أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، يونيو 16، 2026

تبادل الخبرات: درس معماري من الماضي للمستقبل

 

جمال الهمالي اللافي

قصتي مع زميلي في الجامعة، وتصوره الخاطئ عن غياب "أسطوات" العمارة المحلية، هي خير مثال على الأثر المدمر لتجاهل الخبرات السابقة والمعاصرة. ففي بداية الثمانينات، وبقسم العمارة والتخطيط العمراني في مادة التصميم المعماري (1)، أقنعني زميلي بأن الأقواس المعمارية المحلية لم يعد في ليبيا من يتقن تنفيذها لأن "الأسطوات ماتوا جميعاً منذ زمن طويل".

هذه المعلومة المغلوطة حرمتني لسنوات من فرصة التعرف على قامات مثل الأسطى محمد العماري والأسطى صالح الحمال، ممن كانوا حينها في أوج عطائهم وقدرتهم على ممارسة المهنة كمقاولين. لقد فاتتني فرصة لا تعوض للنهل من خبرتهم وتجربتهم الغنية، فقط لأن زميلاً "أماتهم في ذهني وهم أحياء".

تأثير تسفيه الخبرات على الهوية المعمارية

إن ظاهرة تسفيه جهود أهل الاختصاص وإنكار وجودهم ليست حكراً على مجال العمارة، بل هي ثقافة متغلغلة تعوق التراكم المعرفي والخبرات العملية في ليبيا.

عندما نُقلل من شأن المعماريين والحرفيين المهرة الذين صاغوا هويتنا المعمارية، فإننا لا نخسر جزءاً من تراثنا فحسب، بل نعجز عن تأسيس عمارة حديثة تقوم على أسس متينة من الخبرة المحلية الأصيلة.

دور الإعلام في طمس المعرفة

يتفاقم هذا الأثر السلبي عندما يتبنى الإعلام سياسة "إبراز الغث وطمس الثمين". فبدلاً من تسليط الضوء على المعماريين المخضرمين، وأساتذة التخطيط، والأسطوات المهرة، يركز الإعلام على قضايا هامشية أو شخصيات لا تضيف قيمة حقيقية للمشهد الثقافي في عمومه، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة:

·         خلق قدوات زائفة:  حيث يبرز السطحيون كنجوم، بينما يُغيب الخبراء الحقيقيون في الظل.

·         تسطيح الوعي العام : فيفقد المجتمع القدرة على تقدير القيمة الحقيقية للعمل المعماري المتقن والجهد الفكري وراءه.

·         اندثار التراث المعماري : فبغياب التوثيق والنشر، تضيع إنجازات الأجيال تدريجياً في طي النسيان.

نداء لبناء الجسور بين الأجيال

إن تفويتي لفرصة التعرف المبكر على الأستاذ الفاضل محمد رجب فرنكة، وغيره من أساطين البناء والمؤرخين، يجب أن يكون جرس إنذار لنا جميعاً.

·     إلى الأكاديميين والممارسين:  ما الذي يضيركم لو عرّفتم طلابكم وموظفيكم بالخبرات المهنية الفاعلة على الساحة المعمارية الليبية؟ إن الإشارة إلى جهود الزملاء السابقين والمعاصرين ليست مجرد التزام مهني، بل هي واجب أخلاقي يثري المشهد ويخلق بيئة من الاحترام والتقدير المتبادل.

إن الهدف الأسمى هو مدّ جسور التواصل لتبادل الخبرات، وهو ما يحقق مكاسب متكاملة لجميع الأطراف:

1.   للأجيال الجديدة:  يتعلمون قيمة الوفاء لمن بنى أساس المهنة، ويكتسبون المعرفة العملية الحية التي لا توفرها الكتب، مما يسرع نضجهم المهني ويجنبهم تكرار الأخطاء.

2.      لأهل الخبرة : يشعرون بالتقدير والاعتراف بعطائهم، ويجدون الفرصة لنقل علمهم وصون حرفتهم من الزوال لضمان استمراريتها.

3.      للمجتمع والوطن ككل : يتم الحفاظ على التراث المعرفي من الاندثار، وينمو قطاع العمارة نمواً سليماً يرتكز على التراكم والخبرة.

بهذا نؤدي الأمانة، ونساهم في تداول المعرفة، ليس في العمارة وحدها بل في كل التخصصات. إنها دعوتي الصادقة لبناء جسور تواصل متينة تضمن لليبيا استمراريتها الحضارية وتطورها المعماري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...