جمال الهمالي اللافي
تردني
باستمرار رسائل مشابهة لهذه الرسالة (التي وصلتنني مؤخراً من إحدى المتابعات)، حيث
يسأل الكثيرون عن التكلفة التقديرية لبناء مسكن، ويربطون هذه التكلفة مباشرة بنمط
"المعمار المحلي" أو "الليبي".
اللبس
الحاصل هنا هو أن البعض يظن أن عدم قدرتنا كمهندسين معماريين على تحديد ميزانية
دقيقة يعود إلى "فشل" أو صعوبة أو غلاء تنفيذ النمط المعماري المحلي!
ويبدأ التردد والمخاطرة بالابتعاد عنه ظناً منهم أنه نمط مكلف وغير مضمون.
ولكن
الحقيقة مختلفة تماماً.. دعوني أفكك لكم هذا اللبس بوضوح:
أولاً:
المشكلة في "السوق" وليست في "الطراز المعماري"
لا علاقة
لنوع التصميم—سواء كان ليبياً أصيلاً أو هجيناً خليجياً أو غربياً—بعدم القدرة على
تحديد ميزانية ثابتة. المشكلة تكمن بالكامل في واقع البناء المتردي
والفوضى العارمة التي يشهدها قطاع المقاولات في بلادنا.
منذ
سنوات، ومع سيطرة بعض العمالة الوافدة على سوق البناء والمقاولات، أصبحنا نشهد
زيادات مستمرة وغير مبررة في تكاليف التنفيذ. هذه السيطرة التي أحكمت قبضتها أكثر،
جعلت من وضع ميزانية تقديرية اليوم ضرباً من المستحيل. الأسعار تتغير بين ليلة
وضحاها، ودائماً نحو الارتفاع، بصورة لا يمكن القياس عليها أو الاعتماد عليها
كمرجع ثابت لأي مشروع، ومهما كان طرازه.
لذلك، أنا
شخصياً أتجنب التورط في وضع ميزانيات تقديرية مفصلة لأي مسكن، لأن السوق ببساطة
غير مستقر.
ثانياً:
المعمار المحلي هو "الحل الاقتصادي" وليس "العائق المالي"
المغالطة
الأكبر هي تصوير الهوية المعمارية المحلية كنوع من "الكماليات المكلفة".
الحقيقة هي العكس تماماً:
· البساطة والوظيفة أولاً: تصاميمي التي تتبنى الهوية
المحلية تراعي استغلال المساحات بذكاء، وتتجنب المساحات الميتة والكمرات الخرسانية
الطويلة التي تلتهم الإسمنت والحديد بلا فائدة.
· الأقل كلفة والأجود تنفيذاً: من واقع خبرتي الطويلة في
الإشراف على المشاريع، أؤكد أن هذه التصاميم هي غالباً الأوفر مالياً والأسهل في
التنفيذ عند متابعتها بالطريقة الصحيحة، لأنها تصاميم تنبع من بيئتنا وموادنا
وظروفنا، وليست نسخاً مشوهاً من الخارج تحتاج لمعالجات مكلفة.
ثالثاً:
المغالطة الكبرى.. لِمَ يُسأل المعماري عن أسعار المقاول والدولة؟!
هناك خلط
شائع في ثقافة البناء لدينا، وكثيراً ما يُستخدم "لقصم ظهر المعماري"
وتحميله ما لا يحتمل: السؤال عن تكلفة البناء لا يفترض أصلاً أن يُوجّه إلى المعماري، بل إلى
المقاول أو شركات المقاولات!
·
من
يتحكم بالسوق؟ المقاولون والشركات (على
محدوديتها) هم من يفرضون الأسعار ويتعاملون مع تقلبات المواد اليومية.
· من المسؤول عن الفوضى؟ الشكوى من جنون الأسعار وعدم استقرارها يجب أن توجّه إلى الدولة التي
تركت الأمور سبهلالاً بلا رقيب ولا حسيب، وليس للمهندس الذي يجلس على طاولة الرسم.
·
ما
هو دور المعماري الحقيقي إذاً؟ دور المعماري في
ليبيا تحت هذه الظروف الاستثنائية يتلخص في:
1. تصميم الخرائط التنفيذية : وضع حلول معمارية تضمن عدم الإسراف في التفاصيل
الإنشائية والمعمارية التي تضاعف تكلفة البناء بلا داعٍ.
2. الإشراف والمتابعة الصارمة: النزول للموقع لفرض تنفيذ
المبنى وتشطيباته كما جاءت في الخرائط تماماً، وكبح جماح العمالة الفنية
ولجم مقترحاتها التي لا تنتهي، والتي تهدف غالباً لزيادة مكاسبهم على
حساب جيب المالك.
معلومة
تقريبية (لحظة كتابة هذا المنشور(:
إذا أردنا
التحدث بلغة الأرقام (مع التحفظ الشديد على تقلبها المستمر)، فإن التقديرات
الحالية لتكلفة تنفيذ مبنى تشير إلى أنها تتراوح تقريباً بين 500 إلى 1300 دينار ليبي للمتر المربع الواحد (من المساحة
الإجمالية للمسقوف)، شاملة التشطيب. وهي أرقام يحددها واقع السوق اليوم، ولا
يضمنها الغد.
أين
تكمن التكلفة الحقيقية؟ (انتبهوا لهذه النقطة!(
الهيكل
الخرساني ليس هو ما يستنزف الميزانية، بل مرحلة التشطيبات التي
تفقدون فيها السيطرة وتتركون "الحبل على الغارب" للعمالة الفنية!
هنا تبدأ
التدخلات والمقترحات من مرحلة اللياسة (الملعقة) وحتى طلاء المبنى (الزواق).
وخصوصاً مرحلة الجبس؛ فهي في كثير من الأحيان لا تعدو كونها "كتل
ديناصورية" تلتهم الميزانية وتخنق الفراغات بدلاً من تجميلها. يضاف إلى ذلك
مرحلة الرخام ومقترحات تلبيس الحوائط غير المبررة. أضف إلى ذلك بند شراء مواد
التشطيب ومغريات السوق وتفاوت الأسعار بين مواد مجهولة المصدر ومواد تدعي الجودة.
وهنا
تحديداً تظهر قيمة المعماري الحريص، الذي يحميك من هذه المتاهة عبر مخططاته
وإشرافه.
الخلاصة:
الهوية
المعمارية المحلية ليست عائقاً أمام ميزانيتك المحدودة، بل هي أداتك الأقوى للتحكم
فيها. الفوضى وغياب الرقابة على سوق البناء هما العائق الحقيقي الذي يواجه أي مقبل
على البناء بغض النظر عن شكل منزله.
المعماري
يصمم لك الحل ويحميك في الموقع، والمقاول يسعّر وينفذ، والدولة غائبة. فاعرف دور
كل طرف، ولا تجعل من فوضى المقاولين سبباً للتخلي عن هويتك المعمارية.
وأختمها بالقول: إذا أردت
أن تسأل عن تكلفة البناء، اسأل المقاول ولا تسأل المعماري!
أما إذا
أردت أن تقارن تكلفة بناء الطراز المحلي مع غيره، فأعلم أنه الأقل كلفة والأكثر
كفاءة والأبرع حلولاً والأجود تنفيذاً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق