أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، يونيو 17، 2026

تساؤلات ومكاشفات حول السكن والإسكان في ليبيا: من النمطية الجاهزة إلى المسؤولية الأخلاقية

 

جمال الهمالي اللافي

يُعدّ السكن البوتقة التي تحتضن الإنسان منذ ولادته وحتى مماته، مما يستدعي دائماً طرح تساؤلات عميقة حول حقيقة ماهيته؛ وفي مقدمتها: كيف تتوزع فراغاته؟ وما طبيعة علاقته بالمحيط الخارجي وبمن يسكنه؟

ولكن، قبل أن نُسائل المعماري عن دوره الفردي، علينا أولاً مكاشفة الواقع بوقائعه المؤسساتية، والتقنية، والثقافية التي صاغت هذا المشهد المأزوم:

1.      غياب الدولة واختزال السكن في "المصرف والنموذج المتكرر" (امتهان الكرامة الإنسانية)

لقد شهدنا غياباً شبه تام للدور الرعائي والتنموي الحقيقي للدولة في تحمل مسؤولياتها المباشرة تجاه المواطن الليبي لتوفير السكن الملائم. وبدلاً من وضع استراتيجيات إسكانية شاملة تدرس جغرافية البلاد وتنوعها الثقافي، اكتفت الدولة بتأسيس "مصرف الادخار والاستثمار العقاري" كأداة وحيدة لإدارة الأزمة؛ فانحصر دوره العملي في تمويل وبناء عمارات سكنية تعتمد "النموذج المتكرر" للوحدة السكنية.

وحتى حين اتجهت الحلول لبناء مساكن منفردة من دورين، سقطت في ذات الفخ؛ حيث أُعيد تكرار ذات النمط الموحد والمعلب. إن خطورة هذه النماذج المستنسخة لا تكمن فقط في افتقارها لدراسة حقيقية تبحث في احتياجات العائلة الليبية، بل في الفلسفة الدونية الكامنة وراءها؛ إذ يتعاطى هذا النموذج التقييسي مع الإنسان بآلية مادية جافة لا تخرجه عن كونه كائناً بيولوجياً يُجمع في وحدات متكررة أشبه بحظائر المواشي وأقفاص الحيوانات، بلا أدنى اعتبار لكرامته وخصوصيته الفردية.

إن تغليب البعد الاقتصادي الضيق على الأبعاد الاجتماعية والإنسانية هو الذي حوّل هذه البيئات السكنية الرتيبة إلى بؤر للظلم الاجتماعي، والانحرافات السلوكية، ونمو الجريمة؛ إذ كُرّست معادلة جائرة تمنح المترفين حق السكن المرفه، وتفرض على محدودي الدخل الرضوخ لحلول تسلبهم آدميتهم. واليوم، تكتمل هذه المأساة بارتفاع تكلفة هذه الشقق السكنية في عمارات تفتقر لأبسط المواصفات الفنية والجمالية، لتصطف في مجمعات رتيبة تفتقر للبنية التحتية والخدمات الأساسية، وتُقدّم للمواطن المنهك كحل وحيد لا بديل عنه.

2.      هندسة "الراحة المكتبية" وغياب التكوين المعماري

إن تغلغل هذه النمطية يعود في كثير من الأحيان إلى إسناد مهام التصميم الحياتي المعقد لمهندسين قد يفتقرون أصلاً للتكوين الأكاديمي والفكري المتخصص في الهندسة المعمارية. وبدلاً من أن تُصمم الفضاءات لتلبي الاحتياجات النفسية واليومية للمواطن الليبي، تُركت صياغة حياة الناس لحسابات القدرة الضيقة والوقت المحدود؛ بهدف التخلص السريع من عبء التصميم والركون إلى "الراحة المكتبية" التي تفضل تكرار الجاهز والممل على عناء البحث والابتكار الإنساني.

3.      دكتاتورية الخرسانة والطوب الإسمنتي (مفارقة التقوقع والاحتكار الصناعي)

وتكتمل هذه الحلقة المفرغة عند الجانب التقني والإنشائي؛ حيث استسلمت أقسام الهندسة المدنية والمهندسون الإنشائيون لحلول تقليدية مكررة تعتمد بالكامل على الهيكل الإنشائي المرتكز على الخرسانة المسلحة والطوب الإسمنتي كخيار وحيد لا شريك له. هذا التمترس خلف مادة واحدة دون التفكير في بدائل محلية وبيئية ترتبت عليه مساوئ وخيمة؛ صحية ونفسية على القاطنين، ومناخية لعدم ملاءمة هذه المواد للحرارة والرطوبة، واقتصادية أرهقت كاهل المواطن والدولة على حد سواء في ظل غياب العزل الحراري والاعتماد المفرط على الطاقة والتهوية الاصطناعية.

إن هذا الدفاع المستميت عن الخرسانة والطوب الإسمنتي ليس قدراً تقنياً لا فكاك منه، بل هو حالة تقوقع فكري ونفسي تشترك فيها التخصصات الإنشائية والمواطن الليبي على حد سواء. وتتجلى المأساة في مستويين:

·     الأول؛ فصام الممارسة التراثية: ففي مدن تاريخية عريقة كـ "غدامس"، لا يزال البنّاء المحلي يتعامل ببراعة مع قوالب الطين المجفف في أعمال ترميم وصيانة المدينة القديمة، بينما يسقط نفس المواطن والمصمم في فخ الخوف والتردد عند التفكير في بناء مساكنهم المعاصرة بذات المادة الصديقة للبيئة، فيهربون هلعاً نحو رداءة الطوب الإسمنتي الحار صيفاً والبارد رطوبةً في الشتاء.

·     الثاني؛ احتكار البدائل الجاهزة وتدميرها: إن الادعاء بغياب البدائل المصنعة محلياً تدحظه الشواهد؛ فليبيا كانت تمتلك تجارب صناعية رائدة كـ "مصنع الطوب الرملي في سبها" الذي توقف وقُفل قسراً بعد التعدي عليه إثر أحداث فبراير 2011، ليظل "مصنع الطوب الرملي الجيري في منطقة سيدي السايح" يتيماً يصارع في سوق احتكاري مغلق. هذا الاحتكار حوّل البدائل البيئية الممتازة إلى سلع باهظة الثمن تفوق قدرة المواطن الشرائية، مما عمق أزمة الخيارات الإنشائية.

إن استسلام المهندس والمواطن لواقع الاحتكار وغياب كود العزل الحراري الإلزامي هو الذي يكرس دكتاتورية الإسمنت، بينما تزخر دول الجوار والعالم بحلول وتقنيات بيئية محلية يسيرة قادرة على كسر هذا الطوق الإنشائي لو وُجدت الإرادة المهنية والبحثية الحقيقية.

4.      الاستلاب البصري وتقصير الإعلام: تزييف نموذج السكن المثالي ومفارقة "العلب الزجاجية المغلقة"

ولا تكتمل هذه المكاشفة دون الالتفات إلى الدور الخطير الذي لعبه الإعلام والدراما في تزييف وتوجيه الوعي الجمالي والسكني للمواطن الليبي. فمن جهة أولى، ساهم الترويج المكثف للمسلسلات الوافدة (كالتركية والخليجية) في غرس صورة ذهنية مشوهة عن نموذج "السكن المرفه والمثالي"؛ وهو نموذج مادي مغترب تغلغل كـ "ثقافة غالبة" في وعي المجتمع، يقوم على الفلل الزجاجية والقصور الحداثية المفتوحة.

والمأساة هنا تكمن في المفارقة السلوكية الفاضحة لهذا النمط داخل واقعنا؛ إذ لا ينطلق هذا الإقبال الجارف من رغبة حقيقية في الانفتاح على الضوء والشمس والاتصال بالطبيعة، بل هو مجرد جريمة استلاب بصري وركض محموم خلف "الوجاهة الاجتماعية والفخر بالتقليد والافتخار الأجوف". ويتجلى فصام هذه الممارسة في أن أصحاب هذه الفلل الزجاجية يسارعون - فور السكن فيها - إلى إغلاق نوافذها الضخمة بشكل دائم ومطبق، بالستائر الثقيلة والستائر المعدنية، خوفاً وتلافياً لتلصص الجيران والمارة؛ ليتحول المسكن الزجاجي إلى قبو معتم ومغلق لا تدخله شمس ولا هواء. أما الحديقة والمسطحات الخضراء التي صُممت لربطه بالطبيعة، فسرعان ما تذبل وتموت شجيرات الزينة القليلة فيها تحت وطأة الجفاف والحرارة، لتلتهم الكتلة الخرسانية الصامتة والمحمية بالأسوار الشاهقة كامل قطعة الأرض، معلنة انتصار الخرسانة والتقليد ووهم الحداثة الهجينة.

ومن جهة ثانية، سقطت الدراما الليبية المحلية في فصام بصري وتنميط بصري جائر؛ إذ دأبت على تصوير حياة الأثرياء والشخصيات الناجحة داخل فيلات فارهة على النمط الحداثي الهجين، في حين ركنت لتصوير حياة البسطاء والفقراء حصراً داخل أزقة وحواشين "المدينة القديمة" في بيوت يهيمن عليها مظهر البؤس والفقر والقباحة. هذا التنميط المشوه ربط- بغير وعي- بين تراثنا المعماري العريق والأصيل (الذي يحمل في حقيقته أعمق الحلول البيئية والاجتماعية) وبين التخلف والضيق، مما ولد لدى المواطن الليبي نفوراً لا شعورياً من أسلوب عيشه الأصيل وهويته المكانية، ودفعه للركض خلف أنماط مغتربة ومنافقة لا تشبهه ولا تلبي احتياجاته.

5.      تساؤلات المصارحة وتوزيع المسؤوليات (تفكيك ثقافة التهرب)

أمام هذا التوصيف السابق، يغدو لزاماً علينا تفكيك دائرة التهرب الجماعي التي تحكم هذا المشهد. ففي ليبيا اليوم، ركن كل طرف في هذه المنظومة إلى حججٍ جاهزة تبرر تصرفه الفردي وتخليه عن أمانته المهنية والأخلاقية؛ فالمشرّع والمخطط يختبئان وراء غياب الميزانيات والظروف الاستثنائية، والمعماري يستسلم بحجة "الزبون عاوز كده" ورغبته في التخلص من عبء الابتكار، والإنشائي يركن إلى ما تدرب عليه دون عناء البحث عن بدائل، والمواطن يذعن ويحور عشوائياً تحت وطأة غلاء العقارات وسيطرة السماسرة، بينما الإعلام وصنّاع المحتوى يبررون استلابهم بالبحث عما يطلبه المشاهد والربح السريع.

هذا الادعاء المستمر بـ «أنني لستُ مسؤولاً عن شيء، وأنني مجرد منفذ لمصالح ضيقة أو لإملاءات الآخرين» هو الذي يقف حائلاً أمام أي تطور مكاني أو إنساني. لذلك، فإن المسؤولية ليست تائهة أو مشتتة، بل هي موزعة بالعدل والمهنية على كل من يملك سلطة القرار أو المعرفة:

·     فلو طرحنا التساؤل على كل معماري ليبيٍّ، مستحضرين مسيرته المهنية وتراكم خبرته؛ فما هو منطلقه التصميمي الحقيقي؟ وكيف يتجاوز قوالب "الراحة المكتبية" وتبريراتها الواهية ليحقق الملاءمة الحقيقية؟ إن هذا المنطلق لا يجب أن ينبع من "تصورات وهمية ومغتربة" في عقل المعماري لما يفترض أن يكون عليه المسكن المعاصر، بل يجب أن يتجه مباشرة نحو استلهام ذكي وإبداعي من النماذج التاريخية لكل بيئة عمرانية ليبية قائمة تزخر بإرث أصيل. ويتطلب هذا دراسة عميقة لخصائص هذا الإرث: المعمارية، العمرانية, البيئية، الاقتصادية، الفراغية، والاجتماعية، إلى جانب مواد البناء المحلية ومعالجاتها البيئية الفطرية. ومن هنا فقط، ستأتي الحلول السكنية متنوعة بتنوع جغرافيتنا الممتدة، رافضة لغة "النموذج المتكرر" الموحد الذي يُفرض قسراً على الساحل والجبل والجنوب دون احترام للظروف الفريدة التي شكلت هذا التنوع الثقافي والمناخي.

·     ولو وجهنا التساؤل ذاته للمواطن الليبيّ؛ بصفته المستهلك النهائي وصاحب الحق الأصيل؛ كيف يمكنه أن يتحرر من الصورة النمطية التي فرضتها عليه شاشات التلفاز، ويرفض الاستسلام لنماذج سكنية تُفرض عليه ليعيد صياغة وعيه الفراغي والجمالي؟ إننا ندرك تماماً وطأة الظروف الاقتصادية الشرسة، وسيطرة سماسرة العقارات، وشروط التمويل الضيقة التي تفرض على ذوي الدخل المحدود رضوخاً عمرانياً وتجبرهم على حلول عقارية تسلبهم خياراتهم الفردية وآدميتهم. ومع ذلك، فإن الاستسلام لمخالب هذه السوق المتوحشة يغذيه مباشرة تشتت الوعي المجتمعي وصمته; فالوعي الجماعي هو ما يحدد في النهاية توجهات السوق، والمستثمر العقاري لا يتورط في تشييد هذه "العلب الخرسانية" والاتجار بها إلا عندما يضمن وجود مجتمع يتقبلها ويستهلكها مستسلماً. إن مجتمعنا المعاصر يتأرجح بين "مغترب مقلد" يركض خلف المظاهر، و"لاهٍ منهك" يرضى بما يملى عليه؛ وهذا الفصام هو الذي يمنح الاحتكار شرعيته. من هنا، لا يغدو رفع الوعي الفراغي ترفاً جمالياً معلقاً بالملاءة المالية، بل هو سلاح مقاومة مجتمعية واعية وأداة لرفض القبح وكسر طوق السماسرة لانتزاع حق السكن الإنساني والعيش الكريم.

·     بل كيف نلزم بقية التخصصات الحيوية بمسؤولياتهم؟ من مصممي الفراغات الداخلية لتجاوز الجدران الصامتة، إلى موردي ومصنعي مواد البناء لابتكار وتوفير بدائل بيئية محلية تكسر احتكار الطوب والخرسانة وتناسب مناخنا المتنوع.

في وقتٍ يتساءل فيه المجتمع الليبي بمرارة: «أين الإسكان منا؟»؛ لم يعد مقبولاً تبرئة أي طرف تحت أي مبرر مصلحي أو مادي. إن على كل متداخل في هذه المنظومة أن يقف وقفة مصارحة حقيقية مع ذاته ليعيد صياغة التزاماته تجاه هذا الوطن وأهله.

إن رسالة إعمار الأرض وصناعة المسكن تتجاوز حدود الرسم المكتبي وحسابات المكسب المالي المباشر؛ فـ «كلكم راعٍ كلكم مسؤول عن رعيته»، والتصميم وإدارة الفراغ أمانة إنسانية ووطنية وشرعية مشتركة في عنق الجميع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...