أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، يونيو 25، 2026

التربية في قلب الدوامة: نحو فهم شمولي لمنظومة التأثير

 

محاولة قيد الدراسة والتطوير لنموذج المسكن العائلي

جمال الهمالي اللافي

التربية ليست جهداً فردياً منعزلاً، ولا تقتصر على حدود العلاقة داخل الأسرة النواتية (سواء بجهد منفرد من المرأة أو بشراكة مع الزوج). إنها منظومة متكاملة وشديدة التعقيد من العوامل المتشابكة المؤثرة، والتي تتطلب حواضن أوسع وأكثر تماسكاً للسيطرة عليها.

إذا وضعنا "التربية" في المركز، وسلطنا عليها الضوء، سنجد أنفسنا أمام شبكة واسعة من القوى الجاذبة والدافعة، والتي يجب إعادة هيكلتها وفق التالي:

·     النظام العائلي (المحيط الأول وحجر الأساس : (الخطوة الأولى للتصحيح هي تجاوز "الأسرة النواتية" الهشة والعودة إلى "النظام العائلي" الممتد. في ظل الأسرة النواتية المعاصرة، غالباً ما يتزوج شابان في مقتبل العمر بقليل من الخبرة بأصول التربية، وبلا دراية كافية بتقلبات الحياة الشديدة. ومع انشغال الزوج وسعيه المستمر لتأمين لقمة العيش الذي يضطره للبقاء خارج المنزل، تصبح الرقابة الواعية غائبة أو منقوصة. هنا يبرز الدور الحيوي والجوهري للجدين والوالدين الكبار؛ فهم الصمام والبوصلة لتبصير الأبناء وتوجيههم، وفي ذات الوقت، لمراقبة الأحفاد ورعايتهم وسد الفجوة المعرفية والسلوكية التي يتركها غياب الآباء المنشغلين بالعمل.

·     البيئة العمرانية (المحيط المكاني وتأطير السلوك) : إن هذا النظام العائلي الممتد ليس فكرة غابرة أو أثراً من الماضي، بل هو واقع حي نابض ما زال معاصراً وموجوداً في مجتمعاتنا حتى اليوم. غير أن المانع الحقيقي لتفعيل دوره التربوي والاجتماعي يكمن في غياب التصميم المعماري الملائم الذي يستوعب هذه البنية العائلية المتميزة. إن البناء المعاصر الذي يعتمد على مجرد رص الشقق السكنية فوق بعضها البعض بشكل عمودي مكرر، يقتل روح العائلة الممتدة؛ إذ يفرض إما عزلة فردية تامة أو تداخلاً خانقاً يلغي الخصوصية.

ولنا في التاريخ المعماري العالمي شاهد صارخ على خطورة هذه "الهندسة الاجتماعية" القسرية؛ فمشروع "برويت-آيغو" (Pruitt-Igoe) السكني الشهير في مدينة سانت لويس الأمريكية، والذي صُمم في منتصف الخمسينيات على نسق الأبراج العمودية الخرسانية الضيقة كأحدث صيحة لحل أزمة السكن، سرعان ما تحول إلى بؤرة للجريمة، والتفكك الأسري، والانحراف القيمي السريع، مما اضطر السلطات الأمريكية في النهاية إلى اتخاذ قرار تاريخي بتفجيره وهدمه بالكامل في سبعينيات القرن الماضي بعد أن ثبت فشله الأخلاقي والاجتماعي. والمفارقة التاريخية المريرة هي أن هذا النموذج العمراني الفاشل والمطرود عالمياً، تحول فجأة في ليبيا والعديد من الدول العربية - عبر المشاريع الإسكانية الحكومية الاحتكارية - إلى النمط المعماري الوحيد المعتمد والمهيمن! وهذا يؤكد بشكل قاطع خطورة توظيف العمارة وتخطيط المدن كأداة ممنهجة لتفتيت الكتل الاجتماعية والتمهيد للإفساد، بدلاً من إعمار المجتمعات وإصلاحها. لذا، تتطلب مسيرة التصحيح نمطاً سكنياً ذكياً ومدروساً لـ "البيت الكبير"؛ تصميماً هندسياً يحفظ للعائلة الممتدة لُحمتها وتواصلها، ويوفر في الوقت ذاته الاستقلالية والخصوصية التامة لكل أسرة صغيرة داخلها، مع تهيئة الفراغات والمساحات المشتركة التي تُمارس فيها الأنشطة التربوية والاجتماعية بأمان وراحة.

·     التعليم الحديث ومناهجه (المحيط المعرفي) : المدرسة يجب ألا تُترك كمنطقة فراغ قيمي. يتطلب الأمر السيطرة التامة على المناهج الدراسية لمعرفة ما يُبث في عقول النشء، والتدقيق الصارم فيمن يقوم بتدريسها. والأهم من ذلك، التحكم في بيئة "الأقران". ولنا في الواقع شواهد حية على خطورة التراخي في هذا الجانب؛ ففي إحدى المشاهدات من الساحة المدرسية في بداية المرحلة الثانوية، تحلق تجمع طلابي حول طالب واحد أخذ يسرد مغامراته وعلاقاته النسائية مع دور البغاء في الخارج. كان هذا الطالب، بحديثه العلني، يقوم بمهمة خطيرة تتمثل في 'كسر الحياء' بين الطلاب، وتطبيع الحديث عن أمور غير مسموح اجتماعياً وأخلاقياً تداولها. من هنا ندرك أنه لا مجال للتراخي، بل يجب معاقبة الشذوذ الأخلاقي والانحراف السلوكي بقسوة قاطعة ومبكرة، لضمان عدم تلوث البيئة المدرسية.

·     الإعلام (المحيط الثقافي المهيمن : (وهو القوة الأكثر اختراقاً للأسوار، خاصة بعد أن تسلل جهاز التلفاز إلى بيوت الأسر الليبية كافة، ليفتح الباب على مصراعيه لثقافة وافدة وموجهة نحو الإفساد القيمي. لقد شكلت هذه الآلة الإعلامية والأدبية المصدرة - ولا سيما المصرية منها - معاول هدم ممنهجة للقيم على مستوى مناهج التعليم والإعلام العربي. فمن الروايات المليئة بالمشاهد المنحرفة لكبار الكتاب كنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس (والتي قرأناها قديماً وعايشنا أثرها التخريبي)، إلى الأفلام والمسلسلات التي تطبع مشاهد 'الحب والغرام' والقبلات والعري بين الأبطال وبنات الجيران أو الزميلات في الكليات، تشكَّل وعي مشوه يزين الرذيلة ويطبع السلوكيات المدمرة؛ كصورة البطل الذي يلجأ لشرب الخمر ليعبر عن فرحه أو حزنه الشديدين. ولم يقتصر التخريب عند حدود العلاقات التقليدية المحرمة، بل تعداه ليكون هذا الإعلام والإنتاج السينمائي هو المبادر الأول عربياً في الترويج للمثلية والشذوذ الجنسي وعرضه على الشاشات، كاسراً بذلك أعتى حصون الحياء والفطرة البشرية السوية.

ولم يقتصر الهدم على الأخلاق الفردية، بل استهدف أركان المجتمع الأساسية: هيبة التعليم وتماسك الأسرة. فحين انتشرت مسرحية 'مدرسة المشاغبين' (مسموعة ومصورة في فترة مبكرة) ومعها فيلم 'خلف أسوار الجامعة'، تحولت هيبة المعلم والتعليم إلى 'مسخرة' وتجرأ الطالب على معلمه وأستاذه، وهو تنبؤ أسود تحقق واقعاً اليوم. ولم يتوقف الأمر عند جدار المدرسة والجامعة، بل امتد لتقويض الأسرة من الداخل عبر مسرحية 'العيال كبرت' التي لا زالت تُبث للأسف في كل عيد فطر وأضحى، مروجةً لهدم الأسرة وتحطيم التقدير للوالدين وجعلهما مادة للسخرية والتهكم.

لكن المشهد الإعلامي اليوم لم يعد كما كان؛ فبينما كان التلقي قديماً قسرياً ومفروضاً بما تبثه الشاشات العامة، أتاحت التكنولوجيا الرقمية الحديثة للأسرة فضاءً مغايراً تماماً. لقد وفرت التقنية اليوم للعائلة كل أسباب التحكم والسيطرة على مصادر الترفيه والمعرفة. فوسائط الإنترنت تفتح باباً واسعاً من الخيارات والتفضيلات، تتيح فرز واختيار ما يُسمح بمشاهدته من أفلام ومسلسلات ترفيهية نقية، وتمييزه عما يمكن تلقيه من معرفة حقيقية وعلم نافع. إنها أدوات حاسمة؛ حيث بضغطة زر واحدة يُفتح باب واسع للخير والمعرفة، وبضغطة أخرى يُغلق ويُقفل كل مدخل من مداخل الشر والإفساد.

الجذر التاريخي والسياسي للتفكيك: زلزال 1969 وإعادة هندسة الإنسان

لكي نفهم كيف وصلنا إلى هذه "الدوامة"، وكاف ضعفت مقاومة الكيان الليبي أمام معاول الهدم الإعلامي والثقافي المستورد، لا بد من العودة إلى العلّة السياسية الأولى والمنعطف التاريخي الأكبر: انقلاب الأول من سبتمبر عام 1969.

لم يكن هذا الحدث مجرد انقلاب عسكري يستهدف السيطرة على مقاليد الحكم والسطة السياسية فحسب، بل كان مشروعاً تدميرياً شاملاً استهدف بنية المجتمع الليبي في مقتلها وعمل بوعي على إعادة هندسته قيمياً واجتماعياً. لقد ضرب هذا الانقلاب عمداً كافة مؤسسات الحماية والوساطة المجتمعية:

1.      الدولة: تم تفتيت مؤسساتها الدستورية والقانونية والتعليمية التي كانت تسير ببطء وتؤدة نحو ملامح الدولة المدنية السوية.

2.   القبيلة: تم تفكيك سلطتها الأخلاقية والاجتماعية كحاضنة لفض النزاعات وتأطير السلوك، واستبدالها بروابط هشة تذكي الصراع وتحركها رغبات السلطة.

3.   العائلة: جرى تقويض سلطة الأبوين عبر منظومات أدلجة وتعبئة عسكرية وسياسية قسرية (كالمعسكرات العامة ولجان الزحف)، التي شجعت الأبناء على التمرد والتجسس على الآباء، مما ضرب هيبة رأس الهرم العائلي في مقتلها.

4.   الفرد: جُرّد الإنسان الليبي من كيانه الأخلاقي والروحي وقدرته الإنتاجية، حتى أفرغ في كثير من الحالات من إنسانيته ولم يبقَ منه - لولا بقية من فطرة - سوى "جسد يتحرك على وجه الأرض تملأه ضغائن الحسد والتنافس المادي البغيض"، كنتيجة مباشرة للسياسات الاشتراكية الشعبوية المشوهة التي رفعت شعار "الشركاء لا الأجراء" و"البيت لساكنه"، مبيحةً النهب ومحطمةً قيم العمل والأمانة والملكية الخاصة.

إن هذا مشروع التفكيكي لم يكن فعلاً محلياً معزولاً؛ بل تقف خلفه وتدعمه الجارة مصر من خلال قيادة جمال عبد الناصر، الذي قاد ورعى موجة الانقلابات العسكرية في عموم المنطقة العربية. لقد شكلت هذه المنظومة السياسية العربية الناصرية الراعية للانقلابات التدميرية المدخل الأساسي الذي مهد الأرضية للسيطرة اللاحقة. فبعد أن سُلبت العائلة هيبتها، وُجّهت إليها تلك المنتجات الإعلامية الهدامة (من مسرحيات وروايات وأفلام) لتكمل ما بدأته الدبابات والسياسات الشعبوية القمعية؛ وبذلك تكاملت أدوات "الهدم الصعب" العسكري والسياسي مع أدوات "الهدم الناعم" الثقافي والإعلامي لتقويض الكيان المجتمعي الليبي والعربي برمته.

تحليل موازين القوى: أين يكمن التأثير الأقوى؟

عند النظر إلى هذه العوامل، نجد أن تأثير الإعلام الرقمي والانفتاح غير المنضبط قد طغى بشكل غير مسبوق في عصرنا الحالي، متجاوزاً تأثير الأسرة والمدرسة. وقد حدث هذا التغول تحديداً بسبب تفتت "العائلة الممتدة" وتخليها عن "البيت الكبير"، وهي النتيجة الاجتماعية الكارثية المباشرة لسياسات التفكيك البنيوي الممنهج التي دشنتها هندسة سبتمبر 1969، واستيراد نموذج الإسمنت العمودي الضيق المستنسخ من مشروع "برويت-آيغو" الفاشل. هذا واقع ترك الفرد (وخاصة المراهق) أعزلاً في غرفته المغلقة أمام شاشات المؤدلجين وصناع التفاهة.

غير أن هذا الطغيان الإعلامي والتفكيكي لم يعد حتمياً اليوم؛ إذ أن امتلاك العائلة لوسائل التحكم الرقمي وتوجيه الخيارات، إلى جانب الوعي المتزايد بالخراب البنيوي الذي أحدثه الماضي القريب، قد نقل ميزان القوى مجدداً لصالح الجهة القادرة على الفلترة والتحصين الذاتي واستعادة المبادرة.

نقطة الانطلاق: مشروع استعادة السيطرة

أمام هذا التشابك والانهيار القيمي، من أين نبدأ مسيرة إعادة التصحيح؟

إن إحكام السيطرة على التعليم (مناهج ومعلمين وأقراناً) وتقييد وحش الإعلام، هي معارك حتمية، لكنها كلها تحتاج وتعتمد بالأساس على تضامن "العائلة الممتدة" داخل "البيت الكبير" الذي يحتويها، وهو الأمر الذي يتطلب نقض كل إرث سبتمبر 1969 التفكيكي ومصالحته مع الفطرة والتقاليد.

·     البيت الكبير كحصن وغرفة عمليات رقمية: نقطة الانطلاق الحقيقية هي إعادة إحياء النظام العائلي مكانيّاً واجتماعيّاً. عندما تجتمع العائلة في نمط سكني ذكي ومدروس هندسياً يستوعب تمددها مع صيانة خصوصية أسرها، تتشكل جبهة داخلية قوية واعية. في هذا الحصن، لا يُترك قرار الاستهلاك الإعلامي للفرد المعزول، بل تتولى العائلة الممتدة -بخبرة شيوخها وحماس شبابها- استخدام أدوات الفلترة والتحكم الرقمية، وتفعيل تلك "النقرة" الذكية التي تفتح أبواب المعرفة وتوصد منافذ الإفساد.

·     الحزم التربوي: استعادة التربية تتطلب التخلي عن رخاوة التنشئة الحديثة، والعودة إلى الحزم الأخلاقي والرقابة الواعية التي يوفرها تكاتف الأجداد والآباء والأعمام في بيئة متماسكة، تستفيد من التقنية ولا تقع ضحية لها.

خلاصة الأمر

إن التربية الأسرية الصحيحة والآمنة لا تنطلق من الفراغ، بل تبدأ حتماً وبشكل قطعي من عودة لُحمة العائلة الممتدة والالتفاف حولها كواقع حي ومستمر يحتاج فقط للتأطير المكاني المناسب. في هذا الترابط المتين، والبيت الكبير المصمم خصيصاً ليجمع شتات العائلة مع صون خصوصيتها، تكمن القوة الحقيقية لإعادة هيكلة القيم وتصحيح المسار التربوي للأجيال القادمة وحمايتها من دوامات الاختراق الخارجي التي تضافرت عليها معاول التفكيك السياسي والنعومة الدرامية المفسدة طوال العقود الماضية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...