أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، يونيو 18، 2026

زيف الشكل وزيف القول: تعرية النفاق في التعليم المعماري


جمال الهمالي اللافي

حين يُلزم حامل الدكتوراه طلابه بنماذج شكلانية مغتربة لا تمتّ لواقعهم بصلة، فإنه يعيد إنتاج أزمة اغترابه الشخصي؛ إذ يمارس اليوم كأكاديمي ذات الاستعراض البصري الممجوج الذي نشأ عليه منذ مشاريعه الدراسية الأولى. والمفارقة الصارخة تكمن في انفصام خطابه؛ فبينما تنبري مقالاته لنقد التشويه العمراني في مدننا، تفضح تصاميمه وممارساته انغماسه في هذا التشويه ذاته! وحين يسعفه الذكاء الاصطناعي اليوم بصياغة تنظيرٍ منمق لا يؤمن بمضمونه، يكتمل مشهد الزيف المزدوج: زيفٌ في الفراغ وزيفٌ في الكلمة، لينطبق عليه قول المولى عز وجل: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} سورة آل عمران، الآية 167.

يزيد الأمر خطورة حين يكتفي بالتهجم على زملائه المعماريين، نافياً عنهم أي محاولة اجتهادية حقيقية، دون أن يستثني -من باب الإنصاف والموضوعية- تلك الاجتهادات الصادقة لبعض زملائه الذين احترموا بيئتهم، وأنتجوا عمارة تحترم المكان وتتصالح معه، ولا تتعالى عليه بصروح مشوهة تبتغي الاستعراض الفج على حساب صياغة بيئة جمالية منسجمة مع محيطها العمراني. إن هذا السلوك الإقصائي المتجاهل لشواهد معمارية قائمة بذاتها على الأرض لم يعد حالة فردية عابرة، بل غدا ظاهرة أكاديمية مكررة، يحاول فيها بعض حاملي الألقاب احتكار الحقيقة عبر تسفيه وإنكار أي منجز معماري حقيقي يُبنى خارج أسوار مكاتبهم العاجية. هنا يصبح الخطاب المعماري أداة إقصاء، لا أداة بناء، ويغدو مجرد محاولة لإثبات وجود في مكان لفظه منذ البداية لغثاثة منطق صاحبه وتشوه منهجه. إن هذا الصنيع ليس مجرد انحراف في الطرح المعماري، بل هو تشويه منهجي لعقلية الطلاب؛ إذ يستغل هؤلاء موقعهم الأكاديمي الذي منحتهم إياه تلك الدرجات العلمية ليمارسوا عقدة الفصام بين بريق اللقب الأكاديمي والعجز المهني عن مجاراة أقرانهم على أرض الواقع، أو يمارسون دوراً تعجيزياً يوهم طلابهم بأن ترسيخ الهوية لا يتعدى حدود التنظير، بينما يفرض الواقع عليهم الاغتراب كشرط لا بد منه لخوض معترك الممارسة المهنية بنجاح ودون عقبات.

إن المعماري الذي لا يكلّف نفسه عناء ملاءمة مشروعه مع بيئته، ولا يقرأ ذاكرة المكان، ولا يلتفت إلى هوية الناس، إنما يعلن عملياً أنه خارج السياق، وأنه يفتقر إلى أخلاق المهنة وروحها. وما يقدمه ليس سوى مزيد من التشويه الذي يضاعف قبح المدن ويعمّق اغترابها عن أهلها.

ذلك هو الخواء المهني الذي لا يملك من العمارة سوى قشورها الشكلية، ولا من النقد سوى خطابه الفارغ، ولا من المسؤولية العلمية سوى ادعائها الزائف. إنها سقطة فكرية وأخلاقية كبرى، لا تليق بمن اؤتمن على رسالة التنوير والمعرفة... فخان عهدها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...