يجد المعماري الممارس نفسه وحيداً. هو اليوم مدفوع بنقص الخبرة في بداية
مسيرته، أو بحكم الواقع الذي يفتقر لوضوح الرؤية، في موقف يضطره رغماً عنه إلى رسم
ملامح "شروطه الخاصة" لتقنين هذه العلاقة وضبط إيقاعها.
لقد أصبح
لزاماً عليّ، بعد عقود من الممارسة التي صقلتها التجارب المرة قبل الحلوة، أن
أبادر برسم هذه الملامح. ليس ترفاً، ولا تكبراً، بل هي ضرورة فرضتها الممارسة
لحماية خصوصية المهنة وصون كرامة المهندس. لقد وجدت نفسي ينطبق عليّ المثل العربي:
"مكرهٌ أخاك لا بطل"؛ فلا أحد من المهنيين يجد متعة في العمل الجماعي
لأجل حصانة المهنة، ولا النقابة أو الهيئة تُبدي أدنى استعداد لخوض معترك الدفاع
عن المهنة وأصحابها.
لذا، كان
الواجب يحدوني أن أبصر كل خريج جديد، وكل ممارس يعايش معاناة هذه العلاقة
المأزومة، من خلال طرح تجارب واقعية لا يحبذ أي معماري أن يتعرض لها. وهي تجارب
بدأت مع بشائر ممارستي للمهنة وتجاوزتُ تكرارها بعد أن وضعت القواعد. ورغم قسوة
هذه التجارب، إلا أنها لا تمثل إلا استثناءً أمام علاقات مهنية أخرى كانت قمة في
الأخلاق والتقدير، مما يؤكد أن وضع الضوابط هو صمام أمان لا ينتقص من قدر الزبون
السوي، بل يحمي المهنة من العابثين.
التجارب المهنية
التجربة
(1): إشكالية تقدير الأتعاب والجيرة
تعاملت
مع جار قديم، صديق مرحلة الطفولة لأخي. وأخوه ناشط في مجال البيئة تربطني به صحبة،
حضر إلى مكتبي لتصميم خريطة معمارية لبيته، فبعد الحديث عن متطلباته حدد المساحة
التي يريدها في قطعته الكبيرة، وبناءً عليه قمت - تكريماً للجيرة- بخصم نصف أتعاب
التصميم المتفق عليها. خلال مراحل العمل، بدأ هذا الزبون يتوسع في متطلباته
ويتجاوز المساحة المسقوفة المتفق عليها. وبعد اكتمال التصميم وحساب المساحة، تطلب
الأمر زيادة بسيطة في الأتعاب لا تقارن بحجم الخصم مطلقاً، وهو ما أزعجه كثيراً
واعتبر المبلغ الأصلي ملزماً لي، متناسياً الخصم الكبير الذي منحته إياه. لقد كانت
درساً قاسياً في أن "العاطفة" في العمل المهني غالباً ما تُقابل بـ
"الجحود"، حيث دفع الأتعاب لكنه قطع الصلة، ولا يزال ينظر إليّ بحدة كلما
التقينا في الشارع.
التجربة
(2): اختراق الحدود المهنية
تعاملت
مع زبون، زميل عمل لقريب في جهة أمنية، اشترط مساحة معينة ثم تمادى في الزيادة.
عندما أعلمته بالنتيجة النهائية، بدأ في ممارسة طبيعته الأمنية معي وكأنه محقق
يستجوب سجينه؛ فأوقفته عند حده. وعندما طالبني بالإشراف على التنفيذ، لاحظت خلال
الزيارات أن المقاول بدأ يقترح عليه زيادة مظلات خرسانية يتحمس هو لتنفيذها دون
الرجوع إليّ، ودون أي اعتبار لمحدودية الميزانية التي وضعها هو بنفسه للمشروع. لقد
كان الزبون يلتزم بمحدودية الميزانية حين يتعلق الأمر بأتعاب التصميم، ولكنه لا
يتورع عن قبول مقترحات المقاول بزيادة مساحة المسقوف الخرساني (مظلات) لزيادة
أرباحه، متجاوزاً بذلك كل حدود التعامل. تركته وشأنه فريسة للمقاول.
التجربة
(3): استغلال المرونة المهنية
كان من
عادتي إخبار زبائني بأن التصميم لا ينتهي حتى ينال رضاهم. استغل أحد الزبائن هذه
الميزة، بعد استلامه للخرئط المعمارية النهائية، فكان يغيب لأشهر بحجة إشرافه على
عمله في دولة إفريقية، ثم يعود ليطالب بتعديلات جوهرية في توزيع الفراغات. كنت
أعدل الخرائط وأسلمها له دون مقابل، تكرر الأمر مرة أخرى. وبعد أشهر طويلة، جاء
ليطالب باسترداد أتعاب الخريطة بحجة "عدم التنفيذ"، فنهرته وأغلظت عليه
في القول. تبين لي لاحقاً أنه كان يستخدم الخرائط المعتمدة لتنفيذ مشاريع متعددة
على قطع أراضٍ مختلفة، محاولاً تنفيذ مبانٍ كثيرة بسعر خريطة واحدة، متجاوزاً بذلك
كل حدود التعامل الأخلاقي. لقد علمتني هذه التجربة أن المرونة المفرطة تُفسر من
قبل البعض على أنها سذاجة، وليست كرماً مهنياً.
التجربة
(4): التعتيم على المعطيات
أخبرني
أحد الزبائن عند زيارة قطعة أرضه بأنها منخفضة عن الشارع، مما يسبب تجمع مياه
الأمطار. نصحته برفع منسوب التصميم والاستفادة من الفارق لإنشاء دور تحت الأرض،
لكنه رفض غضافة هذا الدور. عند التنفيذ، وجد أن تكلفة الردم كافية لاستكمال الدور
الأرضي، فطالبني بتصميم القبو فجأة! ثم تفاجأت بوجود مخرج على شارع خلفي منخفض لم
يخبرني به، كان سيجعل تصميم الدور تحت الأرض مشروعاً متكاملاً يضيف لبيته مزايا
كثيرة. وبعد انتهاء تسقيف الدور الأول طالب بإضافة ليس ملحقاً صغيراً- كان مقترحاً
رفضه أثناء مرحلة التصميم- بل نصف دور كامل. هذا نمط من التحايل عبر التعتيم على
المعلومات لتجنب دفع أتعاب التصميم الحقيقية، ثم فرض تعديلات جوهرية أثناء
التنفيذ. إن غياب الشفافية من الزبون ليس مجرد نقص في المعلومة، بل هو تدمير
لكفاءة التصميم.
التجربة
(5): اختلاط التجارة بالمهنة
تعاملت
مع قريب يمتهن التجارة، صممت له ولعائلته مشاريع سابقة دون مقابل. وعندما عاد
ليطلب مني تصميم استراحة، حددت له أتعاباً عادلة، فبدأ يفاصلني فيها حتى وصلنا
لمبلغ ما. استلمت نصفه، وظل النصف الآخر معلقاً. خلال الإشراف، كان دائم التذمر من
قلة المال، حتى اضطررت لقبول باقي أتعابي بضاعة من متجره. حاسبني كتاجر استوفى
حقه، وهضم حقي المادي والمهني كمعماري ومصمم ومشرف. الدرس هنا واضح: لا تخلط
"الدم" بالمال، ولا "القرابة" بالممارسة المهنية؛ فالمتاجرون
لا يرون في التصميم إلا سلعة قابلة للمقايضة، وفي تسويق بضائعهم مكاسب للربح لا
للمجاملة.
التجربة
(6): ضرورة المركزية والعقد المكتوب
أنصح كل
معماري أن يضع هذه النصيحة "حلقة في أذنه": لا تذهب إلى مكتب الزبون
مهما تعذر بالظروف، ولا تثق في الوسيط بينكما. يجب أن تكون كافة اللقاءات داخل
المكتب المعماري حصراً. التعامل خارج هذا الإطار يفتح الباب للمخاطر وضياع الحقوق
المهنية مهما كانت المغريات أو كبر حجم المشروع.
في بيئة
تفتقر لسيادة القانون، يصبح "الميثاق المكتوب" هو سلطتك القضائية
الخاصة. لا تبدأ عملاً دون عقد يحدد بوضوح النطاق والميزانية والتعويض عن
التعديلات. إن هذا الميثاق ليس مجرد ورقة؛ إنه سدٌ منيع يواجه ثقافة
"الغابة" التي ترفض الضوابط. فالمكتب هو الحصن الذي تُصان فيه هيبة
المهنة، والعقد هو أداتك لفرض "قواعد اللعبة" وإلزام الزبون بالالتزام
قبل أن يبدأ العمل.
خلاصة التجارب: القواعد الذهبية
للممارسة
بعد هذه
المسيرة المليئة بالمنعطفات، أضع بين أيديكم هذه القواعد لتكون دليلاً وقائياً لكل
معماري يطمح لصون كرامة مهنته في بيئة لا ترحم:
1. استقلال المهنة عن العواطف: الخصم
المادي أو صلة القرابة لا يمنح الزبون حقاً في التجاوز؛ فالاحترام المهني
والالتزام بالعقد قيمتان غير قابلتين للتفاوض، والخلط بين "الدم"
و"المال" هو أول مسمار في نعش استحقاقك المهني.
2. المرونة ليست حقاً مشاعاً: المرونة
المهنية تُمنح للزبون الملتزم تقديراً لا استحقاقاً. التعديلات الجوهرية المتكررة
هي عمل إضافي صريح، والمطالبة بأجر مقابل الجهد الإضافي هي حق أصيل وليست ترفاً.
3. المعلومة هي أساس الجودة: الشفافية
في معطيات الموقع هي حجر الزاوية لأي تصميم ناجح. إخفاء المعلومات أو التعتيم
عليها من قبل الزبون هو تدمير متعمد لكفاءة التصميم وتحايل للهروب من التزاماته.
4. المكتب حصنٌ والقانون ميثاق: لا تعمل
خارج "المركز". المكتب المعماري هو بيئة عملك الوحيدة، والعقد المكتوب
هو "سلطتك القضائية" في غياب القوانين. لا تبدأ عملاً دون عقد يحدد
النطاق والتعويضات، فالمخاطرة خارج إطار العقد هي خسارة مُسبقة للحقوق.
خاتمة: مواجهة إرث الفوضى
إن وضعي
لهذه الشروط ليس تعجيزياً لزبون يحترم نفسه ومن يتعامل معهم، بل هو سياج وقاية لكل
معماري في بيئة تفتقر إلى التنظيم. لقد واجهت من يجادلني في شروطي المهنية
بمقارنتها بـ "شروط لم يضعها حتى القائد"، في دلالة واضحة على عقليات لا
تزال أسيرة ثقافة ما بعد 69؛ ثقافة "الغابة" التي ترفض الضوابط وتعتبر
النظام تعسفاً، والالتزام بالحقوق تطاولاً.
لذا،
فالعقود التي أكتبها ليست مجرد أوراق، بل هي حائط صد ضد إرث الفوضى والنهب الذي
حاول البعض تطبيعه في ممارساتنا. المعماري اليوم في ليبيا ليس مجرد مصمم، بل هو
حارسٌ لكرامة المهنة، يخوض معركته ضد ثقافة الاستباحة. اجعلوا من مكاتبكم قلاعاً،
ومن عقودكم ميثاقاً لا يقبل التأويل، ومن أخلاقكم درعاً يحميكم؛ فالمعماري الذي لا
يحترم مهنته في ظل هذه الفوضى، لن يجد من يحترم إبداعه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق